“مُسَاءَلةُ الظِّلّ”.
رِوَايَةٌ فِي سِيرَةِ القَصِيدَةِ العَرَبِيَّة
كَلِمَةُ الكَاتِب
كُلُّ الشَّخصِيَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ الوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة، بِأَسمَائِهَا الكَامِلَة، حَقِيقِيَّةٌ عَاشَت وَكَتَبَت وَغَيَّرَت وَجهَ الشِّعرِ العَرَبِيّ. أَمَّا “جَلَسَاتُهَا” الَّتِي سَتَقرَؤُونَهَا هُنَا، فَلَيسَت مَحَاضِرَ حَرفِيَّة، وَلَيسَت وَثَائِقَ مُوَثَّقَة، بَل إِعَادَةُ تَخَيُّلٍ أَدَبِيّ، اُستُقطِرَت مِن سِيَرِهِم المَنشُورَة، وَرَسَائِلِهِم، وَحِوَارَاتِهِمُ الصَّحَفِيَّة، وَمِن رُوحِ قَصَائِدِهِم الَّتِي عَرَفَهَا كُلُّ قَارِئٍ عَرَبِيّ. حَاوَلتُ، بِقَدرِ مَا أَمكَنَنِي، أَن أَبقَى أَمِينًا لِجَوهَرِ كُلِّ شَخصِيَّة، لَا لِتَفَاصِيلِ حَيَاتِهَا الحَرفِيَّة. فَمَا تَقرَؤُونَهُ هُوَ مَا كَانَ يُمكِنُ أَن يُقَال، لَا مَا قِيلَ بِالضَّرُورَة.
أَمَّا الشَّخصِيَّاتُ الأُخرَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَة -سُلَافَة، وَنَبِيل، وَأَبُو فِرَاس، وَأَبُو الحَسَن، وَكَنْعَــــــان- فَمُتَخَيَّلَةٌ بِالكَامِل، وَأَيُّ تَشَابُهٍ بَينَهَا وَبَينَ أَشخَاصٍ حَقِيقِيِّينَ هُوَ مَحضُ صُدفَة.
مِن رِسَالَةِ الجَدّ
“يَا سُلَافَة،
إِن كُنتِ تَقرَئِينَ هَذَا، فَهَذَا يَعنِي أَنَّنِي لَم أَعُد قَادِرًا عَلَى حِمَايَةِ مَا حَمَيتُهُ طَوَالَ سَبعَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا. سَأَكُونُ مُوجَزًا، لِأَنَّ الوَقتَ الَّذِي مَنَحَتنِيهِ الحَيَاةُ لِأَشرَحَ لَكِ كُلَّ شَيءٍ لَم يَكُن كَافِيًا.
فِي عَامِ أَلفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسِتِّين، حِينَ تَأَسَّسَت فِي بَيرُوت وَدِمَشقَ “الجَمعِيَّةُ العِلمِيَّةُ السُّورِيَّة”، تَشَكَّلَت دَاخِلَهَا، بِصَمتٍ تَامّ، حَلقَةٌ صَغِيرَة، أَطلَقَ أَعضَاؤُهَا عَلَى أَنفُسِهِم اسمًا وَاحِدًا: “مُسَاءَلةُ الظِّلّ”.
لَم يَكُن هَدَفُ هَذَا المَجلِسِ نَشرَ الأَدَبِ وَلَا الدِّفَاعَ عَنه، بَل مُسَاءَلَتُه. أَن يُستَدعَى، فِي كُلِّ جِيل، أَعظَمُ شَاعِرٍ عَرَبِيٍّ حَيّ، إِلَى جَلسَةٍ سِرِّيَّةٍ وَاحِدَة، تُطرَحُ فِيهَا عَلَيهِ أَسئِلَةٌ لَا يُطرَحُ مِثلُهَا عَلَيهِ فِي مِنبَرٍ وَلَا صَحِيفَة. وَيُدَوَّنُ كُلُّ مَا يُقَالُ، ثُمَّ يُختَمُ وَيُحفَظ، عَلَى أَلَّا يُفتَحَ إِلَّا حِينَ يَرَى “حَامِلُ المَجلِس” أَنَّ الوَقتَ قَد حَان.
كُنتُ، يَا صَغِيرَتِي، آخِرَ حَامِلٍ لِهَذَا المَجلِس. وَلَم أُخبِركِ، لِأَنَّنِي كُنتُ أَتَمَنَّى، بِأَنَانِيَّةِ الجَدِّ، أَن تَنَامِي لَيَالِيَكِ الأُولَى بِلَا كَوَابِيسَ لَيسَت لَكِ.
فِي هَذَا الصُّندُوق، سَتَجِدِينَ إِحدَى عَشرَةَ حَافِظَةً مَختُومَة، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنهَا جَلسَةٌ مَعَ شَاعِرٍ حَقِيقِيّ، مِن أَحمَد شَوقِي إِلَى مَحمُود دَروِيش. مَا فِيهَا لَيسَ نَمِيمَةً وَلَا اختِلَاقًا عَابِثًا، بَل اِستِقطَارٌ لِمَا عَرَفتُهُ عَنهُم، وَقَرَأتُهُ لَهُم، وَسَمِعتُهُ مِنهُم.
وَسَتَجِدِينَ حَافِظَةً ثَانِيَةَ عَشرَة، فَارِغَة. تِلكَ هِيَ جَلسَتُكِ أَنتِ. فَالمَجلِسُ يَنتَظِرُ، مُنذُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، شَاعِرًا وَاحِدًا لَم يُحسَم أَمرُه، وَحَامِلًا جَدِيدًا يُقَرِّرُ مَتَى يُستَدعَى.
لَستِ مُجبَرَةً عَلَى شَيء. احذَرِي فَقَط مِن البَعضِ.
جَدُّكِ، كَنْعَــــــان”
الفَصلُ الأَوَّل
الحَادِيَةَ عَشرَةَ لَيلًا. بَاكْنَانْغ، جَنُوبُ أَلمَانِيَا، حَيثُ تَتَسَاوَى السَّاعَاتُ فِي رَتَابَتِهَا وَلَا يُقَاطِعُ صَمتَهَا سِوَى المَطَر.
رَنَّ الهَاتِف.
رَفَعَت سُلَافَةُ رَأسَهَا عَن الشَّاشَة. رَقمٌ دِمَشقِيّ، بِلَا اسم. تَرَدَّدَت، ثُمَّ أَجَابَت.
“سُلَافَة؟” صَوتُ رَجُلٍ مُتعَبٌ، تَعرِفُهُ جَيِّدًا.
“أَبُو فِرَاس؟ فِي هَذَا الوَقت؟”
صَمتٌ. ثُمَّ: “جَدُّكِ كَنْعَــــــان… رَحَلَ هَذَا المَسَاء.”
لَم تَقُل شَيئًا.
“سُلَافَة، هَل تَسمَعِينَنِي؟”
“أَسمَعُك.” صَوتُهَا خَرَجَ هَادِئًا، غَرِيبًا عَلَيهَا. “كَيفَ؟”
“بِهُدُوء. نَائِمًا عَلَى كُرسِيِّهِ، أَمَامَ مَكتَبَتِه.”
أَغلَقَت الخَطّ. جَلَسَت طَوِيلًا تُحَدِّقُ فِي انعِكَاسِهَا عَلَى زُجَاجِ النَّافِذَة، تَستَعِيدُ صُورَةَ رَجُلٍ نَحِيل، هَادِئِ الصَّوت، كَانَ يَعرِفُ عَن الشِّعرِ العَرَبِيِّ مَا لَا يَعرِفُهُ أَستَاذٌ جَامِعِيٌّ فِي عُمرِه. وَكَانَ، كُلَّمَا سَأَلَتهُ عَن مَاضِيهِ، يَبتَسِمُ وَيَقُول: “بَعضُ الحَيَاةِ لَا تُروَى يَا صَغِيرَتِي، بَل تُورَث.”
لَم تَفهَم يَومَهَا مَاذَا يَعنِي.
بَعدَ أَربَعَةِ أَيَّام، طَرَقَ البَابُ فِي التَّاسِعَةِ صَبَاحًا. وَقَفَ أَبُو فِرَاس عَلَى العَتَبَة، يَحمِلُ صُندُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا كَأَنَّهُ يَحمِلُ طِفلًا.
“لِمَ لَم تُخبِرنِي أَنَّكَ سَتَأتِي؟” سَأَلَته وَهِيَ تَفتَحُ البَاب.
“لِأَنَّنِي لَم أَثِق بِهَذَا الأَمرِ عَبرَ هَاتِف.” وَضَعَ الصُّندُوقَ عَلَى طَاوِلَةِ المَطبَخ. يَدَاهُ تَرتَجِفَان. “طَوَالَ الرِّحلَة، كَانَ عَلَى رُكبَتَيَّ. لَم أَضَعهُ فِي الحَقِيبَة.”
نَظَرَت إِلَيه. خَشَبُ جَوزٍ دَاكِن، قُفلٌ نُحَاسِيٌّ صَغِيرٌ بِلَا مِفتَاح. عَلَى الغِطَاء، مَحفُورَةً بِخَطِّ جَدِّهَا: “لِمَن يَأتِي بَعدِي.”
“مِفتَاحٌ؟” سَأَلَت.
“لَم يُعطِنِي وَاحِدًا.” تَوَقَّفَ، كَأَنَّهُ يَخَافُ مِمَّا سَيَقُولُه. “قَبلَ شَهرٍ، قَالَ لِي: إِن حَدَثَ لِي شَيء، خُذ هَذَا الصُّندُوقَ إِلَى سُلَافَة. لَا تَفتَحهُ أَنت. وَلَا تُخبِر أَحَدًا أَنَّهُ مَوجُودٌ عِندَك.”
