يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 06

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: قُرْطُبَةُ — حِينَ مُزِجَ الْفِقْهُ مَعَ الْفَلْسَفَةُ كَانَ ابْنُ رُشْدٍ
“أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” ـ مُحَمَّد: ٢٤
أَوَّلاً: قُرْطُبَةُ — السَّنَةُ خَمْسُمِئَةٍ وَخَمْسُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
قُرْطُبَةُ لَمْ تَكُنْ مَدِينَةً.
كَانَتْ سُؤَالاً يَسْكُنُ فِي حِجَارَةٍ.
مَنْ يَمْشِي فِي أَزِقَّتِهَا الضَّيِّقَةِ الَّتِي تَنْفَتِحُ فَجْأَةً عَلَى سَاحَاتٍ وَاسِعَةٍ — كَأَنَّ الْمَدِينَةَ تُفَاجِئُكَ بِالضِّيقِ ثُمَّ تَمْنَحُكَ الاتِّسَاعَ لِكَيْ لَا تَنْسَى أَيَّهُمَا الطَّبِيعِيُّ — يَشْعُرُ أَنَّ الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا لَمْ تَحْسِمْ أَمْرَهَا:
هَلْ هِيَ شَرْقٌ أَمْ غَرْبٌ؟
هَلْ هِيَ إِسْلَامٌ أَمْ أَنْدَلُسٌ؟
هَلْ هِيَ مَا كَانَتْ أَمْ مَا سَتَكُونُ؟
الْجَامِعُ الْكَبِيرُ — ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي بَدَأَ كَنِيسَةً وَصَارَ مَسْجِداً وَسَتَصِيرُ فِيهِ الأَعْمِدَةُ الرُّومَانِيَّةُ وَالأَقْوَاسُ الأُمَوِيَّةُ شَيْئاً لَا اسْمَ لَهُ بِالضَّبْطِ إِلَّا الْجَمَالَ — كَانَ يَقُولُ هَذَا كُلَّ يَوْمٍ لِمَنْ يُحْسِنُ السَّمَاعَ:
أَنَّ الأَشْيَاءَ الْعَظِيمَةَ لَا تَنْتَمِي لِزَمَنٍ وَاحِدٍ.
وَأَنَّ مَا يُبْقِيهَا عَظِيمَةً هُوَ بِالضَّبْطِ أَنَّهَا تَقْبَلُ كُلَّ مَا أَضَافَهُ الزَّمَنُ دُونَ أَنْ تَنْكَسِرَ.
فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ وُلِدَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَفِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ سَيُحْرَقُ كِتَابُهُ.
وَفِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ سَيُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهَا.
وَإِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ سَيَعُودُ.
وَكُلُّ هَذَا سَيَحْدُثُ فِي حَيَاةٍ وَاحِدَةٍ — لأَنَّ قُرْطُبَةَ كَانَتْ كَبِيرَةً بِمَا يَكْفِي لِتَحْتَوِيَ التَّنَاقُضَ وَلَا تَحْسِمَهُ.
وَرُبَّمَا هَذَا وَحْدَهُ كَانَ أَعْظَمَ مَا فِيهَا.
لَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي سَيُسَمَّى “الشَّارِحَ” — شَارِحَ أَرِسْطُو الأَعْظَمَ.
كَانَ طَالِباً يَمْشِي بَيْنَ مَجَالِسِ الْفِقْهِ وَمَجَالِسِ الطِّبِّ وَمَجَالِسِ الْفَلْسَفَةِ — كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَجِدُهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَيُحِسُّ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْمَجَالِسُ كُلُّهَا فِي عَقْلٍ وَاحِدٍ لَعَثَرَ عَلَيْهِ.
كَانَ السُّؤَالُ الَّذِي يَحْمِلُهُ يُشْبِهُ هَذَا:
لِمَاذَا يَتَصَرَّفُ النَّاسُ كَأَنَّ اللهَ وَهَبَ الإِنْسَانَ الْعَقْلَ ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ أَلَّا يَسْتَخْدِمَهُ كَامِلاً؟
لِمَاذَا يَخَافُ الإِيمَانُ مِنَ الْفِكْرِ، وَهُمَا مِنْ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ؟
فِي مَجْلِسِ شَيْخِهِ ابْنِ طُفَيْلٍ — ذَلِكَ الطَّبِيبُ الْفَيْلَسُوفُ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ كَأَنَّ الزَّمَنَ يَحْتَرِمُهُ وَيُعْطِيهِ مَسَافَةً أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ — كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَسْتَمِعُ.
كَانَ الْمَجْلِسُ صَغِيراً.
سَبْعَةُ رِجَالٍ فَقَطْ.
هَذَا كَانَ قَصْداً — ابْنُ طُفَيْلٍ لَمْ يُحِبَّ الْحَلَقَاتِ الْكَبِيرَةَ.
قَالَ دَائِماً:
“الْفِكْرُ الْحَقِيقِيُّ يَحْتَاجُ الدِّفْءَ لَا الْجُمْهُورَ.
وَالدِّفْءُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ قَلِيلِينَ يَثِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَنَّ مَا يَقُولُهُ لَنْ يُسْتَخْدَمَ ضِدَّهُ.”
