معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء السادس
الفصل الحادي عشر:
جلسَ سالمٌ وميّ أمام المصحف، والآية الكريمة تتلألأ بحروفها كأنها نَفَسٌ نازلٌ من علياء الحكمة، تقول:
“وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا”.
لم يكن سالم ينظر إلى الحبر على الورق، بل إلى ما وراء الحبر؛ إلى تلك البنية التي تنسج علاقة خفيّة بين المعنى والقلب. رفع رأسه رويدًا، وسجّل أولى خواطره بصوتٍ اختلط فيه الهمس بتنهيدة الباحث الذي يخشى على الفكرة أن تفلت قبل أن تُكتَب:
“لنبدأ بالبنية…
الفاعل “عباد الرحمن” ليس جماعةً تُحصى عددًا، بل هويةٌ معنوية، دائرةٌ تستظلّ بالرحمة، وتنتمي إلى ظلّها قبل أن تمارس أي فعل”.
ميّ مرّرت أصابعها بخفة على الصفحة، كأنها تتلمّس نورًا لا ورقًا، وقالت:
“إذن… الفعل “يمشون” لا يصف حركةً تُرى، بل سلوكًا يُحَسّ. هو مشيٌ تربوي، مشيٌ يضبط الإيقاع الأخلاقي للإنسان في حياته اليومية”.
وانشغل سالم بكتابة ملاحظاته في ورقته:
“البنية:
• “يمشون” — حركة تُبصرها العين، وتُدركها الروح.
• “الأرض” — فضاء التجربة الإنسانية، مسرحُ الامتحان والمعرفة.
• “هونًا” — الكيفية؛ نبرة السلوك، وميزانُ التفاعل مع الكون”.
وقالت ميّ، وهي تعود إلى السياق لتقرأه بوعي المقام:
“السياق هنا لا يُبقي للفعل معناه الحركي وحده. المشي هونًا هو تواضعٌ، واعتدال، وسيادةٌ للنفس على رغائبها. ليس فعلًا جسديًا، بل مقامٌ أخلاقيّ يليق بمن ينتسب إلى الرحمة”.
أشار سالم إلى الورقة، وقال كمن يكتشف حجارة فسيفساءٍ تكتمل تدريجيًا:
“إن دلالة الوظيفة هنا… تبرز كيف تتساند البنية والفعل لتصنع صورة سلوكية تربوية. فالنص لا يصف، بل يوجّه؛ لا يذكر فعلًا، بل يرسُم منهجًا في العيش بين الأرض والسماء”.
وأغلقت ميّ عينيها لحظةً كأنها تستمع لما لا يُقال، ثم فتحتْهما وقالت:
“العلاقات بين “العباد”، و”الأرض”، و”الهون”…
إنها شبكةٌ متكاملة:
الفاعل مرتبط بالفضاء الذي يُمتحَن فيه، والكيفية تربط الحركة بهدفها الروحي، فتغدو الخطوة رسالة، والمشي عبادة”.
سكت الاثنان، لا لأن الكلام انتهى، بل لأن المعنى بدأ يتسع في داخلهما. ثم همست ميّ، وكأنها تخشى أن تُفسد رهبة اللحظة برفع صوتها:
“سالم… كل كلمة هنا… تحمل ظِلّين: ظلًا علميًا، وآخر روحيًا. كيف نُطبّق المنهج على نصوص أخرى من دون أن نفقد هذا الوهج؟”
أجابها سالم، وقد ازدادت نظرته عمقًا:
“هنا يتجلّى معنى المنهج التكاملي…
التوازن بين الحرفي والسياقي، بين الوظيفة والعلاقات، هو الذي يمنحنا القدرة على كشف الدلالة الكامنة في كل نص. لقد حاول القدماء ذلك بطريقتهم، من سيبويه في تنظيمه للعلاقات، إلى ابن جني في حديثه عن ملاءمة اللفظة لمحيطها، إلى عبد القاهر الذي جعل النظم روحَ المعنى.
ونحن اليوم نُضيف البعد الوظيفي: ما أثر الكلمة على المتلقي؟ وكيف تُسهم في تشكيل صورةٍ سلوكية أو نفسية؟”
ابتسمت ميّ، وكأن سؤالًا كان يخيفها قد وجد مكانه:
“إذن… لن يكون المنهج أداةً جامدة، بل تجربة تربوية، تُعيد تشكيلنا كلما قرأنا نصًا. قراءةٌ يجتمع فيها العقل والقلب، والفكرة والدلالة”.
نظر سالم إلى الآية ثانيةً، وهمس كما لو أنّه يعاهدها:
“هنا نبدأ…
سيواجه منهجنا أصعب النصوص، وسنرى قدرته حين يضيء كل كلمة، ويكشف معناها في أعمق السياقات”.
مدّت ميّ يدها فوق الصفحة، من غير أن تمسّ الحروف، كأنها تُحيّي المعنى قبل أن تُحيّي الشكل. وشعرت، في تلك اللحظة، أن اللقاء بين القلب والنص هو أول خطوة حقيقية نحو فهمٍ لا يكتفي بالمعرفة، بل ينهل من الإيمان أيضًا.
جلس الاثنان بصمتٍ تام، ثم بدأت ميّ تكتب ملاحظاتها:
“فلننظر إلى آلية العمل في هذا المنهج…” قالت وهي ترسم كلماتها ببطء شديد، كأنها تُنقّب عن جذور في الأرض.
“نبدأ بالبنية اللغوية: كل كلمة وحدةٌ قائمة، تحمل إمكاناتٍ تمتد في الزمن. من العصر الجاهلي إلى الحديث، ظلّت الكلمات تتغير دلالاتها بتغيّر سياقاتها… فكيف نوفق بين استقلالها وبُعدها التأريخي؟”
ضحك سالم بخفوت، وقال:
“وهنا يكمن سرّ السياق. لقد كان ابن جني يقول إن الكلمة لا تُعرف إلا من خلال أخواتها، وإن العلاقات بينها هي التي تُنتج المعنى. ثم جاء عبد القاهر ليُضيف: إن النظم هو موضع الإعجاز، وإن انفصال اللفظة عن موضعها موتٌ لمعناها.
ونحن نضيف خطوة أخرى: كيف تعمل الكلمة في نفس القارئ؟ كيف تغيّر فهمه؟ كيف تُهذّب سلوكه؟”
وأومأت ميّ برأسها، ثم كتبت في ورقتها بخط ثابت:
“إن المنهج التكاملي ليس جمعًا لعلوم متعددة، بل هو اختبارٌ روحيّ وعقليّ لمعنى النص… محاولةٌ لقراءة ما بين الكلمات، وما قبلها، وما بعدها”.
رفعت ميّ رأسها، كأن فكرة قد أضاءت فجأة في أعماقها، وقالت بصوتٍ فيه مسحة يقينٍ يتشكّل:
“إذًا… نحن أمام ثلاثة مستويات متشابكة:
1- المستوى البنياني: حيث تتبدّى الكلمةُ وحدةً مستقلة، تقوم بذاتها، وتشكّل مع أخواتها نسيجًا تركيبيًا لا يُفهم إلا من داخله.
2- المستوى السياقي: حيث تكشف الكلمة عن معناها الواقعي، عن وظيفتها التي تُمارسها ضمن الجملة، وعن علاقتها بما يحيطها من ألفاظ ومعانٍ.
3- المستوى العاطفي والأخلاقي: حيث يتحول المعنى إلى أثرٍ نفسي وروحي، يوقظ حسّ القيم، ويُشرك القارئ في رسالة النصّ لا بوصفه متلقيًا فقط، بل بوصفه شريكًا في الفهم”.
كان سالم يُنصت، ثم كتب تحت كل نقطة تعليقًا بدا كأنه امتدادٌ لصوتٍ داخلي يلحّ عليه:
“وهكذا… نرى أن الفعل “يمشون” لا يصف حركةً تُرى بالعين، بل يَسِمُ السلوك بصفة الاعتدال والتواضع. إنه يحوّل البنية اللغوية إلى سلوكٍ حياتي، وإلى خطوةٍ في تربية النفس قبل أن يكون حركةً على الأرض”.
تنهّدت ميّ في سرها، كأن سؤالًا داخليًا قد عاد ليطرق باب الفكر، ثم قالت همسًا:
“هذا… هذا تحديدًا ما يجعل المنهج حيًّا. ليس تحليلًا جافًا للكلمات، بل جسرًا يمتدّ بين العقل والقلب، يربط تراث العربية القديم بفهمنا المعاصر للنصوص. هل يمكن للفظةٍ واحدة أن تحمل هذا كله؟ نعم… إذا قرأناها كما ينبغي”.
وأشار سالم إلى المصحف أمامهما، وقد بدا في عينيه أثرُ اكتشاف حديث:
“وبهذا المنهج نستطيع أن نقرأ النصوص القرآنية، والشعر، وكتب التراث. ندرس كيف تتفاعل البنية مع السياق، وكيف تتولّد الوظيفة الدلالية، فنرى النص في عمقه الكامل… لا في سطحه. أليس هذا ما كان يسعى إليه علماء العربية منذ الخليل إلى الجرجاني؟”
ابتسمت ميّ، ابتسامة خفيفة اتّسع فيها الفهم كنافذةٍ تُفتح على نور:
“إذن… المنهج التكاملي ليس أداة بحث فقط. إنه تجربة تربوية، يربطنا بالنص كما يربطنا بالتراث العربي نفسه، ويعلّمنا كيف نقرأ الكلمات ونحن نعيشها، لا كيف نُحلّلها فقط”.
وهمس سالم، كمن يكتب وعدًا لا تعليقًا:
“كل نص… عالم. وكل كلمة… بوابة إلى فهم الإنسان والحياة، إذا عرفنا كيف نقرأها بمنهجية متكاملة، لا بمنهجٍ يقف عند حدود السطح”.
وتبادل الاثنان نظرة قصيرة، حملت سكينة الانتصار الصغير؛ ذاك الذي يشعر به الباحث حين يدرك أن الفهم ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالمعنى رحلة بين الحرف والروح، بين التراث والحاضر، بين العقل والقلب.
وفي يومٍ آخر…
جلس سالم وميّ أمام نصٍّ مختار من كتاب الجاحظ، مقطعٍ يتأمل فيه الكاتب سلوك الحيوان وعلاقته بالإنسان.
بدأت ميّ القراءة، ثم توقفت فجأة، وقالت بصوت هادئ يشبه تفكيرًا يُنطق بصعوبة:
“سالم…
انظر إلى البنية أولًا…
الجمل قصيرة، محكمة، كل كلمة تؤدي وظيفة مقصودة. كأن الجاحظ يحذف كل ما لا يخدم الصورة، ليترك المعنى يمشي وحده بلا أثقال”.
دوّن سالم ملاحظاته، وقد بدا أن القلم يتحرك قبل الفكر أحيانًا من شدة التركيز:
“البنية:
• الفعل الرئيسي — يصف حركة أو فعلًا واضحًا.
• الفاعل — حيوانًا أو إنسانًا، لكنه ليس مجرد اسم؛ بل مركز لحدث.
• الهدف أو المفعول — هو المتأثر بالفعل، وهو نقطة الحكاية.
كل عنصرٍ جزء من منظومة دقيقة، تتولّد منها صورة ذهنية واضحة وملموسة”.
سكتت ميّ قليلًا، ثم قالت وكأنها تعود لتقرأ النص بعين أخرى:
“السياق المقامي…
الجاحظ لا يصف الحركة لذاتها، بل يربطها بالقيم والأخلاق، يبيّن التوازن بين الطبيعة والفكر.
فتغدو حركة الحيوان درسًا، وتغدو حكايته مرآةً لسلوك الإنسان.
هكذا يتحول النص من وصفٍ إلى خطاب تربوي، من قصةٍ إلى فكر”.
رفع سالم رأسه إليها، وأشار بالقلم إلى ملاحظاته:
“الوظيفة واضحة الآن:
كل فعل في النص ليس وصفًا فقط، بل وسيلة تعليمية؛ نموذج سلوكي يقدّم نفسه للقارئ عبر مستويات معرفية وأخلاقية. أليس هذا امتدادًا لعلم الدلالة عند القدماء، حيث الكلمة تُقاس بأثرها؟”
وأغلقت ميّ دفترها للحظة، ثم قالت بتأملٍ عميق:
“العلاقات الدلالية بين الفعل والفاعل والهدف…
ثم أثر السياق على هذه العلاقات…
كلها تصنع رسالة واحدة للقارئ:
كل فعلٍ له وزن.
كل سلوكٍ يترك أثرًا.
وكل كلمةٍ في النص تختار مكانها لتقول شيئًا أبعد مما يبدو”.
همس سالم إلى نفسه، وكأنه يخاطب روحه قبل أن يخاطب ميّ، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ يكاد لا يسمع:
“مي…
تأمّلي جيدًا… إن المنهج التكاملي ليس أداةً جامدة، بل ميزانٌ يكشف التوازن بين النص والواقع، بين التعبير اللغوي والمغزى الأخلاقي. هكذا نستطيع تحليل أي نص، مهما بلغ قِدمُه أو عَظُم شأنه، فنبلغ من خلاله فهمًا أعمق للخطاب العربي عبر العصور. أليس هذا ما كان يسعى إليه علماء الدلالة والنظم منذ القرون الأولى؟”
ابتسمت ميّ ابتسامة خفيفة، وكتبت بخطٍّ رزينٍ يوحي بطمأنينة الباحث الذي وجد طريقه:
“كل نصٍّ تاريخي، مهما ارتفع وقعُه أو امتدّ زمنه، يحمل دلالاتٍ يمكن وصلها بالبنية، وبالسياق، وبالوظيفة، وبالعلاقات العميقة بين الألفاظ… وهذا هو جوهر المنهج التكاملي”.
رفع سالم رأسه، كمن يتأمل أفقًا بعيدًا لا يُرى إلا ببصيرةٍ لغويةٍ درّبتها القراءات، وقال:
“وهنا تظهر قوة هذا المنهج… فهو ليس مجرد وصف، بل قراءة حيّة للنصوص، قراءة تجمع بين الحرفي والمعنوي، بين الفكر والوجدان، بين اللغة والروح. وهذا، تحديدًا، هو ما يُميّز مشروعنا عن كل منهجٍ يقف في اتجاه واحد دون أن يرى المساحة الكاملة للنص”.
أجابت ميّ بخفة، لكن مع عمقٍ يشي بأن سؤالًا داخليًا كان يتشكل في وجدانها:
“والآن… بعد أن فهمنا النص القديم بهذه الطريقة، يمكن أن نختبر المنهج نفسه على نصوص معاصرة. أليس من حقنا أن نرى كيف يتفاعل المعنى مع تغيّر الزمن والسياق الثقافي؟ وهل سيظلُّ المنهج قادرًا على كشف الطبقات الخفية ذاتها؟”
ابتسم سالم ابتسامة توافقٍ واعترافٍ بقوة السؤال:
“تمامًا… ومع نص من الأدب الحديث سيكون الاختبار أصعب. لكننا الآن مستعدّون.
