معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء الخامس
الفصل التاسع:
خرجا من المكتب، وقد غادراه مختلفين — لا كما دخلا.
كانت الممرّات الطويلة تبدو أوسع، والسلالم أخفّ وقعًا، والأبواب أقلّ صمتًا.
كأن الجامعة برمّتها أقرّت، فجأة، بأن هذين الطالبين لم يعودا مجرّد شابٍّ وشابّةٍ يبحثان عن معنى…
بل صارا صانعي معنى.
كانت ميّ تمضي بصمتٍ هادئ، غير أنّ عينيها كانتا تتبادلان مع نفسها حوارًا لا يسمعه أحد:
“هل تغيّر شيءٌ في داخلي؟
أم أنّ المعرفة حين تقترب…
تجعل الروح أكثر حساسية نحو التفاصيل؟”
أما سالم فكان يضع يده في جيبه، كمن يخفي رجفةً خفيفة لا يعرف أهي من الفرح أم من الإحساس بمسؤوليةٍ آخذة في الاتساع.
وصوت داخلي يسأله:
“هل أنا مستعدٌّ لكل هذا؟
وهل تمنحني اللغة ما يكفي من القدرة لأحمل هذا المشروع معها؟”
قال سالم أخيرًا، بصوتٍ حاول أن يخفي ارتعاشه:
“ميّ…
أسمعتِ ما قال؟
قال: “مشروعُ ماجستيرٍ…
معًا”.”
رفعت ميّ بصرها قليلًا،
وقد انساب على وجهها خجلٌ يشبه الفرح الناضج،
وقالت بنبرةٍ أثقل قليلًا من همسها المعتاد:
“نعم…
وذلك — في علمنا وحياتنا—
أكبر خطوة سنخطوها في مسيرتنا الأكاديمية.”
ثم أمالت رأسها قليلًا وكأنها تعترف لنفسها قبل أن تعترف له:
“وفي حياتنا…
أيضًا.”
تنفّس سالم بعمق، وكأن صدره وجد فجأةً متسعًا لما هو أكبر من مجرد كلمات، وابتسم ابتسامةً يصعب على السرد أن يختصرها.
وقال في داخله:
“هل يمكن للكلمة أن تكون قدرًا؟
وهل يمكن للعلم أن يفتح بابًا للحياة؟”
ثم قال بصوت مسموع:
“ميّ…
نحن قادران على المضيّ في الطريق كاملًا…
في المعرفة، وفي الحياة كذلك.”
وضعت يدها على يده، وكان لمسها أشبه بوعدٍ مكتوبٍ بخفوت، وقالت:
“ما دمنا…
نكتب المعنى معًا.”
وفي تلك الليلة…
جلس سالم أمام دفتَره، وكتب كمن يدوّن أول اعتراف داخليّ صادق:
“اليوم…
اعترف العلم بنا.
وبعد هذا الاعتراف…
لا يعود الطريق كما كان.”
وكتبت ميّ في مفكرتها:
“حين يرى الأستاذ ما نراه نحن…
تصبح المعرفةُ بيتًا،
وتغدو الحياة مشروعًا مشتركًا.”
كانت الجامعة تضجّ بطلبة السنة الأخيرة:
أوراقٌ متراكمة، ومراجعات مستمرة، وابتسامات قلقة كأن الجميع يركض نحو مستقبلٍ لم تتوضّح ملامحه بعد.
أما سالم وميّ، فكانا يسيران بخطى أهدأ، لكن بثقةٍ تشبه خطوات من يعرف وجهته، ويعرف أنّ الطريق، مهما طال، سيُمهَّد بالبحث، ويُضاء بالمعنى.
دخلا غرفةً صغيرة على طرف المكتبة، وجلسا عند الطاولة الخشبية، ووضعا أمامهما الملفات الثلاثة:
• ملفّ بحث التخرّج
• ملفّ الملاحظات
• المسودة الأولية لخطة الماجستير
فتحت ميّ الصفحة الأولى،
وقالت بخبرةٍ تجمع بين فهم الماضي ووعي الحاضر:
“هنا… علينا أن نعيد ترتيب الهدف العام بدقّة:
التكامل الدلالي بين البنية والسياق…
وتطبيقه على نصوص عربية معاصرة.”
ثم قالت وهي تحدّث نفسها بعمق الباحث:
“هل يكفي أن نفهم البنية؟
أم علينا أن نفهم الروح التي تُنشئ البنية؟
أليس السياق امتدادًا لوعي المتكلّم؟
وهل يمكن للقراءة الدلالية أن تبلغ غايتها دون أن تلمس الجذور:
جذور المفردة في العربية الأولى، وفي تراث النحاة، وفي اجتهادات اللسانيات الحديثة؟”
بينما سالم، وقد شعر بقيمة ما ينتظره، قال في نفسه:
“الدلالة ليست علمًا جامدًا…
إنها حركة.
شيء يشبهنا حين نبحث.
هل يمكن أن نعيد للغة قدرتها الأولى على الإيحاء، والتأويل، والبوح؟”
ثم قال بصوت واضح:
“لنبدأ…
فما بين البنية والسياق
يوجد المعنى…
وما بيننا وبين المعنى
لا يحول شيء
إلا العمل.”
هزّ سالم رأسه موافقًا، وقال وهو يشير إلى مخطط العمل:
“وعلى هذا الأساس… نبني ثلاثة فصول رئيسة:
– فصلٌ نظري
– وفصلٌ تطبيقي
– وفصلٌ مقارن”
ثم أضاف، وكأنه يراجع في ذهنه تقاليد البحث منذ أيام سيبويه حتى مناهج اللسانيين المعاصرين:
“وهذا كلّه… يضمن أن تكون رسالتنا قوية، صالحة للنشر العلمي… إذا أحسنّا العمل عليها.”
ابتسمت ميّ ابتسامة فيها شيء من الدلال الهادئ، وقالت:
“تتحدث كأنك، منذ الآن، صرت أستاذًا جامعيًا.”
فأجاب سالم مبتسمًا، وكأنه يستشعر في داخله سؤالًا جديدًا حول معنى العلم:
“معك… أشعر بنفسي أعمق من طالب.”
وفي داخله صوت خافت يهمس:
“هل يمكن للمعرفة أن ترفع الإنسان إلى مرتبة أخرى؟
أم أنّ القلب حين يجد ما يؤازره… يرتقي تلقائيًا؟”
بعد ساعاتٍ من العمل المتواصل، أغلقت ميّ الكتب بيد ثابتة وقالت، وقد طرأ على نبرتها شيء يشبه الوقار:
“سالم…
علينا أن نتحدّث في أمرٍ آخر…
قبل أن نعرض الخطة على الدكتور نزار.”
نظر إليها، وتوقّف قلبه لحظة، كأن كلمةً ما تستعدّ للولادة في الهواء:
“قولي…”
تنفّست ميّ بعمقٍ يُشبه لحظة اتخاذ قرار كبير، وقالت:
“نحن نعمل على مشروع طويل…
قد يمتدّ عامًا أو عامين.
ولا يمكن أن نبدأ هذا الطريق
من غير موقفٍ واضح أمام أهلينا.
فالمعرفة ليست منفصلة عن الحياة…
كما لم تكن اللغة، يومًا، منفصلة عن أهلها.”
وفي داخلها كانت تسأل نفسها:
“هل أنا مستعدة لما يجيء؟
وهل يستطيع العلم أن يكون جسرًا نحو البيت… لا جدارًا؟”
مدّ سالم يده بخفةٍ نحو يدها، وقال بصوت يشي بالاستعداد أكثر من القوة:
“أنا… جاهز يا ميّ.”
قالت، وقد بدا في عينيها ضوء جديد:
“أهلي… صاروا مستعدّين لسماع الخطوة المقبلة.
أبي يرى فيك — الآن — مشروع رجل…
لا مجرد طالب.”
ارتعشت يد سالم قليلًا.
كلمة “رجل”
قالتها بنبرةٍ جعلت للحياة شكلًا جديدًا، وكأن المسؤولية صارت هواءً يمكن لمسه.
قال سالم، وهو يستجمع ما تبقّى من ثبات صوته:
“وأنتم… ماذا تقولون عنّا؟”
ابتسمت ميّ ابتسامة دافئة، وفي داخلها اعتراف لم يكتمل:
“أمّك أصبحت أقرب إليّ…
بعد الزيارة الأخيرة.
لم تعد تراني “ابنة مدينة”…
بل فتاةً يمكن أن تكون جزءً من البيت.”
أطرقت ميّ برأسها قليلًا، وأخفت دمعةً لم تكن من ألمٍ بل من امتلاء.
عاد سالم إلى الريف مساءً.
كان الليل ساكنًا، وأصوات الحقول تمنح الهواء هدوءً تامًا.
جلس إلى جوار أمّه، وقال بصوتٍ فيه مزيج من الحياء والجدّ:
“أمي…
نحن ننوي التقدّم إلى الماجستير…
معًا.
ونرغب… في أن نخطو خطوة رسمية قريبًا.”
لم تُفاجأ الأم.
كأنها عرفت ساعة أن رأتهما معًا، أو كأن الأمومة تمتلك علمًا يسبق القول.
رفعت عينيها إليه وقالت بثقة امرأةٍ جرّبت الحياة:
“يا بنيّ…
لم يعد لديّ خوف.
إذا كانت الفتاة كما رأيتها…
صالحة لك…
فنحن معها.”
أمسك سالم يدها، وكأن اعترافها أعطاه إشارة بدءٍ جديدة، وقال بخفوت:
“هل تقبلين أن نزورهم… قريبًا؟”
ابتسمت الأم ابتسامة كانت أشبه بفتح بابٍ جديد في البيت، وقالت:
“نذهب…
ونجلس…
ونتحدّث.
فهذه خطوة لا بدّ من إتمامها.”
كان قلب سالم يخفق بفرحٍ يشبه الفرج، كأن شيئًا كان معلقًا منذ أشهر، ثم وجد مكانه أخيرًا.
وفي اللحظة ذاتها تقريبًا، كانت ميّ تجلس مع والدها في غرفة الدراسة.
لم تكثر الكلام، فثمة اعترافات كبرى يكفيها جملة واحدة.
قالت بصوتٍ هادئٍ وواثق:
“أبي…
سالم… مستعد للزيارة.”
وبين الكلمتين
كانت تتردّد في قلبها أسئلة كثيرة:
“هل اللغات كلها، مهما تنوّعت، تجتمع أخيرًا في كلمة: بيت؟”
هزّ الأب رأسه بوقار يدلّ على سكينة العالم الذي يعرف قيمة اللحظة:
“إذا كان مستعدًّا… فنحن أيضًا مستعدّون.”
ثم أضاف مبتسمًا، تلك الابتسامة التي تجمع بين الوقار والمودّة:
“وإن كان قادمًا ليطلب خطوة رسمية… فليأتِ كرجل، ولنجلس حينها حديث رجلٍ لرجل.”
تملّكت ميّ لحظة صمتٍ داخلي، امتنان يتّسع في صدرها كأنّه يستعيد اتزانه، وطمأنينة تهبط على روحها، ورهبة جميلة تنبض بين المعنى والتوقّع. كان قلبها يهمس:
“هل اقتربت الكلمة التي تنتقل بالإنسان من عتبة العلم إلى عتبة الحياة؟
وهل الارتباط يولد دفعة واحدة، أم يتشكّل كما تتشكّل اللغة — طبقة فوق طبقة، ودلالة فوق دلالة؟”
عاد سالم إلى دمشق في اليوم التالي، ودخلا معًا إلى المكتبة.
فتحا ملفّ الماجستير من جديد، لكنّ نسيمًا آخر كان يمرّ بين الأوراق.
ملفٌّ كان في الأمس يدور حول الفصول والمنهجيات، صار اليوم يلمع بمعنى أوسع…
كأنّ “العلم” بدأ يجاور “الحياة”، ويتقدّم معها نحو مستوى جديد من الفهم.
قال سالم، وهو يقلب صفحة ببطء، كأنه يتلمّس مصيرًا:
“ميّ… هذه الخطة التي نكتبها… ليست بحثًا فقط.
إنّها، بطريقة ما، شكل حياتنا المقبلة.”
ابتسمت، ثم كتبت على الصفحة الأولى بخطّ هادئ مطمئن:
“سالم + ميّ
مشروع الماجستير – السنة الأولى وبداية البيت”
هنا، لم ينطق أحدهما بكلمة أخرى، لكنّ الصفحة نفسها تولّت القول.
وكأنّ اللغة — كما علّمنا النحاة — تملك قدرة على الإضمار، وعلى حمل ما لا يمكن أن يحملها غيرها.
فالكتابة، مثل الارتباط، تقول بالصمت أكثر مما تقول بالكلام.
في نهاية اليوم، كتب سالم:
“الخطة… لم تعد خطة بحث فقط. لقد أصبحت خريطة حياة.”
وكتبت ميّ:
“حين يبدأ العلم بفتح الطريق… تبدأ معالم العائلة بالظهور في آخره.”
كانت جملة تشبه البرهنة الهادئة، كما لو أنّها نتيجةٌ لتمهيد طويل من الأسئلة المتتابعة.
لم يكن صباح تلك الجمعة صباحًا عاديًا.
الميْدان القديم في دمشق يلمع تحت شمس ربيعية وادعة،
والأشجار تنفض آخر ظلال الليل، والهواء صافٍ حتى يخال الداخل إليه أنّه يدخل صفحة جديدة من العمر.
كان سالم يسير إلى جانب أمّه وأبيه بخطوات مرتبكة؛
خطواتٍ تتردّد بين رغبة في الإسراع ورهبة من الاقتراب،
كأنّ الزمن نفسه يمشي معه، يسأله:
“أتُراك جاهزًا لما ينتظرك؟
أم أنّ القلب، كما في البلاغة، يتأرجح بين الحقيقة والمجاز؟”
قالت أمّه بصوت يجمع بين الدفء والحذر:
“لا تخف يا بني… الناس تقول ما تقول، لكنّ القلوب تفهم بعضها حين تقترب.”
أما والده، ذلك الرجل الصلب الذي يعرف كيف يوازن بين الحزم والإنصاف، فوضع يده على كتف سالم وقال:
“نحن قادمون لنتحدّث… ولسنا نطلب المستحيل.
إن كان في الأمر نصيب… فسيكون.”
