04 مجلس الغائبين

الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
الْمُلْحَقُ الْحَادِي عَشَرَ — مَجْلِسُ الْغَائِبِينَ — الْقِسْمُ الرَّابِعُ
الْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَرَ: الْغَزَالِيُّ يُحْرِقُ الْكُتُبَ بِيَدِهِ
طُوسُ — سَنَةَ ١٠٩٥م
قَبْلَ أَنْ يَتْرُكَ الْغَزَالِيُّ بَغْدَادَ، أَتْلَفَ بَعْضَ كُتُبِهِ وَأَوْرَاقِهِ.
لَيْسَتْ هُنَاكَ شَوَاهِدُ تَارِيخِيَّةٌ مُعْتَمَدَةٌ تُثْبِتُ أَنَّهُ أَحْرَقَ كُتُبَهُ بِيَدِهِ عَلَى النَّحْوِ الْمُتَخَيَّلِ هُنَا، وَلَكِنَّ الْمُؤَكَّدَ أَنَّهُ مَرَّ بِأَزْمَةٍ رُوحِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ عَمِيقَةٍ دَفَعَتْهُ إِلَى تَرْكِ مَنْصِبِهِ الْعِلْمِيِّ وَالِاعْتِزَالِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ.
لَمْ يُجْبِرْهُ أَحَدٌ.
وَلَمْ يَأْمُرْهُ حَاكِمٌ.
بَلْ كَانَ الْقَرَارُ قَرَارَهُ.
جَلَسَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَأَمَامَهُ مَا كَتَبَهُ فِي سِنِيِّ التَّدْرِيسِ وَالْمُنَاظَرَةِ: كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْفِقْهِ، وَالْكَلَامِ، وَالْفَلْسَفَةِ.
وَأَخَذَ يُرَاجِعُهَا بِنَظَرٍ جَدِيدٍ.
وَلَاحِقًا، حِينَ تَحَدَّثَ عَنْ تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ، كَانَ مِمَّا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ فَرْقًا جَوْهَرِيًّا بَيْنَ أَنْ يَبْحَثَ الْإِنْسَانُ عَنِ الْغَلَبَةِ فِي الْجَدَلِ، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْحَقِيقَةِ.
وَالْفَرْقُ — كَمَا يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ كَتَبَ — هَائِلٌ.
مَا مَرَّ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ يُشْبِهُ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ: «أَزْمَةً وُجُودِيَّةً».
تَوَقَّفَ عَنْ إِلْقَاءِ الدُّرُوسِ.
وَأَصْبَحَ يُعَانِي ضِيقًا شَدِيدًا.
وَذَكَرَ هُوَ نَفْسُهُ فِي سِيرَتِهِ أَنَّهُ عَجَزَ أَحْيَانًا عَنِ الْكَلَامِ وَالتَّدْرِيسِ.
وَلَمْ يَجِدِ الْأَطِبَّاءُ سَبَبًا جَسَدِيًّا وَاضِحًا لِمَا يُعَانِيهِ.
لِأَنَّ الْأَزْمَةَ لَمْ تَكُنْ فِي الْجَسَدِ وَحْدَهُ.
بَلْ كَانَتْ فِي الْيَقِينِ.
وَبِالتَّحْدِيدِ: فِي الشَّكِّ فِي الْيَقِينِ.
رَجُلٌ أَمْضَى سِنِينَ يُدَرِّسُ الْحَقِيقَةَ.
ثُمَّ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي لَحْظَةٍ يَتَسَاءَلُ: هَلْ أَعْرِفُ حَقًّا مَا أَظُنُّ أَنِّي أَعْرِفُهُ؟
تَرَكَ بَغْدَادَ.
وَأَقَامَ فِي دِمَشْقَ مُدَّةً.
وَزَارَ الْقُدْسَ.
وَحَجَّ إِلَى مَكَّةَ.
وَتَنَقَّلَ فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى.
وَبَعْدَ سِنِينَ عَادَ إِلَى التَّدْرِيسِ وَالتَّأْلِيفِ.
لَيْسَ بِيَقِينٍ جَدِيدٍ مُطْلَقٍ.
بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ.
بِقُدْرَةٍ أَكْبَرَ عَلَى الْعَيْشِ مَعَ السُّؤَالِ.
وَكَتَبَ إحياء علوم الدين، الْكِتَابَ الَّذِي لَا يَزَالُ يُقْرَأُ إِلَى الْيَوْمِ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ وَجَدَ جَمِيعَ الْأَجْوِبَةِ.