الفهم العميق للبنية والسياق والوظيفة هو ما يمنحنا القدرة على مواجهة النصوص الحديثة المعقدة، وكشف مستويات المعنى فيها. ألسنا بحاجة إلى منهج يستطيع أن يعبر الزمن دون أن يفقد روحه؟”
وفي تلك اللحظة…
طرق الباب طرقًا خفيفًا يشبه حضورًا يعرف كيف يدخل دون أن يربك صمت الباحثين. دخل الدكتور نزار، وتقدّم بخطواتٍ هادئة حتى وقف أمام الطاولة.
نظر إلى المصحف المفتوح، ثم إلى الأوراق، وكأنه أدرك فورًا المسافة الفكرية التي قطعها الاثنان.
قال بنبرة هادئة تحمل مهابة العلم:
“لقد وصلتما… إلى أصعب نقطة في المشروع”.
دفع سالم وميّ الورقة إليه بصمت يشبه احترام الطالب لشيخه.
أخذ الدكتور نزار يقرأ ببطء، بعينَي باحثٍ يعرفُ قيمة الحرف، وبقلبٍ يوقّر النص وقصيدته العليا.
مرت دقائق طويلة، لم يسمع خلالها إلا تقليب الورقة وأنفاس ثلاثتهم.
ثم رفع رأسه، وقال بصوتٍ خافت لكنه نافذ:
“هذا… تحليل ناضج.
وهذا… منهج قادر على مواجهة أصعب النصوص… منهج يستطيع أن يعيش بين الخطابات الثقيلة والمتنوعة، دون أن يفقد دقته ولا رؤيته”.
ثم أضاف، بكلمة قصيرة حملت ما لا تسعه صفحات:
“وأنا… فخور بكما”.
كانت كلمات قليلة، لكنها وقعت في نفسيهما كجرسٍ من ذهب.
شعر سالم بأن كل سهرٍ، وكل صفحةٍ أعاد قراءتها عشرات المرات، قد تحوّلت فجأة إلى قيمة.
وشعرت ميّ أن تعبها الطويل صار لحظة اعتراف علمي لا تشبه أي تصفيق.
خرج الدكتور نزار بوقاره المعهود، تاركًا خلفه صمتًا ممتلئًا بالاحترام والتفكير العميق.
نظرت ميّ إلى سالم، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يشبه بوحًا موجّهًا للّحظة نفسها:
“سالم…
أنا… ممتنّة جدًا لهذه اللحظة.
أشعر أنها أثقل مما تبدو، وأعمق مما نقدر على وصفه”.
وكان سالم يُصغي، لا لميّ فقط، بل لنداءٍ داخلي يقول له:
إن الرحلة الحقيقية قد بدأت الآن…
رحلة الفهم… لا مجرد الدراسة.
أجابها سالم بصوتٍ مغمورٍ بسكينة الباحث حين يستبين خيطًا جديدًا من الفهم، وقد أضاء وجهُه كمن يلتقط لحظةً نادرة:
“مي…
اليوم أدركتُ ـــ أكثر من أي يوم مضى ـــ أن العلم ليس زينةً تُعلَّق على جدار العمر، بل قيمةٌ تمتحن القلب والعقل معًا. وأن علاقتنا… لا تنمو بالحب وحده، بل بما يرفده من عمقٍ ومعرفة، ومن تلك الرغبة القديمة التي حملها العلماء منذ سيبويه حتى ابن خلدون: أن يتقن المرء فهم العالم وفهم نفسه.”
أحسّت ميّ بشيءٍ من الخجل يمرّ على وجهها كغمرة ضوء، فمال رأسها في رهافةٍ تكاد تكون اعترافًا:
“اليوم… مشينا “هونًا”… كما ينبغي للعارفين أن يمشوا؛ بخطى لا تتعجل المعنى، ولا تخاف أن تتباطأ لتستوعبه.”
ابتسم سالم، وكانت ابتسامته وعدًا ممتدًا… أشبه بخريطة طريق لا تزال تُرسَم:
“ومن هذه النقطة… سنكمل الطريق كله، دون استعجال ولا خوف.”
في تلك الليلة، كان الدفتر بين يديه نافذةً صغيرة تُطل على صوته الداخلي. كتب سالم:
“القداسة… حين تتصل بالعقل، تمنحه نورًا، كما منحت علوم البيان أسلافنا قدرة على رؤية ما وراء ظاهر الكلام.”
أما ميّ، فقد قصّت على ورقتها سرّ اللحظة:
“المعنى… حين نقترب منه بقلبٍ صادق، يكشف لنا وجهًا أعمق مما نظن؛ كما تكشف البلاغة لمن يقرؤها ببصيرة مستوياتٍ لا نهاية لها.”
وفي اليوم التالي، حين جلسا أمام نصّ الجاحظ، بدا سالم كما لو أنه يستعيد عادة العلماء القدامى حين كانوا يفتّشون عن “الوظيفة” قبل الفصاحة، وعن “النية” قبل الجملة. قال وهو يعيد ترتيب الأسئلة في رأسه:
“وهنا تأتي الوظيفة…
لماذا كتب الجاحظ هذا الكلام؟
ما الهدف الحقيقي؟
هل كان ينقد؟ أم كان يعلّم؟ أم كان يختبر ذكاء القارئ؟”
ابتسمت ميّ ابتسامة من يعرف أن وراء النص بابًا آخر:
“الهدف… عقلاني وساخر في آنٍ واحد.
الجاحظ يهاجم بعض المتكلفين… لكن دون أن يسمّيهم.
يعطي درسًا تربويًا، بنبرة خفيفة، مضحكة، تُعري الادّعاء الأدبي…
ولا تجرح صاحبه مباشرة.”
ثم كتبت بخطٍ هادئ، كما لو أنها تُرسّخ قانونًا من قوانين البلاغة:
“الوظيفة الخطابية:
– نقد السجع المبالغ فيه
– الدعوة إلى بيان واضح
– كشف الادّعاء الأدبي
– تحويل السخرية إلى وسيلة إصلاح”
تأمل سالم العبارة، وبدت على وجهه مسحة من الإدراك الجديد، ثم قال:
“إذًا…
التحليل التكاملي يمنحنا القدرة على فهم النص من داخله؛ أن نرى الطبقات المتراكبة، لا أن نقف عند القراءة الحرفية الجافة. هكذا كان العلماء يقرؤون منذ أيام عبد القاهر الجرجاني: يبحثون عن “العلاقة”، لا عن “الشكل” وحده.”
طرق الباب طرقًا قصيرًا، ثم دخل الدكتور عبد الرؤوف… الرجل الذي أوقف مشروعهما عند منعطفٍ صعب، ودفعهما إلى إعادة التفكير في كل شيء. وقف لحظة يتأمل الأوراق، بعيني قارئٍ تمرّس بالجاحظ حتى صار يراه بعينٍ ثانية لا يملكها إلا القليل.
قال بصوتٍ قصير، شديد الاختصار:
“الجاحظ…
اختبارٌ قاسٍ.”
التفت سالم نحوه، وكأن احترامه يسبق كلامه:
“نعم، دكتور…
لكننا نحاول أن نسير على المنهج بدقةٍ وانتباه.”
جلس د. عبد الرؤوف، ووضع يده على الورقة كما يضع قاضٍ يده على ملفّ خطير. ثم سأل:
“ماذا استفدتم من ترتيب الجاحظ للخصال الثلاث؟
ولِمَ قدّم واحدة على الأخرى؟
أكان يرتّبها فنيًا… أم فكريًا… أم نفسيًا؟”
لم تتردد ميّ، وكأن الجواب كان ينتظر السؤال:
“الترتيب… ليس بلاغيًا فقط، بل هو باب لفهم طريقة الجاحظ في بناء طبقات المعنى.
إنه لا يقدّم لفظًا قبل آخر عبثًا؛ بل يصنع سلّمًا، يصعد به القارئ من الظاهر إلى الباطن.”
أومأ الدكتور، ثم رفع عينيه ليسأل السؤال الأهم:
“وماذا عن السخرية؟
أين تراها؟”
تنفس سالم بطمأنينة العارف:
“السخرية… هنا غير مباشرة. تكمن في قلبِ المعايير، وفي نقد أدباء عصره الذين يتجملون بالسجع دون فكر. يجعل المتعة شرطًا للمعرفة، لا مجرد زينةٍ يقتنيها الكاتب. والقارئ… حين يضحك، يدرك الحقيقة أكثر.”
رفع عبد الرؤوف حاجبيه، وبدا كمن صادف أخيرًا ما كان يبحث عنه منذ بداية المشروع. قال بابتسامة هي الأولى منذ أسابيع:
“تابعوا… أنتم لا تقرؤون الجاحظ من الورق… بل من الداخل.”
ثم خرج، تاركًا خلفه سكونًا يشبه الضوء… ووعدًا غير منطوق بأن الطريق نحو النصوص الثقيلة صار مفتوحًا. وأنهما — ربما لأول مرة — يسيران في الاتجاه الصحيح.
بعد خروج الدكتور، أخذت ميّ نفسًا عميقًا… نفسًا يشبه محاولة رفع ستارٍ ثقيل عن رهبةٍ تراكمت في داخلها منذ بدء المشروع. شعرت أن اللحظة أكبر من تحليل نص، وأنها تمتحن ثباتها كما يمتحَن القارئ أمام نصٍّ يختبر حدوده. ثم قالت في سرّها قبل أن تنطق:
“كان يمكن أن ينتقدنا… لكنه لم يفعل.”
قالتها وكأنها تراجع خوفها الداخلي: لماذا لم ينتقد؟ هل لأنهما نجحا فعلًا؟ أم لأن الطريق بدأ يستقيم؟
ضحك سالم ضحكة خفيفة، ضحكة تشبه انحسار غيمة صغيرة، وقال:
“وأنا… لأول مرة أشعر… أن الجاحظ… ليس مخيفًا إلى هذا الحد.”
وفي داخله، كان يراجع صورة الجاحظ كما قدمها له أساتذته: ناقدًا شرسًا، ساخرًا، لا يرحم. لكنه الآن يراه من الداخل؛ كأن النص نفسه فتح له بابًا أكثر دفئًا.
قالت ميّ، وقد عاد صوتها إلى ذلك الهدوء الذي تحبه، هدوء الباحث حين تبدأ ملامح المنهج تتشكل أمامه:
“والمنهج… يزداد قوة. يتجوهر، ويتخذ شكلًا جديدًا مع كل اختبار نصيّ صعب.”
وفي سرّها، كانت تسأل: هل المنهج يتغيّر؟ أم نحن الذين نتغيّر معه؟ وهل يمكن للمنهج أن يكتسب روحًا… أم أن الروح تأتي من القارئ وحده؟
نظر سالم إليها طويلًا، كأنه يرى في عينيها مرآةً لما يجري داخله هو أيضًا. ثم قال بصوت يقترب من الاعتراف:
“مي… أنا ممتن… لأننا نسير معًا في هذا الطريق المليء بالتحديات.”
وخطر بباله: هل يتكوّن المنهج من النصوص وحدها؟ أم من الشراكة التي تواجه النصوص؟
أجابته ميّ بخجل دافئ، خجلٍ يجعل الكلمات تبدو كأنها تُمسك الصمت وتحنو عليه:
“وممتنّة… لأن منهجنا… صار يشبه علاقتنا: مرن، عقلاني، لكن فيه محبة… وسخرية لطيفة أحيانًا.”
ضحكا معًا — ضحكة حقيقية هذه المرة، خففت من أثر الجاحظ، ومن صعوبة المشروع، ومن رهبة التعامل مع النصوص الثقيلة التي ما زالت تقف على حدود المعرفة وتطالب القارئ بالجرأة.
وفي تلك الليلة، جلس سالم أمام دفتره، وكتب:
“الجاحظ… علّمنا أن العقل يمكن أن يبتسم.”
وكأنه يسأل نفسه: لماذا لم ننتبه لهذا من قبل؟ هل كان العقل مقترنًا دائمًا بالصرامة، حتى جاء الجاحظ ليُحرّره؟
أما ميّ، فكانت كلماتها أبطأ، أكثر حذرًا وتأمّلًا، وكأنها تخشى أن تبتعد عن المعنى إن استعجلت:
“المعنى… يحتاج أحيانًا إلى ضحكة كي يكشف عن وجهه العميق.”
لم يكن اختيار نصّ حديث قرارًا أكاديميًا خالصًا؛ كان أشبه بالدخول في مغامرة لغوية وفكرية. فأدباء الحداثة — بأسلوبهم الذي يكسر الأعراف — جعل اللغة نفسها تتساءل:
ما هو الزمن؟ ما هي الحدود؟ أيمكن للرمز أن يصبح طريقًا… وللطريق أن يتحول إلى صورة؟
كان يومهما مع الجاحظ طويلًا، فدخل الاثنان القاعة نفسها، لكن الجو كان مختلفًا:
وكأنهما انتقلا من “ضوء العقل الواضح” إلى “غابة ضبابية” لا يظهر فيها المسار إلا للحظة… ثم يختفي.
قال سالم، وهو يقلب الصفحة بعينين فيهما سؤالٌ لم يكتمل:
” فأدب الحداثة … يتطلب أدوات جديدة.”
وكأنه يسأل نفسه: هل أدوات البلاغة القديمة تكفي؟ أم يحتاج الباحث اليوم إلى أدوات أخرى تجمع بين التحليل اللغوي والقراءة الوجودية؟
ابتسمت ميّ، وكأن فكرة سالم مرت في ذهنها قبل أن ينطقها:
“وهذا بالضبط ما يريد إثباته:
أن منهجنا… قادر على المرونة.”
فتحا النص المختار وقرآ بصمت:
“أصعد نحو نفسي كي أرى… ذلك الذي كان يختبئ في الضوء.”
ساد الصمت — صمت ليس عجزًا، بل امتلاءً.
هذه ليست جملة عادية، ولا وصفًا لغويًا بسيطًا، ولا فكرة تُقرأ وتُترك. بل حركة داخلية، تتحوّل إلى صورة، وتتحوّل إلى سؤالٍ يطرق باب القلب والعقل معًا:
ما الذي يختبئ في الضوء؟ ومن يصعد إلى نفسه؟ وهل يمكن للذات أن تكون نصًا… وللنص أن يكون ذاتًا؟
كان الاثنان يعلمان أن هذا النص لن يُقرأ بسهولة، وأن المعنى هنا ليس ما يُرى، بل ما يُستشعَر، ويُلتقط، ويُستنبَط، كما يفعل القارئ الحقيقي حين يتحول من قارئ للكلمات… إلى قارئ للروح.