هزّ سالم رأسه، لكنّ قلبه كان يسبق كل الكلمات، ويتساءل:
“أيّ بابٍ أنا على وشك أن أطرقه؟
أهو باب بيتٍ جديد؟
أم باب مرحلة تُكمل في داخلي ما بدأه العلم في عقلي؟”
على الجانب الآخر من المدينة، كانت ميّ تُعيد ترتيب طرحتها للمرة الثالثة، ثم تمرّر يدها فوق شعرها، ثم تعاود ضبط وشاحها، وتتنفّس بعمق كأنّ في داخلها سؤالًا مُعلّقًا:
“هل يستقيم أن يكون هذا الاضطراب مقدّمة للطمأنينة؟
أم أن القلق جزءٌ من كل بداية؟”
قالت أمّها مبتسمة ابتسامة متعبة، كأنها أمٌّ تعرف ما لا تستطيع الابنة أن تصفه:
“اهدئي يا ابنتي…
أنت داخلةٌ إلى بيتك الثاني، ولستِ داخلةً إلى ساحة حرب.”
ضحكت ميّ بخجل، خجلٍ يشبه اعترافًا صامتًا بأنها ما زالت ترتّب نفسها في الداخل أكثر مما ترتّب ثيابها في الخارج.
ثم اقتربت من أبيها الذي كان ينظر إلى الجريدة دون أن يقرأها حقًّا.
قالت بصوت خافت:
“أبي… أأنت مستعدّ؟”
طوى الجريدة ببطء، ورفع إليها نظرة تحمل معنى الانتقال من فصلٍ إلى فصلٍ في عمر الإنسان؛ نظرة رجلٍ يعرف ما معنى أن تبلغ إحدى بناته العتبة التي تفصل بين الحلم والتجسّد.
“مستعدّ يا ميّ…
والمهم أن نكون مستعدّين لنُصغي لبعضنا.”
ابتسمت، ورأت — ربما للمرة الأولى — أن أباها لا يقف هذه المرة موقف الأكاديمي الصارم، بل موقف الأب الذي يريد أن يبني جسرًا لا أن يقيس المسافة بين ضفتين.
وتساءلت في سرّها:
“هل تُبنى العلاقات كما تُبنى الجسور؟
أم أنّها تُروى كما تُروى القصيدة — لتستقيم حين يتوازن الوزن والمعنى؟”
عند باب بيت أسرة ميّ، توقّفت سيارة صغيرة، ونزلت منها عائلة سالم.
وقف سالم لحظةً يتنفّس بعمق، كأنّه يدرك أنّ هذا النفس سيغدو بعد سنوات علامة محفوظة في ذاكرة عمره.
ضغطت أمّه على يده وقالت بصوت حانٍ:
“تقدّم…
جعل الله لك التيسير والقبول.”
طرق والده الباب.
فُتح الباب، وظهر والد ميّ بابتسامة محسوبة؛ ابتسامة رجلٍ يقدّر أنّ الشاب الواقف أمامه لا بدّ أن يحمل بعض الجرأة وبعض الارتباك أيضًا.
“أهلًا وسهلًا… تفضّلوا.”
دخلت العائلتان.
كانت ميّ واقفة إلى جانب والدتها، وقلبها يخفق كجناح طائرٍ صغير يرفض الهرب…
ويُصرّ على المواجهة.
وحين التقت العينان — عين ميّ، وعين أمّ سالم — وقعت لحظة قصيرة بدت أطول من الزمن نفسه:
نظرة دافئة، أعمق ممّا توقّعت ميّ، وأصفى ممّا توقّعت أمّ سالم.
قالت أمّ سالم بصوت يحمل مودة الأمّ التي ترى في الفتاة احتمالات المستقبل:
“ما شاء الله… حفظكِ الله يا ابنتي.”
ابتسمت ميّ ابتسامة هادئة، وقالت:
“بارك الله فيكِ يا عمّة.”
جلس الجميع حول طاولة القهوة.
كانت في الجوّ مسحة توترٍ لطيف، يشبه ارتعاش الوتر قبل أن يبدأ العزف الأول.
بدأ والد ميّ الحديث، بهدوء العالم الذي يخشى الزيادة كما يخشى النقصان في موازين المعنى:
“نحن مسرورون بزيارتكم اليوم، وبيتنا بيتكم.”
ردّ والد سالم، وقد بدت عليه رغبة الصدق قبل رغبة القول:
“بارك الله فيكم.
جئنا لنتحدّث بما ينبغي أن يُتحدَّث به، ولننظر فيما قدّر الله.”
وهنا، داخل كل قلبٍ من الجالسين، كان حوار آخر لا يُسمع:
سالم يسأل نفسه:
“هل أبدو كما ينبغي؟
هل تكفيني الكلمات؟ أم أنّ الصمت هنا أبلغ؟”
ميّ تتساءل:
“هل تنتقل الحياة فعلًا من صفحة إلى أخرى بهذه البساطة؟
أم أنّ كل خطوة تحتاج إلى شجاعةٍ لغوية— كما تحتاج القصيدة إلى كلمة فاصلة تنقلها من وزنٍ إلى معنى؟”
وأمّ سالم تقول في سرّها:
“هل هذه الفتاة قادرة على أن تكون سندًا لابني؟”
وأمّ ميّ تفكّر:
“هل هي بداية الطريق…
أم بداية السؤال عن الطريق؟”
كان سالم ينظر إلى ميّ كما لو أنّه يستمدّ من حضورها يقينًا كان يفلت من يديه منذ الصباح.
وفي عينيه سؤال صامت:
“هل تكفي النظرة كي تُقيم الجسور؟
وهل تنوب الطمأنينة عن الكلمات حين تضيق اللغة؟”
أمّا ميّ، فكانت تخفي ابتسامةً صغيرة، ابتسامة تقول بلا صوت:
“أنا هنا… فلا تخشَ هذه اللحظة.”
قال والد سالم، بصوتٍ اتّسم بوضوح من اعتاد أن يزن الكلام قبل أن يُلقيه:
“ابني سالم… شابّ مجتهد، وأنتم تعرفونه.
نحن لا نحبّ الاستعجال، لكننا نحبّ الصراحة:
هو يرى في ميّ فتاةً…
لا مثيل لها.”
رمشت ميّ مرتين، وكان وراء الرمشَتين ارتباكٌ دافئ، وشعورٌ يشبه اعتراف القلب قبل أن يصرّح اللسان.
شعرت أمّها بوخزة فخرٍ خفيفة، كأنّ الكلمة أعادت ترتيب نور في عينيها.
قال والد ميّ، وقد بدا عليه اتّزان العلماء الذين يجمعون بين الحُكم والرحمة:
“والصراحة جميلة…
وواجبة في مثل هذا الموضع.
ونحن أيضًا نرى أنّ سالم…
شابّ محترم، متميّز، ذو مستقبل واضح.”
ثم التفت إلى ميّ، ثم إلى سالم، وكأنّه يمهّد للباب الذي لا يُفتح إلا مرّة واحدة في العمر:
“إذا كنتما، أنتما الاثنين، ترغبان بالسير في طريق معلوم…
فنحن…
جاهزون لمناقشة الخطوة الأولى.”
في هذه اللحظة، تدخّلت أمّ سالم للمرة الأولى، بصوتٍ يحمل هدوء الريف ورحابة صدره:
“يا أخي الكريم، نحن نريد لابنتنا التي ستدخل بيتنا أن تكون مرتاحة معنا، كما نريد لأنفسنا الراحة معها.
وإن كانت هذه الفتاة قد استطاعت أن تلامس قلبي يوم زارتنا…
فإنّها اليوم…
قد كسبته أكثر.”
ثم نظرت إلى ميّ نظرة أمّ تُفتّش عن ملامح الابنة في وجه الغريبة، وقالت:
“والله يا ابنتي…
إنكِ تُشبهين الخير.”
اغرورقت عينا ميّ، ولم تكن الدموع خوفًا، بل امتنانًا لما يتشكّل من معنى جديد لحياتها.
قالت أمّ ميّ بابتسامة ودودة:
“وأنتم أيضًا…
أناسٌ طيّبو القلوب، ونحن نرتاح لمن يحمل قلبًا صافيًا.”
كان سالم يشعر بأن كل كلمةٍ تُقال
تزيح حجرًا قديمًا من صدره، وتفسح للمستقبل أن يتنفّس.
وأخيرًا قال والد سالم، بهدوءٍ يعرفه من جرّب دروس الحياة:
“إذا أذنتُم…
فنحن جئنا اليوم لنطلب خطبة ابنتكم ميّ لسالم، طلبًا أوّليًا، وبالرضا من الطرفين.”
لم يكن هناك استعراض، ولا زينة لفظية، ولا مبالغة في المجاملة.
كان الطلب صريحًا، نقيًا، صادرًا من قلبٍ يعرف ما يريد.
نظر والد ميّ إلى ابنته وقال:
“ميّ…
ما رأيكِ؟”
رفعت رأسها، واغتسل وجهها بحمرة حياء هادئ، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع، ولكنه واضحٌ كالشمس حين تطلع:
“نعم يا أبي…
أنا موافقة.”
في تلك اللحظة، شعر سالم أنّ الهواء صار أثقل…
وأخفّ، وأسهل للمرور في صدره، كأنّ قلبه خرج من قفصه ليقف بين الجميع، ويتنفّس.
قال والد ميّ:
“نحن نتشرّف.
ونعلن الخطوبة رسميًّا…
بعد الامتحانات.”
هتف قلب سالم وميّ معًا، لكنّ الشفاه بقيت هادئة، تحسن الإصغاء إلى ما يكتبه القدر بحبرٍ لا يُرى…
ولكن يُشعر.
عندما خرجت عائلة سالم من دار ميّ، وقف والدها عند الباب لحظةً، كأنما أراد أن يترك لابنته كلمة تُقيم في قلبها قبل أن تقيم في ذاكرتها. قال لها بصوته الهادئ الموزون، وهو يضع يده على كتفها:
“ميّ… هذا يومٌ كبير. والكِبَر الحقّ ليس في الاحتفال، بل في تحمّل المسؤولية. فكوني أهلاً لها.”
شعرَت ميّ بأن الكلمات وقعت في داخلها كمطرٍ خفيف يلامس أرضًا عطشى. فأمسكت يد أبيها وقالت:
“سأكون أهلًا لها يا أبي… وأنتم دائماً سندي.”
وفي داخلها تردّد صوتٌ آخر: أتري، يا ميّ، كيف يختبرك القدر على مهل؟ أهذه هي اللحظة التي تحدّثت عنها كتب اللغة حين قالت إنّ المعاني تُفهم بالقرائن قبل التصريح؟
وفي الطريق إلى الريف، مالت أمّ سالم نحو ابنها، وقد أشرق وجهها من الطمأنينة، وقالت:
“لك نصيبٌ في هذه الفتاة. والله… لي يومان وقلبي مطمئن، كأنه وجد علامة كان ينتظرها.”
ابتسم سالم، ثم قال بصوتٍ امتزج فيه الخجل بالفخر:
“وأنا يا أمّي… قلبي صار بيتين الآن — بيت أهلي… وبيت ميّ.”
لكن صوته الداخلي كان أعمق من عبارته؛ فقد سمع نفسه يقول من غير أن ينطق: كيف استطاعت ميّ أن تُعيد ترتيب هذا القلب؟ وكيف صار القلب، بعد طول التشتت، يعرف عنوانه؟
وفي تلك الليلة، جلس سالم قرب نافذته، وكتب في دفتره:
“اليوم… التقت جذورنا. وصارت الشجرة تبحث عن سماءٍ واحدة.”
وتساءل في نفسه: أكان العرب، حين شبّهوا البيوت بالشجر، يقصدون هذا المعنى؟ أن تنمو الأرواح حين تجتمع؟
أما ميّ، ففتحت دفترها الصغير، ودوّنت فيه:
“حين يجلس الحبّ بين عائلتين… يصبح قدرًا، لا علاقةً فقط.”
ثم أغلقت الدفتر ببطء، وهي تحدّث نفسها: هل حقًا يصبح الحب قدَرًا حين يجد شاهديْن عليه؟ أم أنّ القدر هو الذي كان ينتظرنا لنعترف به؟
مضت الأيام التالية للّقاء الرسمي بخفّةٍ لذيذة، كأن الزمن صار يتحرّك على أطراف أصابعه كي لا يجرح شيئًا. الميدان، والزقاق القديم، وكافيتيريا الجامعة، وحتّى قاعة المحاضرات — كلّها اكتسبت معنى جديدًا، كأن اللغة أعادت تسمية الأشياء، كما فعل القدماء حين نقّحوا معاجمهم ليمنحوا كلّ لفظةٍ وجهها الأنسب.
كان سالم يدخل الجامعة هذه الأيام ووجهه أكثر إشراقًا، وملامحه أكثر ثباتًا، كأن شيئًا في داخله انتهى من انتظارٍ طويل وبدأ ينحاز إلى يقينٍ دافئ. أهذه طمأنينة أم بداية أخرى؟ قالها في داخله، وسار.
أما ميّ فكانت تحمل في حقيبتها دفترًا صغيرًا دوّنت على صفحته الأولى:
“التحضير:
– الخطوبة
– بحث التخرّج
– خطة الماجستير”
وكانت تشعر، وهي تقرأ البنود الثلاثة، أنّ قلبها يمشي بين المستقبل والماضي، كما تمشي اللغة بين الجذور والصيغ، فلا تفقد أصالتها ولا تكفّ عن النمو. وكانت ابتسامة أبويها تلازمها منذ اللقاء، فزادها ذلك اتساعًا في الرؤية وثباتًا في الخطى.
دخل سالم وميّ إلى مكتب الدكتور نزار في موعدٍ جديد للإشراف. كان الأستاذ يقلب ملفًا ثخينًا، وعلى وجهه ملامح من يعرف أنّ المرحلة المقبلة لا بد أن تكون أعمق من سابقتها. رفع رأسه إليهما وقال:
“لقد قدّمتما عملًا جيدًا… والآن يبدأ الجزء الأصعب: تحويل الفكرة إلى مشروعٍ حيّ.”
ارتجف داخل سالم سؤالٌ قديم: هل المشاريع الكبرى تُبنى بالعلم وحده أم بالقلوب أيضًا؟
أما ميّ، فخاطبت نفسها: هل هذا الامتحان هو امتداد الامتحان الأول الذي تحدّث عنه أبي؟ وهل ستثبت اللغة مرة أخرى أنّ المعنى لا يكتمل إلا بالسياق؟
ثم جلست مع سالم، وكلّ منهما يعرف في سره أن ما ينتظرهما لم يعد مجرد إشراف أكاديمي، بل خطوة جديدة في طريقٍ صار ملكهما، لا مفروضًا عليهما.
رفع الدكتور نزار رأسه ما إن دخلا، وقال بصوتٍ يتقدّم العبارة كأنه يمهّد لها:
“وصلتما؟ حسنٌ… اليوم ننتقل من مرحلة التحليل… إلى مرحلة الرؤية المتكاملة.”
