الجزء الثاني من رواية حين توقف الوحي وبدأ الإنسان – الملحق الخامس
يَوْمَ تَوَقَّفَ الْيَقِينُ
إِلَى كُلِّ مَنْ وَقَفَ يَوْمًا بَيْنَ كِتَابَيْنِ — كِتَابِ الْوَحْيِ وَكِتَابِ الْكَوْنِ — وَأَحَبَّ كِلَيْهِمَا، وَلَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يَجْمَعُهُمَا فِي يَدٍ وَاحِدَةٍ.
قَبْلَ الرِّوَايَةِ: مُلَاحَظَةٌ
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُجِيبُ.
تَسْأَلُ.
وَفَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ مَنْ يَكْتُبُ لِيُجِيبَ، وَمَنْ يَكْتُبُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُفَّ عَنِ السُّؤَالِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ
الْخَبَرُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ:
مَا يَصِلُ مُتَأَخِّرًا يَصِلُ بِثِقَلِ مَا قِيلَ عَنْهُ فِي الطَّرِيقِ
الْقَاهِرَةُ — سَنَةُ ١٣٠٠ هِجْرِيَّةٍ
فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَانَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى يَعِيشُ مُشْكِلَةً لَيْسَتْ فِي الْفِقْهِ.
مُشْكِلَتُهُ كَانَتْ أَبْسَطَ وَأَصْعَبَ: اِبْنُهُ.
مَحْمُودٌ — عُمْرُهُ تِسْعَةَ عَشَرَ عَامًا.
يَدْرُسُ فِي مَدْرَسَةٍ حَدِيثَةٍ.
يَعُودُ كُلَّ يَوْمٍ بِأَسْئِلَةٍ لَمْ يَطْرَحْهَا أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْبَيْتِ — لَا الْجَدُّ وَلَا الْجَدَّةُ وَلَا الْجِيرَانُ وَلَا الشَّارِعُ كُلُّهُ.
أَسْئِلَةٌ تَبْدُو بَرِيئَةً حِينَ تُقَالُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَكِنَّهَا تَجْلِسُ فِي الرَّأْسِ لَيْلًا وَتَكْبُرُ.
— يَا أَبِي، قَرَأْنَا الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ اسْمُهُ التَّطَوُّرُ.
لَمْ يُجِبِ الشَّيْخُ مُصْطَفَى فَوْرًا.
وَضَعَ الْكِتَابَ الَّذِي كَانَ يَقْرَؤُهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ — بِبُطْءٍ يُوحِي أَنَّ مَا سَيَأْتِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوضَعَ لَهُ الْكِتَابُ.
— مَنْ قَالَ لَكُمْ؟
— الْمُعَلِّمُ.
قَالَ إِنَّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةَ تَطَوَّرَتْ مِنْ أَشْكَالٍ أَبْسَطَ.
وَإِنَّ الْإِنْسَانَ وَالْقِرْدَ—
— الْإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ الْقِرْدِ.
— قَالَ الْمُعَلِّمُ إِنَّ لَهُمَا جَدًّا مُشْتَرَكًا—
— الْمُعَلِّمُ رَأَى هَذَا الْجَدَّ؟
تَوَقَّفَ مَحْمُودٌ.
وَكَانَ فِي تَوَقُّفِهِ ذَلِكَ الْحَرَجُ الَّذِي يَعِيشُهُ مَنْ يَقِفُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ يُحِبُّهُمَا، وَيَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا شَيْئًا مُخْتَلِفًا.
— لَا، لَكِنَّ الدَّلِيلَ—
— الدَّلِيلُ ظَنٌّ وَتَأْوِيلٌ.
وَالْقُرْآنُ صَرِيحٌ.
ذَهَبَ مَحْمُودٌ إِلَى غُرْفَتِهِ.
وَجَلَسَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى وَحْدَهُ.
وَكَانَ يَعْرِفُ — فِي الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ حَتَّى لِنَفْسِهِ — أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي أَعْطَاهُ لَمْ يَكُنْ إِجَابَةً.
كَانَ غَلْقًا لِلْبَابِ.
وَغَلْقُ الْبَابِ وَالسُّؤَالُ خَلْفَهُ يَجْعَلُ السُّؤَالَ يَكْبُرُ فِي الظَّلَامِ.
─────────────────────────
فِي الصَّبَاحِ، أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى جَمِيلٍ أَفَنْدِي — صَدِيقٌ قَدِيمٌ، مُخْتَلِفٌ عَنْهُ فِي كَثِيرٍ، مُتَّفِقٌ مَعَهُ فِي الْأَهَمِّ.
“تَعَالَ.
عِنْدِي مَا يَسْتَحِقُّ الْكَلَامَ.”
─────────────────────────
جَمِيلٌ أَفَنْدِي كَانَ مُعَلِّمًا فِي مَدْرَسَةٍ حَدِيثَةٍ.
قَرَأَ الْفَرَنْسِيَّةَ وَبَعْضَ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ، وَعَادَ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي يَعُودُ بِهِ أَغْلَبُ مَنْ قَرَؤُوا:
لَمْ يَعُدْ بِيَقِينٍ جَدِيدٍ أَحَلَّ مَحَلَّ يَقِينِهِ الْقَدِيمِ.
عَادَ بِقُدْرَةٍ عَلَى الْجُلُوسِ مَعَ أَكْثَرَ مِنْ يَقِينٍ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ دُونَ أَنْ يُجَنَّ.
جَاءَ فِي الْمَسَاءِ.
وَجَاءَتْ مَعَهُ نُورٌ — اِبْنَةُ أَخِيهِ، عِشْرُونَ سَنَةً، تَقْرَأُ كُلَّ مَا تَجِدُهُ، وَحِينَ تَسْأَلُ لَا تَسْأَلُ لِتُحْرِجَ، بَلْ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْكُنَ دَاخِلَ سُؤَالٍ دُونَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ جِيرَانِهِ.
جَلَسُوا.
وَكَانَ فِي الْجِلْسَةِ تِلْكَ تَوَتُّرٌ لَطِيفٌ — تَوَتُّرُ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ يَحْتَرِمُونَ بَعْضَهُمْ، وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ سَيَخْتَلِفُونَ.
─────────────────────────
قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى:
— سَمِعْتُمْ عَنْ نَظَرِيَّةِ دَارْوِينَ؟
— دَارْوِينَ، صَحَّحَهُ جَمِيلٌ بِرِفْقٍ.
