01 مجلس الغائبين

الجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
الْمُلْحَقُ الحَادِي عَشَرَ
مَجْلِسُ الْغَائِبِينَ — الْقِسْمُ الْأَوَّلُ
إِلَى كُلِّ مَنْ حَمَلَ يَقِينًا فِي عَالَمٍ لَا يَرْحَمُ الْيَقِينَ،
وَبَقِيَ رَغْمَ ذَلِكَ إِنْسَانًا.
«وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ»
الشُّورَى: ٣٨
«الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ سِيَاسِيٌّ بِطَبْعِهِ»
أَرِسْطُو
«كُلُّ دَوْلَةٍ تَحْمِلُ فِي جَوْفِهَا بَذْرَةَ فَنَائِهَا»
ابْنُ خَلْدُونَ
مُقَدِّمَةُ الْكَاتِبِ
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ تُكْتَبْ لِلْإِجَابَةِ؛
كُتِبَتْ لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ لَا أَنْ تُخْتَصَرَ.
الشَّخْصِيَّاتُ التَّارِيخِيَّةُ فِي هَذَا الْعَمَلِ حَقِيقِيَّةٌ،
وَأَقْوَالُهَا الْمَنْسُوبَةُ إِلَيْهَا مُسْتَقَاةٌ مِنْ كِتَابَاتِهَا الْمُوَثَّقَةِ أَوْ مُتَّسِقَةٌ مَعَ مَوَاقِفِهَا الْمَعْرُوفَةِ.
وَالشَّخْصِيَّاتُ الْمُعَاصِرَةُ مُتَخَيَّلَةٌ،
وَأَيُّ شَبَهٍ بِأَشْخَاصٍ حَقِيقِيِّينَ مُصَادَفَةٌ لَا قَصْدٌ.
لَكِنَّ الْأَسْئِلَةَ حَقِيقِيَّةٌ كُلَّهَا.
القسم الْأَوَّلُ: الرَّسَائِلُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَرْبَعَةٌ وَصَنَادِيقُ الْبَرِيدِ
الْقَاهِرَةُ — فَبْرَايِرُ ٢٠١٩
السَّاعَةُ السَّادِسَةُ وَأَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَقِيقَةً صَبَاحًا حِينَ وَجَدَتْ لَيْلَى الرَّشِيدِيُّ الرِّسَالَةَ.
لَمْ تَكُنْ مُسْتَيْقِظَةً لِأَنَّهَا أَرَادَتِ الِاسْتِيقَاظَ؛
كَانَتْ مُسْتَيْقِظَةً لِأَنَّ النَّوْمَ — مُنْذُ رَحَلَ أَبُوهَا — صَارَ ضَيْفًا مُتَذَبْذِبًا يَأْتِي حِينَ يَشَاءُ وَيَرْحَلُ بِلَا اسْتِئْذَانٍ.
وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُعَلَّقَةِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالْفَجْرِ — حِينَ تَصِيرُ الْقَاهِرَةُ لِوَهْلَةٍ صَامِتَةً كَأَنَّهَا تَتَنَفَّسُ — كَانَتْ تَجْلِسُ أَمَامَ شَاشَتِهَا بِفِنْجَانِ قَهْوَةٍ بَارِدٍ وَبَحْثٍ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ عَنْ وَرَقَةٍ لَمْ تَنْتَهِ مِنْهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
الْبَرِيدُ الْإِلِكْتِرُونِيُّ لَمْ يَكُنْ مُمَيَّزًا فِي شَيْءٍ؛
لَا اسْمَ مُرْسِلٍ وَاضِحٌ — مُجَرَّدُ تَسَلْسُلٍ مِنْ أَرْقَامٍ وَحُرُوفٍ يُشْبِهُ مَا تُوَلِّدُهُ التَّطْبِيقَاتُ الْمَجْهُولَةُ —
لَا مَوْضُوعٌ،
لَا كَلِمَةٌ افْتِتَاحِيَّةٌ.
مَرْفَقٌ وَاحِدٌ بِصِيغَةِ PDF وَاسْمٌ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ:
«مَخْطُوطَةٌ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَ»
فِي أَيِّ وَقْتٍ آخَرَ كَانَتْ سَتَحْذِفُهَا.
لَكِنَّ السَّاعَةَ كَانَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ دَقِيقَةً بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ،
وَالْقَهْوَةُ بَارِدَةٌ،
وَوَرَقَتُهَا تَوَقَّفَتْ عِنْدَ جُمْلَةٍ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُكْمِلُهَا.
فَفَتَحَتِ الْمَلَفَّ.
كَانَتِ الْمَخْطُوطَةُ مِائَةً وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ صَفْحَةً،
مَكْتُوبَةً بِثَلَاثِ لُغَاتٍ: الْعَرَبِيَّةِ، وَالْفَارِسِيَّةِ، وَالْأَنْدَلُسِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لَا يَقْرَؤُهَا إِلَّا مَنْ دَرَسُوا تَارِيخَ اللُّغَاتِ.
وَفِي أَوَّلِ صَفْحَةٍ — بِخَطِّ يَدٍ مُغَايِرٍ لِبَقِيَّةِ النَّصِّ، كَأَنَّ شَخْصًا آخَرَ أَضَافَهَا لَاحِقًا — جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ الْحَدِيثَةِ:
«هَذَا مَا قِيلَ فِي الْمَجَالِسِ الَّتِي لَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدٌ، وَالسُّؤَالُ الَّذِي لَمْ يُجَبْ فِيهَا مَا زَالَ يَنْتَظِرُ.»