جلسا في هدوءٍ يشبه لحظة الاستعداد قبل بدء امتحان غير معلن.
فتح الأستاذ الملفّ أمامه، وقلب صفحاته ببطءٍ مقصود، ثم قال:
“بحث التخرّج… ممتاز. غير أنّني لا أراه مجرد “بحث تخرّج”. ما أراه هو بداية مشروع أطروحة.”
تبادل سالم وميّ نظرة قصيرة — تلك النظرة التي تكون فيها الفرحة خافتة، لكنها واضحة لمن يعرف أن البدايات لا تُعلن نفسها بصوتٍ مرتفع.
وفي داخلهما، نشأت أصواتٌ أخرى:
قال صوت سالم في أعماقه: هل يمكن أن يبدأ الطريق الحقيقي من جملة واحدة؟ وهل تُبدّل كلمة “أطروحة” شكل الحلم أم ترسم حدوده؟
وقالت ميّ في نفسها: أهذا هو الاعتراف الذي ينتظره الطالب حين يعمل بصمت؟ أن يرى أستاذه ما لم يجرؤ هو على تسميته؟
تابع الدكتور نزار، مشيرًا إلى أوراق مرتّبة بعناية:
“نحتاج إلى فصل خطة الماجستير عن بحث التخرّج، ولكن يجب أن يبقى بينهما خيطٌ علميّ واحد. والخيط هو “التكامل الدلالي بين البنية والسياق”.”
ثم أمال المستند نحوهما، حيث كُتبت العناوين الآتية:
• “مفهوم الوحدة الدلالية”
• “مبادئ القرائن السياقية”
• “مستويات الدلالة”
• “طبيعة العلاقة بين النصّ والمقام”
• “خطوات التحليل التطبيقي”
• “المنهج التكاملي”
وأشار إليهما بحزمٍ مفعم بالثقة:
“هذه المادة ينبغي أن تكون أساسًا لمشروع الماجستير. لكننا بحاجة إلى:
– توسيع الإطار النظري
– مقارنة بين نظريات عربية وغربية
– دراسة نصوص إضافية
– وربط النتائج بتحليل بيانات لغوية.”
كانت ميّ تكتب بسرعةٍ تكشف حرصها على ألا يفلت من يدها شيء، بينما كان سالم يحدّق في الأستاذ كما يحدّق من يرى خارطة طريق تتّضح فجأة بعد طول غموض.
أهكذا تعمل اللغة؟ سأل سالم نفسه.
تجمع بين البنية والسياق كما تجمع الحياة بين الفكرة ومصيرها؟ وهل يكون العلم، كاللغة، رحلةً من الجزئي إلى الكلّي؟
وقال د. نزار بنبرة تحمل دفئًا خفيفًا تحت قشرة الصرامة العلمية:
“وأريد أن أكون صريحًا: هدفي أن تكون رسالتكما “قابلة للنشر” فور مناقشتها.”
رفعت ميّ رأسها وقد اتسعت عيناها دهشةً:
“قابلة للنشر…؟”
ابتسم الأستاذ، ابتسامة قصيرة لكنها كافية لبثّ الطمأنينة:
“نعم. أنتما تعملان عملًا نادرًا. ولماذا لا تُنشر؟”
كانت تلك الجملة، في داخلهما، أشبه بضوءٍ ساطع اخترق طبقات القلب.
قال سالم في سره: هل يمكن للعلم أن يمنح الإنسان شعورًا يشبه الحبّ؟ شعورًا بأنك مرئيٌّ، مفهوم، ومعترف بجهدك؟
وقالت ميّ: أهكذا تبدو اللحظة التي يلتقي فيها العلم بالقدر؟ حين يصبح الحلم مشروعًا… لا مجرّد أمنية؟
بعد انتهاء الاجتماع، خرج سالم وميّ إلى ساحة الجامعة، ومضيا نحو الكرسي الحجري الذي اعتاداه؛ كأن الحجر نفسه أصبح شاهدًا على تطوّر قصّتهما، وعلى ما يعبر فيه القلب من طورٍ إلى طور.
جلسا في مواجهة المساحة الواسعة، وفي داخلهما مساحة أوسع لا يراها أحد.
قال سالم وهو ينظر إلى ميّ نظرةَ رجلٍ لم يعد يخطّط للّقاء اليومي، بل لبيتٍ يدوم:
“أهلي تحدّثوا مع خالي… وقالوا إنّه ينبغي أن نبدأ بالإعداد لكلّ ما هو آتٍ.”
سألت ميّ، بابتسامةٍ فيها حياء من نوعٍ رقيق لا يُصطنَع:
“وماذا حصل؟”
ضحك سالم بخفّة تشبه خفّة الرجل الذي بدأ يشعر بأن الطريق صار مأمونًا:
“يسألون عن موعد الخطوبة. يريدون أن تكون بعد الامتحانات… كما ذكرتِ.”
وهنا أحسّت ميّ بدفءٍ يجري في قلبها كأنّ كلمة “موعد” قد أعادت ترتيب أحلامها.
كيف يتحوّل الحلم إلى شيءٍ قابل لقياس الزمن؟ أهو انتقال من اللامحدود إلى الملموس؟ وهل للغة دور في ذلك، حين تنتقل الكلمة من دائرة المجاز إلى دائرة الحدث؟
تابعت قائلة:
“وأهلي أيضًا يستعدّون. يجهّزون غرفة الضيوف، ويقولون إنّها يجب أن تكون جاهزة للزيارة القادمة.”
أمسك سالم يدها بطمأنينة رجلٍ بدأ يشعر بأن الخطوات لم تعد فردية:
“ميّا… لقد أصبحنا قريبين جدًّا.”
همست، وفي الهمس قوة من نوع آخر:
“نعم… قريبين من كلّ شيء.”
في المساء، التقيا في المكتبة.
جلسا إلى الطاولة المعتادة، ووضعا أمامهما نصوصًا جديدة للتحليل، كأنهما يُعدّان للحياة ذاتها، لا لمجرد بحث أكاديمي:
• “نصوص قصيرة ليوسف إدريس”
• “فصول من كتاب الحياة اليومية في دمشق”
• “قصائد معاصرة تعتمد الرمزية الخفيفة”
• “نصوص إعلامية لتمييز الفرق بين القصد والتأويل”
كان سالم يقلب فقرة تتحدث عن علاقة “الدلالة بالمرجع”، فسأل نفسه بصوتٍ لا يسمعه إلا قلبه:
هل الدلالة في الحبّ تشبه الدلالة في اللغة؟ هل المرجع هو الواقع، أم التوقع، أم الخيال الذي نمنحه قيمة الحقيقة؟
ثم قال بصوت مسموع وهو يشير إلى الفقرة:
“ميّا… كلّما عملنا أكثر، تأكّدتُ أن هذا الطريق… طريقٌ يجمعنا نحن.”
وكانت ميّ تدوّن وحدات المعنى، وترسم خطوطًا بين السياق والمقام. وفي داخلها سؤال آخر:
أليست العلاقة بين الدلالة والسياق شبيهةً بالعلاقة بين قلبين؟ لا معنى بلا سياق، ولا سياق بلا وجودٍ يعمّقه.
قالت:
“وهذا الطريق… لا يبني بحثًا فقط، بل يبني بيتًا.”
ثم توقفت عن الكتابة، ونظرت إلى سالم طويلًا.
وفي تلك النظرة عُمقٌ لا يملكه إلا من صار يفهم الكلمة قبل نطقها.
قالت بخفوتٍ يشبه يقينًا خُتم في القلب:
“سالم… أنا مستعدة… لكل شيء معك.”
اقترب منها، ووضع يده فوق يدها على الطاولة، لا كلمسة عابرة، بل كتعهدٍ يكتبه الزمن بمداد هادئ:
“ونحن… بدأنا الطريق معًا. وسنكمل الطريق معًا: بالعلم… وبالبيت… وبالمستقبل.”
وفي داخلهما معًا دوّى سؤال واحد:
هل يمكن للعلم أن يكون جسرًا نحو القلب؟ وهل يمكن للقلب أن يصبح جسرًا نحو المعرفة؟
ولم يكن ثمة جوابٍ أوضح من هذا الاشتباك الخفي بين الدلالة والعاطفة… بين النصّ والإنسان.
أغلقت ميّ دفترها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة تجمع بين الحياء واليقين، ثم قالت:
“سالم… نحتاج اسمًا لمشروع الماجستير.”
فكّر لحظة، وكأن فكرةً ما نهضت من أعماقه، ثم قال:
“ما رأيك بعنوان: في المعنى… بيتٌ لنا؟”
ضحكت ميّ ضحكة قصيرة خجولة، ثم قالت:
“هذا شعر… يشبهك.”
لكنّها سرعان ما كتبت عنوانًا آخر، يحمل نبرة علمية دقيقة:
“التكامل الدلالي في النصوص المعاصرة: منهج يجمع البنية بالسياق”
قال سالم وهو ينظر إلى العنوان بإحساسٍ خفيّ يشبه بداية فصل جديد:
“وهكذا… بدأت الحكاية الكبيرة.”
وفي تلك الليلة، جلس كلّ منهما أمام أوراقه، لا يفصل بينهما إلّا المسافة التي يتجاوزها القلب حين يريد.
كتب سالم في مفكرته:
“أشعر أنّ العلم يمشي إلى جانب الحبّ، كأنهما جناحان لطريقٍ واحد. وهل يكتمل الطريق بلا جناحين؟”
وكتبت ميّ على صفحتها الأولى:
“الحياة ليست دروبًا متفرّقة، بل طريق واحد نسير فيه معًا. فهل يمكن للمعنى أن ينفصل عن صاحبه؟”
كانت دمشق، في ذلك الصباح، تبدو كمن تحتفل بوعيٍ هادئ.
الشمس تشرق بلا صخب، والريح تمرّ بين أشجار الجادّة كأنها تحمل سرًّا لطيفًا:
“اليوم… يومٌ مختلف.”
وقف سالم أمام محلّ الصائغ في باب توما، يداه في جيبيه، وقلبه يسبق خطواته.
أيُعقل أن يتحول اليوم إلى علامة لغوية جديدة في معجم حياته؟ أن يصبح الخاتم دلالةً على انتقالٍ من طور إلى طور، كما تنتقل الكلمة من سياق إلى آخر؟
اقترب والده، ونظر إليه نظرة رجلٍ يعرف أنّ ابنه لم يعد ذاك الصبيّ:
“جاهز يا سالم؟”
ابتسم سالم بثقةٍ غريبة:
“جاهز يا أبي… أكثر من أي يوم مضى.”
دخلا إلى المحل.
استقبلهما الصائغ بملامح رجل خبر العيون التي تأتي طالبةً للفرح:
“أهلاً… هل نحن أمام عريس؟”
ارتبك سالم قليلًا، فبادر والده قائلاً:
“نعم… نبحث عن خاتمٍ جميل، ودقيق الصنعة.”
فتح الصائغ علبة مخملية، فانشق الضوء عن خاتمٍ ذهبيّ رقيق، يشبه همسة أكثر مما يشبه قطعة حليّ.
كان النقش عليه نصف دائرة تكمل نصفًا آخر — رمزًا صغيرًا، لكنه يحمل دلالةً تشبه ما تعلّماه في الدرس الأخير:
لا دلالة بلا تكامل… ولا نصفٌ يكتمل وحده.
سأل سالم بصوت خافت:
“هذا… مخصّص للسيدات أم أنه تصميم عام؟”
ابتسم الصائغ:
“هذا للبنات ذوات القلوب الكبيرة… الرقيقات، الواثقات، المثقفات.”
وما إن نطق بهذه الكلمات، حتى شعر سالم أنّ كل حرفٍ يصف ميّ بدقة تكاد تكون لغوية أكثر منها عاطفية.
أشار والده بثبات:
“سنأخذه.”
في الجانب الآخر من المدينة، كانت ميّ تختار فستانًا بسيطًا للزيارة القادمة.
رفعت قطعة القماش بيدٍ ترتجف، ثم حاولت إخفاء ارتباكها بضحكة عابرة مع أمّها.
قالت أمّها وهي تراقب ملامح ابنتها بحدس أمويّ لا يخطئ:
“ميّ… أنتِ اليوم لستِ فتاةً فحسب… أنتِ عروس.”
ضحكت ميّ، لكن صوتها حمل ارتجافًا لطيفًا:
“ماما… لا أريد المبالغة… لكن أشعر أنّ قلبي يركض.”
قالت أمّها:
“دعيه يركض… هكذا يكون القلب حين يقترب من نصيبه.”
ثم اقتربت منها، وأصلحت خصلة شعر سقطت على جبينها، وقالت بصوت يجمع حنان الأمّ ومعرفتها بالحياة:
“المهم… أنّ هذا الركض يمضي نحو رجلٍ يستحقك.”
عند هذه الجملة، شعرت ميّ بأن شيئًا من الطمأنينة انساب في صدرها، كأن كلمة “يستحقك” لم تكن وصفًا لسالم فحسب، بل كانت وصفًا للعلاقة نفسها؛ علاقةٍ تتكامل فيها الدلالة مع الحقيقة، كما يتكامل النصّ مع السياق في كل مراحل اللغة عبر عصورها.
وهل يوجد معنى أعمق من أن يجد الإنسان من يفهم معنى قلبه؟
في تمام السادسة مساءً،
وصلت عائلة سالم إلى بيت آل ميّ، وقد بدا عليهم هذه المرّة نوعٌ من السكينة المطمئنة؛ كأنما اكتمل في داخلهم يقينٌ كان يبحث عن اسمه. فتحت أمّ ميّ الباب، فأحاطت بهم بحفاوةٍ هادئة، ودعتهم إلى الصالون الكبير، حيث امتزج عبق القهوة برائحة الورد، وتسلّل الضوء من خلف الستائر كأنّه يرسم للمشهد إطارًا من نعومة وطمأنينة.
جلس الجميع، وكان سالم يجلس قبالة ميّ.
لم يتبادلا كلمة، لكن عينيهما كانتا تشبهان “نصًّا مكشوفًا” يفيض بالدلالات.
كانت اللغة بينهما لغة صمتٍ، لكن صمتهما — على طريقة بلاغيين قدامى—كان “أبلغ من التصريح”، وكأن كلاهما يطرح في داخله سؤالًا واحدًا: هل يكتمل المعنى الآن؟
بعد دقائق قليلة، دخل والد ميّ وهو يحمل علبةً صغيرة، تتقد في عينيه دهشة لطيفة تليق برجلٍ جرّب المعرفة وعرف أن الفرح يحتاج دومًا إلى شيء من التواضع.