— هَذَا.
سَمِعْتُمْ؟
— قَرَأْتُ عَنْهَا.
— وَمَاذَا تَقُولُ؟
— تَقُولُ إِنَّ الْحَيَاةَ تَطَوَّرَتْ مِنْ أَشْكَالٍ بَسِيطَةٍ إِلَى أَشْكَالٍ مُعَقَّدَةٍ.
وَإِنَّ هَذَا حَدَثَ عَبْرَ مَلَايِينِ السِّنِينَ بِآلِيَّةٍ تُسَمَّى الِانْتِخَابَ الطَّبِيعِيَّ.
— وَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنَ الْقِرْدِ.
— لَا.
هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْهَا لَا هِيَ.
هِيَ تَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ وَالْقِرْدَ لَهُمَا جَدٌّ مُشْتَرَكٌ قَدِيمٌ.
مِثْلَ اِبْنِ الْعَمِّ — لَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ.
— الْفَرْقُ؟
— فَرْقٌ كَبِيرٌ.
مِثْلَ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تَقُولَ إِنَّ اِبْنَ عَمِّكَ أَخُوكَ، وَبَيْنَ أَنْ تَقُولَ إِنَّ جَدَّكُمَا وَاحِدٌ.
صَمَتَ الشَّيْخُ.
قَالَتْ نُورٌ — بِذَلِكَ التَّسَاؤُلِ الَّذِي لَا يَأْتِي مِنَ الْكُتُبِ فَقَطْ، بَلْ مِنْ شَيْءٍ يَعِيشُ فِي الصَّدْرِ وَيَطْلُبُ إِجَابَةً:
— وَالسُّؤَالُ يَا شَيْخُ مُصْطَفَى: هَلْ هَذَا يَتَعَارَضُ مَعَ الْقُرْآنِ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ.
كَانَ هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَجَنَّبَهُ — لَيْسَ لِأَنَّهُ يَخَافُ الْإِجَابَةَ، بَلْ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْإِجَابَةَ لَيْسَتْ بَسِيطَةً.
وَالْإِجَابَةُ غَيْرُ الْبَسِيطَةِ فِي مَجْلِسٍ يَنْتَظِرُ حُكْمًا وَاضِحًا — هَذِهِ مُشْكِلَةٌ أُخْرَى.
─────────────────────────
قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى — بِبُطْءِ مَنْ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ:
— الْقُرْآنُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
— وَدَارْوِينُ لَا يَنْفِي هَذَا مُبَاشَرَةً، قَالَ جَمِيلٌ.
السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّطَوُّرُ هُوَ الطَّرِيقَةَ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا اللَّهُ فِي الْخَلْقِ؟
أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ حَقِيقَةً وَالتَّطَوُّرُ آلِيَّتَهُ؟
صَمَتَ الشَّيْخُ — صَمْتَ مَنْ يُفَكِّرُ بِصِدْقٍ، لَا صَمْتَ مَنْ يَرْفُضُ بِصَلَابَةٍ.
قَالَتْ نُورٌ:
— بِمَعْنًى آخَرَ: هَلْ “خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ” يَعْنِي خَلْقًا مُبَاشِرًا فَوْرِيًّا؟
أَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِيَ أَنَّ الْأَصْلَ مِنَ التُّرَابِ وَالطَّرِيقُ طَوِيلٌ — كَمَا أَنَّ الشَّجَرَةَ تَأْتِي مِنَ الْبَذْرَةِ وَالطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ لَحْظَةً بَلْ عُمُرًا؟
─────────────────────────
ظَلَّ الشَّيْخُ مُصْطَفَى صَامِتًا وَقْتًا أَطْوَلَ مِمَّا يَنْتَظِرُهُ أَحَدٌ.
ثُمَّ قَالَ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِي بِدَايَةِ الْجِلْسَةِ:
— أَنَا أَخْشَى شَيْئًا.
— مَاذَا تَخْشَى؟
— أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا بَابًا.
حِينَ نَفْتَحُهُ — تَدْخُلُ مِنْهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ.
التَّطَوُّرُ الْيَوْمَ.
وَغَدًا مَاذَا؟
مَنْ يَضْمَنُ أَنَّ التَّأْوِيلَ يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ؟
قَالَتْ نُورٌ — وَفِي صَوْتِهَا مَا يَكُونُ عِنْدَ مَنِ اخْتَبَرَتِ الْأَمْرَ بِنَفْسِهَا لَا مِنَ الْكِتَابِ فَقَطْ:
— وَأَنَا أَخْشَى عَكْسَ ذَلِكَ.
— مَاذَا تَخْشَيْنَ؟
— أَخْشَى أَنْ يُغْلَقَ الْبَابُ، فَيَجِدَ الْمُسْلِمُ الشَّابُّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَخْتَارَ: إِمَّا الْعِلْمُ أَوِ الْإِيمَانُ.
وَهَذَا الِاخْتِيَارُ — كَثِيرُونَ اخْتَارُوا الْعِلْمَ وَتَرَكُوا الْإِيمَانَ، لَا لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُرِهِمْ أَنَّ الِاثْنَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَايَشَا.
صَمْتٌ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى — وَكَانَ هَذَا أَصْعَبَ مَا قَالَهُ فِي تِلْكَ الْجِلْسَةِ:
— اِبْنِي سَأَلَنِي أَمْسِ.
وَأَغْلَقْتُ الْبَابَ فِي وَجْهِ سُؤَالِهِ.
وَهُوَ ذَهَبَ إِلَى غُرْفَتِهِ وَأَنَا بَقِيتُ هُنَا.
وَأَنَا لَا أَعْرِفُ مَنْ مِنَّا كَانَ وَحِيدًا أَكْثَرَ.
─────────────────────────
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَسْئِلَةُ الْكَثِيرَةُ
─────────────────────────
الْفَصْلُ الثَّانِي: لَا يَكْفِي دَارْوِينُ وَحْدَهُ
الْقَاهِرَةُ — جِيلٌ لَاحِقٌ
صَارَتْ سَارَةُ أُسْتَاذَةً.
لَمْ تَكُنْ تَخْطُطُ لِذَلِكَ — خَطَّطَتْ أَنْ تَكُونَ طَبِيبَةً.