لَيْلَى قَرَأَتِ الْجُمْلَةَ مَرَّتَيْنِ،
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ الْبَارِدِ،
ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الشَّاشَةِ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ فِي الشَّقَّةِ الْفَارِغَةِ:
— «حَسَنًا.»
وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ.
تُونِسُ — فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا
طَارِقُ الْأَمِينِ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا أَصْلًا.
لَمْ يَكُنْ مُسْتَيْقِظًا لِأَنَّ لَدَيْهِ أَرَقًا؛
كَانَ مُسْتَيْقِظًا لِأَنَّ عِنْدَهُ مَوْعِدًا فِي السَّادِسَةِ مَعَ مَصْدَرٍ لَا يَلْتَقِي إِلَّا فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، قَبْلَ أَنْ يَمْتَلِئَ الشَّارِعُ بِعُيُونٍ لَا يَثِقُ بِهَا.
وَالْمَصْدَرُ رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ، كَانَ صَدِيقًا لِوَالِدِهِ، وَعَمِلَ فِي أَرْشِيفِ الْحِزْبِ قَبْلَ الثَّوْرَةِ وَبَعْدَهَا؛
وَعَدَهُ بِوَثِيقَةٍ تُثْبِتُ مَا يَشُكُّ فِيهِ طَارِقٌ مُنْذُ سَنَتَيْنِ:
أَنَّ بَعْضَ مَنْ قَادُوا الثَّوْرَةَ كَانُوا يَعْرِفُونَ مُسْبَقًا أَنَّ الْجَيْشَ سَيَتَدَخَّلُ،
وَأَنَّ مَا بَدَا مُفَاجَأَةً لَمْ يَكُنْ مُفَاجَأَةً.
كَانَ يَجْلِسُ فِي سَيَّارَتِهِ الْمُتَوَقِّفَةِ قُرْبَ الْمِينَاءِ الْقَدِيمِ — وَبَحْرُ تُونِسَ فِي فَبْرَايِرَ رَمَادِيٌّ وَثَقِيلٌ — حِينَ رَنَّ هَاتِفُهُ بِرِسَالَةٍ مِنْ عُنْوَانٍ لَمْ يَعْرِفْهُ.
لَمْ يَكُنْ صَحَفِيًّا جَيِّدًا لَوْ فَتَحَ كُلَّ رِسَالَةٍ مَجْهُولَةٍ،
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَحَفِيًّا جَيِّدًا لَوْ تَجَاهَلَهَا أَيْضًا.
فَفَتَحَ الْمَلَفَّ الْمُرْفَقَ — مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صَفْحَةً بِثَلَاثِ لُغَاتٍ — وَقَرَأَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى.
ثُمَّ أَغْلَقَ الْهَاتِفَ،
ثُمَّ فَتَحَهُ،
ثُمَّ قَرَأَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
نَظَرَ إِلَى الْبَحْرِ الرَّمَادِيِّ.
فَكَّرَ فِي أَبِيهِ الَّذِي كَانَ يَقُولُ دَائِمًا: «إِنَّ تُونِسَ بَلَدٌ يَحْفَظُ الْأَسْئِلَةَ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَحْتَمِلُ أَجْوِبَتَهَا.»
ثُمَّ بَدَأَ يَقْرَأُ.
لَنْدَنُ — السَّاعَةُ الرَّابِعَةُ فَجْرًا بِتَوْقِيتِ غرِينِيتْشَ
يَاسْمِينُ خَانَ لَمْ تَنَمْ لِأَنَّ مَلَفَّ الْقَضِيَّةِ لَمْ يَنْتَهِ.
الْقَضِيَّةُ كَانَتْ رَقْمًا مَرْجَعِيًّا وَمُتَّهَمًا فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ، اسْمُهُ عُمَرُ؛
وُلِدَ فِي بِرْمِنْغَهَامَ لِأَبَوَيْنِ بَاكِسْتَانِيَّيْنِ،
دَرَسَ الْهَنْدَسَةَ سَنَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا،
سُجِنَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ بِتُهْمَةِ التَّخْطِيطِ لِعَمَلٍ إِرْهَابِيٍّ.
وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي أَمْضَتْ يَاسْمِينُ ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ تُفَكِّكُهَا كَانَتْ أَضْعَفَ مِمَّا أَوْحَى بِهِ الِادِّعَاءُ.
لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الضَّعِيفَةِ وَتَبْرِئَةِ عُمَرَ كَانَ يَاسْمِينَ نَفْسَهَا:
قُدْرَتَهَا عَلَى إِقْنَاعِ اثْنَيْ عَشَرَ شَخْصًا فِي صُنْدُوقٍ مُغْلَقٍ بِأَنَّ مَا يَبْدُو وَاضِحًا لَيْسَ وَاضِحًا.
الْقَضِيَّةُ بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ،
وَالْمَلَفُّ عَلَى طَاوِلَةِ غُرْفَةِ نَوْمِهَا الَّتِي صَارَتْ مَكْتَبَهَا الْحَقِيقِيَّ مُنْذُ طَلَاقٍ لَمْ تَتَحَدَّثْ عَنْهُ كَثِيرًا.