قال وهو يجلس:
«سالم…
قبل أن نتحدّث في أي أمر رسمي…
هناك كلمة صغيرة.»
توقّف سالم، وتوقّفت ميّ معه، بل توقّفت في داخلها حركة الزمن لحظةً قصيرة تساءلت فيها:
“هل هذه اللحظة هي التي تغيّر شكل الطريق؟”
قال والدها بصوتٍ واثق، يحمل نبرة الحكمة التي يستريح لها القلب:
«اليوم…
مسؤوليتك تبدأ من اللحظة التي تضع فيها الخاتم…
لا بعدها.»
هزّ سالم رأسه احترامًا، كأنما يجيب عن سؤال ضمنيٍّ جاء من عمق اللغة نفسها:
“هل أنت مستعدّ لحمل دلالةٍ جديدة في حياتك؟”
وكان جوابه صامتًا، لكنّ ثبات عينيه كان كافيًا.
ابتسمت أمّ سالم، وقالت ببساطة ريفية تحمل صدق الأرض:
«ونحن…
جاهزون لنفرح بكم.»
فتح سالم العلبة،
وأخرج الخاتم ببطءٍ يشبه خشية من يمدّ يده نحو “معنى” لا يريد أن يوقظه على عجل.
كان الخاتم صغيرًا في حجمه، لكنّه بدا في نظر سالم كتعريف جديد للحياة نفسها.
مدّ يده نحو ميّ، وقال بصوتٍ خافتٍ، يشبه ترتيب جملةٍ طال انتظار كتابتها:
«ميّ…
أتقبلين…
أن تكمّليني؟»
لم تستطع الكلام.
في داخلها كان صوتٌ آخر يجيب:
“أيمكن للمعنى أن يتجلّى بهذه البساطة؟ أيمكن للحبّ أن يصبح بنيةً وسياقًا، يتآلفان كما يتآلف الإسناد مع المسند في أجمل الجمل؟”
وأحسّت أن قلبها يجلس قربها، لا في صدرها، كأنه يتشكّل من جديد.
مدّت يدها بهدوء، فأمسك سالم أناملها كما يُمسك الباحث نصًّا نادرًا، لا ليُفسّره، بل ليحفظ جماله.
انزلق الخاتم إلى إصبعها، فلمع كأنما خرج من صفحة بيضاء في كتابٍ قديم.
ارتجفت يد ميّ لحظة، ثم ابتسمت، وبكت دمعة واحدة لم ترها إلا أمّها — دمعة كانت أشبه بإشارة ترقيم
تقول في هدوء:
“هنا… يبدأ فصلٌ جديد.”
قال والد ميّ:
«مبارك.»
وقال والد سالم:
«ومبارك علينا جميعًا.»
وقالت أمّ سالم، بصوتٍ يرقّ مثل رفاف الحمام:
«أسأل الله أن يجعل أيامكما بياضًا…
كبياض قلب هذا الخاتم.»
بعد أن هدأت الجلسة، اقترب سالم من ميّ وهم على الطاولة، حيث تُقدّم الحلوى احتفالًا بالمناسبة.
همس بصوتٍ خافت، كأنه يرسم جملة في قلبها قبل أن يسمعها أحد:
«كيفك؟»
رفعت هي رأسها قليلاً، وقالت بصوتٍ يخرج من أعماق لم يعرفها إلا هو:
«سالم…
أشعر أن الدنيا…
صارت بيدي.»
ابتسم، وأجاب كأن يده تشرح ما لم يُقال بالكلمات:
«وهاليد…
لن أفرط فيها أبدًا.»
في تلك الليلة، عاد كلّ منهما إلى بيته، لكن الخاتم على يد ميّ كان كخيطٍ خفيّ يربط بين المكانين، رابطًا بين قلبين كما تربط اللغة بين معنىٍ ودلالة.
كتب سالم:
«وضعنا الخاتم…
وبدأت الحكاية
بشكلها الحقيقي.»
وكتبت ميّ:
«اليوم…
لمعت الدلالة على إصبعي.»
كان البيت في تلك الأمسية أشبه بمسرحٍ صغير للفرح، الستائر مفتوحة على ضوء دافئ، ورائحة المعمول تمتزج بأنغام العود الخفيفة، والوجوه تتنقّل بين التهنئة والابتسامة، والحيرة الجميلة التي ترافق كل بداية جديّة في حياة البشر.
ميّ كانت تقف قرب أمّها، خجولة، لكن نورًا جديدًا يسكن عينيها، كأنهما نافذتان على فصل جديد،
وتساءلت في سرّها:
“هل يمكن للحياة أن تُكتب بخطّ واحد إذا اجتمع الحبّ والعلم معًا؟”
أما سالم، فكان يقف بجانب والده، مرتبكًا قليلًا،
لكن الوقار الجديد في ملامحه كان يخبر الجميع بأن هذا الشاب قد بدأ أولى درجات الرجولة الحقيقية،
وانسابت في قلبه فكرة:
“هذه اللحظة… هل هي البداية التي ينتظرها كل باحث عن المعنى في حياته؟”
دخل المدعوون، وتبادلوا التحايا، حتى رفع والد ميّ يده إيذانًا ببدء اللحظة، وقال بصوت ثابت، لا يحمل مبالغة ولا استعراضًا:
«نجتمع اليوم…
لنعلن خطوبة ابننا سالم…
وبنتنا ميّ.
على خير، ومحبة…
وعلم.»
كانت كلمة “علم” كأنها خيط دقيق يربط بين العقل والقلب، بين الواقع والحلم، وكأنها نُسجت خصيصًا لهذا الثنائي.
تعانقت العينان — عينا ميّ وعينا سالم — وفي هذا العناق، تسلّل وعد لا تسمعه الأذن، ولكن القلب يسمعه بكامله، كإشارة داخلية تقول:
“ها هو الطريق قد بدأ… والمستقبل في يدينا.”
صفّق الجميع، وكان التصفيق أشبه بترديد نصّ شعريّ جميل، يعلّم القلوب أن الفرح، حين يُعلن بالصدق، يصبح جزءً من كل دلالة في الحياة.
اقترب سالم مرة أخرى، ووضع يده برفق على يد ميّ، كأنه يثبت الخاتم الذي وضعه في الزيارة السابقة.
همس بصوت منخفض، يسمعه قلبها قبل أن يسمعه الأذن:
«ميّ…
من اليوم…
نكتب حياتنا معًا.
على مهل…
وبثبات.»
ابتسمت، وعيناها تلمعان بخفّة أمل، فقالت:
«سالم…
وأنا…
سأكمل لك المعنى.»
في اليوم التالي، لم يذهب سالم وميّ إلى الجامعة كطالبين فقط، بل كخطيبين أيضًا.
كانت هذه الحقيقة الصغيرة تُعيد للأروقة ألفةً جديدة، وتجعل المدرجات أرحب، والمكتبة أعمق، كما لو أنّ المكان كله صار يشاركهما فرحهما الخفي.
دخل الاثنان مكتب الدكتور نزار في الموعد المحدّد لجلسة الإشراف الكبرى. وما إن عبرا العتبة حتى رفع الأستاذ نظره نحوهما، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة تحمل من الودّ أكثر مما تعلنه الكلمات:
«مبروكة الخطوبة… وصلني الخبر قبل أن تصلوا.»
ضحكت ميّ ضحكة رقيقة، تكاد تُسمع بقدر ما تُحسّ، فيما شعر سالم بامتنان صادق يدفعه إلى القول:
«الشكر لك يا دكتور…
أنت كنت جزءً من الطريق.»
هزّ د. نزار رأسه بابتسامة أعمق، ابتسامة مَن يعرف قيمة العلم، ويُدرك أن دوره ليس أكثر من إيقاد مصباح على جانب الدرب:
«أنا جزء من العلم…
أما الطريق فأنتم من شققتوه بأقدامكم.»
ثم أشار إلى الكرسيين أمامه:
«تفضّلا بالجلوس… أمامنا اليوم عمل كبير.»
فتح ملفًا ثخينًا كان موضوعًا على مكتبه بعناية. كان الغلاف يحمل عنوانًا واضحًا، يكاد يعلن هيبته:
«مبادئ علم الدلالة – المادة الأساسية»
قال وهو يربّت على الغلاف:
«قبل أن تضعا خطتيكما للفصل النظري للماجستير…
هناك مادة لا بد من فهمها فهمًا حرفيًا،
واستخدامها بدقة.
لا أريد اقتباسًا سطحيًا…
بل فهمًا… ثم تحليلًا… ثم بناءً.»
قلب الصفحة الأولى، وقرأ بصوت هادئ متزن، كأنه يقدّم خارطة معرفية تفتح اتجاهات جديدة:
• تعريفات المعنى
• الدلالة السياقية
• الدلالة البنيوية
• الفرق بين الإحالة والمرجع
• علاقة المتكلم بالملفوظ
• المعنى المعجمي
• المعنى التداولي
• وظائف الاستعمال
• مستويات الدلالة الدقيقة
• خطوات استخراج الوحدات الدلالية
كانت الصفحات مصاغة بأسلوب علمي رشيق، متقن، يدفع القارئ إلى الشعور بأن أمامه أرضًا ممهدة لرحلة بحث حقيقية.
قال د. نزار وهو يغلق الصفحة برفق:
«هذا… هو الأساس.
ومن هنا سنبني الفصل الأول: الإطار النظري للدلالة.»
ثم رفع حاجبيه قليلًا، تلك الإشارة التي يعرفها طلابه جيدًا؛ إشارة التحدّي الجميل الذي يختبر قدراتهم:
«أريد منكما ثلاث مهمّات قبل الأسبوع القادم:
١. تلخيصٌ كاملٌ للمفاهيم الأساسية الواردة هنا.
٢. تحليلٌ دقيق للفروق بين المدارس الدلالية العربية والغربية…»
تقدّمت ميّ بسؤال خفيف فيه شيء من الفضول واليقظة:
«يعني… نكتب فهمنا نحن؟»
لم ينتظر سالم طويلًا، وكأن الإجابة كانت جاهزة في عينيه قبل أن ينطقها:
«بالضبط…
الماجستير ليس كتابة نُسخ،
بل كتابة عقل:
فهم… وتحليل… وبناء.»
وسكت الدكتور لحظة قصيرة، قبل أن يضيف جملة حملت صدق الشعور ودفءَ الاعتداد الهادئ:
«وأنا…
أولي اهتمامًا كبيرًا…
للمشاريع المزدوجة التي تُنجَز متكاملةً بين شخصين…
يفهم أحدهما الآخر حقَّ الفهم.»
تبادل سالم وميّ نظرة خجولة، لكنها كانت أوضح من أي اعتراف مباشر، نظرة تقول دون استعارةٍ أو تورية:
نحن… على الطريق ذاته.
بعد انتهاء الجلسة، خرجا من المكتب، وسار سالم ببطء، كأن خطواته تحاول تثبيت معنى جديد في داخله:
«ميّ…
هل تعرفين ما شعرتُ به؟
شعرت أنّ الدكتور…
يرى أن حبّنا…
ينمو بالعقل أيضًا،
لا بالقلب وحده.»
أجابته وهي تمشي بجانبه، وقد امتلأ صوتها بمسؤولية جميلة:
«وهذا ما يجب أن نُثبته…
إن العلم يمكن أن يكون بيتًا،
ونحن…
يمكن أن نملك بيتين:
بيتَ حب… وبيتَ بحث.»
توقفت لبرهة، ونظرت إليه بعينين صادقتين، ثم قالت بصوت خافت يشبه إعلانًا صغيرًا لحياة كبيرة:
«سالم…
فصلُ الماجستير هذا…
سيكون أوّل مشروع رسمي
ننجزه معًا…
كزوجين.»
تنفّس سالم بعمق، وشعر بأن شيئًا جديدًا يتكوّن في داخله، مزيجًا من المسؤولية والفخر وبدايةٍ لحياة تتشكّل أمامه بوضوح محبّ:
«ميّ…
وعد…
سنمشي الطريق كلّه بخطٍّ واحد:
العلم… وبيتنا.»
وفي المساء، اجتمعت العائلتان مجددًا لإتمام تثبيت موعد الخطوبة الرسمية.
كانت المائدة عامرة بما يكفي ليكون الفرح واضحًا، والضحكات خفيفة تنساب بحرية، والأسئلة تتبادل بين العائلتين كأنها جسور صغيرة من المودة.
قال والد ميّ بصوت ثابت مطمئن:
«إعلان الخطوبة سيكون بعد أسبوعين…
نقيم حفلة صغيرة…
على قدرنا.»
فأجابه والد سالم وهو يبتسم:
«على قدر الفرح…
لا أكثر ولا أقل.»
ضحكت أمّ سالم، ضحكة امتلأت بروح الريف وحنان الأمهات:
«وإن شاء الله… نحتفل مرة أخرى
حين يبدأ الماجستير!»
ابتسمت ميّ، وارتجف وجهها بخجلٍ رقيقٍ كأنه ضوءٌ يترنّح قبل أن يستقرّ، وشعر سالم بقلبه يشتعل بخجلٍ مسرور، كما لو أن فرحًا بسيطًا وضع لمسةٍ جديدةً على كل ما مرّ.
جلسا في المكتبة، تحت خيوط الشمس المنهكة التي تسقط عبر النوافذ العالية؛ على الطاولة الورق، والكتب، والمراجع المفتوحة، وعلى غلاف أول صفحةٍ عنوانٌ يبدو كإعلان بداية: “الإطار النظري: المعنى بين البنية والسياق.”
وضعت ميّ يدها على الورقة، وقالت بنبرةٍ ثابتةٍ تقرّر بها أول خطوة لبناء عالمهما الجديد:
“سالم… قبل أن نمضي قُدُمًا، علينا أن نُقرّر نحن معنى «المعنى». ليس الأستاذ، ولا الكتب وحدها… نحن.”
تجلّت في عينيها داخليّاتٌ لم تُنطق:
(هل لي أن أصوغ صوتي النظري؟ هل لقلبي أن يَدخل اللغة دون أن يَخجل؟)
هزّ سالم رأسه موافقًا، وارتاح في صدره شعورٌ يشبه فتح نافذة على تفكيرٍ مشترك. فتحت ميّ كتابها، ونظرت إلى الخريطة المفهومية الموضوعة من الملخّص المأخوذ من “أثناء البحث في علم الدلالة”؛ أطراف المفاهيم تلتقي هناك: الدلالة المعجمية، الدلالة السياقية، “القرائن المقامية”، الوظيفة التواصلية، علاقة المتكلّم بالمخاطَب، مستويات المعنى.