قَالَ ابْنُ طُفَيْلٍ تِلْكَ الْجَلْسَةَ:
— أَتْمَمْتُ كِتَابَ “حَيٍّ بْنِ يَقْظَانَ”.
وَهُوَ فِي جَوْهَرِهِ سُؤَالٌ وَاحِدٌ.
— مَا هُوَ؟ — قَالَ أَحَدُ الطُّلَّابِ.
— إِنْسَانٌ نَشَأَ وَحِيداً عَلَى جَزِيرَةٍ. لَا دِينَ،
لَا شَيْخَ،
لَا كِتَابَ.
فَقَطِ الطَّبِيعَةُ وَالْعَقْلُ.
فَهَلْ يَصِلُ إِلَى اللهِ؟
صَمَتَ الطُّلَّابُ — ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ السُّؤَالَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُجَابَ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ — وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَتُهُ أَنْ يَسْأَلَ بِسُرْعَةٍ قَبْلَ أَنْ يُصَاغَ الْجَوَابُ الْجَاهِزُ الَّذِي يُغْلِقُ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَحَ:
— وَمَاذَا قَرَّرْتَ؟
ابْتَسَمَ ابْنُ طُفَيْلٍ — ابْتِسَامَةُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَمْلِكُ جَوَاباً وَيَعْرِفُ أَيْضاً أَنَّ الْجَوَابَ لَيْسَ نِهَايَةَ السُّؤَالِ:
— قَرَّرْتُ أَنَّهُ يَصِلُ.
— وَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ؟
— يَعْنِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي الْفِطْرَةِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ فِي الشَّرِيعَةِ.
أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ لِتُعِينَ الْفِطْرَةَ — لَا لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا.
وَالْفِطْرَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ مَنْ يُعِينُهَا لَيْسَتْ أَضْعَفَ مِنَ الشَّرِيعَةِ — هِيَ الأَصْلُ الَّذِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ لِتُعَلِّمَهُ كَيْفَ يَتَكَلَّمُ.
تَوَقَّفَ.
— وَهَذَا يَعْنِي أَيْضاً أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَسْتَخْدِمُ عَقْلَهُ بِصِدْقٍ لَنْ يَصِلَ إِلَى نَتِيجَةٍ تَتَعَارَضُ مَعَ الدِّينِ الصَّحِيحِ.
لأَنَّ كِلَيْهِمَا يَصْدُرُ عَنْ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ. وَالْمَصْدَرُ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ نَفْسِهِ.
قَالَ طَالِبٌ آخَرُ:
— لَكِنْ مَاذَا لَوْ تَعَارَضَا؟
قَالَ ابْنُ طُفَيْلٍ:
— إِذَا تَعَارَضَا — فَإِمَّا الْعَقْلُ أَخْطَأَ فِي اسْتِنْتَاجِهِ،
أَوِ النَّصُّ فُهِمَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ.
وَالْمَهِمَّةُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ هِيَ الْفَهْمُ الأَعْمَقُ — لَا إِلْغَاءُ أَحَدِهِمَا.
لأَنَّ مَنْ يُلْغِي الْعَقْلَ فَقَدَ الأَدَاةَ.
وَمَنْ يُلْغِي النَّصَّ فَقَدَ الْبَوْصَلَةَ.
وَالسَّفَرُ بِلَا أَدَاةٍ وَبِلَا بَوْصَلَةٍ لَا يَصِلُ إِلَى الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُهُ.
بَعْدَ الْمَجْلِسِ مَشَى ابْنُ رُشْدٍ مَعَ ابْنِ طُفَيْلٍ فِي حَدِيقَةِ الْبَيْتِ.
كَانَتِ الْحَدِيقَةُ تَجْمَعُ أَشْجَاراً مِنْ أُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ — شَجَرَةٌ أَنْدَلُسِيَّةٌ وَأُخْرَى جَاءَتْ مِنَ الْمَشْرِقِ وَثَالِثَةٌ مِنْ أَصْلٍ رُومَانِيٍّ. كُلُّهَا تَنْمُو فِي التُّرْبَةِ ذَاتِهَا — وَكَانَ فِي هَذَا الاجْتِمَاعِ كُلُّ مَا أَرَادَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئاً.
— اسْأَلْ.
— أَنْتَ كَتَبْتَ “حَيَّ بْنَ يَقْظَانَ”.
وَفِيهِ إِنْسَانٌ يَصِلُ إِلَى الْحَقِيقَةِ بِعَقْلِهِ وَحْدَهُ.
لَكِنَّكَ تَعِيشُ فِي مُجْتَمَعٍ يُفْتِي بِأَنَّ الْفَلْسَفَةَ خَطَرٌ.
كَيْفَ تُوَفِّقُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ طُفَيْلٍ نَظْرَةَ مَنْ سُئِلَ سُؤَالاً كَانَ يَنْتَظِرُهُ.
— لَا أُوَفِّقُ بَيْنَهُمَا.
— لِمَاذَا؟
— لأَنَّهُمَا لَا يَحْتَاجَانِ تَوْفِيقاً.
هُمَا لَيْسَا ضِدَّيْنِ.