“مِمَّن؟”
“سَأَلتُهُ السُّؤَالَ نَفسَه. ابتَسَمَ وَلَم يُجِب.”
نَظَرَت سُلَافَةُ إِلَى القُفلِ طَوِيلًا. ثُمَّ تَذَكَّرَت خَاتَمَ جَدِّهَا الفِضِّيّ، الَّذِي وَصَلَهَا مَعَ أَغرَاضِهِ قَبلَ يَومَين. أَخرَجَتهُ. فِي بَاطِنِه، نَقشٌ صَغِيرٌ لَم تَنتَبِه إِلَيهِ مِن قَبل: هِلَالٌ صَغِيرٌ يُشبِهُ الحَفرَةَ فِي مَركَزِ القُفل.
أَدخَلَتهُ.
نَقرَةٌ خَافِتَة، وَاستَدَارَ القُفل.
فِي الدَّاخِل: رِسَالَةٌ مَطوِيَّة، وَتَحتَهَا اثنَتَا عَشرَةَ حَافِظَة، مَربُوطَةٌ بِخُيُوطٍ جِلدِيَّة. إِحدَى عَشرَةَ مَختُومَةٌ بِشَمعٍ أَحمَر، تَحمِلُ أَسمَاءً. وَاحِدَةٌ، فِي آخِرِ الصَّفّ، بِلَا خَتم، بِلَا اسم، فَارِغَة.
قَرَأَت سُلَافَةُ الرِّسَالَةَ فِي صَمت. أَبُو فِرَاس يُرَاقِبُ وَجهَهَا، لَا يَجرُؤُ عَلَى السُّؤَال.
حِينَ انتَهَت، رَفَعَت عَينَيهَا.
“يَعرِفُ البعض بِأَمرِ هَذَا الصُّندُوق؟”
“لَا أَعرِف. لِمَاذَا تَسأَلِين؟”
“لِأَنَّ جَدِّي طَلَبَ مِنِّي أَن أَحذَرَهُم.” طَوَت الرِّسَالَة. “وَجَدِّي لَم يَكُن يَومًا رَجُلًا يُبَالِغ.”
فِي تِلكَ اللَّحظَة، رَنَّ هَاتِفُهَا مِن جَدِيد. رَقمٌ آخَر، دُولِيّ، لَا اسمَ لَه.
نَظَرَت إِلَيهِ سُلَافَةُ طَوِيلًا قَبلَ أَن تَرفَع.
“مَن مَعِي؟” سَأَلَت.
“اسمِي نَبِيل.” صَوتٌ هَادِئ، مَصقُول، كَمَن اختَارَ كُلَّ كَلِمَةٍ قَبلَ أَن يَنطِقَهَا. “أَعرِفُ أَنَّكِ تَلَقَّيتِ صُندُوقًا مُنذُ سَاعَة. أَنصَحُكِ أَلَّا تَفتَحِي أَيَّةَ حَافِظَةٍ قَبلَ أَن نَلتَقِي.”
قَطَعَت سُلَافَةُ الِاتِّصَال.
نَظَرَ إِلَيهَا أَبُو فِرَاس، وَجهُهُ شَاحِب.
“البعض؟”
“لَا أَعرِف.” وَضَعَت الهَاتِفَ عَلَى الطَّاوِلَة، وَيَدُهَا مَا زَالَت تَرتَجِف. “لَكِنَّهُ يَعرِفُ بِوُجُودِ الصُّندُوقِ فِي السَّاعَةِ الأُولَى مِن وُصُولِه. وَهَذَا وَحدَهُ كَافٍ لِأُدرِكَ أَنَّ جَدِّي لَم يَكُن يُبَالِغ.”
أَغلَقَت الصُّندُوق. لَم تَنَم تِلكَ اللَّيلَة.
فِي الصَّبَاح، فَتَحَت الحَافِظَةَ الأُولَى. عَلَى غِلَافِهَا، اسمٌ وَاحِد:
أَحمَد شَوقِي.
الفَصلُ الثَّانِي
القَاهِرَة، عَامُ ١٩٢٧
جَلَسَ شَوقِي فِي حَدِيقَةِ بَيتِهِ فِي الجِيزَة، بَعدَ أَسَابِيعَ مِن تَتوِيجِهِ “أَمِيرًا لِلشُّعَرَاء” فِي حَفلٍ حَضَرَهُ شُعَرَاءُ العَالَمِ العَرَبِيِّ كُلُّه. كَانَ يَبدُو مُتعَبًا أَكثَرَ مِمَّا يَبدُو رَجُلٌ حَصَلَ لِتَوِّهِ عَلَى أَعلَى لَقَبٍ يُمكِنُ أَن يَحلُمَ بِهِ شَاعِر.
“لِمَاذَا هَذَا التَّعَب؟” سَأَلَ الكَاتِب. “أَنتَ الآن أَمِيرُ الشُّعَرَاء.”
ابتَسَمَ شَوقِي ابتِسَامَةً بَاهِتَة. “التَّاجُ ثَقِيل، يَا بُنَيّ. لَيسَ لِأَنَّهُ ذَهَب، بَل لِأَنَّهُ يُحَوِّلُكَ إِلَى وَظِيفَة. النَّاسُ لَا يَنتَظِرُونَ مِنِّي بَعدَ اليَومِ قَصِيدَة، بَل يَنتَظِرُونَ أَمِيرًا يَتَحَدَّثُ بِلِسَانِ أَمِير.”
“أَلَم تُرِد هَذَا اللَّقَب؟”
“أَرَدتُهُ حِينَ كُنتُ فِي الأَربَعِين.” نَظَرَ إِلَى بَعِيد. “أَمَّا الآن، وَأَنَا فِي التَّاسِعَةِ وَالخَمسِين، فَقَد بَدَأتُ أَتَسَاءَل: هَل يَتَوَّجُ الشُّعَرَاءَ إِلَّا حِينَ يُوشِكُونَ عَلَى الصَّمت؟”
سَأَلَهُ الكَاتِب: “قَضَيتَ سِنِينَ طَوِيلَةً تَكتُبُ لِلقُصُورِ وَالخُدِيوِيَّة، قَبلَ أَن تُنفَى إِلَى إِسبَانِيَا. هَل تَنَدَمُ عَلَى تِلكَ السِّنِين؟”
صَمَتَ شَوقِي طَوِيلًا. “كُنتُ أَكتُبُ لِمَن يُطعِمُنِي، كَمَا فَعَلَ الشُّعَرَاءُ مُنذُ الجَاهِلِيَّة. لَكِنَّ المَنفَى عَلَّمَنِي شَيئًا لَم يُعَلِّمنِيهِ القَصر: أَنَّ القَصِيدَةَ الَّتِي تُكتَبُ لِإِرضَاءِ سُلطَان، تَمُوتُ بِمَوتِ ذَلِكَ السُّلطَان. أَمَّا القَصِيدَةُ الَّتِي تُكتَبُ مِن أَلَمٍ حَقِيقِيّ، فَتَبقَى.”
“وَهَل كَتَبتَ، وَأَنتَ فِي إِسبَانِيَا، مِن أَلَمٍ حَقِيقِيّ؟”
ابتَسَمَ شَوقِي لِأَوَّلِ مَرَّة ابتِسَامَةً صَادِقَة. “كَتَبتُ، هُنَاك، قَصَائِدَ الحَنِينِ الأُولَى فِي شِعرِنَا الحَدِيث. لَم أَكُن أَعرِفُ، وَأَنَا أَكتُبُهَا، أَنَّنِي أَفتَحُ بَابًا لِأَجيَالٍ مِن الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ سَيُكتَبُ عَلَيهِمُ الغُربَة، مُنذُ السَّيَّابِ حَتَّى دَروِيش.”
سَأَلَهُ الكَاتِبُ سُؤَالًا أَخِيرًا: “مَاذَا تَخَافُ أَن يُقَالَ عَنكَ بَعدَ مِئَةِ عَام؟”
جَلَسَ شَوقِي صَامِتًا، يُدِيرُ خَاتَمَهُ بَينَ أَصَابِعِه. “أَخَافُ أَن يُقَالَ: كَانَ شَاعِرَ القُصُور. لَا أَن يُقَال: كَانَ شَاعِرَ النَّاس.” نَظَرَ إِلَى الكَاتِب مُبَاشَرَة. “لِأَنَّ القُصُورَ تَنهَار، وَالتِّيجَانَ تُصهَر، وَلَا يَبقَى مِن الشَّاعِرِ إِلَّا مَا كَتَبَهُ لِلَّذِينَ لَا تِيجَانَ لَهُم.”
دَوَّنَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر: “أَمِيرُ الشُّعَرَاء، فِي أَوجِ مَجدِه، كَانَ يَخَافُ مِمَّا يَخَافُهُ كُلُّ شَاعِرٍ حَقِيقِيّ: أَن يُصبِحَ لَقَبُهُ أَكبَرَ مِن صَوتِه.”
يُذَكِّرُنَا هَذَا بِمَا كَتَبَهُ النَّاقِدُ ت. س. إليوت عَن عَلَاقَةِ الشَّاعِرِ بِتُرَاثِه: أَنَّ المَوهِبَةَ الفَردِيَّةَ لَا تُقَاسُ بِمَا تَملِكُهُ مِن أَصَالَةٍ مُنعَزِلَة، بَل بِقُدرَتِهَا عَلَى أَن تَتَحَاوَرَ مَعَ مَن سَبَقُوهَا دُونَ أَن تَذُوبَ فِيهِم. شَوقِي، وَهُوَ يَحمِلُ عَلَى كَتِفَيهِ إِرثَ الكَلَاسِيكِيَّةِ العَرَبِيَّة، كَانَ يُدرِكُ أَنَّ التَّاجَ الَّذِي مُنِحَهُ لَيسَ خِتَامًا، بَل امتِحَانًا: هَل يَستَطِيعُ صَوتُهُ أَن يَتَجَاوَزَ لَقَبَه؟
الفَصلُ الثَّالِث
نِيُويُورك، عَامُ ١٩٢٩
استَقبَلَ جُبرَانُ الكَاتِبَ فِي مِرسَمِهِ الصَّغِيرِ فِي حَيِّ غرِينِتش فِيلِدج، وَسَطَ لَوحَاتٍ نِصفِ مُكتَمِلَة وَرَائِحَةِ زَيتٍ وَتَبغ.