قالت ميّ بحزمٍ مفعمٍ باليقين:
“المعنى لا ينفصلُ عن الاستعمال. الكلمة بلا مقامٍ كالشجرة بلا تربة.”
تداخل معها صوت داخليٍ آخر، أكثر هدوءًا لكنه عميق:
(المقام يمنح الكلمة وزنها، يجعلها جسدًا في العالم لا مجرد علامة).
أغمض سالم عينيه لحظةٍ، مستجِيبًا لصياغةٍ كبرىٍ في عقله، ثم قال:
“أرى أن البنية هي الأساس. لا نحددُ المعنىَ إذا لم نُبيّن شكلَ النصِّ وتركيبَه، وخصائص المفردة.”
فكاد الحوار أن يتحوّل إلى رقصةٍ بين نظريتين. ميّ تبتسم بخفّةٍ لتلاقٍ يحمل اختلافًا متسامحًا:
“أنتَ من مدرسةِ البنية إذًا؟”
فأجابها ببسمةٍ حانية: “وأنتِ من المدرسة التداولية.”
ثم، كمن يعلَن ميلاد فكرةٍ جديدة، قال سالم بصوتٍ مُستندٍ إلى يقينٍ متدرّج:
“لا بدّ أن نخلق مدرستنا التكاملية نحن.”
ميّ، وقد أحسّت بأن الحلّ أمامهما، وضعت إصبعها على عبارةٍ في الملخّص: “القرينة السياقية”. نظرت إليهم كأنها عثرت على مفتاحٍ قديمٍ:
“هنا… في هذا المفهوم سرّ الحلّ.”
صمتت الصفحة قليلاً بينما قرأ سالم الكلمة ثلاث مرّاتٍ بهدوءٍ داخلي: “القرينة السياقية”. ثم جاء اقتراحه كفكرةٍ مركّبةٍ من تجربةٍ عاطفيةٍ وفكرية معًا:
“ربما نبدأ من الداخل إلى الخارج: نبدأ بالبنية — ندرس الشكل والوظائف الداخلية — ثم نتقدّم إلى السياق الذي يُحيي هذه البنية ويمنحها مقصدها. هكذا نصوغ تحليلًا لا يفرّق بين ما يقول النصّ وكيف يُقال، وبين لماذا يُقال ومَن المتكلّم.”
انفعلت ميّ داخليًا:
(هذه طريقة تجمع بين روح الجرجاني الذي يرى في النظم معنى، ونظرية سوسير التي تضع القيمة في العلاقات، ومعًا مع روح التداولية التي تُرجع المعنى إلى المقام. وربما — مع لمسةٍ من الدلالات المعرفية لِلايكوف — ندرك كيف تُشكّل الصورة الذهنية معنى الكلمة.)
ابتسمت، واحتضنَا الفكرة كما يحتضن الحالمان خريطة طريقٍ مشتركة. كانت تلك اللحظة أكثر من قرارٍ منهجي؛ كانت قرارًا بأن تصير المعرفة بيتًا، وأن يكون الحبّ رفيق دربٍ في بناء ذلك البيت العلميّ، خطوةً بعد أخرى.
الفصل العاشر:
ردّتها ميّ جاءت سريعة، لكن خلف سرعتها نورُ فهمٍ يشتعل في العينين:
«لا…
لا بدّ أن نبدأ بالسياق… بالسياق الذي سيختصّ به أحدُنا، ونعود منه إلى اختصاص الآخر في البنية.»
كانت كلماتها تشبه خطوةً ذكيّة في رقصة فكريةٍ يدرك فيها كلّ طرفٍ إيقاع الآخر.
سكتا لحظة…
ثم انفجرت ضحكة خفيفة بينهما؛ ضحكةٌ تجمع التحدّي بالتفاهم، واختلاف المنهج بحميميّة المشاركة.
قال سالم وهو ينظر إليها نظرةً فيها مرحٌ يلامس عمقًا حقيقيًا:
«واضح أنّنا… سنختلف كثيرًا.»
ضحكت ميّ وهي ترتّب أوراقها بخجل رقيق، وكأنها تنظّم هواء المكان لا أدوات الطاولة:
«سنتباين…
لكن لن نختلف.»
مرّ الوقت سريعًا؛ ساعتان من النقاش الحار، صوتهما يرتفع قليلًا— لا غضبًا، بل غليان شغفٍ حقيقيّ بالعلم.
قال سالم، وهو يحاول ترتيب عاصفة الأفكار في صدره:
«ميّ…
إذا كان المعنى يبدأ بالسياق…
فمن يحدّد هذا السياق؟
المتكلّم؟ أم المتلقّي؟ أم النص ذاته؟»
أجابته ميّ بثقة ودقّة، كمن يضع حدود خريطةٍ معرفية:
«الثلاثة معًا…
السياق علاقة متداخلة…
ليس نقطة واحدة ثابتة.»
تأمّلها سالم، وقال بنبرةٍ تزداد وزنًا وتماسكًا:
«أما البنية…
فهي التي تحمي هذه العلاقة من الانهيار.»
ابتسمت ميّ بخفة، كأنها تُشير إلى سرّ يفهمه قلبان فقط:
«يعني…
لابدّ أن يكون جزءٌ منّي… وجزءٌ منك.»
توقّف سالم قليلاً، كأن فكرةً عاطفية قد نهضت من بين السطور فجأة، ثم قال بهدوء عميق:
«وهي…
أقرب شيء إلى الحياة بيننا.»
رفعت ميّ رأسها نحوه؛ بدت الجملة وكأنها تحوّلت إلى تعريفٍ غير معلَن للحبّ ذاته.
وقالت بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
«نعم…
العلاقة الناجحة…
لا بدّ أن تحتوي على بنية…
وسياق… وإلا تنهار.»
اقتربت منه قليلًا، وقالت بابتسامة فيها شيء من اللعب الجميل:
«ما رأيك أن نكتب تعريفًا مشتركًا؟»
قال سالم، بصوتٍ رقيقٍ يثق بيدها وفكرها:
«اكتبيه أنتِ…
وأنا سأكمله.»
أمسكت القلم، وكتبت بخطّ واضح مستقيم:
«المعنى هو العلاقة الحيّة
بين بنية ثابتة…
وسياق متحوّل.»
أخذ سالم القلم، وأضاف بدقّةٍ تُكمل لا تُناقض:
«وهي علاقةٌ لا تتجلّى
إلا بوجود متكلّمٍ يقصد…
ومتلقٍّ يؤوّل…
ونصٍّ يسمح لكليهما بالعبور.»
تأملا التعريف، لا كجملةٍ علميةٍ وحسب، بل كمرآة شفّافة لهما:
• ثابتان في جوهرهما
• متحوّلان في تفاصيلهما
• مختلفان في الاتجاهات
• متكاملان في الوجهة
• ومتماسكان لأنهما يحملان «نصًّا» واحدًا
هو مشروعهما المشترك.
قالت ميّ، وعيناها تلمعان بثقةٍ وامتنان:
«إنه… تعريف لنا نحن…
ليس لأي مدرسة.»
ابتسم سالم، وامتدّ في ابتسامته يقينٌ جميل:
«وهذا…
سيكون بداية الإطار النظري.»
في صباح اليوم التالي، دخل سالم وميّ إلى مكتب الدكتور نزار، يحملان ملفيهما وقد أثبتا في صفحته الأولى “التعريف المشترك” الذي توصّلا إليه بعد نقاش طويل. كان المكتب هادئًا إلا من حركة الأوراق وإضاءة خافتة تسيل على الكتب المتراكمة على الرفوف.
أخذ الأستاذ الورقة، وراح يقرأها ببطءٍ متعمّد، كما لو كان يتذوّق الكلمات لا يمرّ عليها.
وبين كل سطر وآخر، كان سالم يشعر أنّ قلبه يطرق صدره طرقًا.
وكانت ميّ، في داخلها، تقول لنفسها:
“هل سيوافق؟ هل سيجد في هذا التعريف ما وجدناه؟ أم سيعيدنا إلى نقطة الصفر؟”
رفع الدكتور نزار رأسه أخيرًا، وقال:
«ممتاز…
هذا تعريف…
ليس تقليدًا.
فيه روح… وفيه فهم.»
كانت ابتسامة الأستاذ نادرة، لكنها هذه المرّة حملت معنى أعمق من الإطراء، كأنّها شهادة غير منطوقة بأنّ جهديهما كان في الاتجاه الصحيح.
وأضاف وهو ينظر إليهما نظرة طويلة ذات مغزى:
«واضح أنّ هذا المشروع…
مشروع شخصين…
يكمل كل منهما الآخر.»
في تلك اللحظة، تبادل سالم نظرة خاطفة مع ميّ،
ولكنّ تلك النظرة احتوت من الكلام ما لا تتّسع له صفحات، وكأنّ صوته يقول في داخله:
“لقد فهم ما بيننا… لا بين التعريف فقط.”
وكانت هي تُجيبه في سرّها:
“ربما لأن المفهوم ذاته، حين يُبنى من عقلين، يصير معنى حيًّا.”
في تلك الليلة، جلس سالم أمام دفتره، ورشّح الحبر على الصفحة كأنّه يفيض بما لم يستطع قوله. كتب:
“أعمق نقاش… كان معها.
وأجمل خلاف… كان معها.
ومن بين حركات الاحتجاج الصامتة، واختلاف التأويل، خرجنا بتعريف…
وبحب…
وبمستقبل أكاديمي مشترك.”
أما ميّ، فقد أغلقت دفترها على ابتسامة هادئة، وكتبت:
“المعنى… ليس مجرد كلمة.
بل علاقة.
وأنا…
علاقتي بسالم هي أوضح معنى عرفته في حياتي.”
وهنا، كأنّ اللغة العربية نفسها تمرّ بخاطر ميّ؛ تتساءل:
كيف ظلّت الكلمة منذ النقوش الأولى على الحجارة، حتى معاجم الخليل وابن فارس، ثم مدارس اللسانيات الحديثة، تحمل سرًّا واحدًا:
أنّ المعنى لا يُولد من المفردة وحدها، بل من العلاقة، من السياق، ومن التفاعل؟
أكان هذا ما عنته حين كتبت؟
أم أنّ القلب سبق العقل وبوّح بما لم تجرؤ عليه قاعات الدرس؟
لم يكن صباح اليوم التالي مشرقًا فحسب؛ بل كان يحمل ضياءً داخليًا، كأنّ السماء نفسها تستعدّ لدرس جديد، درس لا يدرَّس في قاعات الجامعة، بل ينشأ من الهواء، ومن الوديان، ومن كلمات الناس البسيطة التي تصنع معاجمها دون أن تدري.
وقف سالم وميّ عند بوابة الجامعة ينتظران الدكتور نزار.
كان سالم يقول في داخله:
“إلى أين سيأخذنا اليوم؟
وما معنى الرحلة الدلالية؟
أهي بحث في اللغة… أم بحث في أنفسنا؟”
وكانت ميّ، وقد ضمّت حقيبتها إلى صدرها، تفكّر:
“هل كل باحث يحتاج إلى أن ينزل إلى الناس؟
أم تكفيه الكتب؟”
اقتربت السيارة البيضاء الصغيرة ببطء، وحين توقفت، فتح الأستاذ النافذة وقال:
«جاهزون؟
اليوم عندنا رحلة دلالية… ليست نزهة.»
ضحكت ميّ بخفة، وقالت:
«دائمًا تخيفنا بكل جملة.»
ردّ بابتسامة تحمل في طيّاتها شيئًا من التحدّي الهادئ:
«لأن البحث الجاد… لا بد أن يخرج من الكتب… ويعود إلى الناس.»
وكان سالم في داخله يتمتم:
“أحقًا؟
أيمكن للمعنى أن يُفهم من نبض الناس أكثر مما يُفهم من صفحات المعاجم؟
أم أنّ المعجم نفسه بدأ يومًا ما… من كلمة نطقت بها شفاه بسيطة لا تعرف أنها ترسم تاريخ لغة؟”
وهكذا، بدأت رحلة جديدة، تسير بين اللغة والواقع، بين النظرية والخبرة، وبين عقلين… يتشكل بينهما معنى يتجاوز البحث.
ركب الثلاثة السيارة، وانطلقت بهم نحو القرى المترامية في ريف جبلة. كان الطريق يمتد طويلاً، لكن طوله لم يكن عبئًا؛ بل كان أشبه بـ”رجفة جميلة” تهزّ الروح كما لو كانت توقظ فيها شيئًا من ذاكرتها الأولى… رجفة العودة إلى الأصل.
كانت التلال تتعاقب أمامهم كصفحات كتاب قديم، كل صفحة تحمل لونًا، وكل ظلّ يحمل معنى.
وفي داخل سالم، أخذ صوتٌ خافت يقول:
“هل يمكن للباحث أن يعود إلى جذره اللغوي بهذا الشكل؟
أم أنّ اللغة، حين تُدرَس بين الجبال، تصبح أصدق مما تكون في الصفوف؟”
قطع الدكتور نزار الصمت، وقال وهو يراقب الطريق كأنّه يقرأ فيه درسًا غير مكتوب:
«أهم جزء في بحثكم… هو فهم الدلالة الحيّة، لا المجردة.
والدلالة الحيّة لا تُلتقط من الورق… بل من أفواه الناس، ومن تفاعلهم مع حياتهم اليومية.
ولا مكان أفضل من الريف لذلك.»
كان كلامه ينساب بثقة العالم الذي جرّب قبل أن يعلّم.
وفي تلك اللحظة، أحسّت ميّ أنّ الكلمات تأخذ بعدًا آخر؛ فقالت في داخلها:
“الدلالة الحية… أهي ما نبحث عنه حين ننغمس في النصوص القديمة؟
أم أنّ النصوص نفسها كانت يومًا دلالة حية؟
أيعقل أننا نعود اليوم إلى ذات النبع الذي خرجت منه المعاجم؟”
التفت سالم نحو النافذة، وراح يلتقط بأذنه تلاوين الصوت التي تتسرّب من القرى والمزارع، وقال بصوتٍ يحمل دهشة الباحث ولذّة المتلقي:
«حتى اللهجة هنا… لها شعر خاص، ولحن فريد.»
لكن ما قاله كان أوضح مما بدا على السطح، ففي داخله كان يتمتم:
“كيف يصير اللحن لهجة، وتصير اللهجة معنى، ويصير المعنى حياة؟
وهل تكفي المعرفة النظرية لفهم ذلك، أم لا بد من الإصغاء إلى نبض الناس؟”
ابتسم الدكتور نزار ابتسامةٍ يعرفها كل طالبٍ عرف أستاذًا يترك السؤال معلّقًا كي يزداد عمقًا، وقال وهو يراقب الطريق:
«اللهجات يا سالم… ليست اختلافًا عن الفصحى، بل امتدادٌ لها.