الْفَقِيهُ الَّذِي يَرَى الْفَلْسَفَةَ خَطَراً يَخَافُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَفْهَمْهُ.
وَأَنَا لَا أُعَادِي خَوْفَهُ — أَفْهَمُهُ.
لأَنَّ الْخَوْفَ مِمَّا لَا نَفْهَمُهُ طَبِيعِيٌّ.
وَبِالتَّالِي سَيَكُونُ الاتِّهَامُ لِمَا نَخَافُهُ طَبِيعِياً أَيْضاً.
لَكِنَّهُ لَيْسَ عَدْلاً.
— وَهَلْ تَقُولُ ذَلِكَ عَلَناً؟
تَوَقَّفَ ابْنُ طُفَيْلٍ.
قَالَ:
— أَنَا كَتَبْتُ رِسَالَةً فِي قَالَبٍ قَصَصِيٍّ.
وَالقِصَّةُ تَقُولُ مَا لَا تَسْتَطِيعُ الرِّسَالَةُ الْفَلْسَفِيَّةُ أَنْ تَقُولَهُ — لأَنَّ القِصَّةُ تَتَكَلَّمُ بِالصُّوَرِ وَالشَّخْصِيَّاتِ.
وَالصُّوَرُ لَا تُحَاكَمُ كَمَا تُحَاكَمُ الْمُقَدِّمَاتُ الْمَنْطِقِيَّةُ.
ابْتَسَمَ ابْنُ رُشْدٍ:
— إِذاً الأَدَبُ أَحَرُّ مِنَ الْفَلْسَفَةِ.
— الأَدَبُ أَذْكَى مِنَ الْفَلْسَفَةِ أَحْيَاناً.
الأَدَبُ يُقَدِّمُ الْفِكْرَةَ وَيَجْعَلُكَ تَشْعُرُ بِهَا قَبْلَ أَنْ تفْكِّرَ فِيهَا.
وَمَا تَشْعُرُ بِهِ قَبْلَ أَنْ تُفَكِّرَ فِيهِ أَصْعَبُ اتِّهَاماً مِمَّا تُفَكِّرُ فِيهِ فَقَطْ.
ثَانِياً: الْمَكْتَبَةُ — بَيْنَ الْفِقْهِ وَأَرِسْطُو
كَانَ يُوسُفُ الْيَهُودِيُّ يَعْمَلُ فِي مَكْتَبَةِ قُرْطُبَةَ الْكَبِيرَةِ مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ.
لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ نَسْخاً فَحَسْبُ — كَانَ تَرْتِيباً وَفَهْرَسَةً وَتِلْكَ الْمَهَارَةُ النَّادِرَةُ الَّتِي تَجْعَلُ مَنْ يَعْرِفُهَا قَادِراً عَلَى أَنْ يَجِدَ الْكِتَابَ الَّذِي لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ بَعْدُ — لأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا يَحْتَاجُهُ كُلُّ زَبُونٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ الزَّبُونُ نَفْسُهُ.
حِينَ جَاءَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ،
كَانَ يُوسُفُ يُرَتِّبُ رَفًّا فِيهِ كُتُبٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
— أُرِيدُ كُلَّ مَا عِنْدَكَ لأَرِسْطُو.
نَظَرَ إِلَيْهِ يُوسُفُ.
— كُلَّ مَا عِنْدِي؟
— كُلَّ مَا عِنْدَكَ.
— هَذَا كَثِيرٌ.
— أَعْرِفُ.
مَشَى يُوسُفُ بَيْنَ الرُّفُوفِ بِخُطُوَاتِ رَجُلٍ يَعْرِفُ هَذَا الْمَكَانَ كَمَا يَعْرِفُ يَدَهُ.
قَالَ وَهُوَ يُخْرِجُ الْكُتُبَ:
— لِمَاذَا أَرِسْطُو؟
— لأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَنِ الْعَقْلِ كَثِيراً دُونَ أَنْ يَدْرُسُوا الْعَقْلَ نَفْسَهُ.
أَرِسْطُو دَرَسَ الْعَقْلَ — لَيْسَ مَوَاضِيعَ الْعَقْلِ بَلِ الْعَقْلَ نَفْسَهُ. كَيْفَ يَعْمَلُ.
أَيْنَ حُدُودُهُ.
مَتَى يُخْطِئُ.
كَيْفَ يُصْلِحُ خَطَأَهُ.
— وَالْغَزَالِيُّ انتقد المسلمين الذين يتبنون آراء الفلاسفة اليونانيين دون تحقيق، وكفّر الفلاسفة في ثلاث مسائل بعينها (قِدَم العالم، عدم علم الله بالجزئيات، نفي البعث الجسدي. الغزالي قال: “إن من يتبع أرسطو في مسائل بعينها يكفر”.
— الْغَزَالِيُّ أَجَابَ عَلَى أَسْئِلَةِ زَمَانِهِ.
وَأَنَا أُجِيبُ عَلَى أَسْئِلَةِ زَمَانِي.
وَالزَّمَانُ لَا يَقِفُ لِكَيْ تَظَلَّ إِجَابَاتُ الأَمْسِ صَالِحَةً لِسُؤَالِ الْغَدِ.
