رواية ظلّ القرار
الجزء الثاني
المقدمة:
في أعماقِ كُلِّ إنسانٍ بَحرٌ لا يُرى، يَغتَسِلُ فيه الحنينُ بالشَّوقِ، وتَتَصارَعُ أمواجُ الذاكرةِ مع جُزرِ النِّسيان. هناكَ، في ذلكَ العُمقِ الخفيِّ، تَسكنُ حكاياتٌ لم تَنتهِ، وأصواتٌ لم تَخمدْ، وأحلامٌ تُصِرُّ على أنْ تَبقَى حيَّةً ولو على حافَّةِ الغرق.
مِن هُنا تَنطلِقُ من جديدٍ حِكَايَةُ دانيِيل مُولِر و آنا مارِيَا، لا كَعاشِقَيْنِ يَتَبادلانِ الوُعُودَ فَقط، بَل كَروحَيْنِ تُحاوِلانِ أنْ تَفهَما مَعنى البقاءِ بعدَ الفقد، وأنْ تَكتَشِفا إنْ كانَ الحُبُّ سَبيلاً إلى النَّجاةِ، أَم مِحارةً تُخفي في جَوفِها ألمَ العُمق.
يتَساءَلُ دانيِيل في وحدتِه:
هل يمكنُ للقلبِ أنْ يُشفى إذا عرَفَ سَببَ الجُرح؟
وتَهمِسُ آنا مارِيَا لنَفسِها:
هل الخَلاصُ في النِّسيانِ، أَم في أنْ نَتَعلَّمَ الطَّفوَ على ذاكرةٍ لا تَموت؟
في هذا الجُزءِ الثَّاني، لا يَكتفِي السَّردُ بإعَادَةِ تَتبُّعِ ما تَرَكَتهُ النِّيرانُ مِن رَمادٍ بَارِدٍ، بَل يَغُوصُ إلى الأعماقِ باحثًا عن جَذرِ النُّورِ في قَاعِ الظَّلام، عن الحَيَاةِ التي تَنبُتُ بَينَ مِلحِ الدَّمعِ وصَمتِ الانتِظار.
يُدرِكُ الاثنانِ – متأخِّرَينَ كعادَةِ المُحبِّين – أنَّ الخَلاصَ لَيسَ في الهَربِ مِن الألمِ، بَل في تَقبُّلهِ، في إِعادةِ النَّبضِ إلى ما احترَق، وفي الإِصغاءِ إلى ما يَقولُهُ الصَّمتُ حينَ تَصمُتُ الكَلمات.
يُصبِحُ البَحرُ في هذه الرِّوايةِ مِرآةَ النَّفسِ؛ تَرى فيهِ ما تُخفِيهِ أكثرَ ممَّا تُظهِر، وتُدرِكُ أنَّ كُلَّ مَوجةٍ سُؤالٌ، وكُلَّ هُدُوءٍ إِجابَةٌ ناقِصَة.
وتَغدو العاصِفَةُ قُوَّةَ الخَلقِ مِن جَديد، كَمِمحاةٍ إلهيَّةٍ تَمحُو الخَوفَ لتَكتُبَ الإِيمانَ، فيما يَتَحوَّلُ الحُبُّ إلى خَيطٍ رَقيقٍ يَربِطُ الرُّوحَ بالمَصير، والعَقلَ بالقَلب، كأنَّهُ نَذرٌ يُقالُ قَبلَ الإبحار.
يُتابِعُ دانيِيل رِحلَتَهُ على حَافَّةِ البحرِ، تَسألهُ الأمَوَاجُ:
أَأَنتَ تَبحَثُ عَنِ الخَلاصِ، أَم عَن مَعنى الخَسَارَة؟
وتُبحِرُ آنا مارِيَا إلى جَانِبِهِ، تُمسِكُ بظِلِّها الطَّويلِ الَّذي يَمتَدُّ على المَاءِ كأنَّهُ طَيفُ أمٍّ تَحنُّ إلى ابنٍ لم تَلِده.