حِينَ جَاءَتِ الرِّسَالَةُ عَلَى بَرِيدِهَا الْمِهْنِيِّ — وَهُوَ مَا جَعَلَ الْأَمْرَ أَغْرَبَ، لِأَنَّ مَنْ أَيْنَ عَرَفَ الْمُرْسِلُ بَرِيدَهَا الْمِهْنِيَّ؟ — كَانَتْ تَقْرَأُ شَهَادَةَ شَاهِدٍ لِلْمَرَّةِ السَّابِعَةِ.
فَتَحَتِ الْمَلَفَّ بِدَافِعِ التَّشَتُّتِ لَا الِاهْتِمَامِ.
الْجُمْلَةُ الْأُولَى أَوْقَفَتْهَا.
قَرَأَتْهَا بِعُيُونِ مُحَامِيَةٍ اعْتَادَتْ أَنْ تَبْحَثَ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ عَمَّا لَا تَقُولُهُ:
«هَذَا مَا قِيلَ فِي الْمَجَالِسِ الَّتِي لَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدٌ.»
الْمَجَالِسُ الَّتِي لَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدٌ.
فَكَّرَتْ: كَمْ مَجْلِسًا حَضَرَتْ لَمْ تَسْتَطِعِ التَّحَدُّثَ فِيهِ؟
كَمْ غُرْفَةً دَخَلَتْهَا بِوَصْفِهَا امْرَأَةً مُسْلِمَةً ذَاتَ جُذُورٍ بَاكِسْتَانِيَّةٍ فَوَجَدَتْ أَنَّ كُلَّ مَا تَقُولُهُ مَسْبُوقٌ بِافْتِرَاضٍ؟
ثُمَّ بَدَأَتْ تَقْرَأُ الْمَخْطُوطَةَ،
وَمَلَفُّ عُمَرَ — لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَسَابِيعَ — بَقِيَ مُغْلَقًا.
بَرْلِينُ — السَّاعَةُ الْخَامِسَةُ وَالنِّصْفُ صَبَاحًا
يُونُسُ أُوزْتُورْكَ وَجَدَهَا مَطْبُوعَةً.
هَذَا مَا أَرْبَكَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ؛
لَيْسَ بَرِيدًا إِلِكْتِرُونِيًّا — وَرَقًا حَقِيقِيًّا فِي مَظْرُوفٍ كَانَ تَحْتَ بَابِ شَقَّتِهِ فِي شَارِعِ كْرُويْتْسْبِرغَ.
مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صَفْحَةً مَطْبُوعَةً بِخَطٍّ صَغِيرٍ مُنَظَّمٍ،
مَرْبُوطَةٌ بِخَيْطٍ أَزْرَقَ رَفِيعٍ،
وَالْجُمْلَةُ الْأُولَى مَكْتُوبَةٌ بِالْيَدِ بِالْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْغِلَافِ الْخَارِجِيِّ.
يُونُسُ فَتَحَ الْمَظْرُوفَ وَاقِفًا أَمَامَ بَابِ شَقَّتِهِ بِمِعْطَفِهِ الَّذِي لَبِسَهُ لِيَأْخُذَ الْقُمَامَةَ.
ثُمَّ عَادَ إِلَى الدَّاخِلِ،
ثُمَّ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمَطْبَخِ الْبَارِدِ وَلَمْ يَخْلَعْ مِعْطَفَهُ.
كَانَ يَعْرِفُ الْخَطَّ.
أَوْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ؛
خَطُّ وَالِدِهِ الْأَكَادِيمِيِّ التُّرْكِيِّ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى ابْنَهُ يَفِرُّ إِلَى بَرْلِينَ.
لَكِنَّ وَالِدَهُ مَاتَ.
وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ.
قَرَأَ الْجُمْلَةَ مَرَّةً أُخْرَى،
ثُمَّ لَمَسَ الْوَرَقَةَ كَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْ أَنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ.
ثُمَّ قَالَ لِنَفْسِهِ بِالتُّرْكِيَّةِ: «Tamam. Bakalım.» — حَسَنًا، لِنَرَ.
وَبَدَأَ يَقْرَأُ؛
وَالْمِعْطَفُ لَا يَزَالُ عَلَيْهِ،
وَالْقُمَامَةُ لَمْ تُنْزَلْ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: مَا كَتَبَهُ الْفَارَابِيُّ وَلَمْ يُكْمِلْهُ
قُرْطُبَةُ — سَنَةَ ٩٤٩ مِيلَادِيَّةً
[مِنْ مُسَوَّدَةٍ لَمْ تُنْشَرْ، وُجِدَتْ فِي هَامِشِ مَخْطُوطَةِ «آرَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ»، بِخَطٍّ مُغَايِرٍ يُرَجَّحُ أَنَّهُ خَطُّ الْفَارَابِيِّ نَفْسِهِ فِي سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةِ]
أَكْتُبُ هَذَا وَلَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأُبْقِيهِ.
الْكِتَابُ الَّذِي أَكْتُبُهُ لِلنَّاسِ — الْكِتَابُ الْكَبِيرُ — يَقُولُ إِنَّ الْمَدِينَةَ الْفَاضِلَةَ مُمْكِنَةٌ.
وَأَنَا أُؤْمِنُ بِذَلِكَ، أَوْ كُنْتُ أُؤْمِنُ.
لَكِنْ فِي هَذَا الْهَامِشِ — فِي هَذَا الْفَضَاءِ الضَّيِّقِ الَّذِي لَا يَقْرَؤُهُ أَحَدٌ — أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ مَا لَا أَسْتَطِيعُ كِتَابَتَهُ فِي الْمَتْنِ.