وَضَعَ يُوسُفُ أَمَامَهُ مَجْمُوعَةً كَبِيرَةً مِنَ الْمُجَلَّدَاتِ.
قَالَ:
— بَعْضُ هَذِهِ الْكُتُبِ مُتَرْجَمَةٌ عَنِ السِّرْيَانِيَّةِ عَنِ الْيُونَانِيَّةِ.
وَبَعْضُهَا مُتَرْجَمٌ عَنِ الْيُونَانِيَّةِ مُبَاشِرَةً.
وَبَعْضُهَا تَلْخِيصَاتٌ. وَالتَّلْخِيصَاتُ — كَمَا تَعْرِفُ — فِيهَا رَأْيُ الْمُلَخِّصِ أَكْثَرَ مِنْ أَرِسْطُو نَفْسِهِ.
وَكُلُّ طَبَقَةٍ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَضَافَتْ شَيْئاً وَحَذَفَتْ شَيْئاً.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
— أَعْرِفُ. لِذَلِكَ أُرِيدُ الأَصْلَ كُلَّمَا أَمْكَنَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ يُوسُفُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاحْتِرَامَ الْفَنِّيَّ — احْتِرَامَ مَنْ يُقَدِّرُ مَنْ يَفْهَمُ أَهَمِّيَّةَ الأَصْلِ:
— أَنْتَ سَتَكْتُبُ شَرْحاً.
— نَعَمْ.
— لِمَاذَا؟
تَوَقَّفَ ابْنُ رُشْدٍ.
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ الَّذِي لَا يُجَابُ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَكِنَّهُ حَاوَلَ — لأَنَّ السُّؤَالَ الصَّادِقَ يَسْتَحِقُّ الْمُحَاوَلَةَ:
— لأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَتَصَالَحُوا مَعَ عُقُولِهِمْ.
وَهَذَا لَنْ يَحْدُثَ بِالْفَتَاوَى — الْفَتَاوَى تُخْبِرُكَ مَاذَا تَفْعَلُ.
سَيَحْدُثُ حِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُبْعِدُ عَنِ اللهِ — بَلْ يُقَرِّبُ.
وَهَذَا مَا أُرِيدُ أَنْ أُثْبِتَهُ.
قَالَ يُوسُفُ بِبُطْءٍ:
— وَنَحْنُ — الْيَهُودَ — نَتَسَاءَلُ نَفْسَ التَّسَاؤُلِ مُنْذُ قُرُونٍ.
وَابْنُ مَيْمُونَ يُجِيبُ عَنْهُ بِطَرِيقَتِهِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ:
— وَمَا طَرِيقَتُهُ؟
— أَنَّ النَّصَّ إِذَا تَعَارَضَ مَعَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ — يُؤَوَّلُ النَّصُّ.
لأَنَّ اللهَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ نَفْسِهِ.
صَمَتَ ابْنُ رُشْدٍ.
ثُمَّ قَالَ:
— هَذَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ أَنَا أَيْضاً.
لَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْ بَعْدُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي تُقَالُ بِهَا دُونَ أَنْ تُفْهَمَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا — بِلَا تَشْوِيهٍ مِنَ الْمُوَافِقِ وَبِلَا تَجَاوُزٍ مِنَ الْمُخَالِفِ.
قَالَ يُوسُفُ:
— الطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ دَائِماً هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَفْهَمُهَا مَنْ يُرِيدُ الْفَهْمَ وَلَا تُعْطِي سِلَاحاً لِمَنْ يُرِيدُ الاتِّهَامَ.
— وَهَلْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَوْجُودَةٌ؟
ابْتَسَمَ يُوسُفُ ابْتِسَامَةَ رَجُلٍ اخْتَبَرَ أَكْثَرَ مِنْ حَضَارَةٍ وَعَرَفَ أَنَّ الأَسْئِلَةَ الْكُبْرَى لَا تَحِلُّ فِي جِيلٍ وَاحِدٍ:
— أَنَا وَأَسْلَافِي نَبْحَثُ عَنْهَا مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ.
أَخْبِرْنِي إِذَا وَجَدْتَهَا.
ثَالِثاً: مَجْلِسُ الْخَلِيفَةِ
لَمْ يَكُنِ ابْنُ رُشْدٍ يَتَوَقَّعُ أَنْ يُسْتَدْعَى.
الاسْتِدْعَاءُ جَاءَ عَبْرَ ابْنِ طُفَيْلٍ — الَّذِي كَانَ الآنَ طَبِيبَ الْبَلَاطِ وَصَدِيقَ الخليفة أبي يعقوب يوسف،
ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَتِ الصَّدَاقَةُ بَيْنَهُمَا مَبْنِيَّةً عَلَى احْتِرَامٍ مُتَبَادَلٍ لَا عَلَى حَاجَةٍ سِيَاسِيَّةٍ.
قَالَ لَهُ ابْنُ طُفَيْلٍ:
— الْخَلِيفَةُ يُرِيدُكَ.
— لِمَاذَا؟
— يُرِيدُ شَرْحاً لِكُتُبِ أَرِسْطُو.