لَكِنَّ الْأَسْئِلَةَ الَّتِي حَمَلَتْهَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنَ الطِّبِّ وَأَصْغَرَ مِنْ أَنْ تُودَعَ فِي الْفَلْسَفَةِ وَحْدَهَا، فَوَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي الْمَكَانِ الْوَسَطِ — تُدَرِّسُ مَا لَا يُدَرِّسُهُ أَحَدٌ بِسُهُولَةٍ: الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
فِي نِهَايَةِ الْمُحَاضَرَةِ الْأُولَى لِكُلِّ فَصْلٍ، كَانَتْ تَفْعَلُ شَيْئًا يُزْعِجُ بَعْضَ الطُّلَّابِ وَيُرِيحُ آخَرِينَ: تَسْأَلُ.
— قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ، أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ: مَنْ مِنْكُمْ شَعَرَ يَوْمًا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّمُهُ هُنَا وَمَا يُؤْمِنُ بِهِ فِي بَيْتِهِ؟
فِي كُلِّ فَصْلٍ كَانَتِ الْأَيْدِي تَرْتَفِعُ.
لَيْسَ كُلَّ الْأَيْدِي — لَكِنْ دَائِمًا أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
وَفِي كُلِّ فَصْلٍ كَانَتْ تَقُولُ:
— هَذَا الشُّعُورُ هُوَ مَوْضُوعُ هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ.
لَسْنَا هُنَا لِنُجِيبَ عَلَيْهِ.
نَحْنُ هُنَا لِنَفْهَمَ لِمَاذَا يُطْرَحُ، وَمَا الَّذِي يَحْتَاجُ مِنَّا.
─────────────────────────
فِي النَّدْوَةِ الَّتِي نَظَّمَتْهَا الْجَامِعَةُ ذَلِكَ الْعَامَ — نَدْوَةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ — جَلَسَتْ أَمَامَهَا وُجُوهٌ مِنْ تَخَصُّصَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قَالَتْ:
— دَعُونَا لَا نَتَكَلَّمَ عَنْ دَارْوِينَ فَقَطْ.
دَعُونَا نَتَكَلَّمَ عَنْ كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الْعِلْمُ الْحَدِيثُ، وَطَرَحَهُ أَمَامَ الْمُؤْمِنِ.
وَبَدَأَتْ:
─────────────────────────
أَوَّلًا: التَّطَوُّرُ وَالْخَلْقُ
— دَارْوِينُ قَالَ إِنَّ الْحَيَاةَ تَطَوَّرَتْ.
وَالسُّؤَالُ لِلْمُؤْمِنِ: هَلْ هَذَا يَنْفِي الْخَالِقَ؟
الْجَوَابُ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ: لَا بِالضَّرُورَةِ.
التَّطَوُّرُ يَصِفُ الْكَيْفِيَّةَ.
وَالْإِيمَانُ يَصِفُ الْغَايَةَ وَالْمَصْدَرَ.
“كَيْفَ” وَ”لِمَاذَا” سُؤَالَانِ مُخْتَلِفَانِ تَمَامًا.
الْعِلْمُ يُجِيبُ عَلَى “كَيْفَ”.
وَالدِّينُ يُجِيبُ عَلَى “لِمَاذَا”.
الْمُشْكِلَةُ حِينَ يَدَّعِي أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُجِيبُ عَلَى سُؤَالِ الْآخَرِ.
ثَانِيًا: الْكَوْنُ وَعُمُرُهُ
— الْفَلَكُ الْحَدِيثُ يَقُولُ إِنَّ عُمْرَ الْكَوْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِلْيَارًا مِنَ السِّنِينَ تَقْرِيبًا، وَالْأَرْضَ أَرْبَعَةُ مِلْيَارَاتٍ.
هَذَا يُطْرَحُ أَحْيَانًا كَتَحَدٍّ لِلنَّصِّ الدِّينِيِّ.
لَكِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُحَدِّدْ عُمْرَ الْكَوْنِ.
وَالَّذِي حَدَّدَهُ — حَدَّدَهُ مِنْ تَفْسِيرَاتٍ بَشَرِيَّةٍ لِلنَّصِّ.
وَالتَّفْسِيرُ الْبَشَرِيُّ — مَهْمَا كَانَ عَالِمُهُ جَلِيلًا — قَابِلٌ لِلْمُرَاجَعَةِ.
لِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ لَيْسَتْ طَعْنًا فِي النَّصِّ — هِيَ أَمَانَةٌ أَمَامَهُ.
─────────────────────────
ثَالِثًا: اللَّاوَعِيُّ وَفْرُويدُ
— فْرُويدُ قَالَ إِنَّ الدِّينَ نَفْسَهُ قَدْ يَكُونُ إِسْقَاطًا نَفْسِيًّا لِأَبٍ مِثَالِيٍّ.
هَذَا التَّحَدِّي أَصْعَبُ.
لِأَنَّهُ لَا يَتَحَدَّى الْكَوْنَ بَلْ يَتَحَدَّى الدَّاخِلَ.
لَكِنَّ — وَهَذَا مُهِمٌّ جِدًّا — كَوْنَ الْإِيمَانِ لَهُ تَفْسِيرٌ نَفْسِيٌّ لَا يَعْنِي أَنَّهُ وَهْمٌ.
كُلُّ تَجْرِبَةٍ بَشَرِيَّةٍ لَهَا تَفْسِيرٌ نَفْسِيٌّ.
الْحُبُّ لَهُ تَفْسِيرٌ نَفْسِيٌّ وَبِيُولُوجِيٌّ.
هَذَا لَا يَجْعَلُهُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.
─────────────────────────
رَابِعًا: الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ
— الْيَوْمَ نَصْنَعُ آلَاتٍ تُفَكِّرُ، أَوْ تُحَاكِي التَّفْكِيرَ.
وَهَذَا يَطْرَحُ سُؤَالًا لَمْ يَطْرَحْهُ الْفِقْهُ مِنْ قَبْلُ: مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ إِنْسَانًا؟
إِذَا اسْتَطَاعَتِ الْآلَةُ أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ — مَا الَّذِي يَتَبَقَّى لِلرُّوحِ؟
هَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ لَهُ جَوَابٌ فِقْهِيٌّ جَاهِزٌ.
لِأَنَّهُ سُؤَالٌ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ كُتِبَتِ الْأَجْوِبَةُ الْجَاهِزَةُ.
─────────────────────────
رَفَعَ طَالِبٌ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ يَدَهُ.