جِئْتُ إِلَى قُرْطُبَةَ وَأَنَا فِي الثَّمَانِينَ تَقْرِيبًا — لَا أَعْرِفُ سِنِّي بِدِقَّةٍ؛ وَالْعُمْرُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَصِيرُ رَقْمًا تَقْرِيبِيًّا —
جِئْتُ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الثَّالِثَ دَعَانِي.
وَقِيلَ إِنَّ دَعْوَتَهُ شَرَفٌ.
وَقِيلَ إِنَّ رَفْضَهَا خَطَرٌ.
فَجِئْتُ.
قَابَلْتُ الْخَلِيفَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
كَانَ رَجُلًا ذَكِيًّا — هَذَا مَا أَرْبَكَنِي؛ أَنَّهُ كَانَ ذَكِيًّا فِعْلًا.
رَجُلٌ يَقْرَأُ، يَسْأَلُ، يُنَاقِشُ.
وَمَعَ ذَلِكَ — أَوْ رُبَّمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ — كَانَ مُسْتَبِدًّا بِلَا أَدْنَى شَكٍّ.
قَالَ لِي: «أَنْتَ تَكْتُبُ عَنِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ؛ صِفْهَا لِي.»
قُلْتُ: «الْمَدِينَةُ الْفَاضِلَةُ يَحْكُمُهَا رَجُلٌ جَمَعَ بَيْنَ الْفَيْلَسُوفِ وَالنَّبِيِّ — عَقْلٌ يَرَى الْحَقِيقَةَ وَرُوحٌ تَنْقُلُهَا.»
قَالَ — وَكَانَ يَبْتَسِمُ بِطَرِيقَةٍ لَا تُشَجِّعُ عَلَى الِاسْتِرْسَالِ:
«وَهَلْ تَرَى أَمَامَكَ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ؟»
لَمْ أُجِبْ.
الِابْتِسَامَةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
قَالَ: «حَكِيمٌ.»
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسْتُ فِي الْحُجْرَةِ الَّتِي خَصَّصُوهَا لِي فِي الْقَصْرِ — حُجْرَةٌ أَجْمَلُ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ سَكَنْتُ، وَأَشَدُّ إِحْكَامًا مِنْ أَيِّ سِجْنٍ دَخَلْتُ — وَسَأَلْتُ نَفْسِيَ السُّؤَالَ الَّذِي كُنْتُ أَتَجَنَّبُهُ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً:
مَاذَا يَحْدُثُ لِلْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ حِينَ لَا يُوجَدُ الرَّجُلُ الْفَاضِلُ؟
الْمُشْكِلَةُ فِي كُلِّ مَا كَتَبْتُهُ هِيَ أَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى وُجُودِ الْحَاكِمِ الْفَاضِلِ؛ الْفَيْلَسُوفِ-النَّبِيِّ،
الرَّجُلِ الَّذِي يَرَى وَيَعْرِفُ وَيَقُودُ.
لَكِنْ مَاذَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ؟
مَاذَا لَوْ — وَهَذَا مَا يَقْتَرِحُهُ كُلُّ التَّارِيخِ الَّذِي قَرَأْتُهُ — كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ وُجُودَهُ، لَا غِيَابَهُ؟
النَّبِيُّ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا يَأْتِي مَرَّتَيْنِ.
وَالْفَيْلَسُوفُ الَّذِي يَصِلُ إِلَى السُّلْطَةِ يَتَحَوَّلُ فِي الْغَالِبِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ.
رَأَيْتُ ذَلِكَ.
رَأَيْتُ الْحُكَمَاءَ يَصِيرُونَ مُسْتَشَارِينَ يَقُولُونَ مَا يُرْضِي.
رَأَيْتُ الْفُقَهَاءَ يَجِدُونَ فِي النَّصِّ مَا يُلَائِمُ الْحَاكِمَ.
رَأَيْتُ الْمُدُنَ «الْفَاضِلَةَ» تُبْنَى عَلَى أَكْتَافِ مَنْ لَمْ يُسْتَشَرُوا.
إِذَنْ مَاذَا؟
الْجَوَابُ الَّذِي أَعُودُ إِلَيْهِ — وَالَّذِي لَا أَجْرُؤُ عَلَى كِتَابَتِهِ فِي الْمَتْنِ — هُوَ هَذَا:
الْمَدِينَةُ لَا تَحْتَاجُ رَجُلًا فَاضِلًا؛
تَحْتَاجُ نِظَامًا يَصْمُدُ حَتَّى حِينَ يَكُونُ الْحَاكِمُ ظَالِمًا.
هَذَا مَا لَمْ أَقُلْهُ.
لِأَنَّ قَوْلَهُ مَعْنَاهُ: الْكَمَالُ الْبَشَرِيُّ لَيْسَ حَلًّا.
وَالْحَلُّ فِي شَيْءٍ آخَرَ — فِي بِنْيَةٍ، فِي آلِيَّةٍ، فِي طَرِيقَةٍ تَجْعَلُ الْخَطَأَ قَابِلًا لِلتَّصْحِيحِ.
لَكِنْ كَيْفَ تَبْنِي آلِيَّةً تُصَحِّحُ نَفْسَهَا؟
هَذَا السُّؤَالُ أَكْبَرُ مِنِّي.
وَأَكْبَرُ مِنْ عَصْرِي.
وَأَخْشَى أَنَّهُ لَنْ يُجَابَ فِي حَيَاتِي.