يَقُولُ إِنَّ التَّرَاجِمَ الْمَوْجُودَةَ غَامِضَةٌ وَعَسِيرَةٌ وَلَا تُوَصِّلُهُ إِلَى مَا يُرِيدُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ.
— الْخَلِيفَةُ يَقْرَأُ أَرِسْطُو؟
— الْخَلِيفَةُ ذَكِيٌّ.
وَذَكَاؤُهُ يَجْعَلُهُ يَعْرِفُ مَا يَحْتَاجُ — حَتَّى حِينَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ يَحْتَاجُهُ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الذَّكَاءِ أَنْدَرُ مِنَ الذَّكَاءِ الَّذِي يَعْرِفُ مَا يَعْرِفُ.
— وَمَاذَا يَحْتَاجُ؟
— يَحْتَاجُ فَيْلَسُوفاً يَخْدُمُ الدَّوْلَةَ دُونَ أَنْ يُزَعْزِعَ الْفُقَهَاءَ.
وَهَذَا تَوَازُنٌ صَعْبٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِحِدَّةٍ خَفِيَّةٍ — لَيْسَتِ الْحِدَّةَ الَّتِي تُهَاجِمُ بَلِ الَّتِي تَضَعُ الأَمْرَ فِي ضَوْئِهِ الصَّحِيحِ:
— وَأَنَا — فِي رَأْيِكَ — أَسْتَطِيعُ هَذَا التَّوَازُنَ؟
ابْتَسَمَ ابْنُ طُفَيْلٍ:
— لَا أَعْرِفُ.
لَكِنَّكَ أَقْدَرُ مَنْ رَأَيْتُهُ عَلَى الْمُحَاوَلَةِ.
وَالْمُحَاوَلَةُ الصَّادِقَةُ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنَ النَّجَاحِ الْمُؤَكَّدِ فِي شَيْءٍ أَقَلَّ.
فِي مَجْلِسِ الْخَلِيفَةِ كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَجْلِسُ أَمَامَ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ مَا تَوَقَّعَهُ.
الْمَنْصُورُ لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ الْخَلِيفَةَ مِنْ كُتُبِ التَّارِيخِ الَّتِي قَرَأَهَا.
كَانَ يُشْبِهُ أَكْثَرَ رَجُلاً يَحْمِلُ سُؤَالاً كَبِيراً وَيَبْحَثُ عَمَّنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ فِيهِ — لَا مَنْ يُجِيبُ عَنْهُ فَحَسْبُ،
بَلْ مَنْ يَفْهَمُ لِمَاذَا يُطْرَحُ.
قَالَ الْمَنْصُورُ — وَبَدَأَ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ:
— السَّمَاءُ — أَهِيَ قَدِيمَةٌ أَمْ حَادِثَةٌ؟
صَمَتَ ابْنُ رُشْدٍ لَحْظَةً.
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَيْسَ سُؤَالَ فُضُولٍ.
كَانَ اخْتِبَاراً — لَكِنْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُرِيدُ الإِجَابَةَ الْحَقِيقِيَّةَ،
لَا الإِجَابَةَ الَّتِي يُرِيدُ سَمَاعَهَا.
قَالَ:
— الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ حَادِثَةٌ.
وَأَرِسْطُو يَقُولُ قَدِيمَةٌ.
وَأَنَا أَقُولُ إِنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نُصِيغُ بِهَا السُّؤَالَ هِيَ الْمُشْكِلَةُ.
— وَضِّحْ.
— “قَدِيمٌ” وَ”حَادِثٌ” كَلِمَتَانِ يَسْتَخْدِمُهُمَا كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلاً.
الْفَقِيهُ يَعْنِي بِالْحَادِثِ:
مَسْبُوقٌ بِعَدَمٍ.
وَأَرِسْطُو يَعْنِي بِالْقَدِيمِ:
لَا يَعْتَرِيهِ التَّغَيُّرُ فِي ذَاتِهِ.
وَحِينَ تُحْسَمُ الْمُصْطَلَحَاتُ — يَتَقَلَّصُ الْخِلَافُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ.
— وَإِذَا لَمْ يَتَقَلَّصْ؟
— إِذَا لَمْ يَتَقَلَّصْ بَعْدَ تَحْدِيدِ الْمُصْطَلَحَاتِ — فَالْخِلَافُ حَقِيقِيٌّ وَيَسْتَحِقُّ الْبَحْثَ. لَكِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخِلَافَاتِ الْكُبْرَى فِي تَارِيخِنَا كَانَتْ خِلَافَاتٍ فِي اللُّغَةِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ خِلَافَاتٍ فِي الْحَقِيقَةِ — وَالنَّاسُ الَّذِينَ خُدِعُوا بِهَذَا الْخِلَافِ الَّذِي لَا جَوْهَرَ لَهُ دَفَعُوا ثَمَناً حَقِيقِيًّا.
جَلَسَ الْمَنْصُورُ فِي صَمْتٍ — صَمْتُ مَنْ يُفَكِّرُ لَا صَمْتُ مَنْ يَسْكُتُ.
ثُمَّ قَالَ شَيْئاً لَمْ يَتَوَقَّعْهُ ابْنُ رُشْدٍ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتَ مُحِقًّا.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّكَ لَا تَكْذِبُ.