قالت ميّ وهي تحدّق في الصفحة، كأنها تمسح بصرها على النص لتدرك طبقاته:
“هنا علينا أن نبني العلاقات… وهذا أخطر ما في الأمر.”
وكانت محقّة؛ فالعلاقات عند أدباء الحداثة لا تُقرأ كما تُقرأ عند الجاحظ أو ابن المقفع.
إنها شبكة من الإحالات، تتداخل فيها الصورة بالحركة، والزمن بالذات، حتى يصبح النصّ أشبه بنسيج مُعقّد تتكشّف طبقاته واحدة بعد أخرى.
كتب سالم، محاولًا ضبط أفكاره على الورق، كأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لترتيب هذا التشتت الجميل:
“العلاقة بين “أصعد” و”نحو نفسي”: علاقة مفارقة — حركة مكانية تتجه نحو الداخل، نحو الذات، نحو السؤال المستمر.”
ثم تساءل:
هل الصعود هنا ارتفاع أم غوص؟
أهو حركة أم سكون؟
أهو صوت اللغة… أم صوت الروح؟
كتبت ميّ إلى جوار ملاحظاتها، وقد اتّقد في عينيها نور الإدراك الذي يشبه انفتاح نافذة على معنى جديد:
“العلاقة بين الرؤية والضوء ليست علاقة مادية فحسب، بل هي تداخل دقيق بين المحسوس والمجاز. فالضوء، هنا، لا يعمل بوصفه مصدرًا للإضاءة كما نقول في علم البصريات، بل يظهر بوصفه ثمرة الكشف، ونتاج الإدراك الداخلي حين تتفتح الذات على معنى يتجاوز ظاهر الكلمات.”
كان سالم يتأمل عبارتها، ثم قال في نبرة تحمل دهشة الاكتشاف الأول:
“يعني… الضوء، في هذا السياق، ليس عِلّة… بل نتيجة.”
رفعت ميّ رأسها بسرعة خفيفة، وقد ارتسمت على ملامحها غبطة الاكتشاف، كما لو أن الخيط الخفي بين النصّ وقراءته قد تمسك فجأة بيدها:
“هذه… نقلة رائعة في الفهم.”
ثم أخذت قلمها ودوّنت، بحذر الباحث الذي يخشى أن يفلت المعنى من بين يديه:
“الصعود… ليس حركة جسدية فحسب، بل حركة روحية. والضوء… ليس ضوءً مرئيًا فقط، بل انكشاف. والرؤية… أوسع من البصر. إنها مجمل العناصر الثلاثة: الحركة، والكشف، والشهود؛ وهي معًا تشكّل رحلة القراءة نفسها، رحلة الباحث إلى أعماقه قبل أعماق النص.”
طرق الباب طرقًا يكاد يُحسُّ ولا يُسمَع، ودخل الدكتور نزار بخطوات محسوبة، كأنه يخشى أن يعكر صفو لغةٍ تتشكل أمامه. وقف فوق الورقتين، يتأمل ما صنَعاه، ثم سأل بصوته الواثق الهادئ:
“كيف حالكما مع الأدب الحديث؟”
ضحك سالم، ضحكة تحمل تردّدًا واعترافًا في آن واحد:
“أشبه بمن يمشي في حقل ألغام… لكن ألغام مليئة بالجمال، تنفجر بالدهشة والمعنى.”
ابتسمت ميّ هي الأخرى، وبدت ابتسامتها شبيهة بتنهيدة انتصار صغير على نصّ مراوغ.
تصفّح الدكتور نزار الأوراق بعناية من يعرف مقدار الدقة المطلوبة لفهم نصّ حديثٍ يجاور التراث، ثم قال:
“تحليل ممتاز. لقد أثبتما عمليًا أن المنهج قادر على التمدّد والمرونة… وأنه يستطيع أن يحتضن النص الحديث كما احتضن نصوص الجاحظ والقديم.”
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر عمقًا:
“هذا المستوى من التحليل… ليس أمرًا يصل إليه طالب ماجستير بسهولة.”
كان وقع الجملة عليهما أكبر بكثير مما توقّعا؛ فالكلمات، رغم بساطتها، بدت كأنها تمنح مشروعهما روحًا إضافية، وتؤكد أن جهدهما ليس تدريبًا منهجيًا فحسب — بل رحلة اكتشاف لمعنى يتجاوز حدود الدرس الأكاديمي.
بعد خروج الدكتور نزار، عمّ الصمت القاعة، وكأن الهواء نفسه مُثقَل بتفكير جديد وطمأنينة غريبة.
قالت ميّ بصوت خفيض، كأنها تهمس بمعنى لم يكن جاهزًا للظهور قبل تلك اللحظة:
“سالم… أنا… فخورة بنا.”
ابتسم هو، لكنها لم تكن الابتسامة السريعة العابرة التي تعرفها، بل ابتسامة تنمو ببطء، كأنها نتيجة يقين طويل، لا مجرد لحظة فرح.
نظر إليها نظرة هادئة، ثم قال:
“ميّ… منهجنا يكبر معنا… ونحن أيضًا نكبر به.”
تردّد قليلًا—تردّد من يحاول أن يبوح دون أن يكسر وزن اللحظة—ثم أضاف:
“وأنتِ… تكبرين في قلبي… مع كل نص نفهمه سويًا.”
لم تقل ميّ شيئًا؛ لكنها حين خفضت عينيها واشتعل خدّاها بحمرة خجولة، بدا صمتها أبلغ من أي نص، وأصدق من أي تحليل.
كان المعنى واضحًا — أوضح من أي “علاقة دلالية”، وأقرب إلى النفس من أي “شاهد لغوي”، وأعمق من كل ما تعلّمه المنهج نفسه.
في تلك الليلة، جلس سالم طويلًا أمام دفتره، كأن الكلمات تتردّد في صدره قبل أن تُكتب، ثم خطّ بيده المرتجفة قليلًا من أثر الدهشة:
” الأدب الحديث جعلني أفهم… أن المعنى لا يُمسَك بقبضة العقل، بل يُرافق صاحبه، يلاطفه، ويقوده من ظلّ إلى ظلّ.”
وفي الغرفة ذاتها، كانت ميّ تكتب في مفكرتها، وعيناها تلمعان بدفء يشبه برقًا داخليًا لا يُرى إلا لمن يعرفها:
“كل نص ندخله معًا… يصبح غرفة جديدة في بيت حبّنا؛ غرفة تتسع كلما ازداد السؤال عمقًا.”
لم تكن دمشق، في ذلك اليوم، مجرّد مدينة ثابتة في جغرافيتها؛ بدت كأنها خيمةٌ عظيمة مشدودة الأوتاد، تنتظر أن يُرفع في وسطها بيرق صغير… بيرق يُشبه خاتمًا، ويشبه قلبين أصبح اسماهما — سالم وميّ — يتردّدان في البيوت، والمقاهي، والممرّات الجامعية الهادئة، كما لو أنهما جزء من العادات اليومية لوجه المدينة.
كانت الاستعدادات بسيطة، لكنها كانت بسيطة بالشكل الذي يجعل البساطة جزءًا من الطقس نفسه:
مائدة خفيفة، ورد أبيض، ضوء صافٍ يتسلّل عبر شبابيك البيت الواسع، وفستان ميّ السماويّ الذي بدا وكأنه اللون الحقيقيّ لقلبها.
وحين دخلت عائلة سالم، لم يكن دخولًا رسميًا فحسب، بل دخولًا تحرسه مودةٌ تراكمت منذ زيارتهم الأولى؛ مودة تشبه حجرَ الأساس الذي يُبنى عليه بيت كامل.
اقترب والد سالم من والد ميّ، وصافحه بحرارة رجل لا يخبّئ مشاعره وراء كلمات:
“اليوم… نعلن فرحتنا. جعلها الله بداية خير.”
ابتسم والد ميّ، ابتسامة العالم الذي يعرف قيمة ما يرى:
“الخير بوجودكم… وبوجود هذين الولدين.”
وقفت ميّ قرب أمها، والخجل ينساب على كتفيها وشاحاً من ضوءٍ رقيق، بينما كان سالم يبتسم ابتسامة محمّلة بجمال التوتر؛ تلك الرهبة التي تمنح اللحظة قدسيتها.
ثم حان الوقت — الوقت الذي لا يُقال فيه الكلام إلا مرة واحدة، كأنه عَقْدٌ تُبرمه الحياة نفسها:
“نعلن، على بركة الله… خطوبة ميّ… وسالم.”
انطلق التصفيق؛ تصفيق متواضع في عدد الأيدي، لكنه عظيم في ما يحمله من شعورٍ لا تتسع له الجملة الواحدة.
وضع سالم الخاتم في إصبع ميّ — هذه المرة أمام الجميع.
لم ترتجف يدها… بل بدا وكأن قلبها هو الذي يثبت يدها في الهواء.
وحين نظرت إليه، حملت نظرتها عهدًا خفيًا، وامتنانًا لا يُقال بل يُحسّ.
اقترب والد ميّ، وربت على كتف سالم، وقال في صوت يجمع أبوتين:
“يا سالم… اليوم صرت واحدًا منّا. لا كضيف… ولا كطالب… بل كأخ، وكابن.”
قال سالم، بصوت ثابت يخرج من عمق اللحظة:
“وأنتم… صرتُ أملك بكم بيتين.”
ضحكت الأمّان معًا ضحكة واحدة، كأنما القدر رتّب ضحكتيهما قبل أن يلتقيا.
بعد أن خفت ضجيج الفرح، انسحب سالم وميّ إلى غرفة ميّ الصغيرة؛ الغرفة التي تزدحم فيها كتب اللسانيات، كأنها شهود على رحلة طويلة، أو كأنها تستعدّ لامتحان جديد بين العقل والقلب.
كان الفرح يتشبث بالهواء، لكن المعرفة — دائمًا — كانت تمد يدها، كمن يطالب بجزء من المشهد.
وفي داخل ميّ سؤالٌ يطرق برفق، لكن بإصرار:
“هل يمكن أن يجتمع حبٌّ نابض، ومنهجٌ صارم؟
أيتّسع القلب للاثنين معًا؟
أم أن أحدهما يجب أن يتقدّم؟”
ثم ردّت على نفسها، بصوت داخلي يشبه حكمة صغيرة:
“ولمَ لا؟ أليس العلم، في جوهره، فعلًا من أفعال الحب؟ أليست اللغة نفسها كائنًا حيًّا يحتاج إلى من يصغي له؟”
فتحت دفتر خطّة الماجستير وقالت بصوت متماسك، فيه شيء من يقين الباحث:
“اليوم… ليس يوم خطوبتنا فقط. اليوم نبدأ أول جلسة حقيقية مع الدكتور نزار. وقد طلب مِنّا أن نحضر بالمحور النظري مكتملًا.”
جلس سالم قربها، يشعر أن الفرح يمتزج داخله بشعورٍ آخر… شعور يشبه بداية طريق طويلة لا يعرف نهايتها، لكنه يشتهي السير فيها.
فتح ملفًا مطبوعًا يحمل عنوانًا واضحًا:
“أثناء البحث في علم الدلالة”
قلّب الأوراق، ثم قال:
“هذه أول مرة نستخدم هذه المادة مباشرة. أنت تعرفين أن الدكتور نزار يريد فصلًا نظريًا كاملًا… فصلًا يحمل ملامحنا نحن، لا ملامح منهج جامد.”
وفي داخله سؤالٌ خفيٌّ يحاول أن يطلّ على السطح:
“هل أستطيع حقًا أن أكتب فصلًا نظريًا يمتد بجذره في التراث، ويرفع فرعه في سماء اللسانيات الحديثة؟
هل يمكن للكلمة أن تبقى هي الكلمة نفسها وهي تعبر قرونًا من التحولات والتأويلات؟”
أجابته ميّ وقد اجتمع في صوتها لطف اليقين وحزمه:
“هو لا يريد فصلًا مكتملًا فقط… بل يريد بصمتنا نحن. بصمة الباحث حين يعثر على لغته الخاصة — اللغة التي لا يقلّد فيها أحدًا، بل ينطق فيها ذاته.”
بدت الجلسة كأنها مفتتحُ مرحلةٍ لا يتقدّم فيها الفرحُ على العلم، ولا العلمُ على الفرح، بل يتعانقان كما تتعانق طبقتان من الدلالة في جملةٍ لا يكتمل معناها إلا إذا أحسن القارئُ التأويل. مرحلة تقول للباحثين معًا: “إن الحقيقة لا تُرى من وجهٍ واحد.”
دخل الأستاذ نزار مبتسمًا وقال:
“مبارك… أوّلًا. وصلت أخبار الخطوبة قبل أن تدخلوا.”
احمرّت وجنتا ميّ، وشعرت للحظة أنّ اللغة التي درستها طوال سنوات قد خانتها أمام خجل صغير لا كلمة له. أمّا سالم فوجد في نبرة الأستاذ بابًا آخر للطمأنينة، كأن المعرفة نفسها تبتسم لهما.
أشار إليهما بالجلوس، ثم فتح دفترًا كبيرًا، صفحاته ممتلئة بأسئلة كتبت كأنها امتحانٌ يُعلن عن نفسه دون أن يُحدَّد موعده:
“اليوم نبدأ كتابة الفصل النظري. نريد الدلالة من جذورها: من التراث العربي، ثم من مسار اللسانيات الغربية، وصولًا إلى النظريات المعرفية الحديثة، والدلالة التداولية بصورها الأكثر راهنية.”
وأشار إلى الملف بين أيديهما:
“ماذا جلبتما معكما؟”
فتحت ميّ الملف وقالت بصوت هادئ ثابت:
“ملخّص منظّم، مستخرج من مصادر عربية وغربية، وموزّع وفق محاور: الوحدة الدلالية، السياق، القرائن المقامية، نظرية المعنى، والسيميائيات.”
هزّ الأستاذ رأسه، ومرّت في عينيه لمعة تقدير:
“جيّد… دعوني أسمع المختصر.”
بدأ سالم يقرأ بصوت يحاول أن يضبط ارتجافة صغيرة في صدره:
“تقوم النظرة المعاصرة إلى معنى الكلمة على اعتبارها وحدة دلالية مرتبطة بدوالّ صوتية وصرفية وسياقية، وتستمدّ معناها من مجموع علاقاتها داخل النظام اللغوي.”
ابتسم الأستاذ وقال:
“هذه الجملة… تضعنا مباشرة في قلب مدرسة “دي سوسير”. لكن ينبغي أن نضيف منظور “عبد القاهر الجرجاني”؛ ففكرة “النظم” هي لبّ المعنى عنده. لا معنى بلا علاقة، ولا علاقة بلا ترتيب، ولا ترتيب بلا مقصد.”