بَلْ لِأَنَّهُ وَجَدَ طَرِيقَةً لِلسَّيْرِ فِي طَرِيقِ الْبَحْثِ عَنْهَا.
قَرَأَتْ لَيْلَى هَذَا الْفَصْلَ.
وَتَوَقَّفَتْ عِنْدَ الْجُمْلَةِ:
«وَجَدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَكْتُبُ لِأُقْنِعَ، لَا لِأُدْرِكَ.»
فَتَحَتْ مِلَفَّ وَرَقَتِهَا الْأَكَادِيمِيَّةِ.
الْوَرَقَةَ الَّتِي قَدَّمَتْهَا أَمْسِ.
وَقَرَأَتِ الْخُلَاصَةَ:
«يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ التَّوَافُقَ بَيْنَ الْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالنُّظُمِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ مُمْكِنٌ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأِ، مَعَ الْأَخْذِ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ تَعَدُّدَ السِّيَاقَاتِ…»
أَغْلَقَتِ الْمِلَفَّ.
وَفَكَّرَتْ:
هَذَا كُتِبَ لِيُقْنِعَ.
لَا لِيُدْرِكَ.
فَتَحَتْ مِلَفًّا جَدِيدًا.
وَكَتَبَتْ — لِنَفْسِهَا، لَا لِلْمَجَلَّةِ — جُمْلَةً وَاحِدَةً:
«أَنَا لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ أَبِي قَدْ أَخْطَأَ حِينَ كَتَبَ مَا كَتَبَ.
وَهَذَا الْجَهْلُ لَيْسَ عَيْبًا.
بَلْ هُوَ نُقْطَةُ الْبِدَايَةِ الْوَحِيدَةُ الصَّادِقَةُ.»
الْفَصْلُ السَّابِعُ عَشَرَ: الْمُرْسِلَةُ
اِسْتُوكْهُولْمُ — مَارِسُ ٢٠١٩م
جَاءَ الْجَوَابُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي عَادَ فِيهِ الْأَرْبَعَةُ إِلَى بُلْدَانِهِمْ.
كَانَ بَرِيدًا إِلِكْتُرُونِيًّا مِنَ الْعُنْوَانِ الْمَجْهُولِ.
لَكِنَّ الرِّسَالَةَ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتْ طَوِيلَةً.
«أَنْتُمْ تَسْأَلُونَ: مَنْ أَنَا؟
وَأَنَا سَأُخْبِرُكُمْ.
لَيْسَ لِأَنَّ الْمَعْلُومَةَ مُهِمَّةٌ.
بَلْ لِأَنَّ الصَّمْتَ يَخْلُقُ افْتِرَاضَاتٍ أَسْوَأَ مِنَ الْحَقِيقَةِ.
اِسْمِي سَلْمَى يِلْدِز.
أُسْتَاذَةُ تَارِيخٍ مُتَقَاعِدَةٌ، تُرْكِيَّةُ الْأَصْلِ، أُقِيمُ فِي اِسْتُوكْهُولْمَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
كُنْتُ زَوْجَةَ أَكَادِيمِيٍّ رَحَلَ قَبْلَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ.
وَكَانَ اسْمُهُ: مَحْمُودُ أُوزْتُورْك.»
قَرَأَ يُونُسُ الِاسْمَ.
ثُمَّ قَرَأَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
مَحْمُودُ أُوزْتُورْك.
وَالِدُهُ.
«أَنَا لَمْ أُرْسِلْ مَخْطُوطَةً وَاحِدَةً.
بَلْ أَرْسَلْتُ رَسَائِلَ.
بَعْضُهَا حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ مَسَوَّدَاتٍ وَأَوْرَاقٍ وَجَدْتُهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَبَعْضُهَا كَتَبْتُهُ أَنَا، مُسْتَلْهِمَةً مَا كَانَ يَقُولُهُ وَيُؤْمِنُ بِهِ.
وَالْجُزْءُ الَّذِي كَتَبْتُهُ أَنَا فِي كُلِّ فَصْلٍ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ.
الْجُمْلَةُ الَّتِي لَا تُشْبِهُ أُسْلُوبَ بَقِيَّةِ الْفَصْلِ.
كَانَ مَحْمُودٌ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ يَجِبُ أَنْ تُطْرَحَ بَيْنَ أُنَاسٍ مُخْتَلِفِينَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
وَكَانَ يَمْلِكُ قَائِمَةً بِأَشْخَاصٍ يَرَى أَنَّهُمْ الْأَنْسَبُ.
أَنْتَ كُنْتَ عَلَيْهَا دَائِمًا يَا يُونُسُ.
أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْآخَرُونَ فَوَجَدْتُهُمْ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى.
وَلَنْ أَشْرَحَ ذَلِكَ الْآنَ.
لَسْتُ مَجْنُونَةً.
وَلَسْتُ أَبْنِي مُؤَامَرَةً.
أَنَا امْرَأَةٌ فِي السَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِي.
أُتِمُّ الشَّيْءَ الْأَخِيرَ الَّذِي طَلَبَهُ مِنِّي رَجُلٌ أَحْبَبْتُهُ.
وَأَحَبَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ أَكْثَرَ مِمَّا أَحَبَّ أَيَّ إِجَابَةٍ.
مَا تَفْعَلُونَهُ بِمَا أَرْسَلْتُهُ قَرَارُكُمْ.
أَنَا أَنْجَزْتُ مَا وَعَدْتُ بِهِ.
مَعَ التَّقْدِيرِ،
سَلْمَى.»
أَغْلَقَ يُونُسُ الْحَاسُوبَ.
وَجَلَسَ فِي الظَّلَامِ.
كَانَ وَالِدُهُ — الرَّجُلُ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى ابْنَهُ يَهَاجِرُ إِلَى بَرْلِين — يَحْمِلُ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ.
وَكَانَ يَعْرِفُ يُونُسَ بِمَا يَكْفِي لِيَضَعَهُ عَلَى تِلْكَ الْقَائِمَةِ.
فَكَّرَ:
هَلْ كَانَ يَعْرِفُ مَا سَيَحْدُثُ؟
هَلْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ابْنَهُ سَيَجِدُ نَفْسَهُ فِي بَرْلِين، يُحَاوِلُ شَرْحَ الْإِسْلَامِ لِمَنْ لَا يَعْرِفُونَهُ؟
وَهَلْ كَانَ الْأَبُ سَيُوَافِقُ عَلَى مَا يَقُولُهُ الِابْنُ الْيَوْمَ؟
وَهُوَ سُؤَالٌ لَنْ يَجِدَ إِجَابَةً.
أَرْسَلَ يُونُسُ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْآخَرِينَ رِسَالَةً قَصِيرَةً:
«عَرَفْنَا الْمُرْسِلَةَ.
وَأَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ أَرَى أَثِينَا مَرَّةً أُخْرَى.
لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِدُونِ مُؤْتَمَرٍ.»
الْفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَرَ: الطَّاغِيَةُ الْمُؤْمِنُ
قُرْطُبَةُ — سَنَةَ ٩٦١م
تَأَمُّلٌ تَارِيخِيٌّ مُسْتَوْحًى مِنْ شَخْصِيَّةِ عبد الرحمن الناصر لدين الله، بِنَاءً عَلَى مَا وَثَّقَهُ الْمُؤَرِّخُونَ.
بَنَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ الدَّوْلَةَ الْأُمَوِيَّةَ فِي الْأَنْدَلُسِ إِلَى ذُرْوَةِ قُوَّتِهَا.
كَانَ ذَكِيًّا.
وَكَانَ ذَا اهْتِمَامٍ بِالْعِلْمِ وَالْعُمْرَانِ.
وَازْدَهَرَتْ فِي عَهْدِهِ قُرْطُبَةُ ازْدِهَارًا كَبِيرًا.
وَلَكِنَّ ذِكْرَ أَسْمَاءَ مِثْلِ ابن رشد أَوْ الفارابي فِي مَجَالِسِهِ يُعَدُّ خَطَأً تَارِيخِيًّا؛ لِأَنَّهُمَا جَاءَا بَعْدَ زَمَنِهِ أَوْ لَمْ يَعِيشَا فِي سِيَاقِ حُضُورِ بِلَاطِهِ.
وَكَانَ — فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ — حَاكِمًا ذَا سُلْطَةٍ وَاسِعَةٍ، لَمْ تَخْلُ سِيَاسَاتُهُ مِنَ الشِّدَّةِ فِي تَثْبِيتِ الْحُكْمِ.
وَلَيْسَ هَذَا تَنَاقُضًا.
بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الدَّرْسِ.
فَالِاسْتِبْدَادُ لَا يَعْنِي الْغَبَاءَ.
وَالِازْدِهَارُ الثَّقَافِيُّ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ حُرِّيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ.
وَقَدْ يَبْنِي الْحَاكِمُ الْمَكْتَبَاتِ وَيُشَجِّعُ الْعِلْمَ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يُضَيِّقُ عَلَى خُصُومِهِ السِّيَاسِيِّينَ.
وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي التَّارِيخِ.
مَا يُمَيِّزُ الْحُكْمَ الْعَادِلَ مِنَ الْحُكْمِ الْمُسْتَبِدِّ لَيْسَ الذَّكَاءُ وَحْدَهُ.
وَلَا الثَّقَافَةُ وَحْدَهَا.
وَلَا حُسْنُ النِّيَّةِ وَحْدَهُ.
بَلْ مِنْ أَهَمِّ الْمَعَايِيرِ: هَلْ تُوجَدُ مُحَاسَبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أَمْ لَا؟
وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ تَأَمُّلًا يَعُدُّ فِيهِ أَيَّامَ السَّعَادَةِ الصَّافِيَةِ فِي حَيَاتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ تَجْعَلُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَقَطْ.
وَهِيَ رِوَايَةٌ مُتَدَاوَلَةٌ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ وَالْأَدَبِ.
وَسَوَاءٌ دَقَّتْ تَفَاصِيلُهَا أَمْ لَا، فَإِنَّهَا تَحْمِلُ مَعْنًى عَمِيقًا.
فَالسُّلْطَةُ الْمُطْلَقَةُ تَعْزِلُ صَاحِبَهَا.
وَتُحِيطُهُ بِمَنْ يُوَافِقُونَهُ.
وَتُبْعِدُ عَنْهُ مَنْ يَقُولُ لَهُ: «لَا».
وَحِينَ يَغِيبُ صَوْتُ الِاعْتِرَاضِ، تَضْمُرُ الْحَقِيقَةُ.
وَيَبْدَأُ الْقَرَارُ يُبْنَى عَلَى الصُّوَرِ لَا عَلَى الْوَاقِعِ.
وَالْحَاكِمُ الْأَذْكَى سَيُخْطِئُ إِذَا حُرِمَ مِمَّنْ يُنَبِّهُهُ إِلَى خَطَئِهِ.
لَا لِأَنَّهُ أَحْمَقُ.
بَلْ لِأَنَّهُ إِنْسَانٌ.
وَالْإِنْسَانُ لَا يَرَى كُلَّ شَيْءٍ بِمُفْرَدِهِ.
الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ — فِي أَبْسَطِ تَعْرِيفَاتِهَا — لَيْسَتْ آلِيَّةً لِانْتِخَابِ الْأَفْضَلِ.
بَلْ هِيَ آلِيَّةٌ تُبْقِي مَجَالًا دَائِمًا لِمَنْ يَقُولُ: «لَا».
وَتَسْمَحُ بِأَنْ يُقَالَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ الْحَيَاةَ أَوِ الْحُرِّيَّةَ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَرَ: الْمَجْلِسُ الْأَخِيرُ
تُونُس — يُونِيُو ٢٠١٩
لَمْ تَكُنْ أَثِينَا.
كَانَ طَارِقٌ هُوَ مَنْ اقْتَرَحَ تُونُسَ.
قَالَ:
— «الْمَكَانُ الَّذِي يُخِيفُنِي هُوَ الْبَلَدُ الَّذِي بَدَأَتْ فِيهِ أَسْئِلَتِي، فَلْنَكُنْ هُنَاكَ».
وَجَاؤُوا.
الْتَقَوْا فِي مَقْهًى قَدِيمٍ فِي الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ.
كَانَ سَقْفُهُ عَالِيًا، وَالْجُدْرَانُ ذَاكِرَةً مَرْئِيَّةً؛ صُوَرًا وَخَرَائِطَ وَكِتَابَاتٍ مِنْ حِقَبٍ مُتَعَاقِبَةٍ.
وَكَانَتْ رَائِحَةُ الْيَاسَمِينِ تَتَسَلَّلُ مِنَ الشَّارِعِ، وَضَجِيجُ الْمَدِينَةِ يَمْلَأُ صَيْفَهَا.
لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَرًا.
وَلَمْ تَكُنْ أَوْرَاقًا بَحْثِيَّةً.
كَانُوا أَرْبَعَةَ أَشْخَاصٍ فِي مَقْهًى.
قَالَ يُونُسُ — وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى سَلْمَى يِلْدِزَ وَتَلَقَّى رَدًّا —:
— «كَانَ أَبِي يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَسْئِلَةَ الْكَبِيرَةَ لَا تُجَابُ بِعَقْلٍ وَاحِدٍ.
وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يَجْلِسُ مَعَ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ وَحْدَهُ يَمِيلُ حَتْمًا إِلَى حَلٍّ وَاحِدٍ.
وَالْحَلُّ الْوَاحِدُ يَصِيرُ عَقِيدَةً.