“جِئتَ مِن دِمَشقَ؟” سَأَلَ جُبرَان.
“مِن مُسَاءَلةُ الظِّلّ.”
ضَحِكَ جُبرَان ضَحكَةً خَافِتَة. “اسمٌ يُشبِهُ عُنوَانَ أُحجِيَة. اجلِس.”
“تَرَكتَ بِشَرِّي وَأَنتَ فِي الثَّانِيَةَ عَشرَة،” بَدَأَ الكَاتِب، “وَلَم تَعُد إِلَيهَا إِلَّا جُثَّةً بَعدَ سِتَّةٍ وَأَربَعِينَ عَامًا. لِمَاذَا لَم تَعُد وَأَنتَ حَيّ؟”
تَغَيَّرَت مَلَامِحُ جُبرَان. وَضَعَ فُرشَاتَهُ جَانِبًا.
“لِأَنَّ القَريَةَ الَّتِي فِي ذَاكِرَتِي أَجمَلُ مِن أَيَّةِ قَريَةٍ يُمكِنُ أَن أَرَاهَا بِعَينَيَّ الآن. كُنتُ أَخَافُ أَن أَعُودَ فَأَجِدَ أَنَّ الوَادِيَ المُقَدَّسَ صَارَ أَصغَرَ مِمَّا كَانَ فِي ذَاكِرَتِي الطِّفلَة.”
“هَل هَذَا يَعنِي أَنَّكَ عِشتَ حَيَاتَكَ كُلَّهَا هَارِبًا؟”
نَظَرَ إِلَيهِ جُبرَانُ نَظرَةً حَادَّة. “لَا. عِشتُ حَيَاتِي أَبنِي وَطَنًا آخَر، لَا عَلَى خَرِيطَة، بَل فِي اللُّغَة. “النَّبِيّ” الَّذِي كَتَبتُهُ لَيسَ عَن لُبنَان، وَلَا عَن أَمرِيكَا. إِنَّهُ عَن كُلِّ إِنسَانٍ يَحمِلُ فِي دَاخِلِهِ مَنفَاهُ الخَاصّ.”
سَأَلَهُ الكَاتِب: “كَتَبتَ عَن الحُبِّ كَثِيرًا، لَكِنَّكَ لَم تَتَزَوَّج قَطّ. لِمَاذَا؟”
ابتَسَمَ جُبرَان ابتِسَامَةً حَزِينَة. “أَحبَبتُ امرَأَةً وَاحِدَة، عَبرَ مِئَاتِ الرَّسَائِل، لِأَكثَرَ مِن عِشرِينَ عَامًا، وَلَم أَتَزَوَّجهَا قَط. كَانَت بَينَنَا مُحِيطَاتٌ لَا تُقطَع، لَا بِالمَسَافَة، بَل بِشَيءٍ أَعمَق: كِلَانَا كَانَ يَخَافُ أَن يَقتُلَ الزَّوَاجُ مَا صَنَعَتهُ الكَلِمَاتُ بَينَنَا.”
“أَلَا تَظُنُّ أَنَّ هَذَا جُبنٌ عَاطِفِيّ؟”
صَمَتَ جُبرَانُ طَوِيلًا. “رُبَّمَا. أَو رُبَّمَا كَانَ الحُبُّ الَّذِي عِشتُهُ عَبرَ الوَرَق أَصدَقَ مِن حُبٍّ كَانَ سَيَتَكَسَّرُ عَلَى تَفَاصِيلِ الحَيَاةِ اليَومِيَّة. لَا أَملِكُ جَوَابًا نِهَائِيًّا. أَملِكُ فَقَطِ الرَّسَائِل.”
فِي خِتَامِ الجَلسَة، سَأَلَهُ الكَاتِبُ عَمَّا يَتَمَنَّى أَن يُقَالَ عَنهُ فِي الشَّرقِ يَومًا.
“أَتَمَنَّى أَن يُقَالَ: هَذَا رَجُلٌ حَمَلَ الشَّرقَ عَلَى ظَهرِهِ وَهُوَ يَعِيشُ فِي الغَرب، وَلَم يَتَخَلَّ عَنهُ يَومًا، حَتَّى وَإِن لَم يَعُد إِلَيهِ إِلَّا فِي تَابُوت.”
قَالَ إِدوَارد سَعِيد يَومًا إِنَّ المُثَقَّفَ المَنفِيَّ يَعِيشُ حَالَةً مِن الشَّكِّ الدَّائِم، لَكِنَّهُ يُحَوِّلُ هَذَا الشَّكَّ إِلَى مِنَصَّةٍ لِلرُّؤيَةِ الأَوسَع، لَا إِلَى سِجنٍ لِلحَنِين. جُبرَانُ، الَّذِي بَنَى مِن غُربَتِهِ لُغَةً كَونِيَّة، جَسَّدَ هَذِهِ الفِكرَةَ قَبلَ أَن تُصَاغَ نَظَرِيًّا: فَالمَنفَى، حِينَ يُصبِحُ اختِيَارًا لَا مَنفَى، يَتَحَوَّلُ إِلَى مَصدَرِ حُرِّيَّة، لَا خَسَارَة.
الفَصلُ الرَّابِع
بِرَاغ، عَامُ ١٩٦٥
اِستَقبَلَ الجَوَاهِرِيُّ الكَاتِبَ فِي غُرفَتِهِ الصَّغِيرَةِ فِي المَنفَى، حَيثُ كَانَتِ الثُّلوجُ تَتَسَاقَطُ خَلفَ النَّافِذَة.
“سَمِعتُ أَنَّكَ رَفَضتَ عَرشَ الشِّعرِ فِي بَغدَاد أَكثَرَ مِن مَرَّة،” بَدَأَ الكَاتِب. “لِمَاذَا؟”
ضَحِكَ الجَوَاهِرِيُّ ضَحكَةً عَالِيَة، عَمِيقَة، تَملَأُ الغُرفَة. “لِأَنَّ العَرشَ يَعنِي الصَّمتَ عَن كُلِّ مَا يَجِبُ أَن يُقَال. جَرَّبتُ السِّجنَ، وَجَرَّبتُ النَّفي، وَلَم أُجَرِّب أَن أُقَايِضَ لِسَانِي بِكُرسِيٍّ وَثِير.”
“كَتَبتَ قَصِيدَتَكَ الشَّهِيرَة بَعدَ اغتِيَالِ أَخِيكَ جَعفَر عَلَى يَدِ رِجَالِ السُّلطَة،” قَالَ الكَاتِب. “كَيفَ تَكتُبُ وَأَنتَ تَحمِلُ هَذَا الأَلَم؟”
تَغَيَّرَ صَوتُ الجَوَاهِرِيّ. “لَم أَكتُبهَا. صَرَختُهَا. الفَرقُ بَينَ القَصِيدَةِ الَّتِي تُكتَبُ وَالقَصِيدَةِ الَّتِي تُصرَخ، أَنَّ الأُولَى تَخُضَعُ لِلوَزنِ أَوَّلًا، وَالثَّانِيَة تُخضِعُ الوَزنَ لِصُرَاخِهَا. يَومَهَا، لَم أَكُن أَبًا يَبكِي أَخَاه، بَل كُنتُ بَلَدًا يَبكِي نَفسَه.”
“أَلَم تَخَف مِن ثَمَنِ هَذِهِ الصَّرَاحَة؟”
“خِفتُ كُلَّ يَوم.” نَظَرَ إِلَى يَدَيه. “لَكِنَّ الخَوفَ لَم يُسكِتنِي قَط، لِأَنِّي فَهِمتُ بَاكِرًا أَنَّ الشَّاعِرَ الَّذِي يَخَافُ الثَّمَن، لَا يَستَحِقُّ أَن يُدعَى شَاعِرًا. يَستَحِقُّ فَقَط أَن يُدعَى نَاظِمًا.”
سَأَلَهُ الكَاتِبُ: “بَعدَ كُلِّ هَذَا النَّفي، وَكُلِّ هَذَا العُمر، هَل نَدِمتَ يَومًا؟”
صَمَتَ الجَوَاهِرِيُّ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصَوتٍ خَفِيض: “نَدِمتُ عَلَى شَيءٍ وَاحِد: أَنَّنِي لَم أَمُت فِي بَغدَاد. لَا لِأَنَّنِي أَخَافُ المَوتَ فِي المَنفَى، بَل لِأَنَّ التُّرَابَ الَّذِي كَتَبتُ لَهُ كُلَّ قَصِيدَة، يَستَحِقُّ أَن يَحتَضِنَ عِظَامِي، لَا أَن يَقرَأَ عَنِّي فِي الصُّحُف.”
دَوَّنَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر: “الجَوَاهِرِيّ، الَّذِي عَاشَ طَوِيلًا، وَنَفَتهُ ثَلَاثُ حُكُومَاتٍ عَلَى الأَقَلّ، لَم يَنكَسِر يَومًا. صَوتُهُ ظَلَّ أَعلَى مِن كُلِّ مَن حَاوَلَ إِسكَاتَه.”