فكّرت ميّ في نفسها، وكأن سؤالًا قديمًا نهض من رقاد طويل:
“كيف استطاع الجرجاني أن يسبق عصره؟ كيف جعل المعنى ينتقل من الكلمة المفردة إلى ما ينشأ بينها من علاقات؟ وكيف صارت اللغة، معه، بناءً لا يُرى جماله إلا في تآزُر أجزائه؟”
وسارعت إلى تدوين ذلك كمن يلتقط شرارة قبل أن تخبو.
ثم تابع سالم:
“تؤكد الدلالة التداولية أن المعنى ليس ثابتًا، بل يتشكّل بحسب المقام، ومقصد المتكلّم، واستراتيجيات التفاعل بين المتخاطبين.”
رفع الدكتور نزار حاجبه، وقال بابتسامة خفيفة:
“هذا جيّد… هذا “غرايس” كامل! لكن نحتاج مقارنة بين الدلالة السياقية عند “فيرث”، والمدرسة المعرفية عند “لايكوف”. فكلّ منهما يفتح بابًا مختلفًا تمامًا لمفهوم “المعنى”.”
وتحوّلت الجلسة شيئًا فشيئًا من محاضرة إلى ورشة، ومن ورشة إلى حوارٍ ثلاثيّ يشبه خيطًا يشدّ الحياة إلى المعرفة. حتى إن سالم شعر بأن الكتب التي تملأ الجدران تراقبهم بصمت، كأنها شاهدة على ولادة فصل لا يُكتب بالحبر وحده، بل يُكتب بالقلق الناعم، والطموح، وخفقة القلب.
ثم قال الأستاذ فجأة، بنبرة تنفلت من سياق الدرس لتدخل سياقًا إنسانيًا صافيًا:
“تعلمان؟ أريد أن أقول شيئًا شخصيًا… نادرًا ما أجد نفسي مهتمًا إلى هذا الحد بتفاصيل مشروع تخرّج. لكن مشروعكما… صار جزءًا مني كأستاذ.”
سكت لحظة، كأنّه يبحث عن العبارة التي توازي قدر ما يرى أمامه، ثم أضاف:
“ربما… لأنني أرى أمامي اثنين سيصبحان باحثين بارزين.”
خفضت ميّ عينيها، وشعرت بأن الكلمة لم تُلقَ في الهواء، بل لامست شيئًا عميقًا فيها. وسألت نفسها بصمت:
“هل يمكن للمديح أن يتحوّل فجأة إلى مسؤولية؟ هل يصبح العبء أجمل حين يأتي من شخص يثق بنا؟”
أمّا سالم فشعر أن الجملة استقرّت في داخله كما يستقرّ الضوء في الماء: لا يظهر كلّه، ولا يُنسى أثره. وظلّ صامتًا، لأن الصمت في لحظات كهذه أقدر على حمل الشكر من أي كلام.
في الطريق إلى البيت، كانت ميّ تسير بجوار سالم، وخاتمها الجديد يلمع تحت ضوء الغروب الخافت، غير أن عقلها كان في حركة متواصلة، كما تتحرك الدلالات في بنية الجملة، تتقدّم أحيانًا وتتراجع أحيانًا أخرى، وتهمس في نفسها بصوت خافت لا يسمعه سوى قلبها:
“هل يصحّ أن يجتمع في يوم واحد فرح القلب وبداية الطريق العلمي؟ أم أنّ الحياة لا تتجزأ كما نتصوّر؟”
لاحظ سالم شرودها، فابتسم وهو يحدّق في لمعان الخاتم:
“ما هذا المزج العجيب بين خاتم الخطوبة… وأسئلة الدلالة؟”
ضحكت ميّ بخفّة، ثم قالت بصوت هادئ، يتخلله عمق التأمل:
“ربما لأن كليهما معنى. والمعنى — كما درسنا — لا يتشكّل إلا من علاقة؛ علاقة بين الدالّ والمدلول، وبين أنا… وأنت.”
في داخله تمتم سالم، كأنه يقرأ ذاته في نصّ الحياة:
“أترى… هل صارت حياتنا أيضًا نصًّا يحتاج إلى تأويل؟ أم أنّ القلب لا يحتاج سوى قراءة واحدة؟”
ثم مدّ يده، وأمسك يدها برفق:
“وغدًا… نكتب الفصل النظري، ونكتب معه فصلًا جديدًا من حياتنا.”
شعرت ميّ بأن الكلمات تمسّ شيئًا دافئًا في داخلها، فهمست، وكأنها ترتّب المستقبل ترتيبًا لغويًا دقيقًا:
“ثم تأتي رسالة الماجستير… ثم البيت… ثم كلّ ما يمكن للحياة أن تمنحه لمن يسيرون معًا.”
ابتسم سالم، وقال، وعيناه تفيضان يقينًا رقيقًا:
“تعلمين… اليوم شعرت أنّ الحب نفسه صار علمًا.”
أجابته ميّ بابتسامة تحمل تأكيدًا لطيفًا:
“وكيف لا؟ الحب — إن تأمّلت — هو أول نظريات الدلالة، وأصدق اختبارات المعنى.”
وفي تلك الليلة، جلس سالم إلى مكتبه، مدركًا أنّ كلمات اليوم تحتاج إلى شاهد مكتوب، فكتب في دفتره:
“يوم أعلنتُ خطبتي… أعلنتُ أيضًا بداية منهجي.”
أما ميّ، فكانت تسجّل في دفترها بحذر واهتمام:
“لمعةُ الخاتم… هي الإشارة الأولى في نصّ طويل اسمه حياتُنا.”
عند الساعة الرابعة عصرًا، كانت الجامعة شبه خالية، إلا من أصوات خافتة تنساب من المكتبة المركزية، كأن الكتب تتنفس في صمتها المتأخر. جلس سالم وميّ في القاعة الزجاجية العالية، حيث يمتدّ الضوء على الطاولات كما يمتدّ المعنى على السطور، وفتحا مشروعهما، فيما أمامهما وُضعت ثلاثة كتب ضخمة، تحمل في ظاهرها جديّة البحث، وفي باطنها أسئلة لا تنتهي. وبينهما ملفّ مطبوع، غلافه بسيط، لكن عنوانه يملك هيبة تُشبه هيبة البدايات.
قال سالم، وهو يمدّ كفّيه فوق الورق، كأنهما يضعان يداه على بداية فصل جديد من حياته:
“اليوم… يا ميّ… نبدأ الجدّ.”
ابتسمت ميّ ابتسامة خفيفة، كما لو كان نسيم يمرّ بين صفحات الكتب، وقالت:
“وما قبل اليوم… أيكون تمهيدًا رومانسيًّا؟”
أجاب بنبرة تجمع بين الجدية ودفء القلب:
“كان فصلًا تمهيديًّا من حياتي. أمّا اليوم فهو فصل علميّ.”
وفي داخله ارتج سؤال صغير، يتسلّل بين الفكر والقلب:
“هل يمكن للحياة أن تُقسم هذا التقسيم الدقيق؟ أم أنّ العاطفة والعلم، كالمدلول والدالّ، لا يفترقان إلا في الأوراق؟”
بدأت ميّ تملي بصوت هادئ، يشبه وقع قلم يخطّ على صفحة قديمة، بينما أخذ سالم يدون بعناية:
“يقوم علم الدلالة على علاقة دقيقة بين اللفظ وما يقصده العقل، وبين الدال والمدلول، كما عبّر عن ذلك علماء العربية الأوائل، وفي مقدمتهم ابن جني، الذي رأى أنّ “أصل الدلالة إنما هو إفهام الشيء بالشيء”.”
توقف سالم عند الجملة، كأنّ الكلمات تتطلّب سندًا آخر من تراث البلاغة العربية، ثم قال:
“جميل… ولكن نحتاج هنا نصّ الجرجاني.”
أشارت ميّ إلى كتاب ضخم أمامها، فتح أبوابًا كانت تُظنّ مغلقة: “دلائل الإعجاز”.
فتحت الصفحة المعلّمة، وقرأت بصوت يميل إلى الخشوع:
“يقول عبد القاهر: النظم هو توخّي معاني النحو واستعمالها على وجهها. أي إنّ المعنى لا يولد من الكلمة وحدها، بل من علاقتها بما يجاورها.”
شعر سالم أنّ هذا التعريف، رغم بساطته، يفتح أبوابًا من الأسئلة:
“هل المعنى وليد المفردة… أم وليد نسبتها؟ أليس الإنسان نفسه يُفهم من علاقاته لا من وحدته المنعزلة؟”
دوّن ذلك بانتباه شديد، ثم قال:
“هذه جملة ينبغي أن نعلّق عليها من زاوية المدارس الغربية.”
ضحكت ميّ بخفّة:
“أوقف رومانسيتك قليلًا… وركّز.”
لكن في أعماقها همست لنفسها:
“كيف يفصل الإنسان بين قلبه وعقله، إن كان كلاهما أدوات للمعنى؟”
فتح سالم كتابه المفضّل، وكأنّه يفتح نافذة على ضفة لغوية أخرى، ثم كتب بخطه السريع:
“ينظر “دي سوسير” إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلاقات، لا قيمة فيه لعلامة منفردة، بل لقيمتها داخل الشبكة. وهذا يقارب — على نحوٍ لافت — مفهوم النظم عند الجرجاني.”
رفعت ميّ رأسها بدهشة صافية، وقالت:
“هذا الربط ممتاز! هذا ما يحتاجه الفصل ليقوم على مقارنة قوية.”
أجاب سالم بابتسامة خفيفة:
“نعم… والأستاذ نزار طلب هذا الربط تحديدًا.”
ثم أضاف، وهو ينظر إلى الجملة التي كتبها لتوّه، كمن يتأمل خطّه لأول مرة:
“وتؤكّد المدرسة البنيوية أنّ المعنى ليس معطًى جاهزًا، بل هو حصيلة التمييز بين الوحدات، كما يُدرك الحرف في الضوء لا في الظلام.”
ابتسمت ميّ، وقالت بدهشة:
“تشبيه جميل… أهو من عندك؟”
أجاب بخجل رقيق:
“شطر منه علم… والشطر الآخر حبّ.”
وفي داخله تمتم سؤال آخر، يختلط فيه العاطفي بالفكري:
“هل الحبّ أيضًا بنية؟ أهو علاقات تحكمها شبكة، أم أنه المعنى الوحيد الذي يسبق لفظه؟”
مدّت ميّ يدها نحو الملف الذي أحضره سالم، الملف المحفوظ في غلاف شفاف، وفيه مادة بحثية صارت جزءًا من نسيج الرواية دون أن تفقد هويتها العلمية. فتحت صفحة عنوانها:
“السياق في تحديد الدلالة”
وبدأت تقرأ بصوت متأنٍ:
“تؤكّد الاتجاهات الحديثة أنّ الكلمة لا معنى لها خارج سياق الاستعمال، وأن المعنى يتشكّل من بنية النص، ومن ظروف المقام، ومن قصد المتكلّم.”
دوّن سالم بسرعة، ثم قال:
“هذه فقرة من المصدر العربي… ينبغي الإشارة إليها في الهوامش.”
وأضافت ميّ:
“ونُلحق بها رأي “غرايس”: “المعنى = ما يُفهم + ما يُقصد”.”
تابعا الكتابة معًا، وجعلوا الأفكار تتداخل بين النظرية والتطبيق:
“تطرح التداولية (Pragmatics) أنّ المعنى الحقيقي يساوي قصد المتكلّم، لا مجرد ما تقوله الجملة. ومن هنا تأتي مبادئ غرايس الأربعة:
– الكمّ
– الكيف
– العلاقة
– الأسلوب
وهي مبادئ تساعد على تفسير المعاني الضمنية، وتحديد الانزياحات الدلالية في الخطاب.”
سكتت ميّ قليلًا، ثم قالت بصوت خافت، يختلط فيه العلم بالعاطفة:
“وكأنّ هذه المبادئ… تشرح علاقتنا نحن أيضًا. ما يُقال… وما لا يُقال. ما يُفهم… وما يُقصد.”
ضحك سالم وقال ممازحًا:
“أعتقد أنّ مبدأ الكيف عندي… مرتفع جدًّا.”
وفي سرّها، همست ميّ:
“لو يعلم… أنّ كل مبادئ العالم لا تشرح ما أشعر به الآن.”
كانت تقلب صفحات كتابها الإنجليزي ببطء، حتى توقّفت عند عنوان لامع: “Cognitive Linguistics”. شعرت للحظة بأن هذا العنوان وحده يحمل ما يكفي من الأسئلة ليوقظ فضولًا قديمًا. ثم قرأت بصوت منخفض، كأنها تستحضر فكرة نضجت في أعماقها:
“ترى المدرسة المعرفية أنّ اللغة ليست نظامًا مستقلًّا بذاته، بل جزء من منظومة الإدراك الإنساني، وأن المعنى يتولّد من التفاعل بين الخبرة المعيشة، وحضور الجسد، ثم التمثيل العقلي الذي يُعيد صياغة كلّ ذلك في صورة دلالة.”
توقّف سالم عن الكتابة، وأحسّ بأنّ في الجملة الأخيرة مسًّا من الحقيقة التي ظلّ يبحث عنها منذ زمن. رفع رأسه، وابتسم ابتسامة هادئة تشي بأن المعنى قد تفتّح في داخله قبل أن يصل إلى لسانه، ثم قال:
“إذن… فالمعنى لا يُدرَك إلا إذا ذقناه. كأن اللغة نفسها تطلب منّا أن نُحسّها قبل أن نفهمها.”
ارتسمت على شفتي ميّ ابتسامة خفيفة، وأغمضت عينيها لحظة قصيرة، كأنها تستمع إلى صدى داخلي ينبثق من كلمة “إحساس”. وفي عمقها تساءلت:
“هل كانت اللغة منذ القدم تُخفي هذا الشرط المعرفي، وتنتظر من يلمسه؟ أم أنّ المدارس الحديثة لم تفعل سوى الكشف عمّا كان كامناً في بنية الكلام منذ أن قال العرب: “أعرب الرجل عمّا في نفسه”؟”
تبدّل الجو في الغرفة، وصار أقرب إلى جلسة علمية تستعد لأن تنتظم في مسار واضح. جلست ميّ أكثر اعتدالًا، ثم قالت بصوت يحمل نبرة باحثة ترتّب أفكارها:
“نحتاج إلى تقسيم مناهج التحليل إلى أربعة مستويات:
1. “التحليل البنيوي”
2. “التحليل السياقي”
3. “التحليل التداولي”
4. “التحليل التكاملي” الذي يجمع ما سبق جميعه.”