وَالْعَقِيدَةُ تَصِيرُ اسْتِبْدَادًا».
قَالَ طَارِقٌ:
— «وَالْمَجْلِسُ — أَيُّ مَجْلِسٍ — يَكْسِرُ هَذَا».
قَالَ يُونُسُ:
— «نَعَمْ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ يَجِدُ الْجَوَابَ، بَلْ لِأَنَّ كُلَّ طَرَفٍ يَرَى نِقَاطَ عَمَى الطَّرَفِ الْآخَرِ.
وَأَحْيَانًا يَرَى نِقَاطَ عَمَاهُ هُوَ».
قَالَتْ لَيْلَى:
— «أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ مِنْ قَبْلُ».
نَظَرُوا إِلَيْهَا.
— «أَنَا طِوَالَ حَيَاتِي الْأَكَادِيمِيَّةِ كُنْتُ أُقَدِّمُ الْأَسْئِلَةَ بِشَكْلٍ مَقْبُولٍ، وَبِشَكْلٍ لَا يُغْضِبُ.
وَجَدْتُ فِي الْمَخْطُوطَةِ — فِي الْفَارَابِيِّ، وَابْنِ خَلْدُونَ، وَابْنِ رُشْدٍ، وَعَلِيِّ عَبْدِ الرَّازِقِ — أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكْتُبُوا مَا كَتَبُوهُ لِأَنَّ الْمَجَالَ كَانَ آمِنًا.
كَتَبُوهُ لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ».
تَوَقَّفَتْ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— «أَبِي كُوفِئَ عَلَى صِدْقِهِ بِالسِّجْنِ.
وَأَنَا كُوفِئْتُ عَلَى تَحَفُّظِي بِالسَّلَامَةِ.
وَهَذَا لَا يَجْعَلُنِي أَفْضَلَ مِنْهُ.
بَلْ يَجْعَلُنِي أَقَلَّ أَمَانَةً».
صَمَتُوا.
قَالَ طَارِقٌ:
— «أَوْ يَجْعَلُكِ إِنْسَانًا اخْتَارَ الْبَقَاءَ.
وَالْبَقَاءُ أَحْيَانًا شَجَاعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ».
قَالَتْ:
— «أَوْ عُذْرٌ مُرِيحٌ».
قَالَ:
— «أَوِ الْأَمْرَانِ مَعًا، فِي آنٍ وَاحِدٍ».
قَالَتْ يَاسَمِينُ:
— «أَنَا رَبِحْتُ قَضِيَّةَ عُمَرَ».
نَظَرُوا إِلَيْهَا.
— «قَبْلَ أُسْبُوعٍ.
تَبْرِئَةٌ كَامِلَةٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي إِنَّ الْأَدِلَّةَ لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً».
قَالَ يُونُسُ:
— «هَذَا خَبَرٌ جَيِّدٌ».
قَالَتْ:
— «نَعَمْ.
وَفِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ قَرَأْتُ فِي الصُّحُفِ تَعْلِيقًا يَقُولُ: “مُحَامِيَةٌ مُسْلِمَةٌ تُطْلِقُ سَرَاحَ مُتَّهَمٍ إِسْلَامِيٍّ”.
كَأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمْ تَكُنْ هِيَ السَّبَبَ.
وَكَأَنَّ الْهُوِيَّةَ هِيَ السَّبَبُ».
صَمَتَتْ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— «وَأَدْرَكْتُ شَيْئًا.
إِنِّي، إِذَا اسْتَمْرَرْتُ فِي هَذَا الْعَمَلِ، سَأَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أُعَرِّفَ نَفْسِي بَعِيدًا عَنْ كَيْفَ يُعَرِّفُنِي الْآخَرُونَ.
وَهَذَا أَصْعَبُ شَيْءٍ:
أَنْ تُعَرِّفَ نَفْسَكَ مِنَ الدَّاخِلِ، حِينَ يَكُونُ كُلُّ مَا حَوْلَكَ يُعَرِّفُكَ مِنَ الْخَارِجِ».
فِي آخِرِ اللَّيْلِ — حِينَ هَدَأَتِ الْمَدِينَةُ نِسْبِيًّا، وَأَشْعَلَتْ يَاسَمِينُ سِيجَارَتَهَا الْوَحِيدَةَ، كَعَادَتِهَا حِينَ لَا يَرَاهَا مُوَكِّلُوهَا — قَالَ طَارِقٌ:
— «أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ شَيْئًا».