[هُنَا تَنْتَهِي الْمُسَوَّدَةُ، وَالصَّفْحَةُ التَّالِيَةُ بَيْضَاءُ.]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: لَيْلَى وَالْأَبُ الْغَائِبُ
الْقَاهِرَةُ — فَبْرَايِرُ ٢٠١٩
كَانَ اسْمُ أَبِيهَا الشَّيْخَ عَبْدَ الْغَنِيِّ الرَّشِيدِيَّ.
فَقِيهٌ مِنْ مَدْرَسَةِ الْأَزْهَرِ الْقَدِيمَةِ — الْمَدْرَسَةِ الَّتِي تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ حِرْفَةٌ تَحْتَاجُ عُمْرًا وَلَا تُسْتَعْجَلُ.
رَجُلٌ يَحْفَظُ أَلْفِيَّةَ ابْنِ مَالِكٍ،
وَكَانَ يُصَحِّحُ لِلطُّلَّابِ مِنَ الذَّاكِرَةِ وَعُمْرُهُ تِسْعَةٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.
اعْتُقِلَ سَنَةَ ٢٠١٣.
لَمْ يَكُنْ فِي تَنْظِيمٍ.
لَمْ يَكُنْ فِي حِزْبٍ.
كَتَبَ مَقَالَةً قَالَ فِيهَا إِنَّ مَا حَدَثَ — وَالْمَقْصُودُ وَاضِحٌ لِكُلِّ مَنْ قَرَأَ — يَتَعَارَضُ مَعَ الشَّرِيعَةِ السِّيَاسِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي تُحَرِّمُ قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
الْمَقَالَةُ نُشِرَتْ عَلَى مَوْقِعٍ صَغِيرٍ.
وَبَعْدَ أُسْبُوعٍ كَانَ فِي الزَّنْزَانَةِ.
أُفْرِجَ عَنْهُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ.
خَرَجَ بِكُلْيَتَيْنِ مُتْعَبَتَيْنِ وَصَمْتٍ لَمْ يَكْسِرْهُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.
لَمْ يَتَكَلَّمْ عَمَّا رَآهُ.
لَيْلَى سَأَلَتْهُ مَرَّةً — مَرَّةً وَاحِدَةً — فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعُيُونٍ كَانَتْ دَائِمًا حَاضِرَةً وَقَالَ:
«فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُقَالُ تَكُونُ الْكَلِمَةُ ظُلْمًا لِلْحَدَثِ.»
وَأَغْلَقَ الْمَوْضُوعَ.
لَيْلَى أَنْهَتِ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنَ الْمَخْطُوطَةِ حِينَ أَذَّنَ الْفَجْرُ.
وَهُوَ مَا أَدْهَشَهَا — لَا الْمَخْطُوطَةُ نَفْسُهَا، بَلْ أَنَّهَا أَنْهَتْ جُزْءًا مِنْهَا فِي وَقْتٍ تَكُونُ فِيهِ عَادَةً تُحَارِبُ النَّوْمَ.
شَيْءٌ مَا فِي النَّصِّ — فِي طَرِيقَةِ كِتَابَتِهِ، فِي الْأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تُجِيبُ عَنْ نَفْسِهَا — أَبْقَاهَا حَاضِرَةً بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ زَمَنٍ.
نَظَرَتْ مِنَ النَّافِذَةِ.
الْقَاهِرَةُ بَدَأَتْ تَتَحَرَّكُ:
أَصْوَاتُ السَّيَّارَاتِ الْأُولَى،
وَصَوْتُ الْفُرْنِ الْقَرِيبِ يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ،
وَطَائِرٌ لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ عَلَى حَبْلِ الْغَسِيلِ الْمُجَاوِرِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ.
فَكَّرَتْ فِي أَبِيهَا، كَعَادَتِهَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ.
كَانَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ لَا يُجِيبُ عَلَى أَسْئِلَةِ ابْنَتِهِ السِّيَاسِيَّةِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ؛
كَانَ يُجِيبُ بِسُؤَالٍ آخَرَ.
حِينَ سَأَلَتْهُ وَهِيَ فِي الْعِشْرِينَ: «لِمَاذَا يَسْتَطِيعُ الْحَاكِمُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ؟»
قَالَ لَهَا: «لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْأَلُهُ: مَنْ أَعْطَاكَ الْإِذْنَ؟»
قَالَتْ: «وَمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ السُّؤَالِ؟»
قَالَ: «كُلُّ مُسْلِمٍ. وَهَذَا مَا يُخِيفُهُمْ.»
الْمَخْطُوطَةُ كَانَتْ مَفْتُوحَةً عَلَى شَاشَتِهَا.
وَكَانَ فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ سَطْرٌ وَاحِدٌ بِالْعَرَبِيَّةِ الْحَدِيثَةِ — كَأَنَّهُ أُضِيفَ بَعْدَ بَقِيَّةِ النَّصِّ:
«السُّؤَالُ الَّذِي كَتَبَهُ الْفَارَابِيُّ وَلَمْ يُكْمِلْهُ هُوَ السُّؤَالُ نَفْسُهُ الَّذِي تَحْمِلُهُ. لَكِنَّكِ لَسْتِ وَحْدَكِ.»
تَوَقَّفَتْ.
قَرَأَتِ السَّطْرَ مَرَّةً ثَانِيَةً.
ثُمَّ أَغْلَقَتِ الْمَلَفَّ، وَفَتَحَتْهُ، ثُمَّ أَغْلَقَتْهُ.