تُحاوِلُ أنْ تَستَعيدَ في كُلِّ مَينَاءٍ وَجْهَ الأُمُومَةِ الَّذي سَرَقَهُ القَدَرُ منها، وتَبتَسِمُ أحيانًا وهيَ تَسألُ البحرَ:
هل يُمكنُ لِلمَاءِ أنْ يَحْمِلَ الحَنَانَ كَما يَحمِلُ الأَمواج؟
وبَينَ صَوتِ المَوجِ وَصَمتِ السَّماءِ، يَتكشَّفُ الاثنانِ كَخُشَبَةِ سَفينَةٍ عَتيقَةٍ احتَفَظَت في شُقوقِها بصَدى الرِّحلاتِ المَاضِيَة، وبِنَفَسِ مَن أَبحَرُوا ولم يَعودُوا.
إنَّهُ نَصٌّ عَنِ الحَيَاةِ كَمَا تُرَى مِن مَقدِّمَةِ سَفينَةٍ تَمضِي إلى المَجهُول، عَنِ الإِيمَانِ الَّذي يُولَدُ مِن رَمَادِ الخَوفِ، وَعَنِ الإِصرَارِ الَّذي يَصنَعُ ظِلَّهُ بِيَدِهِ فِي كُلِّ صَبحٍ جَدِيد.
هُنا، يَتَحوَّلُ البَحرُ إلى مِحرَابٍ تُرفَعُ فيهِ صَلَواتُ الانتِظار، وَالحُبُّ إلى مَسَاحَةِ تَجَلٍّ تُطهِّرُ القُلوبَ مِن أَوهَامِها، وَالحِكَايَةُ إلى مَتاهَةٍ مِن المِلحِ وَالدُّعَاءِ، نَتَوهُ فيها لا لِنَفقِدَ الطَّرِيقَ، بَل لِنَعرِفَ أَينَ تَكمُنُ البِدَايَة.
فَأَهلًا بِكُم فِي هَذَا الجُزءِ الجَدِيدِ مِن “ظِلِّ القَرَار”، نَبحَرُ مَعًا فِي أَعمَاقِ المَعنَى، وَنَستَمِعُ لِصَوتِ الحَيَاةِ كَمَا يَأتِي مِن دَاخِلِ القَلبِ، لَا مِن خَارِجِ العَالَم.
مرحبًا بكُم،
نُعمان
كانَ العامُ ١٧٨٣ حينَ خرجَ دانييل مُولِر من أطلالِ بيتِه المُشتعِل، لا يحملُ من الحياةِ إلّا يدهُ التي تُمسِكُ بذراعِ زوجتهِ المرتجفةِ، وذاكرةٍ تشبهُ رمادًا لا يبردُ أبدًا.
كانَ الدخانُ يملأُ عينيه، لا يعرفُ أهو من بقايا الحريق أم من دموعٍ رفضتِ السقوط.
وفي تلكَ اللحظةِ التي التفتَ فيها إلى الخلفِ، رأى كلَّ ما مضى يحترقُ دفعةً واحدة: الأبُ الذي كانَ عمادَ الدار، الأمُّ التي لم تنمْ ليلةً دون أن تدعو له، وطفلهُ الرضيعُ الذي لم يعرف من العالمِ سوى حنوّ صدرِ أمّه.
تساءل في داخله:
«كيفَ تُمحى حياةٌ كاملةٌ في ليلةٍ واحدة؟ أهذا هو معنى الفقد؟ أم أنَّ الحريقَ لا يُطفِئُ البيوتَ فقط، بل يطفئُ مَن يسكنُها؟»
لم يكنِ البيتُ وحدَه مَن احترقَ في تلكَ الليلة؛ كانَ العمرُ كلُّه ينهارُ بينَ ألسنةِ اللهب.