أَخْرَجَ دَفْتَرَهُ الْأَزْرَقَ، الدَّفْتَرَ الَّذِي لَمْ يَفْتَحْهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ.
قَرَأَ مَا كَتَبَهُ سَنَةَ ٢٠١١:
«الْيَوْمَ بَدَأَ التَّارِيخُ.
لَا…
الْيَوْمَ بَدَأْنَا نَكْتُبُ التَّارِيخَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْنَا».
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ.
ثُمَّ قَالَ:
— «كُنْتُ مُخْطِئًا.
أَوْ كُنْتُ مُصِيبًا.
لَا أَعْرِفُ بَعْدُ.
لَكِنَّنِي الْآنَ لَا أَخْجَلُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَمَا كُنْتُ.
لِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كَتَبَهَا كَانَ يُؤْمِنُ.
وَالْإِيمَانُ — حَتَّى الْإِيمَانُ الَّذِي يَخِيبُ — أَشْرَفُ مِنَ الْعَدَمِيَّةِ الْأَنِيقَةِ».
قَالَتْ لَيْلَى:
— «وَالسُّؤَالُ الصَّادِقُ أَشْرَفُ مِنَ الْإِجَابَةِ الْمُرِيحَةِ».
قَالَ:
— «نَعَمْ».
الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ: يَوْمَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ
تُونُس — لَيْلَةٌ، وَخَارِجَ الزَّمَنِ
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَتَبَ الْأَرْبَعَةُ.
كُلٌّ فِي مَكَانٍ مُخْتَلِفٍ:
يُونُسُ فِي غُرْفَتِهِ.
وَلَيْلَى فِي وَرَقَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلَى حَاسُوبِهَا.
وَيَاسَمِينُ فِي مُفَكِّرَتِهَا الْقَانُونِيَّةِ الصَّغِيرَةِ.
وَطَارِقٌ فِي الدَّفْتَرِ الْأَزْرَقِ.
كَتَبَ يُونُسُ:
«كَانَ وَالِدِي يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ نِظَامِ حُكْمٍ.
وَأَنَا أَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَيْضًا.
الْإِسْلَامُ — كَمَا فَهِمْتُهُ فِي حَيَاتِي وَتَدْرِيسِي — يَحْمِلُ سُؤَالًا عَنِ الْعَدْلِ.
وَالْعَدْلُ لَا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ النِّظَامِ إِسْلَامِيًّا.
بَلْ يَتَحَقَّقُ بِقِيَاسِهِ.
وَأَفْضَلُ أَدَاةٍ لِقِيَاسِ الْعَدْلِ رَأَيْتُهَا فِي التَّارِيخِ هِيَ:
هَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَحْكُومُ أَنْ يُحَاسِبَ الْحَاكِمَ؟
هَذَا هُوَ السُّؤَالُ.
وَلَيْسَ: “هَلْ هَذَا إِسْلَامِيٌّ؟”».
كَتَبَتْ لَيْلَى:
«أَبِي كَتَبَ مَقَالَةً قِصَرُهَا صَفْحَتَانِ، وَقَضَى سَبْعَةَ أَشْهُرٍ فِي مَكَانٍ لَمْ أَرَهُ.
وَالْفِكْرَةُ الَّتِي كَتَبَهَا — أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ يَتَعَارَضُ مَعَ الشَّرِيعَةِ — لَمْ تُسْجَنْ مَعَهُ.
بَقِيَتْ.
وَأَنَا أَسْتَمِرُّ فِي طَرْحِ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي كَانَ سَيَطْرَحُهَا.
لَا إِكْمَالًا لِأَبِي، بَلْ لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ تَسْتَحِقُّ.
وَالْأَسْئِلَةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ مَنْ يَسْأَلُهَا.
إِنَّهَا تَنْتَظِرُ مَنْ يَحْمِلُهَا».
كَتَبَتْ يَاسَمِينُ:
«الْإِسْلَامُ الَّذِي أَعْرِفُهُ لَيْسَ النَّصَّ.
فَالنَّصُّ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، وَكُلُّ تَفْسِيرٍ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ.
الْإِسْلَامُ الَّذِي أَعْرِفُهُ شَيْءٌ تَعَلَّمْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَقْرَأَ؛ فِي طَرِيقَةِ أُمِّي وَهِيَ تَطْبُخُ، وَتَقُولُ: “بِسْمِ اللهِ”، وَكَأَنَّهَا نَفَسٌ، لَا قَرَارٌ.