ثُمَّ فَتَحَتْ بَرِيدَهَا وَبَدَأَتْ تَكْتُبُ رِسَالَةً إِلَى الْمُرْسِلِ الْمَجْهُولِ.
لَكِنَّ الرِّسَالَةَ وَقَفَتْ عِنْدَ الْكَلِمَةِ الْأُولَى،
لِأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ كَيْفَ تَبْدَأُ حِينَ لَا تَعْرِفُ مَنْ تُخَاطِبُ.
فَتَرَكَتِ الْبَرِيدَ مَفْتُوحًا وَذَهَبَتْ لِتُسَخِّنَ الْقَهْوَةَ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: ابْنُ خَلْدُونَ يَكْتُبُ فِي الظَّلَامِ
قَلْعَةُ ابْنِ سَلَامَةَ — تِلِمْسَانُ — سَنَةَ ١٣٧٥ مِيلَادِيَّةً
[مِنْ يَوْمِيَّاتٍ خَاصَّةٍ وُجِدَتْ مُدْمَجَةً فِي نُسْخَةٍ مَخْطُوطَةٍ مِنَ «الْمُقَدِّمَةِ»، مَحْفُوظَةٍ فِي مَكْتَبَةِ الْإِسْكُورْيَالِ — مَدْرِيدَ. لَمْ تُتَرْجَمْ كَامِلَةً حَتَّى الْيَوْمِ.]
الْيَوْمُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ فِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ.
لَا أَكْتُبُ هَذَا شَكْوَى؛
أَكْتُبُهُ تَوْثِيقًا.
الْمُؤَرِّخُ — إِذَا كَانَ مُؤَرِّخًا حَقِيقِيًّا — يُوَثِّقُ حَتَّى حِينَ يَكُونُ هُوَ الْحَدَثَ.
اخْتَرْتُ هَذِهِ الْقَلْعَةَ اخْتِيَارًا، أَوْ شِبْهَ اخْتِيَارٍ.
لَمْ تَعُدْ مُدُنُ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ آمِنَةً لِرَجُلٍ مِثْلِي —
رَجُلٍ كَانَ فِي خِدْمَةِ كُلِّ حَاكِمٍ تَقْرِيبًا وَخَذَلَ كُلَّ حَاكِمٍ تَقْرِيبًا،
لَا لِأَنَّهُ خَائِنٌ، بَلْ لِأَنَّهُ يَرْفُضُ أَنْ يَكْذِبَ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ.
الْوَزِيرُ الَّذِي يَصْدُقُ لَا يَبْقَى طَوِيلًا فِي الْوِزَارَةِ.
مَا أَكْتُبُهُ هُنَا — فِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ الْبَعِيدَةِ، بَعِيدًا عَنِ الْفِتَنِ وَالْمَجَالِسِ وَالرَّسَائِلِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِجَابَاتٍ دِبْلُومَاسِيَّةً —
هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي حَمَلْتُهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ شَكْلَهُ.
كِتَابٌ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِ.
لَكِنْ لَيْسَ كَمَا يَكْتُبُ الْمُؤَرِّخُونَ — قَائِمَةَ أَحْدَاثٍ وَمُلُوكٍ وَانْتِصَارَاتٍ وَهَزَائِمَ —
بَلْ كِتَابٌ يَسْأَلُ: لِمَاذَا؟
لِمَاذَا تَنْشَأُ الدُّوَلُ؟
وَلِمَاذَا تَنْهَارُ؟
وَلِمَاذَا — وَهَذَا السُّؤَالُ الَّذِي أَعُودُ إِلَيْهِ كُلَّ لَيْلَةٍ — يُكَرِّرُ التَّارِيخُ نَفْسَهُ كَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَتَعَلَّمُونَ؟
رَأَيْتُ فِي حَيَاتِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَزِيرًا،
وَعَشَرَةَ أُمَرَاءَ،
وَخَمْسَةَ خُلَفَاءَ — أَوْ مَنِ ادَّعَوُا الْخِلَافَةَ —
وَعَدَدًا لَا أُحْصِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ.
مَا الَّذِي رَأَيْتُهُ فِيهِمْ جَمِيعًا؟
رَأَيْتُ شَيْئًا وَاحِدًا مُشْتَرَكًا:
كُلُّ مَنْ وَصَلَ إِلَى السُّلْطَةِ — مَهْمَا كَانَتْ نَوَايَاهُ حِينَ بَدَأَ — صَارَ فِي النِّهَايَةِ يَهْتَمُّ بِالْبَقَاءِ فِي السُّلْطَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَهْتَمُّ بِالْغَرَضِ الَّذِي وَصَلَ مِنْ أَجْلِهِ.
هَذَا لَيْسَ حُكْمًا أَخْلَاقِيًّا.
هُوَ مُلَاحَظَةٌ — كَالطَّبِيبِ يَصِفُ الْمَرَضَ، لَا لِيَقُولَ إِنَّ الْمَرِيضَ شِرِّيرٌ، بَلْ لِيَفْهَمَ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَتْبَعُ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةَ هُوَ:
إِذَا كَانَتِ السُّلْطَةُ تُفْسِدُ بِطَبِيعَتِهَا — لَا بِطَبِيعَةِ مَنْ يَحْمِلُهَا — فَكَيْفَ تَبْنِي نِظَامًا يُقَاوِمُ هَذَا الْفَسَادَ؟
الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: تَخْتَارُ الْحَاكِمَ الْعَادِلَ.