كَتَبَ النَّاقِدُ مُحَمَّد أَمِين العَالِم عَن مَفهُومِ “الِالتِزَام” فِي الأَدَبِ العَرَبِيّ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الشَّاعِرَ المُلتَزِمَ لَيسَ مَن يُرَدِّدُ شِعَارَاتِ عَصرِه، بَل مَن يَجعَلُ مِن مَأسَاتِهِ الخَاصَّةِ مِرآةً لِمَأسَاةِ جَمَاعَتِه، دُونَ أَن يَخُونَ صِدقَ التَّجرِبَةِ الفَردِيَّة. الجَوَاهِرِيّ، حِينَ بَكَى أَخَاهُ أَمَامَ الجَمَاهِير، لَم يَكُن يُخطِبُ فِي سِيَاسَة، بَل كَانَ يَشهَدُ عَلَى مَا رَآه.
الفَصلُ الخَامِس
الكُوَيت، عَامُ ١٩٦٤
كَانَ السَّيَّابُ طَرِيحَ الفِرَاشِ فِي مُستَشفَى الكُوَيتِ حِينَ دَخَلَ عَلَيهِ الكَاتِب. جَسَدُهُ الهَزِيلُ بِالكَادِ يَملَأُ السَّرِير، لَكِنَّ عَينَيهِ كَانَتَا مُتَّقِدَتَين.
“جِئتَ لِتَرَى شَاعِرًا يَحتَضِر؟” سَأَلَ بِسُخرِيَةٍ مُرَّة.
“جِئتُ لِأَسمَعَ شَاعِرًا حَيًّا.”
ابتَسَمَ السَّيَّابُ ابتِسَامَةً تَعِبَة. “اجلِس، إِذًا، قَبلَ أَن يَنتَهِيَ الوَقت.”
“كَتَبتَ ‘أُنشُودَةَ المَطَر’ وَأَنتَ فِي أَوجِ صِحَّتِك،” قَالَ الكَاتِب، “وَالآن، وَأَنتَ تُصَارِعُ المَرَض، مَاذَا يَعنِي لَكَ المَطَرُ؟”
أَغمَضَ السَّيَّابُ عَينَيهِ لَحظَة. “المَطَرُ، حِينَ كَتَبتُهُ، كَانَ رَمزًا لِلخِصبِ وَالعَودَة. الآن، وَأَنَا أَسمَعُهُ يَقرَعُ نَافِذَةَ المُستَشفَى، صَارَ يُذَكِّرُنِي فَقَط أَنَّ العَالَمَ يَستَمِرُّ فِي الهُطُولِ بَعدِي.”
“أَتَخَافُ المَوت؟”
“لَا أَخَافُ المَوت.” نَظَرَ إِلَى سَقفِ الغُرفَة. “أَخَافُ أَن أَمُوتَ قَبلَ أَن أَكتُبَ القَصِيدَةَ الَّتِي كُنتُ أُؤَجِّلُهَا دَومًا، ظَنًّا مِنِّي أَنَّ أَمَامِي وَقتًا أَطوَل.”
سَأَلَهُ الكَاتِب: “غَيَّرتَ وَجهَ الشِّعرِ العَرَبِيِّ بِكَسرِكَ البَحرَ الخَلِيلِيَّ التَّقلِيدِيّ. هَل شَعَرتَ يَومًا بِالخِيَانَة؟”
“شَعَرتُ بِالضَّرُورَة، لَا بِالخِيَانَة.” رَفَعَ صَوتَهُ قَلِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَستَعِيدُ حَمَاسَ شَبَابِه. “الوَزنُ القَدِيمُ كَانَ يُشبِهُ ثَوبًا فَصَّلَهُ الأَجدَادُ لِأَجسَادِهِم، لَا لِأَجسَادِنَا. حِينَ حَاوَلتُ أَن أَرتَدِيَهُ لِأَحكِيَ عَن مَدِينَتِي الَّتِي دَمَّرَهَا الجُوعُ وَالِاستِعمَار، وَجَدتُهُ ضَيِّقًا. لَم أَكسِرِ الوَزن، بَل وَسَّعتُهُ لِيَتَّسِعَ لِمَا لَم يَكُن مَوجُودًا فِي زَمَنِ صَانِعِيهِ الأَوَائِل.”
قَبلَ أَن يُغَادِرَ الكَاتِب، سَأَلَهُ: “مَاذَا تُرِيدُ أَن يَبقَى مِنكَ بَعدَ رَحِيلِك؟”
ابتَسَمَ السَّيَّابُ ابتِسَامَةً أَخِيرَة. “أُرِيدُ أَن يَبقَى المَطَر. لَا لِأَنَّهُ رَمزٌ جَمِيل، بَل لِأَنَّهُ الشَّيءُ الوَحِيدُ الَّذِي يَهطُلُ عَلَى الجَمِيع، دُونَ تَميِيزٍ بَينَ غَنِيٍّ وَفَقِير، بَينَ صَحِيحٍ وَمَرِيض. أُرِيدُ أَن يَتَذَكَّرَنِي النَّاسُ كُلَّمَا سَمِعُوا قَطرَةً تَقرَعُ زُجَاجًا.”
كَتَبَت سُوزَان سُونتَاغ عَن المَرَضِ بِوَصفِهِ اسْتِعَارَةً تَفرِضُهَا الثَّقَافَةُ عَلَى الجَسَدِ المُنهَك، مُحَذِّرَةً مِن تَحوِيلِ الأَلَمِ الجَسَدِيِّ إِلَى رَمزٍ أَدَبِيٍّ يُجَرِّدُ صَاحِبَهُ مِن إِنسَانِيَّتِهِ الخَاصَّة. السَّيَّابُ، الَّذِي كَتَبَ عَن المَطَرِ وَهُوَ يُحتَضَر، لَم يَكُن يَستَعِيرُ مَرَضَهُ لِيَصنَعَ رَمزًا، بَل كَانَ يُقَاوِمُ، بِآخِرِ مَا تَبَقَّى مِن قُوَّتِه، أَن يَتَحَوَّلَ هُوَ نَفسُهُ إِلَى رَمز، قَبلَ أَن يَعِيشَ مَا تَبَقَّى مِن حَيَاتِهِ إِنسَانًا فَقَط.
الفَصلُ السَّادِس
بَغدَاد، عَامُ ١٩٥٤
استَقبَلَت نَازِكُ الكَاتِبَ فِي مَكتَبَتِهَا الصَّغِيرَة، مُحَاطَةً بِكُتُبِ العَرُوضِ وَالنَّقد.
“يُقَالُ إِنَّكِ سَبَقتِ السَّيَّابَ فِي كَسرِ الوَزن،” بَدَأَ الكَاتِب، “لَكِنَّ اسمَهُ ارتَبَطَ بِهَذَا التَّجدِيدِ أَكثَرَ مِن اسمِك. مَاذَا تَشعُرِين؟”
ابتَسَمَت نَازِكُ ابتِسَامَةً حَادَّة، فِيهَا مَرَارَةٌ مَكتُومَة. “أَشعُرُ بِمَا تَشعُرُ بِهِ كُلُّ امرَأَةٍ سَبَقَت زَمَانَهَا: أَنَّ التَّارِيخَ يُصَفِّقُ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَكمَلَ الطَّرِيق، وَيَنسَى مَن فَتَحَتهُ أَوَّلًا.”
“كَتَبتِ قَصِيدَةَ ‘الكُولِيرَا’ عَامَ ١٩٤٧، وَهِيَ أَوَّلُ قَصِيدَةٍ عَرَبِيَّةٍ حُرَّةٍ حَقًّا،” قَالَ الكَاتِب. “كَيفَ جَرُؤتِ عَلَى كَسرِ نِظَامٍ عُمرُهُ سِتَّةَ عَشَرَ قَرنًا؟”
“لَم يَكُن الأَمرُ جُرأَة.” وَضَعَت نَازِكُ يَدَيهَا عَلَى الطَّاوِلَة. “كَانَ اضطِرَارًا. رَأَيتُ النَّاسَ يَمُوتُونَ فِي مِصرَ بِالوَبَاء، وَحَاوَلتُ أَن أَكتُبَ عَن ذَلِكَ بِالبَحرِ التَّقلِيدِيّ، فَخَرَجَتِ القَصِيدَةُ بَارِدَة، مَصنُوعَة. الوَزنُ القَدِيمُ يَحتَاجُ زَمَنًا لِيَتَشَكَّل، وَالمَوتُ لَا يَنتَظِر.”
“وَبَعدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَات، هَل تَظُنِّينَ أَنَّ الشِّعرَ الحُرَّ حَرَّرَ القَصِيدَةَ حَقًّا، أَم دَمَّرَ نِظَامًا لَم يَكُن بِحَاجَةٍ لِلتَّدمِير؟”
ابتَسَمَت نَازِكُ ابتِسَامَةً حَذِرَة. “الَّذِينَ أَتَوا بَعدِي أَسَاءُوا فَهمَ التَّجرِبَة. ظَنُّوا أَنَّ كَسرَ الوَزنِ يَعنِي انعِدَامَ الوَزن. أَنَا لَم أُلغِ الإِيقَاع، بَل حَرَّرتُهُ مِن قَيدِ التَّكرَارِ الأَعمَى. كَتَبتُ لَاحِقًا كِتَابًا كَامِلًا لِأُصَحِّحَ هَذَا الفَهمَ الخَاطِئ، فَلَم يَقرَأهُ أَحَد.”