هي الذاكرة الشفوية التي تحفظ ما نسيته الكتب.
وإذا أردتما فهم الدلالة… فابدآ من هنا.»
كانت السيارة تمضي، لكن الأفكار تركض أسرع منها، كما لو أنّ الطريق نفسه صار درسًا، والريح التي تمرّ من النافذة أصبحت معلمًا، والريف بكامله تحوّل إلى مساحة للتأمل، حيث تتغيّر الأسئلة، وتنضج الدلالة، وتنكشف اللغة… ككائن حيّ يتنفّس أمامهم.
أضافت ميّ، وهي تحدّق في المشهد الممتدّ خارج النافذة، كأنها تربط بين الطريق ومعنى الكلام:
«يعني… “سياق كامل، متكامل”.»
هزّ الدكتور نزار رأسه موافقًا، وأجاب بنبرة العالم الذي لا يكتفي بتعريفٍ جاهز:
«بالضبط.
المعنى لا يصبح معنى…
إلا إذا وُضع في موضعه الصحيح.
الكلمة وحدها لا تكفي، بل لا بدّ لها من مكان، ومقام، وانفعال.»
ثم أخرج من حقيبته ملفًا صغيرًا، بدا عليه كثرة الاستعمال، وعلى غلافه العنوان المأخوذ من مراجع بحثهما:
“مستويات الدلالة في الكلام الطبيعي:
الوحدة – العلاقة – السياق”
وقال وهو يعرض الورقة كأنها مفتاح المرحلة القادمة:
«اليوم…
سنطبّق هذه المفاهيم…
على كلام الناس، لنجعل النظرية حيّة، والتحليل قريبًا من الواقع.»
كانت السيارة تقترب شيئًا فشيئًا من بيت سالم في القرية، وحين نزلوا، استقبلتهم والدته بابتسامة مضيئة، وبساطة خجولة لا يجيدها إلا أهل الأرض.
قالت الأم، وهي تفتح ذراعيها مرحِّبة:
«أهلًا وسهلًا…
لقد نورتُم بيتنا.»
ضحك الدكتور نزار ضحكة دافئة، نادرة أن تظهر منه، وقال:
«النور نوركم…
ونحن جئنا لنتعلّم، لا مجرد زيارة.»
شعرت ميّ في تلك اللحظة أنّ البساطة نفسها تحمل دلالة لا يمكن وصفها بغير الإحساس المباشر؛ تساءلت في سرّها:
“هل البساطة شكل آخر من أشكال البلاغة؟
أم أن البلاغة، في أصلها، كانت هكذا… قريبة من الروح؟”
دخلت مع أم سالم إلى المطبخ، وهناك بدأت حكاية صغيرة عن اختلاف الكلمات بين الريف والمدينة.
قالت الأم، وقد حمل كلامها شيئًا من حكمة الحياة اليومية:
«نحن هنا… لا نقول “أريد كأس ماء”، بل نقول: “صبّي لي شربة ميّ”.
وإذا قلنا “شربة”، فهي أكثر من مجرد شرب…
فيها معنى الراحة… ومعنى الاطمئنان.»
ابتسمت ميّ، وقد شعرت أنّ الدرس يأتيها من مصدره الأول:
«هذه… “دلالة مقامية” بامتياز.»
كان سالم واقفًا عند الباب، يراقب المشهد بعينين ممتلئتين فخرًا وامتنانًا، بينما كان الدكتور نزار يدون ملاحظاته بسرعة، وكأنّه يخشى أن يفلت منه أي تفصيل يحمل روح المكان.
خرج الثلاثة إلى الساحة الصغيرة بجانب البيت، حيث تمتدّ شجرة الجوز العتيقة فوق رؤوسهم كأنها “كتاب مفتوح” تتوالى فصوله منذ قرون.
قال د. نزار، وقد امتلأ صوته بحماسة الباحث:
«سنحلل اليوم خمس جمل من لهجة المنطقة، ونرى كيف تتغير الدلالة بين المتن والسياق.»
قال سالم، مشيرًا إلى مثال حيّ من صميم الحياة اليومية:
«خذوا هذه العبارة: “الله يرضى عليك”.
هنا…
ليست مجرد دعاء، بل هي طلب… ورجاء… وتذكير بالأصل.»
شعرت ميّ أنّ العبارة، وقد سمعتها مئات المرات من أمّها، تأخذ الآن حُلّة جديدة، فاستدركت:
«وإذا قالتها الأم لابنها… فهي مختلفة تمامًا عن قول جار لجاره.
إنها في الأولى… محبة وخوف ووصية، وفي الثانية… مجاملة ومودة اجتماعية.»
ابتسم الأستاذ، وأكّد بتأنٍّ:
«تمامًا…
إذن لدينا معنى أولي، ومعنى وظيفي، ومعنى عاطفي.»
ثم فتح ورقة في الملف، تحمل عنوانًا عن تعدد مستويات المعنى، وقال:
«انظروا…
هنا مكتوب:
“المعنى ليس وحدة واحدة، بل طبقات تتفاعل حسب المقام.”
وهذه الجملة… أساسية لإطاركم النظري.»
دوّنت ميّ العبارة بحماس، وكان سالم، وهو ينظر إليها، يشعر أنّ قلبه يكتب معها أيضًا؛ كأنّهما يدرسان اللغة، لكن اللغة هي التي تدرّبهما على فهم الحياة.
وبعد الظهر، قال سالم، وهو يتأمل الطريق الممتد بين أشجار الزيتون:
«يجب أن نزور سيدي قليلًا…
إنه يحكي بلغةٍ… بم نعد نسمعها كثيرًا.»
وافق الجميع، وصعدوا إلى بيت الجدّ.
كان الرجل يجلس قرب نافذة صغيرة، يشرب قهوته ببطء، وعيناه تتنقلان بين الدروب كأنها تحفظ تاريخ القرية بتفاصيله الدقيقة.
رفع الجدّ رأسه حين دخلوا، وقال بابتسامة هادئة تفيض بالطمأنينة:
«من هؤلاء الضيوف؟»
أجاب سالم باحترامٍ يعرفه كل حفيد تربّى على الهيبة:
«هذا دكتورنا…
وهذه ميّ.»
نظر الجدّ إليهما مطولًا، ثم التفت إلى ميّ ببطءٍ يشبه التقدير، وقال:
«يا ابنتي…
“أهل العلم… يجعلون المرء لا يشيخ”.»
كانت الجملة بسيطة، لكن وقعها على نفوسهم كان عميقًا، كأن الشيخ كتب بها فصلًا جديدًا في بحثهم، لا في اللغة… بل في معنى أن يظل الإنسان حيًّا بالمعرفة.
ابتسمت ميّ بخجلٍ رقيق، وجلست قرب الجدّ، ثم قالت بصوتٍ يحمل توقيرًا صادقًا:
«جئنا نتعلّم منك، سيدي…
كيف كان الناس يتحدثون في الزمن القديم.»
ضحك الجدّ ضحكة هادئة، تحمل في نبرتها شيئًا من حكمة السنين، وقال:
«تعرفين…
زمان…
كانت الكلمة أثقل من الخبز.
أما اليوم…
فالناس تتكلم كثيرًا…
ولكنها لا تقول شيئًا.»
شعرت ميّ في داخلها أنّ الجملة لم تكن مجرد ملاحظة، بل كانت سؤالًا خفيًا عن معنى الكلام نفسه؛ فسألت نفسها:
“هل حقًّا أصبحت الكلمات أخف وزنًا؟
أم أنّ الآذان هي التي لم تعد تصغي؟”
تنهّد الدكتور نزار وكأنّ العبارة أيقظت فيه بابًا جديدًا للفهم، وقال بإعجاب واضح:
«هذه…
أعمق جملة سمعتها اليوم.»
ثم بدأ الجدّ يروي ما يشبه دروسًا لغوية من الحياة ذاتها:
كان يسرد أمثالًا، ويستعيد حكايات قصيرة، ويطلق مقولاتٍ حادة الدلالة، لا تأتي بها الكتب مهما اتسعت مراجعها، مثل:
• “الذي يعرفك لا يجرّبك.”
• “الكلمة مثل الحجر… تُرمى ولا تعود.”
• “إذا لم يوجد سياق… فلا معنى.”
عند الجملة الأخيرة، شعر الثلاثة بأن شيئًا ما تغيّر في الهواء؛ وكأنّ الجدّ، دون قصد، قد وضع بين أيديهم لبنةً ذهبية تليق بمدخل بحثهم.
قال د. نزار، وهو يلتفت إلى سالم وميّ كمن يعثر على مفتاح الفصل الأول:
«هذه الجملة…
يجب أن تدخل في المقدمة.
إنها تختصر نصف علم الدلالة.»
ومع غروب الشمس، عاد الثلاثة إلى البيت وقد امتلأت رؤوسهم بالأسئلة، وقلوبهم بالطمأنينة.
قدّمت أمّ سالم عشاءً ريفيًّا بسيطًا، وكان البساط يحمل دفئًا لا يكتبه قلم، فضحك الأستاذ أكثر مما يعتاد، كأنه عاد إلى زمنٍ لم يعرفه من قبل.
وقبل الرحيل، وقف الدكتور نزار أمام سالم وميّ، وكان صوته يحمل صدق الخبرة ونبرة المعلم الذي رأى ثمار يومٍ نادر، وقال:
«هذا…
أغنى يوم في بحثكما.
اليوم فهمتما أن الدلالة ليست علمًا وحسب… بل حياة.
هي الناس.
هي الأصل.
هي البيئة…
وهي الصوت.»
ثم أضاف بابتسامة صافية حملت تقديرًا حقيقيًا:
«وأنا…
“مسرور بكما…
حقًا، مسرور”.»
في تلك الليلة، جلس سالم أمام دفتره، وكأنّ يدًا من الضوء تمسك بقلمه، وكتب:
«اليوم…
عاد المعنى إلى جذوره،
ورأيت كيف تتحوّل كلمات أهلي
إلى نظرية متكاملة،
وكيف يصبح العلم أجمل…
حين يعود إلى بيته الأول.»
أما ميّ، فكتبت بخطٍّ يميل إلى الهدوء والإعجاب:
«الريف…
علّمني الدلالة أكثر مما علّمتني الكتب،
وعلّمني…
سالم أكثر.»
لم يكن صباح ذلك اليوم صباحًا عابرًا؛ فهو يحمل شيئًا من السكون الذي يسبق الاكتمال، وكأن الجامعة — على غير عادتها — قد رتّبت صمتها وهيأت طاولاتها وأروقَتها، منتظرةً ولادة فكرة جديدة.
جلس سالم وميّ قرب نافذة واسعة تُطلّ على ساحة الكلية، أمامهما ركام من الأوراق، وثلاثة كتب مفتوحة، والملف المرفق وقد طُبعت منه صفحات واضحة بعناوين صارمة ومنسّقة:
• “مستويات الدلالة”
• “العلاقات البنية – السياقية”
• “منهج التحليل التكاملي”
• “القرائن المقامية”
فتحت ميّ الصفحة الأولى من المسودة، وقالت بصوتٍ يختلط فيه الحماس بنبرة المسؤوليّة:
«سالم…
لقد حان الوقت لنثبت فكرتنا.
حان الوقت لنقول: هذا منهجنا نحن…
لا منهجًا مكرورًا.»
ابتسم سالم ابتسامة هادئة تحمل فطنة التأمّل، وقال:
«لنبدأ من السؤال الأساسي:
ماذا يعني… منهج تكاملي؟»
أمسكت ميّ القلم، وكتبت في أعلى الصفحة، بخطّ يشبه افتتاح باب كبير:
“الفصل الأول: الإطار النظري
1- مفهوم الدلالة – رؤية جديدة”
ثم قالت، وعيناها تشعّان يقينًا فكريًا عميقًا:
«أرى أن الدلالة لا تنفصل:
لا معنى بلا شكل، ولا شكل بلا مقام.»
كان سالم يصغي إليها كمن يصغي إلى موسيقى يعرفها، ثم قال بنبرة تفكير داخلي:
«ويبلغ المعنى حقيقته… حين يفتح الشكل بابًا للسياق، لا حين يحجبه أو يقيّده.»
هزّت رأسها إعجابًا بهذا التحديد، ثم وضعت القلم في يده، وقالت بصوت خافت يشبه الوصية:
«أكمل…»
كتب سالم في الدفتر، وكأنه يكتب في ذاكرته الخاصة:
«نقترح منهجًا يُفهم فيه المعنى بوصفه حركة مستمرة بين مستويين:
– بنية ثابتة تنتظر الفهم، – وسياق متحوّل يمنحها الحياة.»
وقفت ميّ تنظر إلى الكلمات طويلاً، ثم قالت بخفوت يحمل دهشة ذهنية وعاطفية:
«هذه الجملة…
تشبهنا.»
ضحك سالم بخجلٍ شفيف، ثم قال بصوت يحمل من الجرأة بقدر ما يحمل من الصدق:
«وربما…
تشبه تعريف الحب الذي بيننا.»
عادا إلى أوراقهما.
بدأت ميّ تنسخ المفاهيم الأساسية بدقة، وكتبت أول فقرة وكأنها حجر أساس في بناء نظري جديد:
«تتكوّن الدلالة من ثلاثة عناصر رئيسية:
الوحدة المعجمية، البنية التركيبية، والسياق المقامي.»
أضاف سالم، وقد صارت كلماته أكثر عمقًا ووضوحًا:
«غير أنّ العلاقة بين هذه العناصر ليست علاقة خطية، بل هي علاقة تفاعلية متغيّرة، تحكمها شخصية المتكلم، وخبرة السامع، وغرض الخطاب.»
أضاءت عينا ميّ بإدراك مباغت، وقالت:
«هذه أهم فكرة، سالم…
لأنها تفسّر لماذا الجملة نفسها قد تعني شيئًا جديدًا عندما تنتقل من شخص إلى آخر.»
ثم فتحت كتابًا قديمًا، وعقدت مقارنة بين زمنين وفكرين:
«لا بد أن نضيف مقارنة بين الدلالة العربية القديمة — ابن جنّي وعبد القاهر —
وبين النظريات الغربية الحديثة.»
أجاب سالم، وقد برق في صوته اقتناعٌ حقيقي:
«ونشير إلى أنّ مشروعنا… يسعى إلى الجمع بين المدرستين في نقطة وسط واضحة.»