لَكِنَّ الْحَاكِمَ الْعَادِلَ يَتَغَيَّرُ — رَأَيْتُ ذَلِكَ.
وَالْعَدْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى شَخْصٍ هُوَ عَدْلٌ هَشٌّ.
الْفَلَاسِفَةُ يَقُولُونَ: تُعَلِّمُ الْحَاكِمَ الْفَلْسَفَةَ.
لَكِنَّ الْفَيْلَسُوفَ الَّذِي يَمْلِكُ السَّيْفَ لَا يَبْقَى فَيْلَسُوفًا طَوِيلًا.
الصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ: زَكِّ نَفْسَ الْحَاكِمِ.
لَكِنَّ التَّزْكِيَةَ تَحْتَاجُ إِرَادَةً، وَالْإِرَادَةُ تَضْعُفُ حِينَ تَكْثُرُ الْإِغْرَاءَاتُ.
مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ — وَأَنَا أَكْتُبُهُ هُنَا فِي الظَّلَامِ وَلَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأَكْتُبُهُ فِي الْمَتْنِ — هُوَ هَذَا:
رُبَّمَا الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْحَاكِمِ.
الْمُشْكِلَةُ فِي الْبِنْيَةِ؛
فِي نِظَامٍ يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَتَفَاجَأُ حِينَ يُخْطِئُ ذَلِكَ الشَّخْصُ.
بِنْيَةٌ تُتِيحُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ كُلَّ شَيْءٍ — هَذِهِ لَيْسَتْ قُوَّةً.
هَذِهِ نُقْطَةُ ضَعْفٍ مَرْكَزِيَّةٌ.
ضَرْبُهَا يُسْقِطُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَكُلُّ دَوْلَةٍ رَأَيْتُهَا سَقَطَتْ مِنْ هَذِهِ النُّقْطَةِ بِالضَّبْطِ.
لَكِنْ كَيْفَ تَبْنِي بِنْيَةً مُخْتَلِفَةً؟
هُنَا يَتَوَقَّفُ عَقْلِي.
لَيْسَ لِأَنَّهُ عَقْلٌ ضَعِيفٌ — أَقُولُ هَذَا بِلَا غُرُورٍ، بَلْ بِمَعْرِفَةِ حُدُودِي —
بَلْ لِأَنَّ الْبِنْيَةَ الَّتِي تُقَاوِمُ تَرَكُّزَ السُّلْطَةِ تَحْتَاجُ شَيْئًا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ فِي تَارِيخِنَا:
إِيمَانًا جَمَاعِيًّا بِأَنَّ لَا أَحَدَ — وَلَا حَتَّى الْأَفْضَلَ — يَمْلِكُ الْحَقَّ الْمُطْلَقَ فِي الْحُكْمِ.
وَهَذَا الْإِيمَانُ يَحْتَاجُ ثَقَافَةً.
وَثَقَافَةٌ لَا تُبْنَى فِي جِيلٍ.
رُبَّمَا مَا أَكْتُبُهُ الْيَوْمَ — فِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ الْبَعِيدَةِ، فِي هَذَا الظَّلَامِ — يَصِلُ يَوْمًا إِلَى مَنْ يَفْهَمُ مَا عَجَزْتُ عَنْ قَوْلِهِ.
[يَنْتَهِي الْمَقْطَعُ هُنَا، وَالصَّفْحَةُ التَّالِيَةُ مُمَزَّقَةٌ فِي جَانِبٍ.]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: طَارِقٌ وَالْأَرْشِيفُ
تُونِسُ — فَبْرَايِرُ ٢٠١٩
الْمَصْدَرُ لَمْ يَأْتِ.
انْتَظَرَ طَارِقٌ حَتَّى السَّابِعَةِ.
ثُمَّ أَرْسَلَ رِسَالَةً.
ثُمَّ اتَّصَلَ.
الْهَاتِفُ أَجَابَ بِصَوْتٍ إِلِكْتِرُونِيٍّ بَارِدٍ يَقُولُ إِنَّ الرَّقْمَ غَيْرُ مُتَاحٍ.
هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِيَ أَشْيَاءً كَثِيرَةً؛
أَبْسَطُهَا أَنَّ الرَّجُلَ غَيَّرَ رَأْيَهُ.
وَأَكْثَرُهَا إِثَارَةً لِلْقَلَقِ — أَشْيَاءٌ لَا يُرِيدُ طَارِقٌ أَنْ يُكْمِلَهَا.
عَادَ إِلَى مَكْتَبِهِ — غُرْفَةٌ فِي شَقَّةٍ يُشَارِكُهَا مَعَ صَحَفِيَّيْنِ آخَرَيْنِ فِي حَيِّ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ — وَفَتَحَ الْمَلَفَّ الَّذِي نَسِيَهُ عَلَى هَاتِفِهِ.
قَرَأَ مَقْطَعَ ابْنِ خَلْدُونَ مَرَّتَيْنِ.
الشَّيْءُ الَّذِي لَفَتَ انْتِبَاهَهُ لَمْ يَكُنِ الْفِكْرَةَ السِّيَاسِيَّةَ — كَانَ الصَّوْتَ.
صَوْتُ رَجُلٍ يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ.
رَجُلٌ يَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ لَا يُكْمِلُ مَا بَدَأَهُ.