سَأَلَهَا الكَاتِب: “كَانَ لِأُسرَتِكِ مَوقِفٌ مِن اختِيَارَاتِكِ الأَدَبِيَّة. هَل دَفَعتِ ثَمَنًا شَخصِيًّا؟”
نَظَرَت نَازِكُ بَعِيدًا لَحظَة. “دَفَعتُ ثَمَنَ كَونِي امرَأَةً تَكتُبُ فِي زَمَنٍ يَرَى أَنَّ الكِتَابَةَ لِلرِّجَال. كُلُّ خُطوَةٍ خَطَوتُهَا فِي الشِّعر، خَطَوتُهَا وَأَنَا أَحمِلُ عِبئًا مُضَاعَفًا: أَن أُثبِتَ جَدَارَتِي كَشَاعِرَة، ثُمَّ أُثبِتَ أَنَّنِي مَا زِلتُ ‘مُحتَشِمَة’ كَامرَأَة. لَم يُطلَب هَذَا مِن أَيِّ رَجُلٍ زَمِيلٍ لِي.”
دَوَّنَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر: “نَازِك، الَّتِي كَسَرَت الوَزنَ قَبلَ أَن يَكسِرَهُ أَحَد، كَانَت تَعرِفُ أَنَّ التَّارِيخَ لَن يُنصِفَهَا كَامِلًا. لَكِنَّهَا كَتَبَت عَلَى أَيَّةِ حَال.”
كَتَبَت فِرجِينِيَا وُولف عَن حَاجَةِ الكَاتِبَةِ إِلَى “غُرفَةٍ تَخُصُّهَا وَحدَهَا” لِتَستَطِيعَ الإِبدَاع، لَا بِمَعنَاهَا المَادِّيِّ فَقَط، بَل بِمَعنَى الِاستِقلَالِ الفِكرِيِّ عَن سُلطَةٍ ذُكُورِيَّةٍ تُقَرِّرُ مَا يَصلُحُ أَن تَكتُبَهُ المَرأَة. نَازِكُ، الَّتِي فَتَحَت بَابَ التَّجدِيدِ ثُمَّ رَأَت الرِّجَالَ يَمُرُّونَ مِن خِلَالِهِ نَحوَ المَجد، عَاشَت هَذَا الصِّرَاعَ بِكُلِّ تَفَاصِيلِه، عَقدًا بَعدَ عَقد.
الفَصلُ السَّابِع
مَدرِيد، عَامُ ١٩٩٦
استَقبَلَ البَيَاتِيُّ الكَاتِبَ فِي شُقَّتِهِ الصَّغِيرَةِ فِي مَدرِيد، آخِرِ مَحَطَّاتِ مَنفَاهُ الطَّوِيل.
“نُفِيتَ مِن العِرَاق، ثُمَّ عِشتَ فِي دِمَشقَ وَبَيرُوت وَالقَاهِرَةِ وَمُوسكُو وَمَدرِيد،” بَدَأَ الكَاتِب. “هَل ثَمَّةَ مَكَانٌ شَعَرتَ فِيهِ يَومًا أَنَّهُ وَطَنُك؟”
هَزَّ البَيَاتِيُّ رَأسَهُ بِبُطء. “الوَطَنُ، بِالنِّسبَةِ لِي، لَم يَعُد مَكَانًا. صَارَ حَالَةً أَحمِلُهَا فِي حَقِيبَتِي، تَتَشَكَّلُ حَيثُمَا وَضَعتُ رَأسِي لِلنَّوم. تَعَلَّمتُ أَن أَكُونَ ‘الغَرِيبَ’ بِإِتقَان، حَتَّى صَارَتِ الغُربَةُ نَفسُهَا مَوطِنِي الوَحِيد.”
“وَظَّفتَ فِي شِعرِكَ رُمُوزًا صُوفِيَّةً وَتُرَاثِيَّةً كَثِيرَة، مِثلَ الحَلَّاجِ وَعَائِشَة،” قَالَ الكَاتِب. “هَل كَانَ هَذَا هَرَبًا مِنَ المُبَاشَرَةِ السِّيَاسِيَّة؟”
“كَانَ العَكس.” نَظَرَ البَيَاتِيُّ إِلَى نَافِذَتِه. “القِنَاعُ لَا يُخفِي الوَجه، بَل يَسمَحُ لِلوَجهِ أَن يَقُولَ مَا لَا يَستَطِيعُ قَولَهُ عَارِيًا. حِينَ أَتَحَدَّثُ بِلِسَانِ الحَلَّاج، أَستَطِيعُ أَن أَقُولَ عَن الظُّلمِ وَالسُّلطَةِ مَا لَا يَستَطِيعُ شَاعِرٌ يَتَكَلَّمُ بِاسمِهِ المُبَاشِرِ أَن يَقُولَه، وَيَخرُجَ حَيًّا.”
“وَهَل نَجَحَ القِنَاعُ فِي حِمَايَتِك؟”
ضَحِكَ البَيَاتِيُّ ضَحكَةً جَافَّة. “لَا، لَم يَنجَح. نُفِيتُ رَغمَ كُلِّ الأَقنِعَة. لَكِنَّهُ سَمَحَ لِي أَن أَعِيشَ مَعَ نَفسِي، لِأَنَّنِي عَرَفتُ أَنَّ الكَلِمَةَ قِيلَت، حَتَّى وَإِن أَخفَتهَا الرَّمزِيَّة.”
سَأَلَهُ الكَاتِبُ عَن أَربَعَةِ عُقُودٍ مِن الغُربَة: “هَل كَانَ يُمكِنُكَ أَن تَختَارَ طَرِيقًا آخَر، أَقَلَّ ثَمَنًا؟”
صَمَتَ البَيَاتِيُّ طَوِيلًا. “كَانَ يُمكِنُنِي أَن أَصمُتَ، وَأَبقَى فِي بَغدَاد. لَكِنَّ الصَّمتَ ثَمَنُهُ أَغلَى مِن كُلِّ مَنفًى. الَّذِي يَصمُتُ فِي وَطَنِه، يُصبِحُ غَرِيبًا فِي دَاخِلِ نَفسِه، وَهَذَا مَنفًى لَا شِفَاءَ مِنه.”
دَوَّنَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر: “البَيَاتِيّ، الَّذِي تَنَقَّلَ بَينَ خَمسِ عَوَاصِمَ عَربِيَّةٍ وَأَجنَبِيَّة، وَجَدَ فِي القِنَاعِ الشِّعرِيِّ سِلَاحًا وَمَلجَأً فِي آنٍ وَاحِد.”
تَحَدَّثَ الشَّاعِرُ المَكسِيكِيُّ أُوكتَافيُو بَاث عَن القِنَاعِ بِوَصفِهِ وَسِيلَةَ الشَّاعِرِ لِمُوَاجَهَةِ عُزلَتِهِ الوُجُودِيَّة، إِذ يَستَعِيرُ صَوتًا آخَرَ لِيَتَحَدَّثَ عَن ذَاتِه، لَا لِيَختَبِئَ خَلفَه. البَيَاتِيُّ، الَّذِي حَمَلَ أَقنِعَةَ الحَلَّاجِ وَالسَّيَّابِ وَغَيرِهِمَا، كَانَ يَعِيشُ هَذِهِ المُفَارَقَةَ بِعُمقٍ: كُلَّمَا اقتَرَبَ مِن قِنَاعٍ جَدِيد، ابتَعَدَ خُطوَةً عَن وَطَنِهِ، وَاقتَرَبَ خُطوَةً مِن حَقِيقَتِهِ الخَاصَّة.
الفَصلُ الثَّامِن
بَارِيس، عَامُ ١٩٨٩
استَقبَلَ أَدُونِيسُ الكَاتِبَ فِي مَكتَبِهِ المُطِلِّ عَلَى نَهرِ السِّين، وَسَطَ رُفُوفٍ مُكَدَّسَةٍ بِالفَلسَفَةِ وَالتَّصَوُّف.
“وُلِدتَ بِاسمِ عَلِيّ أَحمَد سَعِيد،” بَدَأَ الكَاتِب، “وَاختَرتَ لِنَفسِكَ اسمًا آخَر فِي السَّابِعَةَ عَشرَة. لِمَاذَا؟”
ابتَسَمَ أَدُونِيسُ ابتِسَامَةً هَادِئَة، مَدرُوسَة. “لِأَنَّ الِاسمَ الَّذِي وُلِدتُ بِهِ كَانَ اسمَ عَائِلَة، وَاسمَ قَريَة، وَاسمَ زَمَنٍ لَم أَختَره. أَدُونِيسُ اختِيَارِيّ الأَوَّل. هُوَ إِعلَانٌ أَنَّنِي، وَإِن لَم أَستَطِع اختِيَارَ مَولِدِي، أَستَطِيعُ اختِيَارَ مَن أُرِيدُ أَن أُصبِحَ.”
“أَلَم يَكُن هَذَا رَفضًا لِهُوِيَّتِك؟”
“كَانَ إِعَادَةَ تَعرِيفٍ لَهَا، لَا رَفضًا.” تَوَقَّفَ لَحظَة. “أَدُونِيسُ فِي الأُسطُورَةِ يَمُوتُ وَيُبعَث، فَصلًا بَعدَ فَصل. اختَرتُ هَذَا الِاسمَ لِأَنِّي كُنتُ أَعرِفُ، بَاكِرًا، أَنَّ الشَّاعِرَ الحَقِيقِيَّ يَجِبُ أَن يُوَلَدَ عِدَّةَ مَرَّات، لَا مَرَّةً وَاحِدَة.”