— أُسْتَاذَةُ، أَنْتِ لَا تُجِيبِينَ.
— صَحِيحٌ.
— لِمَاذَا؟
— لِأَنَّ الْإِجَابَةَ السَّرِيعَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ أَخْطَرُ مِنَ الصَّمْتِ.
الصَّمْتُ يُبْقِيكَ فِي السُّؤَالِ.
وَالْجَوَابُ السَّرِيعُ يُخْرِجُكَ مِنْهُ وَأَنْتَ لَمْ تَنْضُجْ فِيهِ.
صَمَتَ الطَّالِبُ.
ثُمَّ قَالَ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الِاسْتِسْلَامَ الَّذِي لَيْسَ هَزِيمَةً:
— إِذًا مَاذَا نَفْعَلُ؟
— نَجْلِسُ مَعَ السُّؤَالِ.
وَهَذَا — لِمَنِ اعْتَادَ الْأَجْوِبَةَ الْجَاهِزَةَ — أَصْعَبُ مِمَّا يَبْدُو.
─────────────────────────
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الطَّبِيبُ
─────────────────────────
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: مَا لَا تَقِيسُهُ الْأَجْهِزَةُ
مُسْتَشْفًى جَامِعِيٌّ — الْقَاهِرَةُ، زَمَانٌ مُعَاصِرٌ
أَحْمَدُ الطَّبِيبُ لَمْ يَكُنْ يَخْطُطُ أَنْ يُصْبِحَ فَيْلَسُوفًا.
خَطَّطَ أَنْ يُصْبِحَ طَبِيبَ أَعْصَابٍ.
وَصَارَ.
وَكَانَتِ الْخُطَّةُ سَتَنْتَهِي هُنَا، لَوْ أَنَّ الدِّمَاغَ كَانَ مُجَرَّدَ مَا يَبْدُو عَلَيْهِ مِنَ الْخَارِجِ — كُتْلَةٌ رَمَادِيَّةٌ مِنَ الْخَلَايَا تَعْمَلُ بِكَهْرَبَاءَ وَكِيمْيَاءَ.
لَكِنَّ الدِّمَاغَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَقَطْ.
أَوْ هَكَذَا شَعَرَ أَحْمَدُ.
وَحِينَ يَشْعُرُ طَبِيبٌ بِشَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُ قِيَاسَهُ بِأَدَوَاتِهِ — إِمَّا يَتَجَاهَلُهُ وَإِمَّا يَجْلِسُ مَعَهُ.
وَأَحْمَدُ لَمْ يَسْتَطِعْ تَجَاهُلَهُ.
─────────────────────────
الْمَرِيضُ الْأَوَّلُ الَّذِي زَعْزَعَ يَقِينَهُ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا اسْتِثْنَائِيًّا.
رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينَ.
غَيْبُوبَةٌ إِثْرَ حَادِثٍ.
ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
ثُمَّ عَادَ.
حِينَ عَادَ — قَالَ شَيْئًا.
لَمْ يَقُلْهُ لِأَحْمَدَ مُبَاشَرَةً.
قَالَهُ لِلْمُمَرِّضَةِ.
وَالْمُمَرِّضَةُ قَالَتْهُ لِأَحْمَدَ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ مَاذَا تَفْعَلُ بِهِ.
قَالَ الرَّجُلُ إِنَّهُ رَأَى أُمَّهُ.
أُمُّهُ مَاتَتْ قَبْلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ جَالِسَةً وَتَنْتَظِرُهُ.
وَقَالَتْ لَهُ: اِرْجِعْ، لَيْسَ الْوَقْتُ بَعْدُ.
─────────────────────────
أَحْمَدُ الطَّبِيبُ — الَّذِي دَرَسَ الْأَعْصَابَ وَعَرَفَ الدِّمَاغَ مِنَ الدَّاخِلِ كَمَا يَعْرِفُ الْفِقْهَ مِنَ الدَّاخِلِ — جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي مَكْتَبِهِ وَقْتَ الْغَدَاءِ، وَفَتَحَ وَرَقَةً وَكَتَبَ:
مَا الَّذِي حَدَثَ؟
ثُمَّ تَوَقَّفَ.
وَفَكَّرَ.
وَكَتَبَ:
الدِّمَاغُ فِي الْغَيْبُوبَةِ يُنْتِجُ أَحْيَانًا تَجَارِبَ — هَذَا مُوَثَّقٌ.
قَدْ يَكُونُ هَذَا مِنْهَا.
لَكِنَّ الْمَرِيضَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ رَأَى ضَوْءًا أَوْ شَعَرَ بِسَلَامٍ — قَالَ إِنَّهُ رَأَى أُمَّهُ بِالتَّحْدِيدِ، وَقَالَتْ لَهُ شَيْئًا بِالتَّحْدِيدِ.
الِاحْتِمَالُ الْعِلْمِيُّ مَوْجُودٌ.
لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ—
تَوَقَّفَ.
الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ لَا أَسْتَطِيعُ إِثْبَاتَهُ.
لَكِنَّنِي أَيْضًا لَا أَسْتَطِيعُ نَفْيَهُ.
وَأَنَا طَبِيبٌ أَمِينٌ — وَأَمَانَتِي تَقْتَضِي أَلَّا أَدَّعِيَ نَفْيًا لَا أَمْلِكُ دَلِيلَهُ.
─────────────────────────
بَعْدَ سَنَوَاتٍ، فِي النَّدْوَةِ الَّتِي نَظَّمَتْهَا سَارَةُ، تَكَلَّمَ أَحْمَدُ.
قَالَ:
— فِي غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ أَرَى الدِّمَاغَ.
خَلَايَا عَصَبِيَّةٌ.
اتِّصَالَاتٌ كَهْرَبَائِيَّةٌ.
كِيمْيَاءُ دَقِيقَةٌ مُتَشَابِكَةٌ.
تَوَقَّفَ.
— وَأَرَى مَرِيضًا يَعُودُ إِلَى الْوَعْيِ بَعْدَ غَيْبُوبَةٍ، وَيَقُولُ رَأَى شَيْئًا.
وَالْعِلْمُ يَقُولُ: رُبَّمَا هُوَ نَاتِجٌ عَنْ نَشَاطِ الدِّمَاغِ فِي حَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَيَقُولُ أَيْضًا: لَا نَعْرِفُ تَمَامًا.