لكن ميّ، في داخلها، لم تستطع منع سؤال قديم من أن يطلّ:
“هل تكفي هذه المناهج لتفسير ما تخبّئه اللغة من علاقات خفيّة؟ أم أنّ النص — مثل الإنسان — يظل أكبر من الأدوات؟”
أمّا سالم فكان يدوّن ملاحظاتها بسرعة، ثم قال وهو يشير بقلمه نحو الصفحات:
“ولا تنسي أن نُدرج منهجًا خاصًّا بتطبيق التحليل على النصوص المعاصرة… كالقصة القصيرة والبيانات الصحفية؛ فهما ميدانان يختبران قدرة المناهج على التعامل مع لغة تتغيّر كلّ يوم.”
ثم أضاف في نفسه بصوت لا يسمعه غيره:
“كيف يمكن للغة أن تبقى هي ذاتها عبر العصور، ثم تتجدّد مع كل جيل؟ هل كانت اللغة العربية حين نشأت في الصحراء تتوقّع أنّها ستُقرأ في عصر الاتصالات؟”
قالت ميّ وهي ترفع قلمها، وكأنها تشير إلى شيء أبعد من موضوع البحث:
“ولا بدّ أن نُضيف ‘صوت الشعر المعاصر’. فالرمز فيه كثيف، والدلالة فيه لا تُمنح مباشرة، بل تُستدرج. وربما هنا تتجلّى قدرة اللغة على احتضان ما يقوله العقل… وما يخفيه الشعور.”
وبينما كانت الكلمات تتردد في فضاء المكتبة، أحسّ الاثنان — كلّ على طريقته — أن الدراسة لم تعد مجرد واجب جامعي، بل محاولة للاقتراب من جوهر اللغة: هذا الكائن العجيب الذي ظلّ عبر القرون يتشكّل ويتجدّد وينبض بأسئلة لا تنتهي.
بعد ثلاث ساعاتٍ من العمل المتواصل، وضعت ميّ قلمها جانبًا، ونظرت إلى الأوراق المفروشة أمامها، وقد ازدحمت بالخطوط والتعليقات. قالت بنبرة امتزج فيها التعب بالرضا:
«سالم… لقد أصبح بين أيدينا فصلٌ نظري كامل؛ فصلٌ متماسك، موثّق، وتشهد سطوره بأننا شاركنا في بنائه معًا.»
رفع سالم رأسه عن الورق، وفي عينيه شيء يشبه الاعتراف الذي انتظر لحظته طويلًا، ثم قال الجملة التي لم تتوقعها ميّ:
«ميّ… هذا الفصل أشبه بخطّ يدنا المشترك… كأنّه خاتمٌ، لكنّه مكتوب.»
تقدّمت نحوَه خطوة صغيرة، وقالت بابتسامة حاولت إخفاء رجفةٍ خفية:
«وكلّما تقدّمنا… ازددت يقينًا بأنّ هذا المعنى — كلمة “نحن” — سوف يكبر.»
وفي تلك الليلة، جلس كلّ منهما أمام أوراقه، لكن الكتابة كانت أقرب إلى مناجاة شخصية:
كتب سالم:
«المعنى يُولد حين تجلس يدان على ورقة واحدة.»
وكتبت ميّ:
«الحبّ… هو أول درسٍ في علم الدلالة.»
الفصل الثاني عشر:
كانت الغرفة الواسعة في مكتب الدكتور نزار أشبه بقاعة محكمة علمية؛ طاولة كبيرة تملؤها الأوراق، كراسٍ سوداء ثابتة، رفوف ممتلئة بالكتب التي تُشبه حُكّامًا صامتين، والهدوء الذي يسبق العاصفة.
دخل سالم وميّ يحملان الفصل النظري الذي عملا عليه لأسابيع. كانا فخورين… وخائفين في آنٍ واحد. جلسا أمام الأستاذ، بينما كان يقلب الصفحات ببطء العالم الذي لا يخدعه شيء، وبحدة الناقد الذي لا يرضى بسهولة.
لم ينطق. لم يبتسم. كان يقرأ كما لو أنه يستمع إلى لحنٍ مكتوب، ويحاول توقّع النغمة التالية. ثم أغلق الملف، ووضع يده فوق غلافه، وقال بصوتٍ لا يشي بشيء:
«جيّد… ولكن…»
تجمّد قلباهما للحظة قصيرة.
«جيّد… كفصل أولي. لكنّه… ليس بعدُ فصلًا نظريًا لرسالة ماجستير.»
بادل سالم وميّ نظرة سريعة، وشعرت هي أن أنفاسها تنكمش شيئًا فشيئًا.
شبك الأستاذ يديه فوق الطاولة، وقال بوضوح جليّ:
«دعونا نتحدّث بصراحة تامّة. ما كتبتموه… نظيف، متين، متماسك. لكنّه يفتقر إلى شيء واحد… وهذا الشيء هو ما يميّز الباحث عن الطالب.»
سألت ميّ بصوت خافت، كأنها تخشى أن يكون السؤال نفسه خطأ:
«ما هو هذا الشيء؟»
أجاب:
«”بصمتكم النظريّة”. أنتم الآن تعيدون بناء المعلومات… لكنكم لا تبنون رؤية.»
فتح الصفحة الأولى، وأشار إلى فقرة محددة:
«أنتم تقولون: “الدلالة تولد من علاقة الكلمة بسياقها”. كلام سليم. ولكن أين موقفكم؟ أين رؤيتكم للخلافات؟ أين فهمكم الخاص؟»
انتقل إلى فقرة مقارنة الجرجاني بسوسير، وقال:
«المقارنة ممتازة، ولكن أين ثمارها؟ ما القيمة المنهجية لهذا الربط؟ ماذا يضيف لفهم النصّ العربي؟»
ثم قلب صفحة أخرى:
«وهنا… شرحٌ جيّد لمبادئ غرايس. لكن ما علاقته بالنصوص العربية الحديثة؟ كيف نستخدمه لتحليل خطاب إعلامي؟ أو بنية شعرية؟»
ثم أشار إلى فقرة المدرسة المعرفية:
«وما كتبتموه عن لايكوف… وصفٌ للنظرية فحسب. أين التطبيق؟ أين المثال العربي؟ أين “المثال المحسوس” الذي يختبر النظرية؟»
كانت ميّ تدوّن بسرعة، وكأنها تخشى أن تفلت منها كلمة واحدة، أما سالم فكان يكتب بتوتر، والأسئلة تتزاحم في رأسه: هل ينقصهما الشجاعة؟ أم الخبرة؟ أم أنّ اللغة نفسها تطلب من الباحثين شيئًا لا يُدرّس؟
وفجأة، قطع الدكتور نزار الصمت بتصريح حاسم لم يسمعاه منه من قبل:
«ما كتبتموه جميل… لكنه لن يمرّ على اللجنة. اللجنة تريد رأيًا… لا إعادة صياغة.»
رفعت ميّ رأسها، وقالت بتردّدٍ يحمل رجاءً صامتًا:
«دكتور… نحن مستعدّان للتعديل… لكن نحتاج أن نفهم بوضوح: ما المطلوب بالتحديد؟»
ابتسم د. نزار — ابتسامة خفيفة، لكنها تشبه بابًا يُفتح نحو خطوة جديدة:
«المطلوب… ما لا يُكتَب في الكتب. المطلوب… تحليل. موقف. وتوقيع.»
ثم قال، وهو يضغط برفق على حافة الملف:
«أريد “تشريحًا دلاليًا”… لا تلخيصًا دلاليًا.»
وفي تلك اللحظة، شعر سالم أنّ الجملة أصابت قلبه مباشرة؛ كأنها أعادت تعريف معنى “البحث” كلّه.
قال الدكتور نزار، وهو يرفع ورقة أخرى كأنه يعرض ميزانًا للعدل العلمي:
«ينبغي أن تعملوا على أربع نقاط رئيسة:
1. صياغة موقفٍ شخصي من كلّ مدرسة دلالية؛ فما قيمة المعرفة إذا لم تُثمر رأيًا؟
2. مقارنة واضحة بين مناهج التراث العربي، وما قدّمه الغرب من إضاءات حديثة.
3. تصميم نموذج تطبيقي خاصّ بكم؛ نموذج يحمل توقيعكم العلمي.
4. استخدام نصوص واقعية… من اختياركم أنتم، لا من اختيار الكتب.»
ثم سحب من الملف ورقة محدّدة، وقال وهو يمرّر أصابعه فوق حواف السطور:
«هذا الجزء — المأخوذ من ملفكم “أثناء البحث في علم الدلالة” — فيه شرح جيّد للسياق. ولكن… أريد منكما شيئًا أبعد من الشرح. أريد أن تُظهرا:
كيف يثري السياق فهم هويّات المتكلّمين؟
كيف يفتح باب التأويل؟
كيف يغيّر “المعنى الاجتماعي” للنص؟»
رفعت ميّ رأسها، وفي صوتها مزيج من الفهم والتحفّز:
«هل تقصد تحليلًا سياقيًّا – اجتماعيًّا؟»
هزّ الأستاذ رأسه موافقًا:
«بالضبط. ذلك هو المطلوب.»
مرّت ساعة كاملة من الملاحظات والنقد، ثم توقّف الأستاذ فجأة، وعمّ المكتب صمت مختلف؛ صمتٌ يشبه لحظة اعتراف.
قال بصوتٍ كان أشبه بيد تربّت على كتفيهما:
«ومع كل ذلك… أنا فخور بكما.»
توقّفا معًا، كأنّ كلمة “فخور” لم تكن متوقعة بعد كل هذا الصخب العلمي، وبعد كل التوتر الذي ملأ الغرفة.
«أنتما تكتبان فصلًا نظريًا أفضل مما أراه عادة لدى طلاب الماجستير.
لكن عليكما… أن تكبرا.
وعليكما… ألّا تخافا.»
ثم نظر إليهما نظرة تحمل ما يشبه مستقبلًا كاملاً عالقًا بين عينيه:
«ستصلان.
لكنني أريد أن أرى… بصمتكما أنتما.»
ابتسم سالم لا إراديًا، وانخفضت عينا ميّ بخجلٍ وامتنان، وكأنّ كلمة “بصمتكما” ضربت وترًا داخليًا لم تمسّه كلمات العلم من قبل.
ثم قال الأستاذ أخيرًا، وهو يغلق الملفات بدفء غير مألوف:
«هيا… اذهبا.
فالمرحلة القادمة… هي الأصعب والأجمل.»
خرجا من المكتب كما لو أنهما خرجا من غرفة صقلٍ لا من غرفة درس.
كانا يحملان مزيجًا من:
ثقل…
وحماسة…
وخشية…
وطموح…
كلّها تجمّعت في قلبٍ واحد.
قال سالم وهو يمشي قرب ميّ، وكأنّ الخطوات نفسها تتعلّم شكلًا جديدًا:
«أشعر… بأنني كبرت فجأة هذا اليوم.»
ابتسمت ميّ، ابتسامة صغيرة لكنها مشعّة بمعنى جديد:
«ونحن… لم نعد طلابًا فقط… بل أصبحنا باحثين حقيقيين.»
ثم توقّفت، ونظرت إليه نظرة طويلة تُشبه سؤالًا بلا صوت:
«سالم… ينبغي أن نكتب فصلًا… يرفع رأسنا بحق.»
مدّ يده نحو يدها، لا ليؤكّد رأيًا، بل ليؤكّد طريقًا:
«ونكتبه معًا… كما كتبنا كلّ ما سبق.»
وفي تلك الليلة، جلس كلّ منهما يكتب على طريقته:
كتب سالم:
«النقد… كان مرآة.
وكلّ مرآة تُعلّمني… مَن أكون.»
وكتبت ميّ:
«اليوم… بدأ صوتي العلمي يتكوّن.
كما بدأ صوت قلبي… منذ عرفته.»
اختارا أن يعملا في شقّة ميّ الصغيرة ذلك اليوم.
كان الجوّ يوحي ببداية شتاءٍ بطيء؛ صوت الريح الخفيفة خلف الزجاج، ورائحة القهوة التي أعدّتها أمّ ميّ، وكومة الأوراق المبعثرة على الطاولة تقول إنّ يومًا طويلًا ينتظر روحيهما.
جلست ميّ على الكرسي الخشبي قرب النافذة، بينما جلس سالم على الأرض ممسكًا بورقة مطبوعة، غارقًا في صفحةٍ واحدة كأنها سؤالٌ لا يريد أن يتجاوزه.
قالت ميّ أخيرًا، وقد حاولت أن تُعيد للغرفة إيقاعها:
«سالم… ما رأيك أن نبدأ بإعادة صياغة فقرة “التكامل الدلالي”؟»
لكنّه لم يجب. ظلّ ينظر إلى الكتاب طويلًا، قبل أن يقول ببطءٍ كبير، وكأنّه يخشى أن ينفجر المعنى من بين الكلمات:
«ميّ… في الحقيقة… لستُ مقتنعًا بالصياغة التي كتبتِها البارحة.»
رفعت حاجبيها، وفي عينيها استغراب حاولت إخفاءه، ثم قالت بنبرة منخفضة لكن ثابتة:
«لستَ مقتنعًا؟ ولماذا؟»
وهنا… وُلدت الكلمة، وتكوّن بينهما صمتٌ صغير… صمت يشبه أوّل غيمة تظهر في سماء صافية؛ غيمةٌ قد تمطر… وقد تغيّر طريق النص، أو طريق القلب.
قال سالم وهو يتأمّل الورقة المطبوعة بين يديه، محاولًا أن يوازن بين الموضوعية وحرصه عليها:
«كتبتِ أن التكامل الدلالي هو “اندماج البنية بالسياق ضمن وحدة تُنتج المعنى”. الجملة جميلة… لكنّها غير مكتملة. الدكتور نزار لا يريد تعريفًا فحسب، بل يريد موقفًا.»
وضعت ميّ القلم برفق فوق الطاولة، وقالت بنبرة سعت أن تظل ثابتة:
«كنت أنوي توسيعها… هذه مجرّد بداية.»
أجاب سالم، بعينه التي لا تخطئ الفكرة وإن خانته الطريقة أحيانًا:
«صحيح… لكن البداية يجب أن تكون أقوى. تحتاج إلى نَفَس… إلى رؤية واضحة.»
كان ما يقوله منطقيًا، لكن طريقته كانت قاسية على جزء صغير في صدرها.
سألته بهدوء:
«حسنًا… أخبرني ما الذي تراه ناقصًا؟»
قال سالم:
«برأيي… التكامل الدلالي لا ينبغي أن يُفهم مجرد “دمج”. بل هو اشتغالٌ متبادل بين مستويين:
المستوى اللساني البنيوي، والمستوى التداولي، السياقي.»
رفعت ميّ يدها بإيماءة رقيقة، كأنها تعيد ترتيب النسيم لا الكلمات:
«هذا تحديدًا ما كتبته أنا. قلتُ “تبادل”، لا “دمج”.»
