Numan Albarbari نعمان البربري

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 07

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ

الْفَصْلُ السَّابِعُ

بَدَأَتْ عَلَامَاتٌ صَغِيرَةٌ تَظْهَرُ عَلَى صِحَّةِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ مُنْذُ أَوَاخِرِ تِشْرِينَ الْأَوَّلِ، حَاوَلَ إِخْفَاءَهَا فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنَّ عَدْنَانَ، الَّذِي أَصْبَحَ يُرَاقِبُ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِي سُلُوكِ مُعَلِّمِهِ بِحَسَاسِيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ الْمَخْزَنِ، لَاحَظَهَا بِسُرْعَةٍ: يَدٌ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا وَهِيَ تُمْسِكُ الْقَلَمَ، تَوَقُّفٌ مُفَاجِئٌ فِي مُنْتَصَفِ الْحَدِيثِ لِيَأْخُذَ نَفَسًا عَمِيقًا، شُحُوبٌ خَفِيفٌ يَعْتَرِي وَجْهَهُ فِي سَاعَاتِ بَعْدِ الظُّهْرِ.
كَانَتِ الْأَيَّامُ قَدْ بَدَأَتْ تَقْصُرُ، وَكَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ يَرْتَدِي مِعْطَفًا صُوفِيًّا سَمِيكًا حَتَّى فِي سَاعَاتِ الظَّهِيرَةِ. كَانَ يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ أَكْبَرَ بَيْنَ الرُّفُوفِ، وَيَجْلِسُ لِفَتَرَاتٍ أَطْوَلَ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ، وَكَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ أَصْبَحَتْ تُكَلِّفُهُ جُهْدًا لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُهُ مِنْ قَبْلُ. تَرَاجَعَتْ شَهِيَّتُهُ، وَكَانَ يَنَامُ أَحْيَانًا، لِدَقَائِقَ قَصِيرَةٍ، جَالِسًا خَلْفَ طَاوِلَتِهِ فِي فَتَرَاتِ الْهُدُوءِ.
“يَا حَاجُّ، هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟ تَبْدُو مُتْعَبًا هَذِهِ الْأَيَّامَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ.”
كَانَ يُجِيبُ دَائِمًا: “لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْقَلَقَ، يَا عَدْنَانُ، مُجَرَّدُ تَعَبٍ طَبِيعِيٍّ لِرَجُلٍ تَجَاوَزَ السِّتِّينَ.” لَكِنَّ عَدْنَانَ لَمْ يَقْتَنِعْ، خَاصَّةً حِينَ بَدَأَ يُلَاحِظُ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ أَحْيَانًا، بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ يُحَاوِلُ إِخْفَاءَهَا.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يَرْفَعَانِ مَعًا لَفَّةَ قُمَاشٍ ثَقِيلَةً، تَوَقَّفَ الْحَاجُّ فَجْأَةً فِي مُنْتَصَفِ الْحَرَكَةِ، وَوَجْهُهُ يَشْحُبُ بِسُرْعَةٍ، وَيَدُهُ تَضْغَطُ بِقُوَّةٍ عَلَى صَدْرِهِ.
“يَا حَاجُّ!” هَرَعَ عَدْنَانُ نَحْوَهُ. “مَا بِكَ؟ اجْلِسْ فَوْرًا!”