ثُمَّ:
— وَأَنَا فِي دَاخِلِي أَسْمَعُ شَيْئًا آخَرَ حِينَ أَرَاهُ.
شَيْءٌ لَا يَتَتَرْجَمُ إِلَى بُرُوتُوكُولٍ عِلْمِيٍّ.
— مَا هُوَ؟
— أَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا تُحِيطُ بِهِ أَجْهِزَةُ قِيَاسِي.
وَهَذَا الشَّيْءُ — لَسْتُ أُثْبِتُهُ وَلَا أَنْفِيهِ عِلْمِيًّا.
لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ تَجَاهُلَهُ.
وَالطَّبِيبُ الَّذِي يَتَجَاهَلُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ قِيَاسَهُ لَيْسَ أَمِينًا لِمِهْنَتِهِ — هُوَ يُضَيِّقُ الطِّبَّ لِيُنَاسِبَ أَدَوَاتِهِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُوَسِّعَ أَدَوَاتِهِ لِتُنَاسِبَ الطِّبَّ.
─────────────────────────
بَعْدَ النَّدْوَةِ، جَاءَ إِلَيْهِ طَالِبٌ.
اسْمُهُ خَالِدٌ.
دِرَاسَةُ أَعْصَابٍ، السَّنَةُ الثَّانِيَةُ.
وَجْهُهُ فِيهِ ذَلِكَ التَّوَتُّرُ الْخَاصُّ بِمَنْ وَجَدَ سُؤَالًا لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَضَعُهُ.
— دُكْتُورَ أَحْمَدَ، هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ.
— نَعَمْ.
— وَكَيْفَ تَجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كُلِّ مَا تَعْرِفُهُ عَنِ الدِّمَاغِ؟
— سُؤَالٌ جَيِّدٌ.
وَجَوَابٌ طَوِيلٌ.
تَعَالَ اجْلِسْ.
جَلَسَا.
قَالَ أَحْمَدُ:
— حِينَ دَرَسْتُ الدِّمَاغَ — ظَنَنْتُ فِي الْبِدَايَةِ أَنَّ الْعِلْمَ سَيَقْتُلُ الْإِيمَانَ.
لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ صَارَ مُفَسَّرًا.
الْمَشَاعِرُ: كِيمْيَاءُ.
الذَّاكِرَةُ: اتِّصَالَاتٌ.
حَتَّى الْحُبُّ — لَهُ مَنَاطِقُ فِي الدِّمَاغِ وَهُرْمُونَاتٌ وَمَا إِلَى ذَلِكَ.
— وَهَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ؟
— لَا.
لِأَنَّنِي فَهِمْتُ شَيْئًا.
تَفْسِيرُ “كَيْفَ” لَا يُجِيبُ عَلَى “لِمَاذَا”.
أَنَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُحِبُّ زَوْجَتِي بِيُولُوجِيًّا.
لَكِنَّنِي لَا أَزَالُ أُحِبُّهَا.
وَالتَّفْسِيرُ لَمْ يُقَلِّلْ مِنَ الْحُبِّ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَقَلَّ حَقِيقِيَّةً.
— وَمَعَ الْإِيمَانِ؟
— مَعَ الْإِيمَانِ أَيْضًا.
أَعْرِفُ مَا يَحْدُثُ فِي الدِّمَاغِ حِينَ يُصَلِّي إِنْسَانٌ.
لَكِنَّ مَا يَحْدُثُ فِي قَلْبِهِ — وَمَا يَحْدُثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُصَلِّي إِلَيْهِ — هَذَا خَارِجُ حُدُودِ قِيَاسِي.
وَأَمَانَتِي الْعِلْمِيَّةُ تَقْتَضِي أَنْ أَعْتَرِفَ بِهَذَا الْحَدِّ لَا أَنْ أَتَجَاهَلَهُ.
صَمَتَ خَالِدٌ.
ثُمَّ قَالَ:
— أُسْتَاذَةُ سَارَةُ قَالَتْ فِي النَّدْوَةِ إِنَّ الْجَوَابَ السَّرِيعَ عَلَى السُّؤَالِ الْكَبِيرِ أَخْطَرُ مِنَ الصَّمْتِ.
— صَحِيحٌ.
— أَنَا أَحْمِلُ هَذَا السُّؤَالَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ.
وَلَمْ أَجِدْ جَوَابًا.
قَالَ أَحْمَدُ:
— وَهَذَا — يَا خَالِدُ — يَعْنِي أَنَّكَ تَسْأَلُ بِجِدِّيَّةٍ.
وَمَنْ يَسْأَلُ بِجِدِّيَّةٍ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا سَرِيعًا.
يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرَافَقَ فِي السُّؤَالِ حَتَّى يَجِدَ مَا يُنَاسِبُهُ هُوَ، لَا مَا يُنَاسِبُ غَيْرَهُ.
─────────────────────────
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمَجْلِسُ
─────────────────────────
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي مَكَانٍ لَا تَعْرِفُهُ خَرِيطَةٌ
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي سَنَةٍ بِعَيْنِهَا وَلَا فِي مَدِينَةٍ تَجِدُهَا عَلَى خَرِيطَةٍ — اِجْتَمَعُوا:
اِبْنُ رُشْدٍ، الَّذِي قَالَ إِنَّ الْعَقْلَ وَالْوَحْيَ لَا يَتَعَارَضَانِ.
وَالْغَزَالِيُّ، الَّذِي قَالَ إِنَّ الْعَقْلَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي — وَقَالَهَا بَعْدَ أَنْ أَتْقَنَ الْعَقْلَ لَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَابْنُ سِينَا، الَّذِي كَانَ طَبِيبًا وَفَيْلَسُوفًا وَمُتَصَوِّفًا فِي آنٍ وَاحِدٍ — وَكَانَ هَذَا الِاجْتِمَاعُ فِيهِ لَيْسَ تَنَاقُضًا بَلِ اكْتِمَالًا.
وَالشَّيْخُ مُصْطَفَى، الْفَقِيهُ الْأَزْهَرِيُّ، الَّذِي يَخَافُ وَخَوْفُهُ صَادِقٌ.
وَجَمِيلٌ أَفَنْدِي، الْمُعَلِّمُ الَّذِي قَرَأَ بِالْفَرَنْسِيَّةِ وَلَمْ يَتْرُكْ إِيمَانَهُ.
وَنُورٌ، الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَرْفُضُ الِانْشِقَاقَ وَتُطَالِبُ بِأَنْ تَكُونَ كَامِلَةً.