“دَعَوتَ طَوِيلًا إِلَى قَطِيعَةٍ جَذرِيَّةٍ مَعَ التُّرَاث، وَأَثَرتَ جَدَلًا وَاسِعًا،” قَالَ الكَاتِب. “أَلَا تَخشَى أَن تَكُونَ هَذِهِ القَطِيعَةُ خِيَانَةً لِمَا صَنَعَك؟”
جَلَسَ أَدُونِيسُ صَامِتًا لَحظَة، يَختَارُ كَلِمَاتِهِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَة. “لَم أَدعُ يَومًا إِلَى قَطعِ الجُذُور، بَل إِلَى مُسَاءَلَتِهَا. الشَّجَرَةُ الَّتِي لَا تُقَلَّمُ أَغصَانُهَا تَمُوتُ اختِنَاقًا بِنَفسِهَا. أَنَا لَا أَقطَعُ الجُذُور، أَنَا أَسأَلُهَا: لِمَاذَا نَمَوتِ فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ لَا فِي غَيرِه؟”
سَأَلَهُ الكَاتِبُ عَن الغُربَةِ بَعدَ عُقُودٍ فِي بَارِيس. “هَل تَشعُرُ أَنَّكَ خَسِرتَ شَيئًا مِن عَرَبِيَّتِكَ وَأَنتَ تَكتُبُ مِن قَلبِ أُورُوبَّا؟”
“العَرَبِيَّةُ لَيسَت مَكَانًا أُقِيمُ فِيه، بَل لُغَةٌ أُقِيمُ بِهَا.” رَفَعَ يَدَهُ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى شَيءٍ بَعِيد. “أَنَا أَكثَرُ عَرَبِيَّةً فِي بَارِيس مِنِّي فِي أَيَّةِ عَاصِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ تُصَادِرُ السُّؤَال. الغُربَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيسَت أَن تَعِيشَ بَعِيدًا عَن أَرضِك، بَل أَن تَعِيشَ فِي مَكَانٍ يَمنَعُكَ مِن أَن تَسأَل.”
دَوَّنَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر: “أَدُونِيس، الَّذِي اختَارَ اسمَهُ قَبلَ أَن يَختَارَ العَالَمُ لَهُ صِفَاتِه، ظَلَّ وَفِيًّا لِفِكرَةٍ وَاحِدَة: أَنَّ الهُوِيَّةَ سُؤَالٌ دَائِمٌ، لَا جَوَابٌ نِهَائِيّ.”
كَتَبَ النَّاقِدُ رُولَان بَارت عَن “مَوتِ المُؤَلِّف” بِوَصفِهِ تَحَرُّرًا لِلنَّصِّ مِن سُلطَةِ صَاحِبِه، لِيُصبِحَ مِلكًا لِلقَارِئِ وَتَأوِيلَاتِهِ المُتَعَدِّدَة. أَدُونِيس، بِاختِيَارِهِ اسمًا أُسطُورِيًّا لِنَفسِه، بَدَا وَكَأَنَّهُ يُمَارِسُ نَوعًا مُبَكِّرًا مِن هَذَا التَّحَرُّر: فَقَد قَتَلَ “عَلِيّ أَحمَد سَعِيد” لِيُولَدَ نَصٌّ جَدِيدٌ اسمُهُ “أَدُونِيس”، خَاضِعٌ لِتَأوِيلَاتِ القُرَّاءِ لَا لِسِيرَةِ الِاسمِ الأَوَّل.
الفَصلُ التَّاسِع
جِنِيف، عَامُ ١٩٩٥
استَقبَلَ نِزَارُ الكَاتِبَ فِي شُقَّتِهِ فِي جِنِيف، بَعدَ سَنَوَاتٍ مِن رَحِيلِ زَوجَتِهِ بَلقِيس، الَّتِي قُتِلَت فِي انفِجَارٍ فِي بَيرُوت.
“لُقِّبتَ بِ’شَاعِرِ المَرأَة’،” بَدَأَ الكَاتِب، “لَكِنَّ كَثِيرِينَ اتَّهَمُوكَ بِأَنَّكَ اختَزَلتَ المَرأَةَ فِي جَسَدِهَا. مَاذَا تَقُول؟”
نَظَرَ نِزَارُ إِلَى الكَاتِبِ بِعَينَينِ فِيهِمَا أَلَمٌ قَدِيم. “كَتَبتُ عَن المَرأَةِ لِأَنَّنِي رَأَيتُهَا مَقمُوعَةً فِي مُجتَمَعٍ كَامِلٍ يَخنُقُ صَوتَهَا. حِينَ كَتَبتُ عَن الجَسَد، لَم أَكُن أَختَزِلُهَا، كُنتُ أُعِيدُ إِلَيهَا مِلكِيَّةَ جَسَدِهَا الَّذِي صَادَرَهُ رِجَالٌ يَدَّعُونَ الغَيرَة.”
“وَبَعدَ مَوتِ أُختِكَ وَصَال، وَمَقتَلِ بَلقِيس، كَيفَ تَغَيَّرَت نَظرَتُكَ إِلَى المَرأَة؟”
صَمَتَ نِزَارُ طَوِيلًا. “أُختِي انتَحَرَت لِأَنَّهُم مَنَعُوهَا مِن الزَّوَاجِ بِمَن أَحَبَّت. بَلقِيس قُتِلَت لِأَنَّهَا كَانَت زَوجَةَ شَاعِرٍ عَرَبِيٍّ عَاشَ يُدَافِعُ عَن كَرَامَةِ النِّسَاء. المُفَارَقَةُ أَنَّ المَرأَتَينِ الأَقرَبَ إِلَى قَلبِي دَفَعَتَا ثَمَنَ عَالَمٍ لَم أَستَطِع، بِكُلِّ قَصَائِدِي، أَن أُغَيِّرَه.”
“هَل تَشعُرُ بِالفَشَل؟” سَأَلَهُ الكَاتِب.
“أَشعُرُ بِالغَضَبِ، لَا بِالفَشَل.” رَفَعَ صَوتَهُ قَلِيلًا. “كَتَبتُ لِخَمسِينَ عَامًا عَن حَقِّ المَرأَةِ فِي أَن تُحِبَّ وَتَختَار، وَمَا زَالَتِ النِّسَاءُ يُقتَلنَ لِنَفسِ السَّبَب. لَكِنِّي أَعرِفُ أَنَّ القَصِيدَةَ لَا تُغَيِّرُ العَالَمَ فِي جِيلٍ وَاحِد. تَزرَعُ بِذرَةً، وَقَد يَحصُدُهَا مَن يَأتِي بَعدِي.”
سَأَلَهُ الكَاتِبُ عَن اتِّهَامَاتِ الِابتِذَال. “الَّذِينَ يَتَّهِمُونَنِي بِالِابتِذَال،” قَالَ نِزَارُ بِابتِسَامَةٍ مُتعَبَة، “هُم أَنفُسُهُم مَن كَانُوا يَحفَظُونَ قَصَائِدِي سِرًّا، وَيَقرَؤُونَهَا لِمَن يُحِبُّونَ فِي الظَّلَام. الِابتِذَالُ فِي نَظَرِهِم هُوَ أَن يَتَحَدَّثَ الشِّعرُ بِلُغَةٍ يَفهَمُهَا النَّاسُ، لَا لُغَةَ الأَبرَاجِ العَاجِيَّة.”
دَوَّنَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر: “نِزَار، الَّذِي حَوَّلَ مَأسَاةَ أُختِهِ وَزَوجَتِهِ إِلَى نَشِيدٍ مِن أَجلِ كَرَامَةِ كُلِّ امرَأَة، ظَلَّ حَتَّى آخِرِ لَحظَةٍ يُصِرُّ عَلَى أَنَّ الشِّعرَ يُمكِنُ أَن يَكُونَ سِلَاحًا، لَا زِينَة.”
كَتَبَت سِيمُون دُو بُوفوَار عَن الجَسَدِ الأُنثَوِيِّ بِوَصفِهِ سَاحَةً تَتَقَاطَعُ فِيهَا سُلطَةُ المُجتَمَعِ مَعَ حُرِّيَّةِ الفَرد، وَأَنَّ تَحرِيرَ المَرأَةِ يَبدَأُ مِن استِعَادَتِهَا حَقَّهَا فِي تَعرِيفِ جَسَدِهَا بِنَفسِهَا. نِزَار، بِكِتَابَتِهِ الجَرِيئَةِ عَن الأُنُوثَة، وَقَعَ أَحيَانًا فِي فَخِّ الِاختِزَال الَّذِي حَذَّرَت مِنهُ بُوفوَار، لَكِنَّهُ فِي جَوهَرِ مَشرُوعِهِ كَانَ يَنحَازُ إِلَى الفِكرَةِ ذَاتِهَا: أَنَّ صَمتَ المَرأَةِ عَن جَسَدِهَا لَيسَ فَضِيلَة، بَل قَيدٌ يَجِبُ كَسرُه.
الفَصلُ العَاشِر
نَابُلُس، عَامُ ١٩٩٨
استَقبَلَت فَدوَى الكَاتِبَ فِي بَيتِهَا القَدِيمِ فِي نَابُلُس، مُحَاطَةً بِصُوَرِ الجَبَلِ الَّذِي لَم تُغَادِرهُ يَومًا.
“مُنِعتِ مِنَ التَّعلِيمِ فِي طُفُولَتِك، وَعِشتِ سَنَوَاتٍ حَبِيسَةَ البَيت،” بَدَأَ الكَاتِب. “كَيفَ تَحَوَّلتِ إِلَى وَاحِدَةٍ مِن أَهَمِّ أَصوَاتِ فِلَسطِين؟”
نَظَرَت فَدوَى بَعِيدًا، وَكَأَنَّهَا تَستَعِيدُ ذَلِكَ الزَّمَن. “تَعَلَّمتُ الشِّعرَ سِرًّا، بِمُسَاعَدَةِ أَخِي إِبرَاهِيم، الَّذِي كَانَ يُهَرِّبُ لِي الكُتُبَ إِلَى غُرفَتِي. القَصِيدَةُ كَانَت نَافِذَتِي الوَحِيدَةَ عَلَى عَالَمٍ حُرِمتُ مِن رُؤيَتِهِ مُبَاشَرَة.”