— وَهَذَا يَكْفِي؟
— فِي بَلَاطِي — هَذَا نَادِرٌ.
فَنَعَمْ، يَكْفِي لأَنْ تَعْمَلَ.
وَالْعَمَلُ الصَّادِقُ فِي بَلَاطٍ يَعْرِفُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ نَادِرٌ — هَذَا عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنَ الرَّاتِبِ.
رَابِعاً: فِي الْبَيْتِ — الْكِتَابَةُ
كَتَبَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْلاً.
كَتَبَ نَهَاراً.
كَتَبَ فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي يَصِلُهَا الْقَلِيلُونَ — حِينَ يَكُونُ الْكِتَابُ الَّذِي تَكْتُبُهُ يَكْتُبُكَ أَنْتَ أَيْضاً.
حِينَ تَبْدَأُ بِسُؤَالٍ وَتَجِدُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ أَنَّكَ تَسْأَلُ سُؤَالاً آخَرَ لَمْ تَرَهُ فِي الْبِدَايَةِ — وَالسُّؤَالُ الْجَدِيدُ أَعْمَقُ مِنَ الأَوَّلِ دَائِماً.
كَانَتْ مَعَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ الأَنْدَلُسِيَّةُ — لَيْسَ كَطَالِبَةٍ بَلْ كَمَنْ يَسْمَعُ وَيُنَاقِشُ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ الصَّمْتَ الْمُهَذَّبَ أَمَامَ مَنْ يُعَلِّمُ.
كَانَتِ ابْنَةَ صَدِيقِ أَبِيهِ، تَعَلَّمَتِ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالشِّعْرَ،
وَكَانَ لَهَا مِنَ الذَّكَاءِ مَا يَجْعَلُ جُلَسَاءَ ابْنِ رُشْدٍ يَتَوَقَّفُونَ حِينَ تَتَكَلَّمُ.
قَالَتْ لَهُ ذَاتَ مَسَاءٍ وَهُوَ يَكْتُبُ:
— لَاحَظْتُ شَيْئاً فِيمَا تَكْتُبُهُ.
لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ:
— مَاذَا؟
— تَتَكَلَّمُ عَنِ الْعَقْلِ حِكر على الرجال.
رَفَعَ رَأْسَهُ.
قَالَتْ:
— أَقْصِدُ أَنَّ أَمْثِلَتَكَ دَائِماً عَنْ رِجَالٍ يُفَكِّرُونَ وَيَسْتَنْتِجُونَ.
وَالْمَرْأَةُ إِمَّا غَائِبَةٌ أَوْ طَرَفٌ فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ — مَوْضُوعٌ لِلْحُكْمِ لَا مَصْدَرٌ لِلْفِكْرِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
— وَمَا الَّذِي تَقْتَرِحِينَهُ؟
— لَا أَقْتَرِحُ شَيْئاً.
أُلَاحِظُ.
وَالْمُلَاحَظَةُ جُزْءٌ مِنَ الْفَهْمِ — وَرُبَّمَا أَهَمُّ جُزْءٍ.
صَمَتَ.
ثُمَّ قَالَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الانْكِسَارَ الْهَادِئَ — انْكِسَارُ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَرَى حَدًّا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ:
— أَنْتِ مُحِقَّةٌ.
وَهَذَا لَيْسَ خَلَلاً فِي أَرِسْطُو.
هُوَ خَلَلٌ فِيَّ.
فِي مَا تَعَلَّمْتُهُ.
فِي الْهَوَاءِ الَّذِي تَنَفَّسْتُهُ.
— وَهَلْ تَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ؟
— فِي هَذَا الْكِتَابِ؟ رُبَّمَا لَا.
لَكِنَّ مَعْرِفَتِي بِهِ خُطْوَةٌ — وَالْخُطْوَةُ هِيَ كُلُّ مَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ.
قَالَتْ فَاطِمَةُ:
— مَعْرِفَةُ الْخَلَلِ فِي نَفْسِكَ أَصْعَبُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَلَلِ فِي أَرِسْطُو.
— أَعْرِفُ. وَلِهَذَا أَرِسْطُو أَسْهَلُ.
ضَحِكَتْ.
وَكَانَ فِي ضَحِكَتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الصِّدْقَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ.
خَامِساً: الْمِحْنَةُ الثَّانِيَةُ — حَرْقُ الْكُتُبِ
لَمْ تَأْتِ الْمِحْنَةُ مِنَ الْخَلِيفَةِ.
جَاءَتْ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَجَاءَتْ فِي وَقْتٍ كَانَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ — فِي الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ،
جَسَدُهُ يَبْدَأُ فِي الإِعْلَانِ عَنْ تَعَبِهِ بَيْنَمَا عَقْلُهُ لَا يَزَالُ يَرْفُضُ أَنْ يُعْلِنَ التَّعَبَ — كَأَنَّ الْعَقْلَ وَالْجَسَدَ اتَّفَقَا عَلَى أَلَّا يَتَّفِقَا.
الْقِصَّةُ الَّتِي رَوَاهَا النَّاسُ لَاحِقاً كَانَتْ لَهَا رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ — كَمَا كُلُّ الْقِصَصِ الْكُبْرَى الَّتِي تُؤَثِّرُ حَقًّا.