وَسَارَةُ، الَّتِي تُدَرِّسُ فِي الْجَامِعَتَيْنِ وَتَعِيشُ فِي الزَّمَانَيْنِ.
وَأَحْمَدُ الطَّبِيبُ، الَّذِي يَعْرِفُ الدِّمَاغَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ الْأَجْهِزَةَ لَا تُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
─────────────────────────
قَالَ ابْنُ سِينَا — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْمَزِيجُ الَّذِي مَيَّزَهُ: طَبِيبٌ يُفَكِّرُ وَفَيْلَسُوفٌ يُحِسُّ:
— أَنَا عِشْتُ هَذَا السُّؤَالَ قَبْلَ دَارْوِينَ.
الطِّبُّ يُرِيكَ الْجَسَدَ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَيُرِيكَ كَيْفَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ يَعْمَلُ بِقَانُونٍ.
وَالْقَانُونُ لَا يَعْنِي غِيَابَ الْخَالِقِ — يَعْنِي أَنَّ الْخَالِقَ يَعْمَلُ بِانْتِظَامٍ.
وَالِانْتِظَامُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْغِيَابِ — هُوَ أَحَدُ صِفَاتِ الْعَظَمَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى:
— لَكِنَّ التَّطَوُّرَ يَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ جَاءَ مُصَادَفَةً.
قَالَ ابْنُ سِينَا:
— لَا.
التَّطَوُّرُ يَصِفُ الْعَمَلِيَّةَ.
أَمَّا هَلْ هِيَ مُصَادَفَةٌ أَمْ غَايَةٌ — فَهَذَا سُؤَالٌ لَا يُجِيبُ عَنْهُ التَّطَوُّرُ.
يُجِيبُ عَنْهُ الْفَيْلَسُوفُ وَاللَّاهُوتِيُّ.
وَحِينَ يَدَّعِي عَالِمُ الْأَحْيَاءِ أَنَّهُ يُجِيبُ عَنْهُ — يَتَجَاوَزُ حُدُودَ أَدَاتِهِ.
قَالَ جَمِيلٌ أَفَنْدِي:
— وَدَارْوِينُ نَفْسُهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ لَا إِلَهَ.
قَالَ إِنَّ الْحَيَاةَ تَطَوَّرَتْ.
وَمَنْ قَالَ إِنَّ هَذَا يَعْنِي لَا إِلَهَ — أَضَافَ عَلَى دَارْوِينَ مَا لَمْ يَقُلْهُ دَارْوِينُ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِضَافَةِ — الَّذِي يَضَعُ فِي فَمِ الْآخَرِ مَا لَمْ يَقُلْهُ — مُشْكِلَةٌ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ جَدَلٍ.
─────────────────────────
قَالَتْ نُورٌ — الَّتِي كَانَتِ الْآنَ أَكْبَرَ سِنًّا وَكَلَامُهَا أَهْدَأُ:
— أَنَا حِينَ تَعَرَّفْتُ عَلَى التَّطَوُّرِ فِي الْمَدْرَسَةِ — شَعَرْتُ بِأَزْمَةٍ.
وَذَهَبْتُ إِلَى الشَّيْخِ فَقَالَ لِي: هَذَا كَذِبٌ غَرْبِيٌّ.
وَذَهَبْتُ إِلَى مُعَلِّمِ الْعُلُومِ فَقَالَ: هَذَا عِلْمٌ ثَابِتٌ.
تَوَقَّفَتْ.
— وَوَقَفْتُ فِي الْمُنْتَصَفِ سَنَوَاتٍ.
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْفُضَ الْعِلْمَ لِأَنَّنِي أَرَاهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتْرُكَ الْإِيمَانَ لِأَنَّهُ فِي قَلْبِي — وَمَا فِي الْقَلْبِ لَا يَخْرُجُ بِالْأَمْرِ.
— حَتَّى وَجَدْتُ شَيْئًا يُرِيحُ.
— مَاذَا وَجَدْتِ؟
قَالَتْ:
— وَجَدْتُ أَنَّ الْقُرْآنَ حِينَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْخَلْقِ — يَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ الْإِعْجَابِ لَا بِلُغَةِ الْكِيمْيَاءِ.
“الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.”
هَذِهِ جُمْلَةُ مَعْنًى وَجَمَالٍ.
لَيْسَتْ مُعَادَلَةً عِلْمِيَّةً.
وَحِينَ أَقْرَأُهَا هَكَذَا — لَا تَتَعَارَضُ مَعَ أَيِّ عِلْمٍ.
لِأَنَّهَا تَتَكَلَّمُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ — عَنِ الْإِتْقَانِ وَالْجَمَالِ وَالْغَايَةِ.
وَهَذِهِ لَا يَقِيسُهَا الْمِجْهَرُ وَلَا يَنْفِيهَا.
─────────────────────────
قَالَ أَحْمَدُ الطَّبِيبُ:
— فِي الطِّبِّ نَقُولُ: غِيَابُ الدَّلِيلِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْغِيَابِ.
— وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ هُنَا؟
— مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُثْبَتْ وُجُودُهُ بِطَرِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ.
لَكِنَّهُ أَيْضًا لَمْ يُنْفَ بِطَرِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ.
وَالْعِلْمُ — إِذَا كَانَ صَادِقًا — يَعْتَرِفُ بِهَذَا.
وَاعْتِرَافُهُ لَيْسَ ضَعْفًا — هُوَ أَمَانَتُهُ.
تَوَقَّفَ.
— وَالْإِنْسَانُ الْمُؤْمِنُ لَا يَطْلُبُ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُثْبِتَ اللَّهَ.
يَطْلُبُ مِنْهُ أَلَّا يُنْكِرَ مَا لَا يَسْتَطِيعُ إِنْكَارَهُ.
وَهَذَا — إِذَا أَعْطَاهُ الْعِلْمُ — كَافٍ لِبِدَايَةِ حِوَارٍ.
─────────────────────────
قَالَ الْغَزَالِيُّ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْهُدُوءُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الشَّكِّ، ثُمَّ الْيَقِينِ، ثُمَّ الشَّكِّ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الْيَقِينِ:
— أَنَا تَرَكْتُ كُرْسِيَّ النِّظَامِيَّةِ لِأَنَّنِي شَكَكْتُ.