جَلَسَ الْحَاجُّ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْقَرِيبِ، يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ. “أَحْضِرْ لِي كُوبَ مَاءٍ، يَا عَدْنَانُ.”
بَعْدَ أَنْ عَادَ لَوْنُ وَجْهِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، قَالَ عَدْنَانُ: “يَا حَاجُّ، يَجِبُ أَنْ تَرَى طَبِيبًا، هَذَا لَيْسَ أَمْرًا طَبِيعِيًّا.”
هَزَّ الْحَاجُّ رَأْسَهُ مُوَافِقًا، وَهُوَ مَا أَثَارَ قَلَقَ عَدْنَانَ أَكْثَرَ. “أَعْرِفُ، يَا عَدْنَانُ. فِي الْحَقِيقَةِ، رَاجَعْتُ طَبِيبًا بِالْفِعْلِ قَبْلَ أُسْبُوعَيْنِ، دُونَ أَنْ أُخْبِرَكَ. قَالَ إِنَّ قَلْبِي يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ، لَيْسَتْ كَبِيرَةً، لَكِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى دُخُولِ الْمُسْتَشْفَى لِبِضْعَةِ أَيَّامٍ عَلَى الْأَقَلِّ.”
“مَتَى ستُجرى الْعَمَلِيَّةُ يَا حَاجُّ؟”
“بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فِي مُسْتَشْفَى الشَّامِيِّ. سَأُحَدِّثُكَ الْآنَ بِمَا يَجِبُ أَنْ تَفْعَلَهُ فِي غِيَابِي: تُدِيرُ الْمَتْجَرَ بِنَفْسِكَ، وَتَقُولُ لِمَنْ يَسْأَلُ إِنِّي مُسَافِرٌ إِلَى حِمْصَ لِزِيَارَةِ أَقَارِبَ. كُلَّمَا قَلَّ عَدَدُ مَنْ يَعْرِفُونَ أَنِّي فِي الْمُسْتَشْفَى، كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ، خَاصَّةً فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِالذَّاتِ.”

فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ دُخُولَهُ الْمُسْتَشْفَى، طَلَبَ الْحَاجُّ مِنْ عَدْنَانَ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْإِغْلَاقِ. جَلَسَا فِي الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ، وَالْمِصْبَاحُ الْوَحِيدُ يُلْقِي ظِلَالًا طَوِيلَةً عَلَى الْجُدْرَانِ.
“عَدْنَانُ، لَا أُرِيدُ أَنْ أُخِيفَكَ، لَكِنِّي رَجُلٌ وَاقِعِيٌّ، وَلَا بُدَّ أَنْ أَسْتَعِدَّ لِكُلِّ الِاحْتِمَالَاتِ.” أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ مِفْتَاحًا صَغِيرًا، مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَدْنَانُ حَوْلَ رَقَبَتِهِ؛ كَانَ هَذَا الْمِفْتَاحُ أَصْغَرَ، فِضِّيَّ اللَّوْنِ، عَلَيْهِ رَقْمٌ مَنْقُوشٌ: ٤٧.
“هَذَا مِفْتَاحُ صُنْدُوقِ أَمَانَاتٍ فِي أَحَدِ الْبُنُوكِ الْقَدِيمَةِ الْمَوْثُوقَةِ فِي دِمَشْقَ، يَا عَدْنَانُ. بِدَاخِلِهِ وَثِيقَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، كَتَبْتُهَا بِنَفْسِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَأَعَدْتُ تَحْدِيثَهَا آخِرَ مَرَّةٍ مُنْذُ أُسْبُوعَيْنِ فَقَطْ.”
مَدَّ الْمِفْتَاحَ إِلَى عَدْنَانَ. “لَا تَفْتَحْ هَذَا الصُّنْدُوقَ، وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ: إِنْ شَعَرْتَ، يَوْمًا، أَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعُدْ يَحْمِيكَ، أَوْ أَنِّي لَمْ أَعُدْ قَادِرًا عَلَى حِمَايَتِكَ أَوْ حِمَايَةِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ. عِنْدَهَا فَقَطْ، اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَنْكِ، وَاسْتَخْدِمِ الْمِفْتَاحَ، وَسَتَجِدُ فِي الْوَثِيقَةِ كُلَّ مَا تَحْتَاجُ أَنْ تَعْرِفَهُ: أَسْمَاءً كَامِلَةً، تَفَاصِيلَ دَقِيقَةً، وَتَعْلِيمَاتٍ وَاضِحَةً حَوْلَ مَا تَفْعَلُهُ بِكُلِّ أَمَانَةٍ تَحْتَ رِعَايَتِي.”
“وَمَاذَا لَوْ لَمْ أَشْعُرْ أَبَدًا بِهَذَا، يَا حَاجُّ؟”
ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةَ تَعَبٍ حَقِيقِيَّةً. “عِنْدَهَا، يَا عَدْنَانُ، سَيَبْقَى هَذَا الْمِفْتَاحُ فِي جَيْبِكَ بِلَا اسْتِخْدَامٍ أَبَدًا، وَهَذَا أَفْضَلُ احْتِمَالٍ مُمْكِنٍ بِالنِّسْبَةِ لِي شَخْصِيًّا. لَكِنَّ رَجُلًا حَكِيمًا يَسْتَعِدُّ لِلِاحْتِمَالِ الْأَسْوَأِ وَهُوَ يَتَمَنَّى الْأَفْضَلَ.”
أَخْرَجَ وَرَقَةً صَغِيرَةً أُخْرَى. “هَذَا اسْمُ الْبَنْكِ وَعُنْوَانُهُ، وَرَقْمُ الصُّنْدُوقِ، وَتَوْكِيلٌ رَسْمِيٌّ مُوَقَّعٌ مِنْ طَرَفِي، وَثَّقْتُهُ عِنْدَ كَاتِبِ عَدْلٍ مُنْذُ أُسْبُوعَيْنِ، يُخَوِّلُكَ حَقَّ الْوُصُولِ بِاسْمِكَ الْكَامِلِ، عَدْنَانَ مَحْمُودٍ الرَّافِعِيِّ، فِي حَالِ غِيَابِي عَنِ الْوَعْيِ أَوْ عَنِ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا، لَا قَدَّرَ اللهُ.”

جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِبُرْهَةٍ.
“يَا حَاجُّ،” قَالَ عَدْنَانُ أَخِيرًا، “أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا، قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ غَدًا. أَنْتَ لَمْ تَكُنْ بِالنِّسْبَةِ لِي مُجَرَّدَ صَاحِبِ عَمَلٍ. كُنْتَ أَقْرَبَ إِلَى أَبٍ لَمْ أَعْرِفْهُ بِهَذَا الْقُرْبِ مِنْ قَبْلُ. أَنْتَ عَلَّمْتَنِي كُلَّ شَيْءٍ أَعْرِفُهُ تَقْرِيبًا عَنِ الْحَيَاةِ، عَنْ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ رَجُلًا صَادِقًا فِي زَمَنٍ يَسْهُلُ فِيهِ أَلَّا يَكُونَ كَذَلِكَ.”
تَأَثَّرَ الْحَاجُّ بِوُضُوحٍ، وَمَسَحَ بِيَدِهِ الْمُرْتَجِفَةِ حَافَّةَ عَيْنَيْهِ. “لَمْ يُخْبِرْنِي أَحَدٌ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، مُنْذُ وَفَاةِ زَوْجَتِي، وَمُنْذُ فَقَدْتُ ابْنِي الْوَحِيدَ فِي ذَلِكَ الْحَادِثِ. كَانَ اسْمُهُ مَحْمُودٌ، يُشْبِهُكَ قَلِيلًا فِي فُضُولِهِ، فِي عِنَادِهِ الْجَمِيلِ. لَطَالَمَا تَخَيَّلْتُ أَنَّكَ، بِطَرِيقَةٍ مَا، تَعْوِيضٌ صَغِيرٌ أَرْسَلَهُ لِي الْقَدَرُ.”
“وَأَنْتَ، يَا عَدْنَانُ، مَنَحْتَنِي شَيْئًا ظَنَنْتُ أَنِّي فَقَدْتُهُ إِلَى الْأَبَدِ يَوْمَ خَانَنِي صَدِيقُ عُمْرِي: الثِّقَةَ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ ثِقَةً كَامِلَةً مِنْ جَدِيدٍ. مَهْمَا حَدَثَ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، اعْرِفْ أَنَّ اخْتِيَارِي لَكَ لَمْ يَكُنْ خَطَأً، وَلَنْ يَكُونَ أَبَدًا.”

فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، رَافَقَ عَدْنَانُ الْحَاجَّ إِلَى الْمُسْتَشْفَى. وَقَفَ عِنْدَ بَابِ غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ. “اذْهَبِ الْآنَ، يَا عَدْنَانُ، وَافْتَحِ الْمَتْجَرَ. الْحَيَاةُ لَا تَتَوَقَّفُ لِأَحَدٍ، وَأَنَا سَأَكُونُ بِخَيْرٍ.” كَانَتْ هَذِهِ آخِرَ كَلِمَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُدْفَعَ سَرِيرُهُ نَحْوَ غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ.
فِي الْمَسَاءِ، اتَّصَلَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ، الْجَارَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَاجُّ، لِتُخْبِرَ عَدْنَانَ أَنَّ الْعَمَلِيَّةَ انْتَهَتْ بِنَجَاحٍ.

مَرَّتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ التَّالِيَةُ بِهُدُوءٍ نِسْبِيٍّ، إِذْ أَدَارَ عَدْنَانُ الْمَتْجَرَ بِمُفْرَدِهِ بِكَفَاءَةٍ فَاجَأَتْهُ هُوَ نَفْسُهُ. فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، اتَّصَلَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ مَرَّةً أُخْرَى، لَكِنَّ نَبْرَةَ صَوْتِهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ. “عَدْنَانُ، يَا بُنَيَّ، الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ يُرِيدُ أَنْ يَرَاكَ، بِأَسْرَعِ وَقْتٍ. يَقُولُ إِنَّ الْأَمْرَ مُهِمٌّ جِدًّا.”

هَرَعَ عَدْنَانُ إِلَى الْمُسْتَشْفَى. وَجَدَ الْحَاجَّ أَضْعَفَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ يَقِظَتَانِ تَمَامًا، تَحْمِلَانِ قَلَقًا وَاضِحًا.
“عَدْنَانُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكَ أَتَيْتَ بِسُرْعَةٍ.” أَمْسَكَ يَدَهُ بِقُوَّةٍ. “زَارَنِي الْيَوْمَ رَجُلٌ، لَمْ أَعْرِفْهُ، ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ أَقَارِبِ كَمَالٍ الْحَوْرَانِيِّ الْبَعِيدِينَ، وَسَأَلَنِي أَسْئِلَةً غَرِيبَةً جِدًّا. رَجُلٌ فِي الْأَرْبَعِينَ تَقْرِيبًا، يَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ مَصْقُولَةٍ، لَا بَيْرُوتِيَّةٍ كَمَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَدَّعِي قَرَابَةً بِكَمَالٍ. سَأَلَنِي عَنْ ‘وَدِيعَةٍ قَدِيمَةٍ’ تَخُصُّ عَائِلَةَ الْحَوْرَانِيِّ، وَذَكَرَ اسْمَ مَتْجَرِي بِالتَّفْصِيلِ.”
“هَلْ تَظُنُّ أَنَّ كَمَالًا نَفْسَهُ أَخْبَرَهُ؟”
“لَا أَعْرِفُ، يَا عَدْنَانُ. رُبَّمَا كَمَالٌ، فِي يَأْسِهِ، تَحَدَّثَ لِشَخْصٍ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ يَثِقَ بِهِ. أَوْ رُبَّمَا هُنَاكَ طَرَفٌ آخَرُ تَمَامًا. كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ يُخِيفَانِنِي بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ.” نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً جَادَّةً. “عَدْنَانُ، أُرِيدُكَ أَنْ تَكُونَ حَذِرًا لِلْغَايَةِ. وَإِنْ شَعَرْتَ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّ هُنَاكَ خَطَرًا حَقِيقِيًّا يُهَدِّدُكَ، اذْهَبْ فَوْرًا إِلَى ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ.”
“سَأَفْعَلُ، يَا حَاجُّ، أَعِدُكَ.”
ضَغَطَ الْحَاجُّ عَلَى يَدِهِ بِقُوَّةٍ أَخِيرَةٍ. “أَنَا فَخُورٌ بِكَ، يَا عَدْنَانُ، أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.”

فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، وَجَدَ عَدْنَانُ رِسَالَةً صَغِيرَةً تَحْتَ بَابِ الْمَتْجَرِ: “عَدْنَانُ، تَعَالَ إِلَى الْمُسْتَشْفَى فَوْرًا حِينَ تَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ. حَدَثَ شَيْءٌ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ.”
رَكَضَ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ. وَجَدَ الْغُرْفَةَ فَارِغَةً تَمَامًا، السَّرِيرَ مُرَتَّبًا بِعِنَايَةٍ غَيْرِ طَبِيعِيَّةٍ. سَأَلَ مُمَرِّضَةً: “أَيْنَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيُّ؟”
“سَيِّدِي، حَسْبَ سِجِلَّاتِنَا، غَادَرَ الْمَرِيضُ الْمُسْتَشْفَى بِنَفْسِهِ، فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَجْرًا، مُوَقِّعًا عَلَى تَصْرِيحِ خُرُوجٍ طَوْعِيٍّ.”
سَأَلَ الْمُمَرِّضَةَ الْمُنَاوِبَةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. “نَعَمْ، أَتَذَكَّرُهُ جَيِّدًا. جَاءَ رَجُلَانِ لِزِيَارَتِهِ حَوَالَيِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَجْرًا، وَقْتٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ إِطْلَاقًا، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا أَظْهَرَ بِطَاقَةَ تَعْرِيفٍ تُخَوِّلُهُ زِيَارَةَ أَقَارِبِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ، بِصِفَتِهِ طَبِيبًا مُنَاوِبًا. بَقِيَا مَعَهُ نَحْوَ نِصْفِ سَاعَةٍ، ثُمَّ خَرَجَا، وَبَعْدَهَا طَلَبَ الْمَرِيضُ نَفْسُهُ أَوْرَاقَ الْخُرُوجِ، مُصِرًّا بِشِدَّةٍ رَغْمَ مُحَاوَلَاتِنَا إِقْنَاعَهُ بِالْبَقَاءِ.”
“هَلْ تَتَذَكَّرِينَ شَكْلَهُمَا؟”
“أَحَدُهُمَا كَانَ يَرْتَدِي زِيَّ الْأَطِبَّاءِ الْأَبْيَضَ، مُتَوَسِّطَ الْعُمْرِ. الْآخَرُ لَمْ أَرَ وَجْهَهُ جَيِّدًا، كَانَ يَقِفُ بَعِيدًا فِي الظِّلِّ قُرْبَ الْبَابِ طَوَالَ الْوَقْتِ.”

لَمْ يَحْتَجْ عَدْنَانُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ لِيَفْهَمَ، بِيَقِينٍ يَقْتَرِبُ مِنَ التَّامِّ، أَنَّ الْحَاجَّ لَمْ يُغَادِرِ الْمُسْتَشْفَى بِإِرَادَتِهِ الْحُرَّةِ كَمَا تُوحِي الْأَوْرَاقُ الرَّسْمِيَّةُ، بَلْ غَادَرَ تَحْتَ ضَغْطٍ مَا، أَوْ تَهْدِيدٍ مَا، مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَعْرِفُ هُوِيَّتَهُمَا.
خَرَجَ مِنَ الْمُسْتَشْفَى كَالْمَجْنُونِ، يَرْكُضُ فِي شَوَارِعِ دِمَشْقَ الَّتِي بَدَأَتْ تَسْتَيْقِظُ بِبُطْءٍ عَلَى صَبَاحٍ جَدِيدٍ، مُتَوَجِّهًا أَوَّلًا إِلَى مَنْزِلِ الْحَاجِّ الْقَرِيبِ مِنَ السُّوقِ. طَرَقَ الْبَابَ بِقُوَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، لَكِنْ لَا أَحَدَ أَجَابَ؛ الْمَنْزِلُ هَادِئٌ مُعْتِمٌ، بِلَا أَيَّةِ عَلَامَةٍ عَلَى وُجُودِ أَحَدٍ بِدَاخِلِهِ.
تَوَجَّهَ إِلَى بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمَانَ. فَتَحَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ، عَيْنَاهَا مُنْتَفِخَتَانِ. “لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَا بُنَيَّ، وَاللهِ لَا أَعْرِفُ. اتَّصَلَ بِي هَاتِفُ الْمُسْتَشْفَى فَجْرًا يُخْبِرُنِي أَنَّهُ غَادَرَ، وَحِينَ حَاوَلْتُ الِاتِّصَالَ بِمَنْزِلِهِ لَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ.”