وفي صباحٍ رماديٍّ بلا عزاء، غادَرَ دانييل وآنا ماريا نحو هامبورغ — المدينةِ التي كانَ اسمُه يومًا يتهامسُ بهِ عمّالُ المرافئِ بإعجابٍ، ثم غدت فجأةً ملجأً يلوذانِ به من العدم.
كانَ بيتُ العمّ، والدِ آنا ماريا، في أحدِ أحياءِ هامبورغ القديمة، أشبهَ بظلٍّ يحتمي فيه من شمسِ الألم. أعادَ ترتيبَ أنفاسِهما، لكنَّه لم يملك أن يُعيدَ ترتيبَ أرواحهما.
آنا ماريا — تلكَ التي كانت قبل أيامٍ تملأُ البيتَ غناءً وضحكًا — صارت كطيفٍ باهتٍ، تجلسُ أمامَ النافذةِ ساعاتٍ لا تُحصى، تنظرُ إلى اللاشيء، كأنَّها تخاطبُ الهواء:
«لماذا تركتَنا يا صغيري؟ ألم نَكُن نحنُ دفءَ هذا العالم؟»
كانَ دانييلُ يسمعُها ولا يجيب. كلُّ كلمةٍ منها كانت تُشعلُ داخله نارًا أخرى.
يحدّثُ نفسهُ وهو يتأمّلُها في صمتٍ:
«هل أستطيعُ حقًّا أن أكونَ عكّازَها بعد أن انكسرتُ أنا؟ كيفَ أضمُّها إليَّ وأنا لا أملكُ سوى رمادي؟»
الانهيارُ الذي أصابَها خيّمَ على البيتِ بأكمله، وصارَ حضورُها غيابًا لا يُطاق.
كانت رعايتُها تشغلهُ عن التفكيرِ بأيِّ شيءٍ آخر، وكأنَّ القدرَ أرجأَ وجعهُ إلى أجلٍ غيرِ معلوم.
ثمّ شيئًا فشيئًا، بدأَ الضوءُ يتسلّلُ من جديدٍ إلى نوافذِ البيت، كما تتسلّلُ الحياةُ إلى جسدٍ باردٍ. عادت الكلماتُ إلى فمِها، متقطّعةً، خجولةً، لكنها كانت بدايةً.
وفي إحدى الأمسياتِ، جلسَ دانييلُ مع عمِّه عندَ الموقدِ الصغير، يراقبانِ احتراقَ الخشبِ كما لو كانا يُراقبانِ ما تبقّى من الأيام. رفعَ العمُّ رأسَه نحوه، وقال بصوتٍ متهدّجٍ تتداخلُ فيه الخبرةُ بالشجن:
“البحرُ يا بُنيّ… هو الشيءُ الوحيدُ الذي لا يُخزِّنُ المأساة. خُذْ من موجهِ درسًا، فهو لا يحتفظُ بشيءٍ… حتى الحطامُ الذي يبتلعه، يلفظُه حينَ يهدأ.”
تأمّلَ دانييلُ ملامحَ الرجلِ التي أنهكها العمرُ، وشعرَ أنَّ تلكَ الكلماتِ ليست مجرّد نصيحة، بل وصيّةُ نجاة.
ثمّ أضافَ العمُّ بعد صمتٍ قصير:
“تعالَ ورافِقْني في رحلاتي. البحرُ علّمني ما لم تعلّمني إيّاه الأرضُ. التجارةُ ليست بيعًا وشراءً فقط، إنّها امتحانٌ للحياة، ومصالحةٌ مع المجهول.”