قلّب الأوراق ببطء، ثم قال بصراحة لا تُهادن:
«ميّ… دعيني أكون واضحًا. الصياغة التي كتبتِها تعيد أفكار “فيرث” و “غرايس”… لكن دون أن توضّحي موقفك الشخصي.»
رفعت رأسها ببطء، وعيناها تبحثان في صوته عن حدّ الفاصل بين النقد والجرح:
«تقصد أن كلامي… مجرّد تكرار؟»
أجاب بصوت خافت وصادق:
«لا. لكن… ما زال ليس أنتِ. ليس صوتك الحقيقي.»
كان كلامه موجعًا بعض الشيء، لكنه كان صادقًا — كما هي علاقتهما دائمًا، مزيجًا من المحبّة والنقد، ومن الرغبة في أن يُكمل كلٌّ منهما الآخر دون أن يلغي صوته.
وضعت ميّ يدها على الطاولة ببطء، كأنها تهدّئ ما يضطرب في داخلها، ثم قالت بنبرة منخفضة، تحمل شيئًا من التردّد وشيئًا من الجرأة:
«سالم… أحيانًا أشعر أنّك تتقمّص “دور الأستاذ”. وبصراحة… ذلك لا يكون مريحًا دائمًا.»
ارتفع رأسه فجأة، واتّسعت عيناه بدهشة لم يستطع إخفاءها. بدا كمن أُخذ على حين غرّة، وكأنّ كلمةً واحدة استطاعت أن تكشف شيئًا لم يكن يدركه.
«أنا… لم أقصد ذلك قطّ.»
نظرت إليه ميّ نظرة مباشرة، لا قسوة فيها ولكنها واضحة، وقالت:
«أعلم أنّك لا تقصد. لكن… دعنا نكون فريقًا. لا أريد علاقة يكون فيها “سالم يشرح… وميّ تستمع”. ألسنا متفقَين على المشاركة؟»
ساد صمتٌ قصير، كأنّه مساحة يراجع فيها كلٌّ منهما ذاته.
ثم حرّك سالم رأسه موافقًا، وقال بصوت خافت ينطوي على اعتراف:
«معك حق… وأنا أعتذر. أعتذر لأنني تسرّعت في الحكم، وربما تسرّعت في الدور الذي ظننتُ أنّ عليّ القيام به.»
اقترب منها قليلًا، وبدا أنه يبحث عن الكلمات التي لا تؤذي ولا تبتعد:
«لكن صدّقيني… أنا مؤمن بصوتك. بفكرك. وبقدرتك على أن تقولي ما هو أعمق مما أكتبه أنا.»
هدأت ملامحها شيئًا فشيئًا، وكأنّ خيط التوتّر المشدود بينهما انفرط بهدوء.
قالت ميّ وهي تعيد جمع الأوراق وتنظيمها:
«حسنًا… لنعُد صياغة الفكرة معًا. سأكتب وجهة نظري كما أراها، وأنت تُضيف رؤيتك، ثم نرى ما الذي سينتج عن هذا التلاقي.»
جلسا جنبًا إلى جنب، كأن الخلاف الذي حدث بينهما كان ضرورة لطيفة سبقت الوصول إلى مساحة الفهم الأوضح. وربما — كما تساءلت ميّ في داخلها — هل يحتاج المعنى نفسه أحيانًا إلى اصطدامٍ قبل أن يستقيم؟
بدأت تكتب ببطء، مُحكمةً كلماتها:
«التكامل الدلالي ليس مجرّد جمعٍ بين البنية والسياق، بل هو تفاعل حيّ، يجعل من الكلمة نقطة التقاء بين نظامٍ لغويّ ثابت، ومقامٍ اجتماعيّ متغيّر.»
قرأ سالم السطور، ثم قال وكأنه يستعيد خلفية طويلة من الدرس اللغوي:
«جميل… الآن وقت أن نضيف موقفًا صريحًا. فاللغة — كما يقول القدماء — لا تكشف معناها إلا حين تُسأل. فما بالُ المعاني إن لم نختبر منطقها؟»
ثم كتب بخطّه:
«ونحن نرى — في هذه الدراسة — أنّ التكامل لا يكتفي بفهم المعنى، بل يكشف “كيفية تشكّله”، مستندًا إلى ما يمكن أن نسمّيه “المنطق التفاعلي للمعنى”، حيث تسهم القرائن اللغوية كما القرائن المقاميّة في بناء التأويل.»
وتساءلت ميّ في داخلها:
ألسنا نحن أيضًا، بطريقة ما، نصًّا يتشكّل من قرائن؟ من لغةٍ وسياق؟ من كلمةٍ ونبرة؟ هل تتغيّر علاقتنا كما تتغيّر الدلالات؟
ثم أضافت بخطّها الهادئ:
«وهذا المنطق التفاعلي هو ما يجعل النصّ العربي الحديث قادرًا على استقبال قراءات متعدّدة، وفق مناهج التحليل البنيوي، والتحليل التداولي، والتحليل السيميائي المعاصر، شأنه شأن النصّ العربي القديم الذي ظلّ قرونًا مفتوحًا على التأويل.»
قرأ سالم ما كتبته، وابتسم ابتسامة صغيرة تكفي لتبدّد آخر ذرات التوتّر:
«هكذا… أصبح هنا صوتي… وصوتك. معًا.»
وضعت ميّ قلمها، وقالت بصوت خافت يشبه اعترافًا صغيرًا:
«نعم… كما ينبغي لنا أن نكون.»
بعد ساعاتٍ طويلة من العمل، انطفأ الخلاف، لا لأنّ أحدهما انتصر، بل لأنه تحوّل إلى خطوة نضجٍ لم يتوقّعاها. قالت ميّ وهي ترتّب الأوراق بيدٍ أقلّ ارتجافًا:
«سالم… في الحقيقة، لم يكن الخلاف سيئًا. جعلني أدرك أن عليّ أن أمتلك رأيًا أوضح… وأن أقول ما أراه دون تردّد.»
شعر سالم في تلك اللحظة أنّ كلماتها تكشف جانبًا لم يره من قبل، فوضع يده فوق يدها بخفّة، وقال:
«وأنا… جعلني أفهم أنّ عليّ أن أُصغي أكثر، وأن أترك لكِ المكان الذي تستحقينه في هذا النصّ وفي هذا المشروع.»
ضحكا معًا ضحكة قصيرة، كأنّهما يقدّمان اعتذارًا ناعمًا لا يحتاج إلى ألفاظ.
وفي تلك الليلة، كتب سالم في دفترٍ صغير:
«اختلافٌ واحد… جعل النصّ أجمل، وجعلها أقرب.»
وكتبت ميّ في مفكّرتها:
«المحبّة… ليست اتفاقًا دائمًا، بل اتفاقٌ يأتي بعد خلافٍ صادق.»
كان الصباح التالي رماديًّا، والجامعة مكتظّة بالطلبة الذين يهرولون بين محاضرةٍ وأخرى، كأنّ الزمن يركض أمامهم بخطوة لا تُدرك. غير أنّ سالم وميّ كانا يسيران بخطى هادئة؛ فثمّة موعد ينتظرهما، وثمّة فصلٌ نظريّ بين أيديهما يشبه طفلًا خرج لتوّه من ظلمة الولادة إلى نور الفكرة.
وصلا إلى مكتب الدكتور نزار.
كان الباب مفتوحًا على غير عادته، وكأنّ الأستاذ أراد أن يقول دون كلام: «ادخلا… فاليوم يوم مهم.»
دخلا وجلسا. لم يتبادلا كلمات كثيرة، فقد كان التوتر الطفيف يكفي لملء المكان.
كانت النسخة المنقّحة أمام الأستاذ، وعليها خطوط حمراء دقيقة، وتعليقات قصيرة تشبه إشارات الطريق: بعضها نقدٌ يوجّه، وبعضها إعجاب، وبعضها علامات استفهام تطرح سؤالًا لا يكتمل إلا بجوابٍ منهما.
رفع الدكتور نزار رأسه ببطء، وقال بصوت يشبه الحكم الذي طال انتظاره:
«هذه النسخة… هي ما كنتُ أترقّبه.»
تنفّس سالم بعمق، وشعرت ميّ بابتسامة تكاد تفلت منها لولا أنها آثرت التماسك.
قلب الدكتور نزار الصفحات، ثم قال وهو ينظر نحو ميّ:
«رأيتُ “الصوت” يا ميّ… رأيتُه بوضوح. لم يعد كلامك يشبه تلخيص مدرسةٍ ما. أصبح لكِ موقف… ونبرة… وصياغة فيها جرأة الباحث الذي يسائل ويعيد تشكيل الفكرة.»
ثم التفت إلى سالم، وقال بابتسامة خفيفة:
«وأنت يا سالم… أخيرًا صغت الجملة التي تحمل توقيعك. جملة “المنطق التفاعلي للمعنى”… هذه جملة باحث، لا طالب.»
تبادل الاثنان نظرة قصيرة — نظرة انتصار هادئ، ونظرة اعترافٍ بأنّ الطريق الذي مرّا به لم يكن عبثًا، بل كان جزءًا من البناء.
وفي داخلهما، سأل كلٌّ منهما نفسه:
هل تنضج الأفكار كما تنضج العلاقات؟ وهل يحتاج المعنى، مثل الإنسان، إلى تمرينٍ على الخلاف قبل أن يتشكّل بوضوح؟
وضع الأستاذ قلمه على الطاولة بوهنٍ خفيف، يشبه نهاية جملةٍ طالت حتى أتقنت نفسها، ثم قال بنبرةٍ امتزج فيها الحزم الأكاديمي بدفء الأبوة:
«الفصل أصبح… ناضجًا، متوازنًا، وتكاد خطوطه تحمل توازيًا حيًّا بين ضفّتي التراث والحداثة. فقد وازنتم بين “الجرجاني” و”سوسير”، وبين “السياق” و”البنية”، وبين “التداولية” و”التحليل البنياني”، ثم أكملتم القوس بالمدرسة المعرفية وخطابها.»
فتح الصفحة الأخيرة كمن يفتح بابًا إلى مرحلة جديدة، وقال:
«ووضعتما موقفًا نقديًا واضحًا من الثنائية التقليدية بين “الدالّ” و”المدلول”. وهذا… هو ما يفتح باب التطبيق، لا مجرد الفهم.»
كانت هذه أول مرة يسمعان منه جملة: «يمرّ على اللجنة».
قالها بثقةٍ لا تقبل التأويل:
«لو قدّمتما هذه النسخة للجنة… لمرّت فورًا.»
طأطأ سالم رأسه في امتنانٍ صامت، بينما أغرقت ميّ صدرها تنهيدة طويلة، تشبه بكاءً لا يجد طريقه إلى العين.
وفي داخلها قالت:
هل كان هذا الاعتراف… ما كنت أحتاجه كي أطمئن لصوتي؟ وهل تنضج الكتابة حين تُمسك اليد المرتجفة بالقلم مرةً ثانية؟
أعاد الأستاذ إغلاق الملفات، وكانت عيناه تسبقانه بالقول: انتهت المقدّمة… وبدأ الأصل. ثم قال بصوتٍ أكثر وضوحًا:
«لقد انتهينا من الديباجة النظرية… الآن نبدأ العمل الحقيقي.»
سأل سالم، وكأن السؤال يحمل خطوة نحو المجهول:
«أي… نبدأ تحليل النصوص؟»
أجاب الأستاذ بهدوء الحسم:
«تمامًا. لقد حان الوقت لكي تختبروا النظرية في ميدانها الطبيعي؛ النصّ.»
ثم مدّ يده إلى حقيبته، وأخرج ثلاثة نصوص مطبوعة، ووضعها أمامهما كما تُوضع اختبارات عبور:
1. نص قصصي قصير حديث، يحمل كناية واستعارة، ويُنشئ شبكةً دلالية عبر حواسٍ تُلامس حدود البصر والسمع والرائحة.
2. نص إعلامي – سياسي معاصر، تتداخل فيه الإيضاحات الضمنية والتضمينات والمقاصد المستترة التي لا تُقال بقدر ما تُلمّح.
3. مقطع شعري حرّ، يعتمد على الانزياح الدلالي، مستخدمًا الخروج عن المألوف لإعادة تشكيل المعنى.
ثم قال بصوتٍ يضع الأمور في مواضعها:
«أريده عملاً متكاملًا:
– تحليل بنيوي للنص القصصي،
– تحليل تداولي للنص الإعلامي،
– تحليل معرفي – رمزي للمقطع الشعري.»
وأشار إلى النسخة المطبوعة من الملف:
وأضاف:
«وأريد أن يكون عملكما مبنيًّا على هذا المرجع، وعلى المدارس التي اطلعتم عليها: “سوسير”، و”بيرس”، و”غرايس”، و”هاليداي”، و”لايكوف”، ومن التراث “الجرجاني”، و”السكاكي”، و”ابن جني”.»
تبادلت ميّ وسالم نظرة امتزج فيها الحماس بالرهبة. كانا يدركان أنّ ما ينتظرهما ليس مجرّد تمرين، بل عبور نحو عمقٍ لم يصل إليه بحثهما من قبل.
وفي داخلهما، سأل كلٌّ منهما نفسه:
هل يكفي أن نفكّك النصوص، أم يجب أن نفهم طرائق تشكّل الدلالة في وجدان قارئها؟ وهل يصبح الباحث باحثًا حين يقدر على تأويل النصّ… أم حين يقدر على تأويل ذاته أمام النص؟
قالت ميّ وهي تتأمل النصوص الثلاثة بعينين مملوءتين بالترقب:
«دكتور… هل يعني أنّ علينا العمل على هذه المناهج المتعددة في آن واحد؟»
نظر إليها مباشرة، وكأنّ نظره يحمل ثقةً أكبر من الكلام:
«الباحث الحقيقي… لا يهاب التشعّب. يحتضنه، يجمعه، ويحوّله إلى منهج جديد.»
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
«أنتم… مؤهّلون لتقوموا بهذا العمل.»
التفتت ميّ نحو سالم، وهمست بصوت خافت يكاد يذوب بين صفحات الورق:
«سالم… هذه المرحلة… أصعب من كل ما مررنا به.»
ابتسم سالم دون أن يرفع رأسه، وكأن ابتسامته تحمل وعدًا داخليًا:
«لكنها… الأجمل.»
قبل أن يغادرا، قال الأستاذ وهو يضع يده على الطاولة:
«أخيرًا… هذا الفصل النظري عليكم أن تتحكّموا فيه داخل رسالتكم كلها. هو “المفتاح”، والمفتاح صار بيدكم.»
ثم وقف، ومدّ يده لمصافحتهما:
«مبروك… أول فصل حقيقي في رسالتكم.»