كتب في المسودة، وكأن الكلمات تحاول أن تمسك بخيط جامع بين عالمين:
«إنّ منهجنا المقترح مرتبط بالتراث العربي في تأكيده دور السياق، ومرتبط بالدراسات الغربية في جعل البنية مفتاحًا لفهم المعنى.»
رفعت ميّ رأسها وقالت، وفي نبرتها شبه رضى:
«هذا… أقرب تعريف لمدرستنا.»
بعد ساعات من العمل الصامت، توقّفا.
كانت ميّ تسند رأسها إلى يدها، وقد غمر وجهها تعبٌ يحمل ملامح رضا، بينما كان سالم يقلب الصفحات بشغف، كأن كل صفحة تفتح أمامه عالمًا جديدًا.
قالت فجأة، وقد التبست ملامحها بين الحيرة والافتتان:
«سالم…
ما الذي نفعله؟
هذا ليس طبيعيًا.»
قالها وهو يبتسم دون أن يرفع رأسه، وكأن ما يراه طبيعيًا جدًا:
«ولماذا تعتقدين ذلك؟»
أجابت، وهي تبحث عن يقينٍ يطمئن قلبها:
«لأن طلاب الماجستير عادةً… يسيرون في أثر أستاذهم.
أما نحن…
فنرسم خطّنا بأيدينا.»
أغلق سالم الدفتر، ونظر إليها نظرة تحمل معنى أكبر من الكلام المكتوب:
«ميّ…
نحن لا نكتب بحثًا فحسب…
نحن نكتب مستقبلنا.»
رفعت رأسها قليلاً، وسألت ببطء، وكأنها تختبر عمق الكلمة:
«مستقبل ماذا؟»
أجاب بصوت هادئ، لكنه مشحون بالعزم، وبشيء يشبه الاعتراف:
«مستقبلنا نحن…
بعلمنا…
وبعملنا…
وبحياتنا…
وببيتنا.»
تورّد وجهها بلون الحياء والإثارة، ثم قالت بثقة تمتزج بالحب:
«إذا كان المنهج يشبه هذه اللحظة…
فهو سيكون منهجًا ناجحًا.»
وفي تمام الرابعة عصرًا، دخل الدكتور نزار المكتبة فجأة… كما لو أنّ اللحظة التي صنعوها لأنفسهم
على وشك أن تُختبَر أمام معلمهما الأكبر.
تجمّد الاثنان للحظة، وكأن الزمن توقف عن الدوران، حاملاً الصمت في أعمق معانيه.
ابتسم الأستاذ نزار ابتسامة هادئة، تقول أكثر مما تستطيع الكلمات:
«جئت لأرى…
إلى أين وصلنا.»
أخذ المسودة بين يديه، تصفّح الصفحات الأولى بعين فاحصة، وصمت طويلًا— صمت الباحث الذي يمسح على حجر كريم، متفحصًا كل زاوية فيه.
ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنه مشحون بالاعتراف:
«هذا…
فصل نظري ناضج.»
رفعت ميّ حاجبيها بدهشة، وكاد سالم أن يتنفس بارتياح.
أضاف د. نزار، وكأن كلماته تقيم جسورًا بين الفخر والاقتراح:
«وعندي ملاحظة مهمة:
هذا المنهج…
لا يجب أن يكون لكم فقط.
يجب…
أن يُنسب إليكما.»
ساد صمت جميل، وكأن كل كلمة تحتاج ثوانٍ لتترسخ في القلب، ثم أضاف الأستاذ بابتسامة نادرة، تختصر سنوات من الخبرة:
«سأسمّيه…
المنهج التكاملي لميّ وسالم، إذا تسمحون.»
نظر الاثنان إلى بعضهما، وابتسما ابتسامة تختصر روح سنتين من العمل والجدّ والحب.
بعد أن غادر الأستاذ، جلسا بصمت طويل، كل منهما يغوص في أعماق اللحظة.
قالت ميّ بخفوت وحماس داخلي:
«سالم…
صار لدينا…
مدرسة.»
أجاب سالم، ونظره يسبح بين الأوراق:
«وهي المدرسة…
سترافقنا في كل مكان:
في عملنا، وبحثنا، وبيتنا، حتى طلابنا بعد سنين.»
همس بعدها وكأن صوته يلامس الأوراق نفسها:
«وميّ…
حقًا؟
أنا فخور بنا.»
وضعت ميّ يدها على يده، وأجابته بحنان متدفق:
«وأنا…
فخورة بك، وبكل كلمة نكتبها معًا.»
وفي تلك الليلة، كتب سالم:
«اليوم وُلد منهج.
واليوم…
صار للبحث قلبان.»
وكتبت ميّ بخطّ يحمل دقّة الفهم وعمق الوعي:
«الدلالة…
أصبحت بيتنا الثالث.»
في صباح اليوم التالي، لم تكن المكتبة الجامعية مزدحمة، لكن الداخل إليها شعر بأن شيئًا جديًا يحدث على الطاولة الأخيرة، حيث جلس سالم وميّ، محاطين بمجموعة من الكتب، ونصوص مطبوعة، ودفاتر مليئة بالأسهم والخطوط والملاحظات.
كانت أمامهما نصوص متنوعة:
– قطعة سردية ليحيى حقي
– مقطع من قصيدة نزار قباني
– حوار صحفي
– نص تراثي مختصر
قالت ميّ، وهي تقرأ الجملة الأولى من النص السردي:
«اليوم… نبدأ التطبيق الحقيقي، سالم.
صار وقت نثبت أنّ “المنهج التكاملي” ليس مجرد كلام جميل.»
ابتسم سالم، وعيناه تتأملان النص كما لو كان كائنًا حيًا ينبض:
«ولا شيء أجمل من التطبيق…
لنبرهن أن الفكرة أقوى من النقد.»
بدأت ميّ أول تحليل، وعقلها يركّب بين النظرية والنص، كأنها ترسم خارطة للفهم:
«هنا… كلمة “يمشي” تدل على الحركة، لكن السياق السابق واللاحق يعطيها دلالة نفسية:
الهروب من الذات.»
أعاد سالم صياغة الفكرة على الورقة بعين الباحث والمبدع:
«التحوّل من الدلالة الحركية إلى الدلالة الشعورية نتيجة القرينة السردية.»
ثم أضاف مبتسمًا، وكأن الكلمات تنسج منهجًا حيًا:
«وهي النقطة… ستكون أساسًا في تحليل أي نص معاصر.»
فجأة، ظهر خلفهما صوت ثقيل، يعرفه كل طلاب قسم اللغة العربية:
الدكتور فؤاد، رجل ستيني، صوته حاد، ونظرته فاحصة، ومنهجه صارم تقليدي لا يقبل التغيير بسهولة.
قال وهو يحدّق في الأوراق أمامه:
«ما هذا الذي تكتبونه؟
سمعت أنّكم تعملون… منهجًا جديدًا؟»
وقفت ميّ بخفة، مترددة للحظة، لكن سالم تدخل سريعًا محافظًا على هدوئه:
«دكتور…
هذا جزء من إطار الماجستير.
نحن نعمل مع الدكتور نزار.»
ردّ فؤاد بنبرة ساخرة، تكاد تبرق فيها قسوة سنوات التدريس الطويلة:
«د. نزار… يحب الأفكار الجديدة، لكن ليس كل جديد… علم.»
تبادل سالم وميّ نظرة قصيرة، ثم قالت ميّ بثقة وثبات:
«دكتور فؤاد…
مشروعنا قائم على الدمج بين البنية والسياق.
ليس خروجًا عن التراث…
بل توسيع له.»
اقترب فؤاد، وأخذ الورقة من يد سالم دون إذن،
قرأها بسرعة متفحصة، ثم قال:
«أين الضبط؟
أين الأصول؟
أين المراجع؟
هذا تحليل شعري…
ليس علميًا.»
اشتعلت عيون ميّ بالحزم، لكن صوتها بقي هادئًا رصينًا، يحمل قوة الإقناع دون صخب:
«نحن مستندون إلى المادة الأساسية من ملف البحث في الدلالة:
مستويات المعنى، العلاقات البنية-السياقية، القرائن، وظائف الخطاب.»
أضاف سالم بهدوء، وكأن كل كلمة منه دفاع علمي محسوب:
«وكل فكرة نكتبها… موثّقة، قابلة للقياس، ومرتبطة بالإطار النظري.»
ابتسم د. فؤاد ابتسامة ضيقة، تحمل نوعًا من التحفظ، ثم قال:
«سأعرضها على اللجنة، وإذا وجدنا خطأ منهجيًا…
سنعود إلى النقطة صفر.»
ابتعد بخطوات ثقيلة، لكن وقعها ظلّ يثقل المكان، كأن حجرًا يُلقى على سطح ماء ساكن.
جلس سالم على الكرسي، كأنه تلقّى دفعة قوية في صدره، أحسّ بثقل اللحظة… وببساطتها في الوقت ذاته.
قالت ميّ مطمئنة، بحكمة من يختبر تجربة علمية حقيقية:
«لا تخف… هذا طبيعي.
أي منهج جديد…
لا بد أن يمر بمثل هذا الاختبار.»
همس سالم بينه وبين نفسه:
«هو لم يفهم الفكرة…
ولا أعطانا فرصة للشرح.»
ابتسمت ميّ، كأنها ترى نصف الكأس الممتلئ:
«وهنا… يأتي دور العمل الحقيقي.
ليس كل الناس ستصفّق…
لكن من يفهم، سيرى.»
أمسكت بورقة جديدة، وقالت بتصميم:
«دعنا نكتب ردًّا منهجيًا…
دون إرساله بعد، فقط لنختبر أنفسنا.»
رفع سالم حاجبيه مستغربًا:
«ردّ؟»
قالت بثقة، وكأنها تمسك بيد المنهج نفسه:
«نشرح فيه لماذا تحليلنا… علمي، ومنهجي، وقابل للقياس.»
شعر سالم بإعجاب عميق بها، قلبه امتلأ بفخر داخلي، ووجد في هدوئها ثباتًا جديدًا لنفسه.
كتبت ميّ بخط واضح ومنظّم:
«يعتمد المنهج التكاملي على أربعة مستويات في استخراج الدلالة:
1- تحليل البنية
2- تحليل السياق المباشر
3- تحليل الوظيفة
4- بناء العلاقات بين العناصر
وبذلك يتجاوز المنهج القصور الذي تقع فيه المدارس أحادية الاتجاه.»
رفعت رأسها بعد أن أنهت الكتابة، وقالت بثقة:
«هذا… كلام يصعب الردّ عليه بسهولة.»
أضاف سالم، مبتسمًا، وكأن كل كلمة منه تثقلها التجربة:
«التحليل التكاملي لا يلغي التراث، بل يعيد اكتشافه عبر أدوات حديثة.»
شعر سالم، للمرة الأولى منذ مواجهة النقد، أنّ هذا “الخلاف” لم يكن سوى فرصة لتثبيت المنهج، ولإعادة بناء ثقته بما يعملان عليه.
بعد ساعة، دخل الدكتور نزار المكتبة، اقترب منهما، وكانت ملامحه توحي بأنه علم بما حدث.
قال بصوت مطمئن، محمل بالثقة:
«سمعت أنّ الدكتور فؤاد… مرّ من هنا.»
أجاب سالم، وهو يختزن ما حدث قبل قليل:
«نعم…
ولم يكن مبتهجًا كثيرًا.»
ابتسم نزار ابتسامة واثقة، كأنها إعلان موافقة صامت:
«هذه…
إشارة أنّكم على الطريق الصحيح.»
همست ميّ بقلق خفيف:
«لكن ربما يعترض…»
رد نزار مطمئنًا:
«يعترض أو لا يعترض…
اللجنة العلمية تعمل بالأدلة، لا بالأهواء.
وإذا كان المنهج قويًا… فلن يوقفه أحد.»
ثم أضاف، مبتسمًا بلطف، وكأنه يمدهما بالطمأنينة:
«أنا معكما.
وهذا مشروع…
سينشر بعد التخرج، صدّقوني.»
جلس سالم للحظة، يستوعب الكلمات، شعر أنّ جملة صغيرة، بسيطة، قد أعادت له كل ما فقده من هدوء وثقة قبل ساعة.
بعد أن غادر الأستاذ، بقي الاثنان وحدهما في المكتبة، يتنفسان بصمت ممتد، كأن الهواء نفسه يحمل أثر النقاش الطويل.
قال سالم، وقد ارتعش صوته قليلًا بين الامتنان والخجل:
«ميّ…
شكرًا لكِ.
لو لم تكوني بجانبي…
لربما انهار المشهد كله.»
لمست ميّ يده بخفة، وقالت بصدق هادئ:
«ونحن…
لا نبني مجرد بحث علمي، بل نبني طريقة تفكير مشتركة… طريقة تسمح لنا أن نفهم العالم معًا.»
صرّ بخجل وامتنان، وكأن كلماته تقف على حافة القلب:
«لقد صرتِ…
شريكتي في العلم…
وشريكتي في القلب.»
ابتسمت، ونبرتها تمتلئ بدفء رقيق:
«وأنت…
صرتَ “سياقي” الدائم.»
ضحك الاثنان، ثم عادوا لإكمال العمل، وقد صارت المسودة أكثر ثباتًا، وأكثر قدرة على مواجهة أي نقد.
في تلك الليلة كتب سالم بخط يملؤه التأمل:
«الخلاف…
ليس عدوًّا، بل الباب الأول للثبات.»
وكتبت ميّ، وقد أشرقت عيناها بنور الرضا:
«المعنى…
لا يكتمل إلا حين يُمتحن.»
كان صباح اليوم التالي، وقاعة مناقشة مشاريع الماجستير ترتدي ثوبها الرسمي البارد، جدرانها مكسوّة بلوحات لفلاسفة عرب، وهواءها مشدود كأنه ينتظر كلمة قد تُغيّر مسار الأحداث.
وقف سالم وميّ أمام المنضدة الطويلة، يتأملان ثلاثة أساتذة جلست وجوههم صارمة لكنها تحمل بصمة التاريخ:
• الدكتور فؤاد — صاحب المنهج التقليدي
• الدكتورة منار — خبيرة في اللسانيات التطبيقية
• الدكتور نزار — المشرف وصاحب البصمة الأولى في المشروع
في يد سالم نسخة مصقولة من المسودة، وفي يد ميّ ملف مليء بالنقاط المرجعية، والقلوب تخفق بصوت لا يخفى على الداخلين.
غمز نزار لهما بابتسامة هادئة، وقال:
«جاهزان؟»
هزا الاثنان رأسيهما، لكن داخلهما كان مشحونًا بمزيج من التوتر والترقب.