وَهَذَا الْإِسْلَامُ — الَّذِي فِي الْجَسَدِ، وَالْعَادَةِ، وَالْكَرَامَةِ الصَّامِتَةِ — لَا يَتَعَارَضُ مَعَ أَيِّ نِظَامٍ يَحْتَرِمُ الْإِنْسَانَ.
بَلْ يَطْلُبُهُ.
لِأَنَّ مَنْ أَمَرَ بِالْعَدْلِ لَا يَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْهُ».
كَتَبَ طَارِقٌ:
«سُؤَالٌ وَاحِدٌ بَقِيَ مَعِي مِنْ كُلِّ مَا قَرَأْتُهُ وَعِشْتُهُ:
هَلْ يُمْكِنُ لِشَعْبٍ أَنْ يَخْتَارَ؟
لَيْسَ اخْتِيَارَ الْحَاكِمِ فَقَطْ، بَلِ اخْتِيَارَ كَيْفَ يُحْكَمُ.
وَأَنْ يَظَلَّ هَذَا الِاخْتِيَارُ مَفْتُوحًا، قَابِلًا لِلْمُرَاجَعَةِ فِي كُلِّ جِيلٍ.
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ.
لَكِنَّ الثَّمَنَ كَبِيرٌ.
وَالثَّمَنَ لَا يَدْفَعُهُ الْمُتَحَدِّثُونَ فِي الْمُؤْتَمَرَاتِ.
بَلْ يَدْفَعُهُ رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ يَمُوتُ وَحِيدًا فِي شَقَّتِهِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْفِكْرَةُ تَسْتَحِقُّ، فَهِيَ تَسْتَحِقُّ أَنْ نَذْكُرَ مَنْ دَفَعُوا ثَمَنَهَا.
وَأَنْ نُكْمِلَ».
فِي مَكَانٍ خَارِجَ الزَّمَنِ
لَمْ يَكُنِ الْمَجْلِسُ الَّذِي يَجْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَاضِي — الْفَارَابِيَّ، وَابْنَ خَلْدُونَ، وَابْنَ رُشْدٍ، وَعَلِيَّ عَبْدَ الرَّازِقِ، وَإِقْبَالَ — مَكَانًا حَقِيقِيًّا.
بَلْ كَانَ الْفَضَاءَ الَّذِي تَصْنَعُهُ الْأَسْئِلَةُ حِينَ تُطْرَحُ بِصِدْقٍ.
وَفِي ذَلِكَ الْفَضَاءِ — لَوْ أَمْكَنَ — رُبَّمَا كَانَ الْفَارَابِيُّ سَيَقُولُ لِلَيْلَى:
«الْجَوَابُ لَا يَجْعَلُ السُّؤَالَ أَقَلَّ قِيمَةً».
وَكَانَ ابْنُ خَلْدُونَ سَيَقُولُ لِطَارِقٍ:
«الْعَصَبِيَّةُ الَّتِي تُعِيدُ الْأَمَلَ مَطْلُوبَةٌ، شَرْطَ أَلَّا تَصِيرَ عَصَبِيَّةً جَدِيدَةً».
وَكَانَ ابْنُ رُشْدٍ سَيَقُولُ لِيَاسَمِين:
«الْكُتُبُ الَّتِي أُحْرِقَتْ وَصَلَتْ.
وَالْأَفْكَارُ أَطْوَلُ عُمْرًا مِنَ السُّلْطَةِ الَّتِي تَخَافُهَا».
وَكَانَ عَلِيُّ عَبْدُ الرَّازِقِ سَيَقُولُ لِيُونُسَ:
«الْجُرْأَةُ عَلَى قَوْلِ: “لَا نَصَّ هُنَا” هِيَ، فِي حَدِّ ذَاتِهَا، أَمَانَةٌ لَا تَفْرِيطٌ».
وَكَانَ إِقْبَالُ سَيَقُولُ لِلْجَمِيعِ:
«الدَّوْلَةُ الَّتِي لَمْ أَرَهَا قَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً عَمَّا تَخَيَّلْتُ.
وَالْأَمَلُ فِي مَشْرُوعٍ لَمْ يَكْتَمِلْ لَيْسَ سَذَاجَةً.
إِنَّهُ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُبْقِي الْأَشْيَاءَ مُمْكِنَةً».
الْخَاتِمَةُ: مَا لَمْ يُغْلَقْ
يُونِيُو ٢٠١٩ — تُونُس — صَبَاحٌ
جَلَسُوا فِي الْمَقْهَى نَفْسِهِ.
كَانَ ذَلِكَ آخِرَ صَبَاحٍ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا إِلَى بُلْدَانِهِمْ.