خرج الاثنان، وكانت خطواتهما على أرض الرخام خفيفة، لكن قلبيهما مثقلان…
بالعلم…
بالفخر…
وبالتحدّي.
قالت ميّ حين وصلا الممر الطويل:
«سالم… لقد بدأنا مرحلة جديدة.»
أجاب وهو يلتقط وقع كلماتها ببطء واهتمام:
«إي… مرحلة الباحثين… ليست مرحلة الطلاب بعد الآن.»
ثم أمسكت يده، وقالت بابتسامة صغيرة تلمع مثل نور خافت:
«وكلما تعمّقنا في العمل… أحسّ أنّ حياتنا تتعمّق معنا.»
ضحك قليلاً، وقال:
«الدلالة… تعمل حتى على القلوب.»
وفي تلك الليلة، كتب سالم:
«اليوم… صار في يدي مفتاح الفهم.»
وكتبت ميّ:
«النقد… فتح باب التطبيق، والتطبيق… سيفتح بابًا أكبر: باب الحقيقة.»
اختارا أن يلتقيا في المكتبة المركزية، حيث الزوايا الهادئة تسمح بحوارات أعمق، والرفوف المعبّأة بالكتب تمنح شعورًا بالجدّية يفرض احترام الوقت والعمل.
جلسا على الطاولة الخشبية الطويلة تحت ضوء أصفر دافئ، ووضعا أمامهما النصوص الثلاثة التي سلّمها لهما الدكتور نزار:
– النص القصصي،
– النص الإعلامي،
– المقطع الشعري.
ثلاثة عوالم مختلفة، وكل عالم يحتاج إلى منهج، لغة، وأدوات خاصة.
لم يتكلما في البداية، حتى كسرت ميّ الصمت فجأة، وكأنّ الكلمات خرجت من نفسها:
«لنبدأ بالنص القصصي… أشعر أنّه الأقرب إلى قلبنا.»
ابتسم سالم، وهمس كما لو كان يشارك سرًا:
«مثل حبنا… بدأه قصة.»
ضحكت بخفوت، حتى لا يلتفت أحد، وفي داخل كل منهما شعور متشابك بين الشغف العلمي والرغبة في البوح، بين جدّية الباحث ودفء القلب الذي يعرف أنّ كل نصّ يحمل حياة.
قرأا النص القصصي سويًا، كان عن طفل يبحث عن ظلّه، وعن مدينة تتغير أسماؤها، وعن أم لا تعرف كيف تقول: “أحبك”.
قال سالم وهو يشير بالقلم:
«هنا… لدينا استعارة واضحة: المدينة تتغير أسماؤها. هذا ليس مجرد وصف جغرافي… إنه توصيف لانزياح الهوية وتزعزعها.»
رفعت ميّ يدها بإيماءة هادئة، كأنها ترتّب النسيم بين الكلمات، وقالت:
«تمام… وبالتالي، ينبغي استخدام المنهج البنيوي لفهم كيف يعكس تغيّر الاسم تغيّر الدالّ. أي أن التحوّل الدلالي مرتبط بالبنية، وليس بالسياق وحده.»
أجاب سالم بتأملٍ ممتزج بالفضول الأكاديمي:
«وممتاز لو ربطنا فكرة تغيّر الدالّ بنظرية سوسير الأصلية: الاعتباطية والحركية.»
أخذت ميّ ورقة وبدأت تكتب، وكأن الحبر يرسم جسرًا بين الفكرة والمعنى:
«تغيّر اسم المدينة يمثل اهتزاز العلاقة بين الدال والمدلول، حيث تصبح العلامة اللغوية غير مستقرة، ما ينعكس على هوية الشخصيات ويولد توتّرًا دلاليًا يظهره السرد.»
قرأ سالم وأضاف، وكأن صوته يستحضر نبض النص:
«هذا الاضطراب البنيوي ينتج بدوره اضطرابًا نفسيًا لدى الطفل، فـ “البحث عن الظل” يصبح رمزًا غير مباشر للسعي إلى ثبات مفقود.»
رفعت ميّ رأسها وقالت بفرح خفيف:
«إنها أول فقرة تنبثق معنا… وفيها صوتان، ليس صوتًا واحدًا.»
ابتسم سالم وهو يشعر بعمق المشاركة:
«وهي أول مرة… أشعر أننا نكتب من قلب النص، وليس من الكتب فقط.»
فتح سالم الصفحة الثانية حيث النص الإعلامي الذي اختاره الأستاذ. جملة افتتاحية تقول:
“نؤكّد ضرورة التعامل الإيجابي مع الأحداث الجارية وفق ما تقتضيه المرحلة.”
قرأتها ميّ بصوت منخفض، ثم قالت ساخرة:
«يا سلام! هذا النص بحاجة إلى غرايس نفسه.»
ضحك سالم وقال:
«غرايس، وهاليداي، وكم محلل سياسي فوقهم!»
ثم عاد للجدّية وقال بتركيز:
«هذه الجملة… تحمل إلزامًا ضمنيًا، وتحتوي على “إبهام مقصود”.»
كتبت ميّ بسرعة:
«الجملة الإعلامية تعتمد على المبدأ التعاوني لغرايس، تحديدًا على “خرق” مبدأ الوضوح، من خلال استخدام تعبيرات فضفاضة تنتج معنى إيحائيًا (implicature)، مفاده: الامتثال مطلوب دون نقاش.»
قال سالم:
«وليس هذا فحسب… لازم إدخال فكرة “الوظيفة التداولية”. هذا الخطاب يمارس سلطة عبر…»
توقف ثم ابتسم وقال:
«عفوا… يمارس سلطة عبر اللغة، وليس العكس.»
وأضاف بخطه:
«الخطاب يسعى إلى ضبط السلوك الجماعي من خلال لغة تخفي أكثر مما تُظهر، وتشكّل ما يُعرف بـ “المعنى السياسي الموجَّه”.»
ميّ نظرت إليه بنظرة امتنان، وقالت:
«سالم… هذا العمل… هو بالضبط “التفاعل الدلالي” الذي يطلبه الأستاذ.»
قال بخجل خفيف:
«بالشراكة… يصبح أجمل.»
المقطع الشعري قصير:
“يا ليلُ… كيف وسِعتَ قلقَ قلبي وما وسِعتَهُ أرضي؟”
بعد لحظة صمت، قالت ميّ:
«هذا واضح… انزياح دلالي. ينبغي استخدام منهج لايكوف — الاستعارة المفهومية.»
أجاب سالم:
«وبما أن “الليل” مشخّص هنا، فهو كيان معنوي، وليس مجرد زمن.»
كتبت ميّ:
«يقدّم المقطع انزياحًا دلاليًا يجعل من “الليل” كيانًا متلقّيًا، قادرًا على احتواء العواطف، مما يكشف استعارة مفهومية تصور الليل = شخص / حضن / مساحة آمنة.»
أكمل سالم:
«بينما تُصوّر “الأرض” كيانًا عاجزًا عن الاستيعاب، مما يخلق مفارقة دلالية بين الحيّزين: الحيّز الكوني الذي يتسع، والحيّز الواقعي الذي يضيق.»
رفعت ميّ الورقة، تأمّلتها، ثم همست:
«صار لدينا… أول ثلاثة نماذج تطبيقية.»
قال سالم مبتسمًا:
«وهذا… بداية الفصل التطبيقي الحقيقي.»
مع منتصف النهار، كانت الطاولة تغرق بالهوامش، بالملحوظات، بالأسهم، والنصوص المقارنة.
قالت ميّ وهي تضع يدها على يد سالم، وكأنها تبحث عن سند غير مرئي:
«أشعر… أن فهمي للدلالة… صار أعمق. ليس مجرد علم، بل أصبح طريقة لفهمك… وفهم نفسي.»
ابتسم سالم، وكأن الكلمات ارتجفت مع دقات قلبه، وقال:
«وأشعر… أن كل نص نفكّكه… يقربنا من الحقيقة، ويقربنا من بعضنا.»
أغلقا الدفاتر معًا، وأقسما أن يكون هذا اليوم بداية مرحلة جديدة… في دراستهما، وفي علاقتهما، وفي حياتهما كلها.
وفي تلك الليلة، كتب سالم:
«المعنى… لا يُدرَك فقط، بل يُحبّ.»
وكتبت ميّ:
«الدلالة… جسر بين النصّ… والقلب.»
في اليوم التالي، وقف سالم وميّ أمام باب مكتب الدكتور نزار، يحملان في أيديهما ثلاث صفحات مكتوبة بعناية — كل صفحة تحليل لنصّ مختلف: قصصي، إعلامي، وشعري.
كانا يدركان أن المهمّة اليوم لا تتعلق بالنصوص فقط، بل بموقف الأستاذ من قدرتهما على الانتقال إلى المرحلة التالية.
فتح الباب. جلس الدكتور نزار خلف مكتبه، كأنه ينتظر اللحظة المحكمة.
جلسا ووضعا الأوراق أمامه. التقط الأستاذ الصفحة الأولى، قرأ ببطء، ثم الثانية، ثم الثالثة.
مرّت الدقائق ثقيلة، حتى أحسّ سالم أن دقّات قلبه أعلى من أصوات حركة الورق.
وأخيرًا، وضع الأستاذ الأوراق على الطاولة، ورفع رأسه، وعيناه تتقدمان بتلك النظرة التي تحمل تقديرًا عميقًا، ونبرة تنتظر أن تُعلن النتيجة.
قال الدكتور نزار:
«كل شغلكم… نظيف، مفهوم، ومبني على منهج واضح.»
تبادلا نظرة خفيفة، كأن قلبيهما يشكران الحياة على لحظة تحقق وإنجاز.
ثم قال الأستاذ بابتسامة خفيفة:
«هذا الـ “بس”… ليس للنقد، بل للتطوير.»
تنفّسا معًا، وكأن الهواء المحيط بهما صار أخفّ وزنًا.
رفع الورقة الأولى: النص القصصي (التحليل البنيوي) وقال:
«تحليلكم رائع… ولكن يحتاج إلى “خرائط” بصريّة. أريد منكم أن تبنوا مخططًا بسيطًا للبنية:
– الثيمة الرئيسة
– الدالّ المحوري
– التكرارات
– التحوّل الدلالي
هذا المخطط يعطي اللجنة دليلًا بصريًا يثبت أنّ شغلكم منهجي، لا انطباعي.»
أومأت ميّ:
«تمام… سنضيفه.»
رفع الورقة الثانية: النص الإعلامي (التحليل التداولي) وقال مبتسمًا:
«هنا… لا توجد ملاحظات كبيرة. ولكن… افتحوا الباب على شيء أهم: ربط التحليل التداولي بـ “قوّة الخطاب”. استفيدوا من “فوكو”… ليس بشكل مباشر، بل بالإشارة إلى مفهوم السلطة والمعنى.»
قال سالم:
«تمام دكتور… سنضيف منظور فوكو.»
رفع الورقة الثالثة: النص الشعري (التحليل المعرفي–الرمزي) وقال وهو يشير بالقلم:
«تحليل ممتاز… ولكنه يحتاج إلى نموذج معرفي واحد لتكون القراءة متماسكة. اختروا نموذج الاستعارة المفهومية:
– الانفعالات = حيز
– الليل = كيان حاضن
واشتغلوا على أساسه.»
دوّنت ميّ الملاحظة بسرعة، تشعر بنبض جديد للمشروع يملأ قلبها بالحماس.
قال الأستاذ بهدوء، وكأن كلماته تُمهّد لحظة فارقة:
«الآن دعوني أقول لكم… أنتم جاهزون للانتقال من التمارين… إلى كتابة الرسالة.»
ارتبكا.
قال سالم:
«يعني… نبدأ بوضع هيكل الرسالة؟»
أجاب الأستاذ:
«بالضبط.»
ثم حمل قلمًا أحمر، ورسم أمامهما أربعة عناوين رئيسية على ورقة A4:
” – الفصل الأول: الإطار النظري (منجز)
– الفصل الثاني: التحليل البنيوي
– الفصل الثالث: التحليل التداولي
– الفصل الرابع: التحليل المعرفي–الرمزي
– الفصل الخامس: النتائج والمناقشة”
وضع الورقة أمامهما وقال:
«هذا هو هيكل الرسالة… كامل.»
ميّ نظرت إليه بدهشة:
«دكتور… هل صار اختيار الموضوع نهائيًا؟»
أجاب:
«أصبح أقرب إلى كونه… رسالة حقيقية.»
ثم قال بوضوح أكبر:
«عنوان الرسالة المقترح:
التكامل الدلالي في تحليل النصوص العربية المعاصرة: مقاربة بنيوية – تداولية – معرفية.»
تجمّدت ميّ، وسالم لم يدرك أنه ابتسم، فالفرحة لمعت في عينيه قبل أن تُعلنها شفتاه.
قال الأستاذ، وهو يشير إلى رفّ جانبي:
«عليكما استخدام مرجع مهم… لقد رأيتما جزءًا منه في ملفاتكما.»
ثم تناول نسخة مطبوعة من الملف:
وأضاف:
«هذا الملف يحتوي على مادة قيّمة حول السياق، وتغيّر المعنى، وجذور النصوص التراثية. ستحتاجونه لبناء الفصول التطبيقية الثلاثة. اجعلوه المرجع الأساسي لكل فصل: للبنية، وللتداولية، وللمعرفية.»
رفعت ميّ رأسها ببطء، وقالت:
«هل يعني هذا… أننا نبدأ الكتابة الفعلية الآن؟»
أجاب الأستاذ:
«نعم… من اليوم. كل نص درستموه هنا، سيتحوّل إلى فصل كامل.»
وقفا للحظة أمام باب المكتب، قبل أن يغادرا، قال الأستاذ بصوت هادئ يزن الكلمات كما يزن الباحث أفكاره:
«سالم… ميّ… اليوم لم أرَ مجرد تحليل، رأيت نضجًا حقيقيًا، ورأيت فريقًا… يُكتب عنه.»
خرج الاثنان من المكتب، والممر بدا أوسع، والجامعة أخفّ، كأن الطريق أمامهما قد انفتح فجأة.
قالت ميّ وهي تمشي بجانبه، وكأنها تحاول فهم ما يدور داخل نفسها:
«سالم… هل تشعر أنّ ما يحدث… أكبر من مجرد رسالة؟»
ابتسم وهو يجيب، وكأن قلبه يقرأ بين السطور:
«نعم… أكبر بكثير، كأن حياتنا تُكتب سطرًا بعد سطر.»
ثم سارَا معًا، وكأنهما يخطوان داخل نصّ جديد لم يُكتب بعد، لكنهما كانا يعلمان أنه سيكون الأجمل.