وَذَهَبْتُ أَتَسَوَّلُ الْحَقِيقَةَ.
وَهَذَا الشَّكُّ وَالْأَلَمُ أَنْتَجَ “الْإِحْيَاءَ”.
الْآلَةُ لَا تَشُكُّ.
وَلَا تَتَأَلَّمُ.
وَلَا تَتَسَوَّلُ.
تَجْمَعُ وَتُنَظِّمُ وَتُجِيبُ.
وَجَوَابُ الْآلَةِ دَقِيقٌ — لَكِنَّهُ جَوَابٌ بِلَا وُجُودٍ وَرَاءَهُ.
قَالَتْ سَارَةُ:
— هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَخْشَاهُ مِنَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي الدِّينِ.
لَيْسَ أَنْ يُخْطِئَ الْجَوَابَ الْفِقْهِيَّ — بَلْ أَنْ يُصِيبَهُ.
لِأَنَّ الْجَوَابَ الْفِقْهِيَّ الصَّحِيحَ لَيْسَ كُلَّ الْجَوَابِ.
حَمُّودٌ الْفَلَّاحُ حِينَ صَلَّى فِي الطِّينِ — الْجَوَابُ الْفِقْهِيُّ الصَّحِيحُ كَانَ مُمْكِنًا مِنْ كِتَابٍ.
لَكِنَّ مَا فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ فِقْهًا فَقَطْ.
كَانَ وُجُودًا أَمَامَ اللَّهِ.
وَهَذَا الْوُجُودُ — الثِّقَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالْإِقْبَالُ بِكُلِّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ — لَا تُعْطِيهِ آلَةٌ.
وَلَا يُعَوَّضُ عَنْهُ فِقْهٌ بِلَا رُوحٍ.
─────────────────────────
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ — وَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْغَزَالِيِّ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتِي اكْتَمَلَتْ بَعْدَ قُرُونٍ مِنَ الْجِدَالِ:
— أَنَا قُلْتُ فِي حَيَاتِي إِنَّ الْفَيْلَسُوفَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَجِدُ تَعَارُضًا بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالشَّرِيعَةِ.
وَقُلْتُهَا وَأَنَا مُؤْمِنٌ.
وَمَا رَأَيْتُهُ مِنَ الْعِلْمِ لَمْ يُزَعْزِعْ هَذَا.
بَلْ زَادَهُ.
— لِمَاذَا زَادَهُ؟
— لِأَنَّ كُلَّمَا رَأَيْتُ نِظَامًا أَدَقَّ فِي الْكَوْنِ — سَأَلْتُ: مَنْ صَنَعَ هَذَا النِّظَامَ؟
وَالْجَوَابُ الَّذِي لَا يُرْضِينِي هُوَ: لَا أَحَدَ.
لِأَنَّ النِّظَامَ يُشِيرُ إِلَى نَاظِمٍ — لَيْسَ بِبُرْهَانٍ رِيَاضِيٍّ، بَلْ بِذَلِكَ الْإِحْسَاسِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْعَالِمِ الَّذِي رَأَى كَثِيرًا، وَيَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ كُلَّ شَيْءٍ.
ثُمَّ:
— وَالْإِيمَانُ الَّذِي يَظَلُّ يَرَى الدَّلِيلَ وَيَتَجَدَّدُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي يُغْلِقُ عَيْنَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَرَى مَا يُزْعِجُهُ.
─────────────────────────
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: الْمُصَالَحَةُ الْمُمْكِنَةُ
─────────────────────────
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: لَيْسَ اتِّفَاقًا — بَلْ شَيْءٌ أَفْضَلُ
قَالَتْ سَارَةُ فِي نِهَايَةِ الْمَجْلِسِ:
— أُرِيدُ أَنْ أَقْتَرِحَ شَيْئًا.
— قُولِي.
— بَدَلًا مِنْ أَنْ نَسْأَلَ: هَلِ الْعِلْمُ يَتَعَارَضُ مَعَ الْإِيمَانِ؟
نَسْأَلَ: مَاذَا يُضِيفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ؟
تَوَقَّفَتْ — وَفِي تَوَقُّفِهَا كَانَ كُلُّ مَا فَكَّرَتْ فِيهِ سَنَوَاتٍ يَجِدُ أَخِيرًا صِيَاغَتَهُ:
— الْعِلْمُ يُضِيفُ لِلْإِيمَانِ: التَّوَاضُعَ.
لِأَنَّ كُلَّمَا اكْتَشَفَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ — رَأَى كَمِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ أَوْسَعُ.
وَالتَّوَاضُعُ أَمَامَ الْمَجْهُولِ قَرِيبٌ مِنَ التَّوَاضُعِ أَمَامَ اللَّهِ — قَدْ يَكُونَانِ الشَّيْءَ ذَاتَهُ.
— وَالْإِيمَانُ يُضِيفُ لِلْعِلْمِ؟
— يُضِيفُ السُّؤَالَ الَّذِي لَا يُجِيبُ عَنْهُ الْعِلْمُ: لِمَاذَا نَفْعَلُ مَا نَفْعَلُ؟
مَا الْغَايَةُ؟
مَا الْمَسْؤُولِيَّةُ؟
الْعِلْمُ يُرِيكَ كَيْفَ تَصْنَعُ قُنْبُلَةً.
وَالْإِيمَانُ يَقُولُ لَكَ لِمَاذَا لَا تَصْنَعُهَا.
وَبِدُونِ “لِمَاذَا” — كُلُّ “كَيْفَ” سِلَاحٌ بِلَا يَدٍ تُوَجِّهُهُ.
─────────────────────────
قَالَتْ نُورٌ — الَّتِي كَانَتِ الْآنَ فِي الْخَمْسِينَ، وَكَانَ كَلَامُهَا أَهْدَأَ مِنْ كَلَامِ الْعِشْرِينَ لَكِنَّهُ يَحْمِلُ ثِقَلَهُمَا:
— أَنَا حِينَ كُنْتُ فِي الْعِشْرِينَ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ.
الْآنَ فِي الْخَمْسِينَ — أَبْحَثُ عَنْ طَرِيقَةٍ لِلْعَيْشِ مَعَ السُّؤَالِ.
— وَهَلْ وَجَدْتِيهَا؟
— وَجَدْتُ شَيْئًا.
أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَعْنِي امْتِلَاكَ كُلِّ الْإِجَابَاتِ.