بدأت الدكتورة منار الكلام بنبرة مهنية متزنة:
«اليوم نستمع إلى عرض المسودة الأولى للمنهج المقترح بعنوان:
“التحليل الدلالي التكاملي: البنية المتحوّلة والسياق الثابت”
من إعداد الطالبين ميّ وسالم.»
أشارت إليهما بلطف،
«تفضلا.»
خطت ميّ خطوة إلى الأمام، ثم تبعها سالم، كأنهما يدخلان معًا بابًا واحدًا نحو اختبار معرفي وجمالي في الوقت ذاته.
قالت ميّ بصوت رزين، واضح، مضبوط النبرة:
«مشروعنا يقوم على فكرة مركزية:
أن المعنى…
لا يُستقى من النص وحده، ولا من السياق وحده، بل من العلاقة الحيّة بينهما، العلاقة التي تُنَمّي الفهم، وتستوعب الفروق الدقيقة بين المتكلم والمتلقي، بين الظاهر والمضمر.»
ثم سلّمت الدور لسالم، الذي تحدث بثبات وإيقاع محسوب، كمن يفتح نافذة على اكتشاف جديد:
«ومن هنا جاء منهجنا التكاملي، الذي يُحلّل النص عبر أربعة مستويات مترابطة:
– البنية،
– السياق،
– الوظيفة،
– العلاقات الدلالية.
وهكذا، لا يصبح المعنى مجرد وحدة جامدة، بل حركة مستمرة بين عناصر ثابتة وقوى سياقية متحوّلة، تُعيد قراءة التراث، وتستوعب المنهج الغربي الحديث، في إطار يربط بين الفهم التقليدي والتجربة المعاصرة.»
كانت العيون مركّزة عليهما، كأنهما يعرضان اكتشافًا أثريًا، لا مجرد مشروع أكاديمي، والأحاسيس تتقاطع بين رهبة الاختبار وبهجة الإنجاز.
رفع الدكتور فؤاد يده ببطء، ونظر إلى سالم وميّ بعينين فاحصتين، ثم بدأ كلامه بنبرة هادئة، لكنها مشحونة بالحدة:
«السؤال الأول:
أين المرجعية الواضحة لمنهجكما؟
من أين استنبطتما هذا الدمج؟
وهل هو منهج معترف به أكاديميًا،
أم اجتهاد شخصي؟»
هزّ سالم رأسه باحترام، وصوته ينضح هدوءًا وثقة:
«نعم دكتور…
إنه اجتهاد…
لكنّه قائم على أسس علمية دقيقة.»
فتحت ميّ الملف أمام اللجنة، ووضعته بين يديهم كما تضع الباحثة حجر الزاوية في صرح علمي، ثم قالت بصوت رصين:
«هذه مقتطفات من المادة العلمية التي استندنا إليها أثناء البحث في علم الدلالة:
• مستويات الدلالة
• القرائن المقامية
• البنية المعجمية
• العلاقة بين المتكلم والمتلقي
• وظائف الخطاب
• الفروق بين الدلالة الحرفية والدلالة الإيحائية
إنّ هذه المفاهيم… هي القاعدة التي بنينا عليها المنهج، مع تطوير منهجي يربط بين العناصر ويوازن بينها.»
ضيّق د. فؤاد عينيه، كمن يحاول اختراق السطح لرؤية الجوهر، وقال:
«حسنًا…
ولكن، ما الذي يضمن أنّ هذا الدمج ليس مجرد تلفيق؟»
أجاب سالم بثبات هادئ، وكأن كلماته تصنع جدارًا منطقياً أمام الشك:
«التطبيق هو الضمان.»
وضع أمام اللجنة ثلاثة نصوص محللة بعناية، تُظهر كيف يتغيّر المعنى إذا عُزلت البنية عن السياق، أو السياق عن البنية.
لاحظت الدكتورة منار، وتغيرت ملامحها من مراقبة حذرة… إلى إعجاب صامت، كأنّ فهمها يلتقط عمق المنهج لأول مرة.
قال فؤاد بصوت أكثر صرامة:
«في تحليلكم لجملة:
‘يمشي الرجل نحو الجبل’
قلتم إنها تحمل دلالة نفسية.
ألا ترون أنّ هذا إسقاط؟
أين الدليل البنيوي؟
وأين الحد الفاصل بين المعنى الحرفي والمعنى التأويلي؟»
سكنت القاعة لحظة، لكن ميّ لم تتزعزع.
رفعت الورقة التي كتبت فيها تحليلها، وقالت بهدوء ووضوح:
«الدلالة البنية تقول:
يمشي = حركة
الرجل = فاعل
الجبل = هدف أو مرجع
لكن الدلالة السياقية، ضمن النص الذي وردت فيه الجملة، تُظهر أنّ الجبل رمز للخلاص، والمشي ليس مجرد حركة بل هروب من الذات.»
أضاف سالم، وهو يضع إصبعه على الصفحة المفتوحة أمامه:
«لم نفسّر خارج النص، بل داخل سياقه الكامل، باستخدام الأدوات البنيوية والدلالية التي استقيناها من التراث العربي وعلوم الدلالة الحديثة.»
ثم فتح الصفحة المستندة إلى الملف المرفق لدى اللجنة، وقرأ بصوت واضح مقتبسًا منها:
«هذا يثبت أنّ المعنى ينتقل من الحرفية إلى الوظائفية حين تتغير بنية الخطاب وتداخل السياق.»
سكت د. فؤاد…
أربع ثوانٍ فقط، لكنها كانت أطول من أي كلام، وكانت هذه أول علامة اعتراف غير مباشر، يقرّ ضمنيًا بصحة المنهج وقوة حججه.
دخل الدكتور نزار، بخطوة هادئة وثابتة، ونبرة صوته تحمل وقار الأستاذ وخبرة الباحث:
«اسمحوا لي، دكتور فؤاد…
المشروع لا يلغينا، ولا يتجاوز ما ندرّسه، بل يفتح زاوية جديدة في قراءة النص بما يتوافق مع تطوّر اللسانيات الحديثة.»
ثم التفت إلى ميّ وسالم، بنظرة تحمل الثقة والاعتراف بالجهد:
«ما يقوم به الطالبان ليس شعرًا، بل بناء معرفي متين.»
ثم وجه كلماته إلى اللجنة كاملة:
«وأتمنى أن ننظر إليه بوصفه مشروعًا مؤسسيًا، لا مجرد اجتهاد فردي.»
كانت هذه الجملة أقوى من أي دفاع ممكن، صوت الحقيقة التي لا تحتاج إلى زخرفة، إذ حملت بين كلماتها حكمًا وعلمًا معًا.
ساد القاعة صمت طويل، أخذت أنفاس الجميع تتلاحق في هدوء، ثم قالت الدكتورة منار:
«أنا أرى منهجًا يستحق المتابعة.
فيه جهد واضح، وفيه رؤية دقيقة.»
أجاب د. فؤاد بجملة قصيرة، لكنها كانت اعترافًا ضمنيًا:
«لا مانع من متابعة المشروع…
مع شرط تدقيق المصطلحات.»
ابتسمت ميّ بخفة، وانخفضت كتفاه سالم بالراحة، كأن جبلًا هائلًا أزيح عن صدره فجأة.
أعلن د. نزار بصوت واثق:
«تمّت الموافقة على الانتقال إلى كتابة الفصل التطبيقي.»
ارتفع التصفيق من بعض الطلاب في الخلف، أما ميّ وسالم فلم يصفّقا، بل اكتفيا بالنظر إلى بعضهما، نظرة صامتة، حملت كل المعاني التي لم تستطع الكلمات أن تقولها، لكن الحب أشار إليها بلا عناء.
في تلك الليلة كتب سالم:
«اليوم وقف المنهج على قدميه،
والأصعب لم يعد مخيفًا.»
وكتبت ميّ:
«المعنى يصمد حين يُمتحن…
ونحن صمدنا.»
كان يومًا رماديًا،
والسماء ملبّدة بسحب خفيفة،
والجامعة تبدو في حالة انتظار،
لكن أكثر من كان ينتظر،
هما ميّ وسالم، اللذان دخلا مكتب الدكتور نزار،
وفي أيديهما ملف الفصل النظري، جاهزًا للتطبيق.
قال د. نزار وهو يقلب الصفحات بعناية:
«ممتاز… وصلنا إلى مرحلة التطبيق.
سنعمل الآن على خمسة نصوص من اختياركم.»
أخرج سالم قائمة النصوص:
1- نص من يحيى حقّي
2- نص شعري لنزار قباني
3- نص إعلامي
4- نص قصصي معاصر
5- نص تراثي صغير
قبل أن يبدأ النقاش، دخل فجأة الدكتور عبد الرؤوف، أستاذ قديم في القسم، متخصص في البلاغة التقليدية، ومعروف بدقته وتحفظه.
قال موجّهًا كلامه للدكتور نزار:
«سمعت أن لديكم مشروعًا تكامليًا…
مثيرًا للجدل؟»
ابتسم د. نزار وقال بهدوء:
«ليس مثيرًا للجدل، دكتور، بل جديد قليلًا.»
ثم التفت عبد الرؤوف إلى ميّ وسالم:
«النصوص التي اخترتموها… لا تفي بالغرض لمشروع دلالي عميق.
تحتاجون نصوصًا أصعب، أكثر كلاسيكية، أكثر انضباطًا.»
توترت ميّ، لكنها قالت باحترام:
«دكتور… النصوص المختارة متنوعة لتمثيل مستويات مختلفة من الخطاب، وهذا جزء من هدفنا في تطبيق المنهج التكاملي.»
هزّ د. عبد الرؤوف رأسه بالنفي، قائلاً:
«هل هذا منهج حديث؟
الحداثة ليست تبريرًا.
نصوصكم خفيفة، ولا تمر أمام لجنة دولية دقيقة.»
تدخل سالم بصوت متزن:
«دكتور، نحن لا نهرب من الصعوبة، لكن نختار نصوصًا تمنحنا بيانات واضحة لتطبيق المنهج.»
نظر د. عبد الرؤوف إلى سالم نظرة طويلة، ثم قال الجملة التي قلبت المشهد:
«لا، يجب أن تبدلوا ثلاثة نصوص على الأقل، وتحللوا نصًا قرآنيًا، ونصًا من الجاحظ، ونصًا من أدونيس.»
شهقت ميّ خفيفًا، وشعر سالم بقلق يسري في ظهره، فهذه النصوص من أصعب ما يمكن أن يواجه باحثان مبتدئان، لأنها تتطلب دقة متناهية في الدلالة، وفي الإحاطة، وفي التأويل.
قال د. عبد الرؤوف بصرامة:
«إذا كان مشروعكم قويًا…
فليثبت نفسه أمام النصوص الثقيلة، وإلا… اعتبروه تجربة جميلة، ولكن ليس مشروع ماجستير.»
ثم غادر المكتب كما دخل، صامتًا، متحفظًا، دون انتظار رد.
ساد صمت ثقيل في المكتب، وكان كل شيء حولهما كأنه يترقب القرار.
جلست ميّ على الكرسي، يدها ترتجف خفية، وشفتاها تضغطان ببعضهما، كأنهما تحاولان كبح ما يعتمل في صدرها.
قالت بصوت منخفض، متردد:
«سالم…
هل يعني هذا…
أن نعيد كل شيء؟»
ردّ سالم، وصوته مزيج من الحيرة والدهشة:
«إذا عدّلنا النصوص…
فهذا يعني أن المنهج سيحتاج إلى مراجعة، وربما إعادة صياغة بعض الفصول.»
وضعت ميّ يدها على جبينها، والقلق يملأ وجهها:
«وهذا…
قد يطيّر شهورًا من عملنا.»
كان الدكتور نزار صامتًا، لأول مرة منذ بدأ المشروع، ثم قال أخيرًا بهدوء:
«أنا…
أفهم ما حدث، والقرار… ليست له كلمة هنا… بل لكم.»
رفع سالم رأسه بسرعة، متفاجئًا:
«يعني…
يمكننا الرفض؟»
هزّ د. نزار رأسه مبتسمًا بهدوء:
«يمكنكم الرفض…
لكن عليكم أن تكونوا مستعدين لمواجهة اعتراض قوي في اللجنة،
أما إذا وافقتم…
فسوف تخوضون قفزة علمية كبرى.»
همست ميّ بخوف واضح:
«ولكن…
نص قرآني للتحليل الدلالي؟
هذه مسؤولية جسيمة… وخطيرة.»
ردّ نزار بلطف:
«أنا معكم…
إذا قررتم القيام بذلك، لكن عليكم أن تكونوا على قدر التحدي.»
خرج الاثنان من المكتب، يمشيان ببطء في رواق الكلية، كانت خطواتهما أثقل من المعتاد، وكأن وزن المسؤولية يثقل كل حركة.
جلسا على الدرج الحجري المقابل للحديقة الصغيرة، والأوراق التي تركوها خلفهم تذكرهما بالجهد الطويل.
قال سالم، وهو ينظر إلى ميّ بعينين صادقتين:
«ميّ…
ما رأيك؟
جدّيًا…
نقبل أم نرفض؟»
أطرقت ميّ رأسها، ثم قالت بصوت واهن:
«أنا… خائفة.»
نظر إليها سالم بحنان، وابتسامة صغيرة تخفي توتره:
«وأنا؟
أنا أكثر خوفًا منك، لكن المشروع الذي نعمل عليه… لا يُكتب بنصوص خفيفة، ولا ينتشر إلا بالتحدّي.»
رفعت ميّ بصرها إليه، عينيها مليئتان بسؤال واحد صامت:
«وإذا فشلنا؟»
أجابها بثقة وحزم:
«سوف نفشل… وسننهض مرة أخرى، لكننا لن نتوقف قبل أن نمشي الطريق كله.»
تنفست ميّ بعمق، كأن الهواء دخل صدرها بعد غياب طويل، ثم قالت:
«إذا كنت معي… أنا جاهزة.»
ابتسم سالم، ابتسامة رجل يعرف المسار جيدًا مهما كان صعبًا.
قالت وهي تمسك يده بثقة:
«سنغيّر النصوص… ونقوّي المنهج… ونثبت أن الفكرة حيّة حتى أمام النصوص الثقيلة.»
أومأ سالم، قائلاً:
«وسنكتب… أول فصل تطبيقي… على نصّ قرآني.»
أضافت ميّ، بنبرة احترام ومسؤولية:
«ولكن…
بدقة، وباحترام…
وبمسؤولية كاملة.»
رجف قلب سالم إعجابًا بها مرة أخرى، شعور بالدهشة والاحترام امتزج بالحب، في لحظة لم يكن فيها مجرد بحث، بل عهد بين عقلين وقلبين.