لم تكن غرفة المطالعة في الطابق الثاني من المكتبة المركزية مجرد مكان للدراسة، بل كانت بالنسبة لهما أشبه بقاعة تحول داخلي، مساحة صامتة تتلألأ فيها الحقيقة حين يواجه الباحث ذاته قبل أن يواجه النص.
اتفقا هذا الصباح على بدء كتابة الفصل التطبيقي الأول: التحليل البنيوي للنص القصصي.
جلست ميّ إلى اليمين، ويمتدّ ويقصر بين أصابعها قلم الرصاص بين لحظة وأخرى، كأنه يتنفس معها، يتماشى مع إيقاع تفكيرها الداخلي.
أما سالم، فكان أمام الرفوف، وعلى الطاولة وثيقة جديدة تحمل عنوانًا بسيطًا، لكنها احتوت وعدًا بمرحلة جديدة من العمل، مرحلة تتحوّل فيها المعرفة إلى فعل، والتطبيق إلى نضج، والرسالة إلى حياة متكاملة بين السطر والآخر.
قالت ميّ وهي تتأمل أول جملة كتباها:
«سالم… أريد أن نبدأ من جوهر النص… من قلب المعنى، قبل أن نمسك الأدوات.»
ابتسم سالم، وكأنه كان ينتظر هذا الاقتراح:
«تمام… فلندخل إلى النص كقارئين قبل أن نكون محللين.»
فتحت ميّ الصفحة المطبوعة للنص القصصي، ذلك النص الذي يصوّر مدينة تتغيّر أسماؤها، وطفلًا يبحث عن ظلّه، وأمًّا تحاول التعبير عن شعورٍ لا تجد له مفردات.
ثم قالت بخفوت، وكأنها تحاول أن تخاطب النص قبل أن تخاطب نفسها:
«سالم… هل تدري؟ هذا النص يشبه ما قرأناه في الملف عن العرب الأوائل.»
وسحبت ورقة صغيرة كانت قد وضعتها بين الصفحات، وفيها مقطع من الملف:
«أيمكن للمعنى أن يوجد بلا علم؟ نعم… عند العرب الأوائل كان المعنى حاضرًا بلا علم، معجم حيّ، وسياق اجتماعي يكفل وصول الدلالة.»
قرأت السطور ببطء، ثم نظرت إلى سالم وقالت:
«النص القصصي يعمل بنفس الفكرة… النص لا يشرح… النص يعيش المعنى.»
أومأ سالم موافقًا، وكأن الكلمات تجسّد نظرية بنيوية عميقة:
«نعم… وهذا أول مفتاح للتحليل البنيوي: اللغة ليست جهازًا لشرح القصة… اللغة هي التي تصنع القصة.»
بدأ سالم بالكتابة في الوثيقة:
«1- البنية الدلالية للنص»
قالت ميّ:
«فلنشتغل على ثلاثة محاور:
– الدالّ المحوري
– التحوّل البنيوي
– شبكة العلاقات الدلالية»
أجاب سالم:
«تمام… واختيار الدالّ المحوري واضح: المدينة.»
قالت ميّ:
«لكن ليست أي مدينة… مدينة بلا اسم ثابت. أي أن الدالّ يتحرك، والمدلول يهتز.»
عادت إلى الملف المرفق، وقرأت مقطعًا آخر:
«الدلالة ليست علاقة جامدة بين لفظ ومعنى، بل منظومة تتحرك مع السياق والتركيب والاستعمال.»
ابتسمت وقالت:
«سالم… هذه الجملة بالضبط تمثل ما يحدث في النص القصصي. المدينة تتغيّر… وبالتالي تتغيّر دلالتها.»
كتب سالم تحت العنوان:
«تمثل المدينة في النص دالًا غير مستقر، وهو ما يتوافق مع مفهوم “تحرّك الدلالة” كما ورد في التراث العربي، حيث يتبدّل المعنى بتبدّل السياق والاستعمال.»
رفعت ميّ قلمها، وقالت بابتسامة صغيرة:
«هذه أول مرة نحس أنّ التراث… يخدمنا فعلًا.»
انتقلت ميّ إلى فقرة جديدة، وهمست بحذر:
«2- البنية السردية والتحوّل»
أضافت بعد لحظة تفكير:
«الطفل يبحث عن ظلّه… هذا ليس حدثًا عابرًا… إنه رمز بنيوي. الظلّ = الهوية.»
أومأ سالم، وهو يضع يده على القلم مستحضرًا تراث العرب في فهم المعنى:
«وبما أن المدينة تتغيّر أسماؤها… فالطفل يفقد المرجعية. هذا هو التحوّل البنيوي الحقيقي.»
جلسا معًا، وكتبا كمن يتحدثان بصوت النص ذاته:
«يتحوّل ظلّ الطفل من كيان بسيط إلى دالّ وجودي مرتبط بالهوية، فحين يهتزّ اسم المدينة يهتزّ ظلّ الطفل، ويهتز معه مركز المعنى.»
ثم قالت ميّ بعينين تتلألأ فيهما إشارات الفهم:
«ويجب ربط هذا الجدل بمفهوم العرب عن “اللفظ عالم صغير”.»
فتحت من الملف فقرة تقول:
«كل لفظ كان عالمًا صغيرًا، قادرًا على حمل المعنى دون شرح، لأن المتلقي كان يملك مفاتيح هذا العالم.»
همست:
«هنا… المدينة المفترض أن تكون “عالمًا صغيرًا”، لكن الكاتب يكسر هذا العالم… ويجعل الظلّ يضيع.»
بعد ساعات من العمل المشترك، أغمضت ميّ عينيها وقالت:
«سالم… أشعر أننا نكتب نصّين في الوقت نفسه: نص قصصي… ونص علمي.»
نظر إليها سالم بمحبة صافية، كأن قلبه يقرأ بين السطور:
«وكل واحد منهما… يكشف شيئًا جديدًا فينا.»
ثم تابع كتابة الجزء الأخير، وهو يضع على الورق ما يختزل الفهم العميق للنص:
«إن البنية العميقة للنص القصصي لا تظهر في الأحداث وحدها، بل في العلاقات التي تربط الدالّات ببعضها. فالمدينة المتحوّلة، والظلّ الهارب، والأم الصامتة، تشكّل ثلاثية دلالية تبني شبكة متكاملة من المعنى، تجعل القصة مثالًا تطبيقيًا لفهم التحوّل الدلالي في النصوص الحديثة.»
أمسكت ملف “أثناء البحث في علم الدلالة”، ورفعت ميّ رأسها، ونظرت إلى الفقرة، ثم قالت بصوت ارتعش قليلًا:
«هذه… أول فقرة… أشعر أنها صالحة لأن توضع في رسالة ماجستير، لا مجرد تمرين.»
ابتسم سالم، ووضع يده فوق يدها بخفوت، كأنه يؤكد توافقهما الفكري والوجداني:
«وأول خطوة… نكتبها سويًا.»
عندما خرجا من المكتبة، كانت الشمس قد بدأت تغيب، وظلالهما تمتد على الأرض… ظلان طويلان، ثابتان، لا يبحثان عن نفسيهما كما فعل الطفل في القصة.
همست ميّ وكأنها تخاطب قلبها قبل أن تخاطب سالم:
«سالم… أخيرًا… أشعر أننا نكتب عن معنى… لا عن كلمات.»
ابتسم سالم، وكأن قلبه يرد بصوت صامت:
«وهي البداية… لكن البداية فقط.»
في الصباح التالي سارا في الممر الطويل، وكأن الكلمات التي كتباهما لا تزال تمشي معهما، على هيئة نورٍ صغير لا يخبو، يذكّرهما بأن ما يكتبانه ليس مجرد حروف، بل روحٌ متحرّكة.
دخل سالم وميّ مكتب الدكتور نزار، وقد بدا عليهما التعب الخفيف، أشبه بتعب من حمل نصّ كامل على الأكتاف. كان بين يديهما الملف الجديد: الفصل التطبيقي الأول – التحليل البنيوي للنص القصصي.
جلسا، وكان الدكتور نزار أمامهما يقلب الأوراق بالهدوء نفسه الذي اعتادا عليه في كل جلسة: بطء… هدوء… ثم وقفة طويلة نحو الفراغ، تتقدّم الكلام.
لم ينطق لدقائق. كانت ميّ تراقب عينيه، بينما سالم يعضّ طرف قلمه بلا وعي.
ثم أغلق الملف ووضعه أمامهما كأنه يضع مرآة، وقال بصوت خافت لكنه ثاقب:
«ممتاز… لكن لا يزال ينقص شيء… شيء كبير.»
شعرت ميّ بانقباض خفيف، وشعر سالم بالضيق ذاته، لكنهما ظلا صامتين، كل واحد منهما يغوص في سؤال داخلي:
«ماذا يعني “شيء كبير” في نصّنا؟»
رفع الأستاذ الصفحة الأولى، ونظر إليهما بعينين تحملان وزن سنوات من البحث والخبرة، وقال بصوت متأنٍ:
«التحليل البنيوي… واضح، مبوّب، وفيه حسّ أدبي جميل.»
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية، وكأن كل كلمة منه تختبر عمق الفهم:
«لكن… البنيوية وحدها… لا تكفي.»
رفعت ميّ حاجبها مستفهمة، وصوتها يئن في صدرها فضولًا:
«كيف يعني؟»
أجاب الأستاذ، وكأن صوته يزن الكلمات قبل أن تتشكل في أذهانهما:
«النص المعاصر… أوسع من أن يُفهم بالبنية فقط. التحوّلات الاجتماعية… الهوية… السياق الثقافي… كل هذه العناصر يجب أن تدخل في التحليل، حتى لو كان الفصل بعنوان “بنيوي”.»
فتحت ميّ عينيها على مصراعيهما، يتداعى في ذهنها أسئلة جديدة: كيف يمكن لكل هذا أن يتوازن مع المنهجية البنيوية؟ كيف نحافظ على صرامة التحليل دون أن نفقد النبض الثقافي والاجتماعي للنص؟
فتح الأستاذ الصفحة الثانية، ونظر إليهما بتمعّن:
«مثلاً، ربطتما “تغيّر اسم المدينة” بتحوّل الدالّ… هذا الربط ممتاز. لكن أين أثر هذا التحوّل على البنية الاجتماعية؟ أين أثره على علاقة الطفل بالعالم؟ أين الدالّات الثانوية التي تشكّل شبكة المعنى؟»
دوّنت ميّ الملاحظات بسرعة، وهي تفكر بصوت داخلي: كيف يمكن ربط هذه التحولات بالهوية والثقافة دون أن نخالف المنهج البنيوي؟
همس سالم بخفوت، وكأن السؤال يخرج من قلبه قبل أن يعلو صوته:
«يعني… تريد توسيعاً؟»
ردّ الأستاذ مباشرة، وكأن كل كلمة منه تفتح نافذة جديدة للفهم:
«ليس توسيعًا… إنما تعميق. أريدكم أن تروا النص كشبكة حياة، لا كصفحة مكتوبة فحسب.»
شعرت ميّ باندفاع في صدرها، وكأن كل كلمة تصنع نبضًا داخليًا: كل نص هو كائن حي، تتحرك فيه الدلالات كما تتحرك حياة الناس.
وسالم شعر بنفس النبض: أن التحليل ليس مجرد استخراج معلومات، بل فهم العلاقات الخفية بين الكلمات والمعاني، كما كان يفهم العرب الأوائل اللغة والسياق في آن واحد.
ثم قال الأستاذ وهو يسحب قلمًا أحمر من درج مكتبه، وكأن كل حركة تحدد خطًا في خارطة البحث:
«النقطة الثانية… هي الأهم.»
أشار إلى الهامش الأخير في الوثيقة، وقال بجدية متأنية:
«لا توجد هنا “مراجع موازية”. التحليل يجب أن ينعكس على مصادر عربية وغربية… متوازية أحيانًا، ومتعارضة في أحيان أخرى… لكنها تصنع رؤيتكم النقدية.»
رفعت ميّ رأسها، وعينها تتسع قليلًا كأنها ترى أفقًا جديدًا:
«يعني، علينا أن نقارن؟»
ابتسم الأستاذ بخفة، ثم أكمل بنبرة حازمة:
«بالضبط. أريد مقارنة بين:
– سوسير والجرجاني
– لايكوف وابن جني
– هاليداي والسكاكي
– بين البنيوية الغربية… وبين الدلالة العربية القديمة.»
ثبت نظره فيهما، وكأن كل كلمة منهما تحمل مسؤولية البحث الحقيقي:
«ومن دون هذه المقارنة… لن تكون هناك “رسالة”، بل مجرد تحليل عابر.»
تنفّس سالم بعمق، وارتفع نبض قلبه قليلًا، وهو يشعر بثقل المسؤولية، لكنه كان يعرف يقينًا أن الأستاذ محق، وأن هذا الطريق وحده يصنع الباحث.
ثم مدّ الأستاذ يده، وأخرج من درج مكتبه نسخة مطبوعة من الملف الذي اعتمده الطالبان في الفصل السابق:
وضع الملف أمامهما، وقال بصوت يملأ المكان صدى حتمية العلم:
«هذا المرجع… فيه نقاط لا بد أن تدخل الآن، وليس بعد حين.»
فتح صفحة محددة، وأشار إلى فقرة تتناول:
«جذور الدلالة في التراث: القرائن، السياق، وتغيّر المعنى بحسب المقام.»
“أثناء البحث في علم الدلالة”، قال الأستاذ بنبرة مؤثرة:
«هذه الفقرة يجب أن تُدرج تحت عنوان: توافق البنية مع القرائن السياقية. ومن خلالها ستتمكنون من بناء مقارنة دقيقة مع “فيرث” و “غرايس”.»
ثم فتح صفحة أخرى، وأشار إلى نص يقول:
«اللفظ عالم صغير، لا يكتمل إلا إذا عرف المتلقي مفاتيحه.»
ابتسمت ميّ داخليًا، وهي تدرك عمق هذه الفكرة، وقال الأستاذ:
«وهي… ينبغي أن تُدرج تحت عنوان: العالم الدلالي المغلق مقابل العالم الدلالي المفتوح.»
ثم أغلق الملف بحزم، وكأن كل صوته وحركته تأخذ مكانها في قلب التحليل:
«الملف المرفق… ليس مجرد مرجع إضافي، بل سيكون قلب التحليل… وعصب الرسالة نفسها.»
شعرت ميّ بتيار من الطاقة الفكرية يمرّ في يديها، وكأنها تقرأ نصًّا حيًّا يتنفس داخل البحث.
وسالم شعر بثقل المسؤولية ذاته، لكنه كان مدركًا أن كل فقرة، وكل مقارنة، وكل إدراج، هو خطوة نحو تحول الوثيقة إلى رسالة متكاملة، تتنفس الحياة والوعي العربي والغربي في آن واحد.