رَجُلٌ يَحْمِلُ سُؤَالًا أَكْبَرَ مِنْهُ — وَيَعْرِفُ ذَلِكَ — وَيَكْتُبُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
فَكَّرَ فِي يَوْمِيَّاتِهِ الْخَاصَّةِ؛
فِي الدَّفْتَرِ الْأَزْرَقِ الَّذِي يَحْتَفِظُ بِهِ مُنْذُ الثَّوْرَةِ ٢٠١١،
وَلَمْ يَفْتَحْهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لِأَنَّ مَا كَتَبَهُ فِيهِ كَانَ أَشْيَاءَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَرَى كَيْفَ صَارَتْ فِي ضَوْءِ مَا حَدَثَ بَعْدَهَا.
فِي سَنَةِ ٢٠١١ كَانَ طَارِقٌ فِي السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ.
طَالِبُ دُكْتُورَاهِ فِي الصِّحَافَةِ،
مُتَحَمِّسٌ لِدَرَجَةٍ جَعَلَتْ أَصْدِقَاءَهُ يُسَمُّونَهُ «الثَّوْرِيَّ» — عَلَى سَبِيلِ الْمَزَاحِ وَعَلَى سَبِيلِ الْجِدِّيَّةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
كَتَبَ فِي يَوْمِيَّاتِهِ لَيْلَةَ سُقُوطِ بَنْ عَلِيٍّ:
«الْيَوْمَ بَدَأَ التَّارِيخُ. لَا — الْيَوْمَ بَدَأْنَا نَكْتُبُ التَّارِيخَ بَدَلَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْنَا.»
ثُمَّ جَاءَتِ الِانْتِخَابَاتُ؛ فَازَ الْإِسْلَامِيُّونَ.
ثُمَّ جَاءَتْ حُكُومَةٌ أُخْرَى.
ثُمَّ دُسْتُورٌ.
ثُمَّ خِلَافَاتٌ.
ثُمَّ اغْتِيَالَاتٌ.
ثُمَّ أَزْمَةٌ.
ثُمَّ انْتِخَابَاتٌ أُخْرَى.
وَفِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ كَتَبَ طَارِقٌ وَحَلَّلَ وَانْتَقَدَ،
لَكِنَّهُ فِي مَكَانٍ مَا كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّ الِاتِّجَاهَ صَحِيحٌ — أَنَّ مَا يَحْدُثُ عَمَلِيَّةٌ مُؤْلِمَةٌ لَكِنَّهَا تَسِيرُ إِلَى الْأَمَامِ.
ثُمَّ جَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ ٢٠١٩ وَكَانَ طَارِقٌ يَنْتَظِرُ مَصْدَرًا يُثْبِتُ أَنَّ مَنْ قَادُوا الثَّوْرَةَ كَانُوا يَعْرِفُونَ.
فَتَحَ الدَّفْتَرَ الْأَزْرَقَ.
الصَّفْحَةُ الْأُولَى: «الْيَوْمَ بَدَأَ التَّارِيخُ.»
أَغْلَقَهُ.
ثُمَّ فَتَحَ الْمَخْطُوطَةَ مَرَّةً أُخْرَى وَقَرَأَ آخِرَ سَطْرٍ فِي مَقْطَعِ ابْنِ خَلْدُونَ:
«رُبَّمَا مَا أَكْتُبُهُ الْيَوْمَ يَصِلُ يَوْمًا إِلَى مَنْ يَفْهَمُ مَا عَجَزْتُ عَنْ قَوْلِهِ.»
فَكَّرَ: سَبْعَةُ قُرُونٍ.
رَجُلٌ فِي قَلْعَةٍ بَعِيدَةٍ يَكْتُبُ فِي الظَّلَامِ وَيَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَيَقْرَأُ.
وَهَا هُوَ طَارِقٌ فِي شَقَّةٍ تَعِبَةٍ فِي تُونِسَ، بَعْدَ سَبْعَةِ قُرُونٍ بِالضَّبْطِ تَقْرِيبًا، يَقْرَأُ.
لَكِنْ هَلْ فَهِمَ؟
فَتَحَ مَلَفًّا جَدِيدًا عَلَى حَاسُوبِهِ.
كَتَبَ فِي أَعْلَاهُ:
«أَسْئِلَةٌ لَا أَعْرِفُ أَجْوِبَتَهَا — مُسَوَّدَةٌ ٢٠١٩»
ثُمَّ كَتَبَ:
«١. مَا الْفَرْقُ بَيْنَ ثَوْرَةٍ تَنْجَحُ وَثَوْرَةٍ تَفْشَلُ؟»
تَوَقَّفَ، ثُمَّ أَضَافَ:
«٢. وَهَلِ «النَّجَاحُ» وَ«الْفَشَلُ» الْكَلِمَتَانِ الصَّحِيحَتَانِ أَصْلًا؟»
ثُمَّ أَغْلَقَ الْمَلَفَّ دُونَ أَنْ يُكْمِلَهُ.
بَعْضُ الْأَسْئِلَةِ تَحْتَاجُ أَنْ تُكْتَبَ.
لَكِنَّ الْإِجَابَاتِ — إِنْ وُجِدَتْ — لَا تَأْتِي فِي يَوْمِ فَبْرَايِرَ وَاحِدٍ،
حِينَ الْمَصْدَرُ لَمْ يَأْتِ،
وَالْبَحْرُ بِالْخَارِجِ رَمَادِيٌّ وَثَقِيلٌ.

02 مجلس الغائبين