“ثُمَّ جَاءَتِ النَّكسَةُ عَامَ ١٩٦٧، وَاحتُلَّت نَابُلُس. كَيفَ غَيَّرَ الِاحتِلَالُ شِعرَك؟” سَأَلَ الكَاتِب.
تَغَيَّرَت مَلَامِحُ فَدوَى. “قَبلَ ١٩٦٧، كُنتُ أَكتُبُ عَن الحُبِّ وَالوَحدَةِ الشَّخصِيَّة. بَعدَهَا، وَجَدتُ نَفسِي أَكتُبُ عَن الأَرضِ وَالبَيتِ وَالجَبَل، كَأَنَّ الِاحتِلَالَ أَخَذَ حُرِّيَّتِي فِي أَن أَظَلَّ امرَأَةً تَكتُبُ عَن نَفسِهَا فَقَط، وَحَوَّلَنِي إِلَى امرَأَةٍ تَكتُبُ عَن وَطَنِهَا كُلِّه.”
“هَل تَشعُرِينَ أَنَّكِ خَسِرتِ صَوتَكِ الشَّخصِيَّ لِصَالِحِ الصَّوتِ الوَطَنِيّ؟”
“لَا.” رَدَّت بِحَزم. “اكتَشَفتُ أَنَّ صَوتِيَ الشَّخصِيَّ وَصَوتَ وَطَنِي لَم يَكُونَا أَبَدًا مُنفَصِلَين. المَرأَةُ الَّتِي مُنِعَت مِن الخُرُوجِ إِلَى الشَّارِع، وَالأَرضُ الَّتِي مُنِعَت مِن أَهلِهَا، تَتَقَاطَعَانِ فِي الجُرحِ نَفسِه: جُرحُ مَن يُصَادَرُ حَقُّهُ فِي أَن يَتَحَرَّك.”
سَأَلَهَا الكَاتِب: “بَقِيتِ فِي نَابُلُس تَحتَ الِاحتِلَال، وَلَم تُغَادِرِي كَمَا فَعَلَ كَثِيرُونَ. لِمَاذَا؟”
ابتَسَمَت فَدوَى ابتِسَامَةً هَادِئَة. “لِأَنَّ الجَبَلَ الَّذِي وُلِدتُ عَلَى سَفحِهِ يَستَحِقُّ أَن أَحمِلَهُ فِي كُلِّ قَصِيدَة، لَا أَن أَكتُبَ عَنهُ مِن بَعِيد. الشِّعرُ الَّذِي يُكتَبُ مِن دَاخِلِ الجُرح، أَصدَقُ مِن الشِّعرِ الَّذِي يُكتَبُ عَنهُ مِن مَنفًى آمِن.”
دَوَّنَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر: “فَدوَى، الَّتِي حُرِمَت مِن حُرِّيَّتِهَا مَرَّتَين، مَرَّةً بِاسمِ العَادَة، وَمَرَّةً بِاسمِ الِاحتِلَال، حَوَّلَت كِلَا الحِرمَانَينِ إِلَى شِعرٍ لَم يَتَوَقَّف عَن المُقَاوَمَة.”
كَتَبَ غَسَّان كَنَفَانِي عَن أَدَبِ المُقَاوَمَةِ بِوَصفِهِ فِعلًا وُجُودِيًّا قَبلَ أَن يَكُونَ فِعلًا سِيَاسِيًّا: أَن يَظَلَّ الإِنسَانُ يَكتُبُ عَن أَرضِهِ رَغمَ كُلِّ مُحَاوَلَاتِ مَحوِهَا، هُوَ فِي ذَاتِهِ فِعلُ صُمُودٍ يُوَازِي فِعلَ البُندُقِيَّة. فَدوَى، الَّتِي حَمَلَت جَبَلَ نَابُلُس فِي كُلِّ بَيتٍ كَتَبَتهُ، لَم تَحمِل سِلَاحًا، لَكِنَّهَا حَمَلَت مَا هُوَ أَبقَى: الكَلِمَةَ الَّتِي تَرفُضُ أَن تُمحَى.
الفَصلُ الحَادِيَ عَشَر
رَامُ الله، عَامُ ٢٠٠٧
كَانَ دَروِيشُ قَد عَادَ لِتَوِّهِ مِن أَحَدِ فُحُوصَاتِهِ الطِّبِّيَّةِ حِينَ استَقبَلَ الكَاتِبَ فِي مَكتَبِهِ الهَادِئِ فِي رَامِ الله.
” مُسَاءَلةُ الظِّلّ.” قَالَهَا بِابتِسَامَةٍ سَاخِرَة. “اسمٌ يُشبِهُ عُنوَانَ قَصِيدَةٍ لَم أَكتُبهَا بَعد.”
“وُلِدتَ فِي البِروَة عَامَ ١٩٤١، وَحِينَ كُنتَ طِفلًا فِي السَّابِعَة، دُمِّرَت قَريَتُكَ بَعدَ النَّكبَة،” بَدَأَ الكَاتِب. “مَاذَا يَعنِي أَن تَعُودَ طِفلًا إِلَى قَريَتِكَ فَلَا تَجِدَهَا؟”
أَطرَقَ دَروِيشُ طَوِيلًا. “يَعنِي أَن تَتَعَلَّمَ، قَبلَ أَن تَتَعَلَّمَ القِرَاءَة، أَنَّ الأَرضَ يُمكِنُ أَن تُمحَى كَمَا تُمحَى كَلِمَةٌ مِن وَرَقَة. مُنذُ تِلكَ اللَّحظَة، لَم تَعُد فِلَسطِينُ عِندِي مَكَانًا أَذهَبُ إِلَيه، بَل صَارَت لُغَةً أَبنِيهَا كُلَّ يَومٍ مِن جَدِيد.”
سَأَلَ الكَاتِبُ سُؤَالًا كَانَ يَعرِفُ أَنَّهُ حَسَّاس: “فِي بَعضِ حِوَارَاتِكَ الصَّحَفِيَّة، أَشَرتَ إِلَى أَنَّ وَرَاءَ إِحدَى قَصَائِدِكَ المَشهُورَة مَحطَّةً حَقِيقِيَّةً مِن شَبَابِك، ثُمَّ قَرَّرتَ لِعُقُودٍ أَلَّا تُوَسِّعَ الحَدِيثَ عَنهَا. لِمَاذَا يَحمِي الشُّعَرَاءُ حَقِيقَتَهُم الشَّخصِيَّةَ بِهَذَا القَدرِ مِنَ الصَّمت؟”
ابتَسَمَ دَروِيشُ ابتِسَامَةً بَعِيدَة. “لِأَنَّ الشُّعَرَاءَ يَحمُونَ تَجَارِبَهُم بِالغُمُوض، لَا بِالكَذِب. القَصِيدَةُ حِينَ تُنشَر، تَخرُجُ مِن مِلكِيَّةِ صَاحِبِهَا لِتُصبِحَ مِلكًا لِمَن يَقرَؤُهَا. لَكِنَّ التَّفَاصِيلَ الَّتِي أَنجَبَتهَا، تَبقَى لِي وَحدِي، وَمِن حَقِّي أَلَّا أُشَارِكَهَا كَامِلَة.”
“وَهَل نَدِمتَ يَومًا عَلَى أَنَّكَ جَعَلتَ مِن تَجرِبَةٍ خَاصَّةٍ رَمزًا سِيَاسِيًّا يَقرَؤُهُ المَلَايِين؟”
“القَصِيدَةُ لَا تَسأَلُ صَاحِبَهَا الإِذن.” نَظَرَ دَروِيشُ إِلَى نَافِذَةِ المَكتَب. “حِينَ تَدخُلُ تَجرِبَةٌ شَخصِيَّةٌ القَصِيدَة، تَصِيرُ أَكبَرَ مِن نَفسِهَا: تَصِيرُ رَمزًا لِكُلِّ حُبٍّ يُصَادِرُهُ التَّارِيخُ قَبلَ أَن يُصَادِرَهُ العَاشِقَان. لَم أَخُن تِلكَ التَّجرِبَة، بَل مَنَحتُهَا خُلُودًا لَم تَكُن لِتَحصُلَ عَلَيهِ لَو بَقِيَت خَاصَّةً بِمَحضِهَا.”
قَبلَ أَن يُغَادِرَ الكَاتِب، سَأَلَهُ عَمَّا يَتَمَنَّاهُ لِقَصِيدَتِهِ الأَخِيرَة، وَهُوَ يَعرِفُ أَنَّ صِحَّتَهُ لَا تُسعِفُه.
ابتَسَمَ دَروِيشُ ابتِسَامَةً هَادِئَة، لَا حُزنَ فِيهَا. “أُرِيدُ فَقَط أَن تَبقَى فِلَسطِينُ، حَتَّى بَعدَ رَحِيلِي، لُغَةً لَا تُمحَى، كَمَا مُحِيَت قَريَتِي. الشَّاعِرُ يَمُوتُ مَرَّتَين: مَرَّةً حِينَ يَتَوَقَّفُ قَلبُه، وَمَرَّةً حِينَ يَتَوَقَّفُ النَّاسُ عَن تَردِيدِ كَلِمَاتِه. أَنَا لَا أَخَافُ المَوتَةَ الأُولَى.”
أَغلَقَت سُلَافَةُ الحَافِظَةَ الحَادِيَةَ عَشرَة. بَقِيَت حَافِظَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَط، فَارِغَة، تَحمِلُ اسمَهَا هِيَ.