لَكِنَّ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ:
أَنَّ الْفُقَهَاءَ ضَغَطُوا،
وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ — فِي لَحْظَةٍ سِيَاسِيَّةٍ حَرِجَةٍ يَحْتَاجُ فِيهَا دَعمَ الْعَامَّةِ — أَذْعَنَ.
أَذْعَنَ لِمَنْ يَصْرُخُونَ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَفْهَمُونَ أَعْمَقَ.
أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ فِي الْفَلْسَفَةِ.
وَأُبْعِدَ إِلَى مَدِينَةٍ صَغِيرَةٍ خَارِجَ قُرْطُبَةَ.
فِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَهُ يُوسُفُ الْيَهُودِيُّ،
شَعْرُهُ أَبْيَضُ وَخُطُوَاتُهُ أَبْطَأُ لَكِنَّ عَيْنَاهُ لَمْ تَفْقِدَا تِلْكَ السُّرْعَةَ فِي الْقِرَاءَةِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّمُهَا بَلْ تُولَدُ بِهَا أَوْ لَا.
وَجَدَهُ جَالِساً فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ،
أَمَامَهُ أَوْرَاقٌ — كَالْعَادَةِ.
قَالَ يُوسُفُ:
— حَرَقُوا الْكُتُبَ.
— أَعْرِفُ.
— وَأَبْعَدُوكَ.
— أَعْرِفُ.
— وَأَنْتَ تَكْتُبُ.
— نَعَمْ.
جَلَسَ يُوسُفُ.
— مَاذَا تَكْتُبُ؟
— مَا كُنْتُ أُرِيدُ كِتَابَتَهُ دَائِماً.
الإِكْرَاهُ وَالإِبْعَادُ أَزَالَا شَيْئاً — أَزَالَا الْحَاجَةَ إِلَى الاحْتِيَاطِ الْمُفْرِطِ.
حِينَ لَا يَبْقَى لَكَ مَا تَخْسَرُهُ — تَكْتُبُ بِحُرِّيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حُرِّيَّةٌ لَيْسَتِ التَّهَوُّرَ — بَلْ هِيَ الوُضُوحُ الَّذِي يَأْتِي حِينَ تَخِفُّ ثِقَلُ مَا تَخَافُ خَسَارَتَهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ يُوسُفُ:
— وَهَلْ هَذَا تَحَرُّرٌ أَمْ يَأْسٌ؟
فَكَّرَ ابْنُ رُشْدٍ.
— لَا أَعْرِفُ. رُبَّمَا هُمَا وَجْهَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ — كَالنَّارِ الَّتِي تُدَفِّئُ وَتُحْرِقُ بِالْوَقُودِ ذَاتِهِ.
قَالَ يُوسُفُ بَعْدَ صَمْتٍ:
— حِينَ حَرَقُوا كُتُبَكَ — كُنْتُ فِي الْمَكْتَبَةِ.
وَالْكُتُبُ الَّتِي أَحْرَقُوهَا — أَنَا نَسَخْتُ بَعْضَهَا بِيَدِي.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ.
— وَمَا فَعَلْتَ؟
— أَخْفَيْتُ نُسَخاً.
لَيْسَ كُلَّهَا.
لَكِنَّ مَا اسْتَطَعْتُ.
— لِمَاذَا؟
قَالَ يُوسُفُ بِبَسَاطَةِ رَجُلٍ يَفْعَلُ مَا يَبْدُو لَهُ طَبِيعِيًّا وَلَا يَرَى فِيهِ بُطُولَةً:
— لأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي يُحْرَقُ لَمْ يُكْتَبْ لِزَمَانِهِ وَحْدَهُ.
كُتِبَ لِمَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ.
وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ أَحَدٍ أَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ لَا يَحْتَاجُهُ.
الْكِتَابُ لَا يَخُصُّ مَنْ كَتَبَهُ وَلَا مَنْ حَرَقَهُ — يَخُصُّ مَنْ سَيَقْرَؤُهُ.
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَانَ كُلُّ مَا يَعْنِيهِ الاحْتِفَاظُ بِالتُّرَاثِ — لَيْسَ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ،
بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَلْ كَلَامُهُ الأَخِيرُ بَعْدُ.
حِينَ عَادَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى قُرْطُبَةَ — بَعْدَ أَنْ زَالَ الضَّغْطُ السِّيَاسِيُّ وَتَذَكَّرَ الْخَلِيفَةُ أَنَّهُ يَحْتَاجُهُ — لَمْ يَكُنْ نَفْسَ الرَّجُلِ.
لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ.
لَكِنَّهُ كَانَ مُخْتَلِفاً.
كَانَ فِيهِ شَيْءٌ يَعْرِفُهُ مَنْ عَاشَ الْمِحْنَةَ وَنَجَا مِنْهَا لَيْسَ لِأَنَّهَا انْتَهَتْ بَلْ لِأَنَّهَا عَلَّمَتْهُ شَيْئاً لَا تُعَلِّمُهُ الْمَكْتَبَاتُ:
أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تُحْرَقُ.
وَأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي يُحْرَقُ يُحْرَقُ وَرَقُهُ لَا فِكْرَتُهُ.
وَأَنَّ الْفِكْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَمُوتُ بِإِرَادَةِ مَنْ يَخَافُهَا — بَلْ تَنْتَظِرُ فِي الظَّلَامِ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يُضِيءُ لَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
وَالظَّلَامُ مَهْمَا طَالَ لَيْسَ أَبَدِيًّا—لِأَنَّ النُّورَ الحَقِيقِي لَا يُقهَر.”
فِي آخِرِ مَجْلِسٍ لَهُ — حِينَ كَانَ جَسَدُهُ يُعْلِنُ مَا رَفَضَ الْعَقْلُ الاعْتِرَافَ بِهِ طَوِيلاً — قَالَ لِطُلَّابِهِ:
— كَتَبْتُ كَثِيراً.
وَأُحْرِقَ بَعْضُ مَا كَتَبْتُ.
وَأُخْفِيَ بَعْضُهُ.
وَبَقِيَ بَعْضُهُ.
تَوَقَّفَ.
— لَكِنَّ الَّذِي يَبْقَى حَقًّا لَيْسَ فِي الْوَرَقِ.
يَبْقَى فِي السُّؤَالِ الَّذِي يَجْعَلُكُمْ لَا تَنَامُونَ.
وَإِذَا كَانَ مَا كَتَبْتُهُ قَدْ زَرَعَ فِي أَحَدِكُمْ سُؤَالاً لَا يَهْدَأُ — فَهَذَا يَكْفِي.
وَأَكْثَرُ.
قَالَ طَالِبٌ:
— وَإِذَا لَمْ يَجِدِ السُّؤَالُ جَوَاباً؟
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِتَعَبٍ فِيهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الرِّضَا — رِضَا مَنْ انْتَهَى إِلَى مَا أَرَادَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُهُ:
— السُّؤَالُ الَّذِي لَا يَجِدُ جَوَاباً لَيْسَ فَاشِلاً.
هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَيْشَ — لأَنَّهُ يَبْقَى يَدْعُوكَ إِلَى الأَمَامِ وَلَا يُغْلِقُ الْبَابَ وَيَقُولُ لَكَ:
وَصَلْتَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَتَبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ — الَّتِي صَارَتِ الآنَ فِي الْخَمْسِينَ وَكَانَتْ تَجْلِسُ بِجَانِبِ ابْنِ رُشْدٍ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ — كَتَبَتْ فِي دَفْتَرٍ صَغِيرٍ:
“رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ يَتَكَلَّمُ عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي لَا يُجَابُ كَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ حَبِيبٍ قَدِيمٍ يَعْرِفُهُ جَيِّداً.
وَفَهِمْتُ شَيْئاً لَمْ أَفْهَمْهُ فِي شَبَابِي:
أَنَّ أَعْمَقَ الأَشْيَاءِ الَّتِي نَمْلِكُهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ لَيْسَتْ إِجَابَاتِنَا — بَلْ أَسْئِلَتُنَا.
الإِجَابَةُ تُغْلِقُ بَاباً.
وَالسُّؤَالُ يُبْقي الْبَابَ مَفْتُوحاً.
وَاللهُ — فِيمَا أَظُنُّ وَأَرْجُو — يُحِبُّ الأَبْوَابَ الْمَفْتُوحَةَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُغْلَقَةِ.”
وَقُرْطُبَةُ فِي اللَّيْلِ كَانَتْ تَنَامُ.
الْجَامِعُ الْكَبِيرُ وَاقِفٌ كَمَا كَانَ دَائِماً — أَعْمِدَتُهُ الرُّومَانِيَّةُ تَحْمِلُ أَقْوَاسَهُ الأُمَوِيَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ سَقْفَهُ الأَنْدَلُسِيَّ الَّذِي تَحْمِلُهُ السَّمَاءُ.
طَبَقَاتٌ فَوْقَ طَبَقَاتٍ.
لَا طَبَقَةٌ مِنْهَا تُلْغِي الَّتِي تَحْتَهَا.
كُلُّهَا مَعاً هِيَ الْمَكَانُ — وَكُلُّهَا مَعاً هِيَ التَّارِيخُ.
وَابْنُ رُشْدٍ فِي بَيْتِهِ الصَّغِيرِ كَانَ يَكْتُبُ آخِرَ سَطْرٍ فِي آخِرِ كِتَابٍ.
لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ الأَخِيرُ.
أَوْ رُبَّمَا يَعْرِفُ وَلَا يَهْتَمُّ.
لأَنَّ مَنْ يَكْتُبُ لِلَّذِينَ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مَتَى يَتَوَقَّفُ — يَكْتُبُ فَقَطْ.
وَيَتْرُكُ الْبَاقِيَ لِلْوَقْتِ.
وَلِلنُّسَخِ الْمُخْفِيَّةِ فِي مَكْتَبَةِ يُوسُفَ الْيَهُودِيِّ.
وَلِلسُّؤَالِ الَّذِي لَا يَهْدَأُ — وَالَّذِي لَنْ يَهْدَأَ،
وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ دَلِيلُ صِحَّتِهِ.

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 07