عَادَ إِلَى الْمَتْجَرِ بِخُطًى ثَقِيلَةٍ، مُثْقَلًا بِخَوْفٍ لَمْ يَعْرِفْ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ. جَلَسَ خَلْفَ طَاوِلَةِ الْحَاجِّ الْخَشَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى وَهُوَ يَشْعُرُ أَنَّهُ رُبَّمَا لَنْ يَرَى صَاحِبَهَا الْحَقِيقِيَّ مَرَّةً أُخْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمِفْتَاحِ الْفِضِّيِّ الصَّغِيرِ، الْمُعَلَّقِ الْآنَ إِلَى جَانِبِ الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ حَوْلَ رَقَبَتِهِ.
نَظَرَ إِلَى الرَّقْمِ الْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ: ٤٧. تَذَكَّرَ كَلِمَاتِ الْحَاجِّ الْأَخِيرَةَ، مَحْفُورَةً فِي ذِهْنِهِ بِوُضُوحٍ لَا يُخْطِئُهُ: “لَا تَفْتَحْهُ إِلَّا حِينَ تَشْعُرُ أَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعُدْ يَحْمِيكَ.”
جَلَسَ عَدْنَانُ طَوِيلًا فِي ذَلِكَ الْمَتْجَرِ الْفَارِغِ، وَحِيدًا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ، مُحَاطًا بِأَقْمِشَةٍ صَامِتَةٍ وَرُفُوفٍ عَالِيَةٍ وَذِكْرَيَاتِ صَيْفٍ كَامِلٍ تَغَيَّرَتْ خِلَالَهُ حَيَاتُهُ بِأَكْمَلِهَا، مُتَسَائِلًا، بِقَلْبٍ يَتَقَطَّعُ رَهْبَةً وَخَوْفًا، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ بِالذَّاتِ هِيَ بِالضَّبْطِ تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنْهَا الْحَاجُّ، أَمْ أَنَّ الْأَسْوَأَ مَا زَالَ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ. قَرَّرَ أَنْ يَنْتَظِرَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ إِضَافِيَّيْنِ، أَمَلًا أَنْ يَظْهَرَ الْحَاجُّ فَجْأَةً، حَيًّا بِخَيْرٍ، بِتَفْسِيرٍ بَسِيطٍ لِكُلِّ هَذَا الْغُمُوضِ الْمُفْزِعِ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ، وَهُوَ يُغْلِقُ بَابَ الْمَتْجَرِ خَلْفَهُ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ الْخَرِيفِيِّ الْبَارِدِ، وَحِيدًا تَمَامًا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَنْ بَدَأَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سَتَكُونُ آخِرَ لَيْلَةٍ يَرَى فِيهَا مَتْجَرَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ بِعَيْنَيْهِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ قَادِمَةٍ، وَأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي سَيُطَارِدُهُ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ فَصَاعِدًا، عَمَّا حَدَثَ حَقًّا لِمُعَلِّمِهِ وَمُنْقِذِهِ وَأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْغَرِيبَةِ، سَيَبْقَى مُعَلَّقًا بِلَا جَوَابٍ وَاضِحٍ لِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلًا، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْبَعِيدَةِ فِي فْرَانْكْفُورْتَ، حِينَ سَتَصِلُ إِلَيْهِ رِسَالَةٌ مِنْ مَكْتَبِ مُحَامَاةٍ دِمَشْقِيٍّ، تَحْمِلُ اسْمًا لَمْ يَنْسَهُ يَوْمًا: الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيُّ.


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 08


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 06