كَتَبَ الفَيلَسُوفُ بُول رِيكُور عَن العَلَاقَةِ المُعَقَّدَةِ بَينَ الذَّاكِرَةِ وَالنِّسيَان، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ بَعضَ الصَّمتِ لَيسَ نِسيَانًا، بَل حِمَايَةً وَاعِيَةً لِمَا يَستَحِقُّ أَلَّا يُستَهلَك. دَروِيش، الَّذِي حَوَّلَ فِلَسطِينَ إِلَى لُغَةٍ خَالِدَة، مَارَسَ الصَّمتَ نَفسَهُ حِيَالَ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الخَاصَّة، عَالِمًا أَنَّ بَعضَ الحَقِيقَةِ يَبقَى أَصدَقَ حِينَ لَا تُقَال كَامِلَة.
الفَصلُ الثَّانِي عَشَر
الجَلسَةُ الأَخِيرَة
صَارَ نَبِيلٌ الآن حَلِيفًا لَا خَصمًا. زَوَّدَ سُلَافَةَ بِمَا لَم تَكُن تَملِكُه: أَنَّ جَدَّهَا اختَارَ تَرتِيبَ الحَوَافِظِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَة.
“الجَلسَةُ الأَخِيرَةُ لَيسَت فِي حَافِظَة،” قَالَ لَهَا عَبرَ الهَاتِف. “إِنَّهَا لِقَاءٌ حَيّ. اِلتَقِينِي فِي دِمَشق.”
لَم تَتَرَدَّد سُلَافَةُ هَذِهِ المَرَّة. حَجَزَت تَذكِرَتَهَا فِي اليَومِ التَّالِي، وَوَجَدَت نَفسَهَا، بَعدَ سَنَوَاتٍ مِن الغِيَاب، تَمشِي فِي شَوَارِعِ سَارُوجَة الَّتِي وَصَفَهَا لَهَا جَدُّهَا مِرَارًا.
استَقبَلَهَا نَبِيلٌ فِي بَيتٍ دِمَشقِيٍّ قَدِيم. لَم يَكُن وَحدَه؛ إِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ مُسِنٌّ فِي التِّسعِينَ مِن عُمرِهِ تَقرِيبًا، يَستَنِدُ إِلَى عَصًا.
“اسمَحِي لِي أَن أُقَدِّمَ لَكِ الدُّكتُور رِضوَان،” قَالَ نَبِيل. “آخِرُ عُضوٍ حَيٍّ فِي مَجلِسِ إِشرَافِ مُسَاءَلةُ الظِّلّ، وَالرَّجُلُ الَّذِي اختَارَ جَدَّكِ حَامِلًا لِلمَجلِسِ قَبلَ سَبعَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا.”
جَلَسُوا الثَّلَاثَةُ حَولَ طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ قَدِيمَة.
“يَا ابنَتِي،” بَدَأَ رِضوَان بِصَوتٍ هَادِئ، “لَم يَكُن نَبِيلٌ خَصمَكِ يَومًا، بَل كَانَ اختِبَارَكِ. مُسَاءَلةُ الظِّلِّ لَا يُسَلِّمُ أَرشِيفَهُ إِلَّا لِمَن يُثبِتُ أَنَّهُ يَستَحِقُّهُ، لَا بِالوِرَاثَةِ وَحدَهَا، بَل بِالصَّبرِ وَالجُرأَةِ وَالإِنصَاف.”
نَظَرَت سُلَافَةُ إِلَى نَبِيل، فَابتَسَمَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ ابتِسَامَةً كَامِلَة، بِلَا حَذَرٍ وَلَا غُمُوض.
“أَعتَذِرُ عَنِ الخَوفِ الَّذِي سَبَّبتُهُ لَك،” قَالَ. “لَكِنَّ التَّارِيخَ عَلَّمَنَا أَنَّ الأَرشِيفَ الَّذِي يُسَلَّمُ بِسُهُولَة، يُهدَرُ بِسُهُولَةٍ أَيضًا.”
سَأَلَت سُلَافَةُ السُّؤَالَ الَّذِي حَمَلَتهُ مِن أَلمَانِيَا: “وَالحَافِظَةُ الثَّانِيَةَ عَشرَة؟ لِمَاذَا فَارِغَة؟”
ابتَسَمَ رِضوَان ابتِسَامَةً عَرِيضَة. “لِأَنَّ مَجلِسَ مُسَاءَلةُ الظِّلِّ لَم يَستَدعِ يَومًا شَاعِرًا لِيُحَاكِمَه. كَانَ يَستَدعِيهِ لِيَسمَعَه، فَقَط. وَأَنتِ، يَا سُلَافَة، لَم تَكُونِي شَاعِرَةً حِينَ بَدَأتِ هَذِهِ الرِّحلَة، لَكِنَّكِ صِرتِ شَيئًا أَهَمَّ: صِرتِ مَن يَسمَعُ الشُّعَرَاءَ بَعدَ رَحِيلِهِم، وَيَنقُلُ صَوتَهُم إِلَى مَن لَا يَعرِفُهُم.”
شَعَرَت سُلَافَةُ بِدُمُوعٍ تَنهَمِرُ دُونَ أَن تَستَأذِنَهَا. “وَمَاذَا لَو رَفَضتُ هَذِهِ المَسؤُولِيَّة؟”
“عِندَهَا سَيُغلَقُ الصُّندُوقُ إِلَى الأَبَد،” أَجَابَ رِضوَان بِبَسَاطَة، “وَتَبقَى قِصَصُ هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاءِ حَبِيسَةَ حَافِظَاتٍ لَن يَقرَأَهَا أَحَد. لَكِنَّ الِاختِيَارَ، كَمَا كَانَ دَومًا فِي هَذَا المَجلِس، لَكِ وَحدَكِ.”
فِي طَرِيقِ عَودَتِهَا إِلَى الفُندُقِ تِلكَ اللَّيلَة، مَرَّت سُلَافَةُ قُربَ سُوقِ الحَمِيدِيَّة، وَتَذَكَّرَت كُلَّ مَن حَمَلَتهُم مَعَهَا فِي الأَشهُرِ الأَخِيرَة: أَحمَد الَّذِي كَادَ يَرفُضُ تَاجَه، وَجُبرَان الَّذِي أَحَبَّ عَبرَ الوَرَق، وَمُحَمَّد مَهدِي الَّذِي دَفَعَ ثَمَنَ حُرِّيَّتِه، وَبَدر الَّذِي مَاتَ يَستَجدِي المَطَر، وَنَازِك الَّتِي كَسَرَتِ الوَزنَ وَعَائِلَتَهَا مَعًا، وَعَبدُ الوَهَّاب الَّذِي حَمَلَ غُربَةَ آخَرِين، وَأَدُونِيس الَّذِي وُلِدَ مَرَّتَين، وَنِزَار الَّذِي حَوَّلَ جِرَاحَهُ إِلَى مَرَايَا لِأُمَّةٍ كَامِلَة، وَفَدوَى الَّتِي أَحَبَّت وَطَنَهَا كَعَاشِقٍ لَا يَملُّ، وَمَحمُود الَّذِي جَعَلَ مِن وَطَنٍ مُحَا لُغَةً لَا تُمحَى.
الفَصلُ الثَّالِثَ عَشَر — الأَخِير
الحَافِظَةُ الثَّانِيَةَ عَشرَة
فِي غُرفَتِهَا بِالفُندُق، فَتَحَت سُلَافَةُ دَفتَرَهَا الجَدِيد. عَلَى غِلَافِهِ، بِخَطِّ يَدِهَا، كَتَبَت: “الحَافِظَةُ الثَّانِيَةَ عَشرَة.”
تَذَكَّرَت جَدَّهَا، وَكُرسِيَّهُ الَّذِي لَم يَترُكهُ أَمَامَ مَكتَبَتِه، وَابتِسَامَتَهُ الغَامِضَةَ كُلَّمَا سَأَلَتهُ عَن مَاضِيه. فَهِمَت الآن مَا كَانَ يَعنِيه بِقَولِه: “بَعضُ الحَيَاةِ لَا تُروَى، بَل تُورَث.”
كَتَبَت أَوَّلَ سَطرٍ:
“فِي بَاكْنَانْغ، تِلكَ البَلدَةِ الصَّغِيرَةِ الهَادِئَةِ فِي جَنُوبِ أَلمَانِيَا، حَيثُ تَتَسَاوَى السَّاعَاتُ فِي رَتَابَتِهَا…”
تَوَقَّفَت، وَابتَسَمَت.
لَم تَكُن تَكتُبُ خَاتِمَةَ القِصَّة. كَانَت تَكتُبُ أَوَّلَ سَطرٍ فِيهَا. تَمَامًا كَمَا كَانَ الأَمرُ دَومًا فِي مُسَاءَلةُ الظِّلّ: كُلُّ خِتَامٍ هُوَ بِدَايَةُ جَلسَةٍ لَم تُروَ بَعد.
كَتَبَ إِيتَالُو كَالفِينُو أَنَّ الكِتَابَ الكَلَاسِيكِيَّ هُوَ الَّذِي لَا يَنتَهِي أَبَدًا مِمَّا يَقُولُه، بَل يَظَلُّ يُعِيدُ صِيَاغَةَ نَفسِهِ مَعَ كُلِّ قَارِئٍ جَدِيد. مَجلِسُ مُسَاءَلةُ الظِّلّ، الَّذِي انتَظَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا حَامِلًا جَدِيدًا، لَم يَكُن يَنتَظِرُ خَاتِمَةً لِقِصَّتِه، بَل صَوتًا جَدِيدًا يُعِيدُ صِيَاغَةَ السُّؤَالِ ذَاتِهِ الَّذِي طَرَحَهُ عَلَى كُلِّ شَاعِرٍ عَبرَ قَرنٍ وَنِصف: مَا الَّذِي يَستَحِقُّ أَن يُقَال، حِينَ لَا أَحَدَ يَسمَعُ سِوَى أَربَعَةِ جُدرَان؟