يَعْنِي الثِّقَةَ بِمَنْ يَمْلِكُهَا.
وَالثِّقَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَرَى كُلَّ شَيْءٍ.
تَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ.
— مَاذَا تَحْتَاجُ؟
قَالَتْ:
— تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَكُونَ قَدْ رَأَيْتَ مَا يَكْفِي لِتَثِقَ.
وَرُبَّمَا هَذَا بِالذَّاتِ هُوَ تَعْرِيفُ الْإِيمَانِ: لَيْسَ الِاعْتِقَادَ بِمَا لَا تَرَى، بَلِ الثِّقَةَ بِمَا تَرَاهُ فِيمَا لَا تَرَاهُ كُلَّهُ.
─────────────────────────
الْفَصْلُ السَّادِسُ — الْأَخِيرُ: مَا يَتَبَقَّى بَعْدَ كُلِّ الْكَلَامِ
الْقَاهِرَةُ — زَمَانٌ لَا يُحَدَّدُ
مَحْمُودٌ — اِبْنُ الشَّيْخِ مُصْطَفَى — صَارَ طَبِيبًا.
لَمْ يُصْبِحْ فَقِيهًا وَلَا فَيْلَسُوفًا.
طَبِيبٌ عَادِيٌّ فِي مُسْتَشْفًى عَادِيٍّ.
لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي أَغْلَقَ أَبُوهُ الْبَابَ فِي وَجْهِهِ — ذَلِكَ الْمَسَاءَ — لَمْ يُغْلَقْ.
بَقِيَ مَفْتُوحًا.
وَحِينَ وَصَلَ مَحْمُودٌ إِلَى الْخَمْسِينَ — بَعْدَ حَيَاةٍ رَأَى فِيهَا مَرْضَى وَأَمْوَاتًا وَمُعْجِزَاتٍ صَغِيرَةً وَأَسْئِلَةً بِلَا إِجَابَةٍ — كَتَبَ رِسَالَةً إِلَى اِبْنِهِ.
كَتَبَ:
“يَا عُمَرُ، سَتَسْأَلُكَ الْحَيَاةُ أَسْئِلَةً لَيْسَ لَهَا إِجَابَاتٌ فِي الْكُتُبِ.
لَا فِي كُتُبِ الدِّينِ وَلَا فِي كُتُبِ الْعِلْمِ.
وَسَتَقِفُ يَوْمًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ تُحِبُّهُمَا وَيَبْدُو أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ.
وَرُبَّمَا يَتَعَارَضَانِ فِعْلًا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ.
لَكِنَّ مَا لَا يَتَعَارَضُ هُوَ الشَّيْءُ الْأَسَاسِيُّ: أَنَّ الْكَوْنَ أَكْبَرُ مِمَّا نَعْرِفُهُ.
وَأَنَّ مَا لَا نَعْرِفُهُ لَا يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
وَأَنَّ السُّؤَالَ الصَّادِقَ — حَتَّى حِينَ لَا يَجِدُ جَوَابًا — أَشْرَفُ مِنَ الْيَقِينِ الْكَاذِبِ.
جَدُّكَ أَغْلَقَ الْبَابَ فِي وَجْهِ سُؤَالِي ذَلِكَ الْمَسَاءَ.
وَلَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ الْأَذَى — كَانَ يَخَافُ.
وَالْخَوْفُ مِنَ السُّؤَالِ لَيْسَ ضَعْفًا دَائِمًا — أَحْيَانًا هُوَ حُبٌّ يَتَكَلَّمُ بِالطَّرِيقَةِ الْخَطَأِ.
أَنَا أُرِيدُكَ أَنْ تَسْأَلَ.
وَأُرِيدُكَ أَنْ تُؤْمِنَ.
وَإِذَا بَدَا لَكَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ يَتَعَارَضَانِ — اِعْرِفْ أَنَّ هَذَا التَّعَارُضَ لَيْسَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
بَلْ بَيْنَ صِغَرِ مَا نَعْرِفُ وَكِبَرِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ.
وَالْكَوْنُ — بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ نِظَامٍ وَدِقَّةٍ وَجَمَالٍ لَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَوْجُودٌ — لَمْ يَقُلْ لِي قَطُّ إِنَّهُ جَاءَ بِلَا سَبَبٍ.
لَكِنَّهُ أَيْضًا لَمْ يُخْبِرْنِي بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَبَيْنَ هَذَا وَذَاكَ — أَعِيشُ.
وَأُصَلِّي.
وَأَتَسَاءَلُ.
وَهَذَا — فِي حُدُودِ مَا وَجَدْتُ — يَكْفِي.”
─────────────────────────
فِي نِهَايَةِ الرِّوَايَةِ، فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ، جَلَسَ ابْنُ رُشْدٍ مَعَ الْغَزَالِيِّ.
وَابْنُ سِينَا مَعَ الشَّيْخِ الْأَزْهَرِيِّ.
وَطَبِيبُ الْأَعْصَابِ مَعَ الْفَلَّاحِ الَّذِي يُصَلِّي فِي الطِّينِ.
وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ:
أَنَّ الْكَوْنَ أَكْبَرُ مِمَّا نَرَى.
وَأَنَّ مَا لَا نَرَاهُ لَيْسَ وَهْمًا بِالضَّرُورَةِ.
وَأَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِحُدُودِهِ أَقْوَى مِنَ الْعَقْلِ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ لَا حُدُودَ لَهُ.
─────────────────────────
“وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”
جُمْلَةٌ لَمْ يَكْتُبْهَا عَالِمُ أَعْصَابٍ وَلَا فَيْلَسُوفٌ.
كَتَبَهَا مَنْ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَأَخْبَرَ مَنْ لَا يَعْلَمُ إِلَّا قَلِيلًا بِأَنَّ قَلِيلَهُ لَا يُلْغِي الْكَثِيرَ الَّذِي لَمْ يَرَهُ بَعْدُ.
─────────────────────────
انْتَهَتِ الرِّوَايَةُ
─────────────────────────
مُلَاحَظَةُ الْكَاتِبِ:
حِينَ سَأَلَنِي أَحَدُهُمْ: مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ الْقَارِئُ؟
قُلْتُ: لَا أُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِجَوَابٍ.
أُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِسُؤَالٍ أَجْمَلَ مِمَّا دَخَلَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا مَا حَدَثَ — فَالرِّوَايَةُ أَدَّتْ مَا عَلَيْهَا.