قَالَتْ لَيْلَى — وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الشَّارِعِ:
— «سُؤَالٌ أَخِيرٌ.
إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ تُلَخِّصُ مَا وَصَلْنَا إِلَيْهِ، فَمَا هِيَ؟»
صَمَتُوا.
قَالَ يُونُسُ:
— «لَا أَعْتَقِدُ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى مَكَانٍ.
أَعْتَقِدُ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى السُّؤَالِ الصَّحِيحِ».
قَالَتْ يَاسَمِينُ:
— «وَمَا هُوَ؟»
قَالَ:
— «كَيْفَ تَبْنِي نِظَامًا يَكُونُ أَكْثَرَ عَدْلًا مِنْكَ أَنْتَ حِينَ تَكُونُ فِي أَسْوَإِ أَيَّامِكَ؟»
صَمَتُوا.
قَالَ طَارِقٌ:
— «هَذَا هُوَ السُّؤَالُ نَفْسُهُ الَّذِي كَتَبَهُ الْفَارَابِيُّ فِي هَامِشِهِ وَلَمْ يُكْمِلْهُ».
قَالَ يُونُسُ:
— «نَعَمْ».
قَالَتْ لَيْلَى:
— «وَمَا زَالَ بِلَا جَوَابٍ».
قَالَ يُونُسُ:
— «وَمَا زَالَ بِلَا جَوَابٍ.
وَهَذَا لَيْسَ فَشَلًا.
بَلْ يَعْنِي أَنَّهُ السُّؤَالُ الصَّحِيحُ».
وَدَّعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي شَارِعٍ مِنْ شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ.
وَكَانَ الْيَاسَمِينُ لَا يَزَالُ فِي الْهَوَاءِ.
وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ قَدْ بَدَأَتْ يَوْمَهَا.
قَالَتْ يَاسَمِينُ قَبْلَ أَنْ تَرْكَبَ سَيَّارَةَ الْمَطَارِ:
— «هَلْ سَنَلْتَقِي مَرَّةً أُخْرَى؟»
قَالَ طَارِقٌ:
— «إِذَا كَانَ السُّؤَالُ لَا يَزَالُ يَسْتَحِقُّ».
قَالَتْ لَيْلَى:
— «يَسْتَحِقُّ».
وَنَظَرَ يُونُسُ إِلَيْهِمُ الثَّلَاثَةَ؛ إِلَى وُجُوهٍ حَمَلَتْ أَسْئِلَةً حَمَلَهَا وَالِدُهُ قَبْلَهُمْ، وَحَمَلَهَا الْفَارَابِيُّ قَبْلَ أَبِيهِ بِأَلْفِ سَنَةٍ.
وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
لِأَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ يَكْفِيهَا أَنْ تَكُونَ.
مُلَاحَظَةٌ خِتَامِيَّةٌ
الشَّخْصِيَّاتُ التَّارِيخِيَّةُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
أبو نصر الفارابي، وَابن خلدون، وَابن رشد، وَمحمد إقبال، وَعلي عبد الرازق، وَأبو حامد الغزالي؛ شَخْصِيَّاتٌ تَارِيخِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ.
أَمَّا الْأَحْدَاثُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَيْهِمْ، فَمُسْتَقَاةٌ مِنْ سِيَرِهِمُ الْمُوَثَّقَةِ، أَوْ مُتَّسِقَةٌ مَعَ مَوَاقِفِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ.
وَبَعْضُ الْمُنُولُوجَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ خَيَالٌ رِوَائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا كَتَبُوهُ.
مَصَادِرُ مُقْتَرَحَةٌ لِلْقَارِئِ الَّذِي يُرِيدُ التَّعَمُّقَ
• المقدمة — فُصُولُ السِّيَاسَةِ وَالْعُمْرَانِ.
• تهافت الفلاسفة.
• تهافت التهافت.
• الإسلام وأصول الحكم.
• آراء أهل المدينة الفاضلة.
• خُطَبُ وَمُحَاضَرَاتُ محمد إقبال فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْإِسْلَامِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
— سُورَةُ النِّسَاءِ: ٥٨
الْعَدْلُ — لَا النِّظَامُ — هُوَ مَا يُطْلَبُ.
وَالنِّظَامُ الَّذِي يُحَقِّقُ الْعَدْلَ هُوَ النِّظَامُ الَّذِي يُرْضِي الضَّمِيرَ الْإِنْسَانِيَّ، أَيًّا كَانَ اسْمُهُ.
نِّهَايَةُ — مَجْلِسُ الْغَائِبِينَ

حين تُفكّر الآلة باسم الإنسان