كانَ دانييلُ يُصغي وهو بينَ خوفٍ ورغبة، بينَ الحاجةِ إلى الرحيلِ والخوفِ من الفقدِ الثاني. تحدّثَ في داخله بصوتٍ يسمعه وحده:
«ولكن… ماذا عن آنا ماريا؟ أأتركُها وأنا أعلمُ أنّها ما زالت عالقةً في رمادِ تلكَ الليلة؟ كيفَ أُبحرُ وقلبي ما زالَ غارقًا هنا؟»
أطرقَ طويلًا، ثمّ رفعَ رأسه نحو عمه، وفي عينيه مزيجٌ من التردّدِ والرجاء، كأنّه يقولُ دونَ كلامٍ:
“سأُجرِّب، ولكن… هل تكفي البحارُ كي تُطفئَ هذه النار؟”
مدَّ العمُّ يدهُ وربّت على كتفهِ بلطفٍ وقال:
“كلُّ رحلةٍ يا دانييل تبدأُ بخطوةٍ واحدةٍ إلى المجهول. لا تنتظر أن يهدأَ الألمُ كي تُبحر، فالبحرُ وحدَه من يعرفُ كيفَ يهدّئُ القلب.”
عندها، أومأ دانييلُ، لا موافقةً كاملةً، ولا رفضًا تامًّا، بل كأنَّهُ أومأ للحياةِ ذاتِها أن تمنحهُ فرصةً أخرى.
خرجَ إلى الشرفة، نظرَ إلى السماءِ الملبَّدةِ بالغيوم، وقالَ في نفسه:
«ربّاه… هل يكونُ البحرُ خلاصًا؟ أم جرحًا آخرَ بطعمِ المِلْح؟»
وفي تلكَ اللحظة، ولأولِ مرةٍ منذَ الحريق، أحسَّ أنَّ قلبهُ يضطربُ لا من الحزنِ، بل من رغبةٍ غامضةٍ في أن يبدأَ من جديد.
وهكذا، كانت تلكَ اللحظةُ فاتحةَ المرحلةِ الرابعةِ من حياةِ دانييل مولر، على ظهرِ سفينةٍ لا تعرفُ حدودًا للاتجاه، ولا تعترفُ بثباتِ الأرضِ تحتَ الأقدام.
كانت الموجةُ الأولى التي ارتطمت بجانبِ السفينة كأنّها تصافحه باسمٍ جديد، اسمٍ لا يحملُ من ماضيه سوى صداه البعيد.
وقفَ على السطحِ المبتلِّ يراقبُ الأفقَ المفتوحَ بلا نهايةٍ، وهمسَ في نفسه:
«ها أنا ذا من جديد… أأُولَدُ رابعَ مرّةٍ أم أُعيدُ ترتيبَ هزائمي بطريقةٍ أخرى؟»
كانَ يعرفُ، في أعماقه، أنّ ما مضى لم يكن مجرّد فصولٍ من عمرٍ عاديّ، بل طبقاتٍ من التجربةِ تُشكّلُه كما تُشكّلُ الرياحُ وجهَ الصخر.
لقد مرَّ بثلاثِ مراحلَ من الحياة قبلاً، لكلٍّ منها طعمُها وملحُها وجرحُها، حتى انتهت بهِ الخطى إلى هذا المدى اللامتناهي من البحر.
المرحلةُ الأولى… كانت طفولتَه في هاربورغ؛
هناك، حيثُ كانَ يسمعُ ضحكةَ أمِّه تمتزجُ بصوتِ النهرِ الصغيرِ المارِّ بجانبِ الطاحونة، ويشعرُ أنّ العالمَ كلَّه لا يتجاوزُ حديقةَ البيتِ وسقيفةَ الطحين.
كانَ الزمنُ آنذاك يمرُّ بطيئًا، كأنهُ يخافُ أن يكبرَ معه.
كلُّ صباحٍ كانَ يركضُ إلى الحقلِ حافيًا، يلاحقُ الفراشاتِ ويدّعي أنّهُ يصطادُ الضوء.
ثمّ حينَ يعودُ، كانَ يجدُ أباهُ على بابِ الطاحونةِ، يبتسمُ له قائلاً:
«احفظْ يا دانييل، أنّ القمحَ مثلُ الإنسان، لا يُثمرُ إلّا إذا سُقيَ بعرقِ صاحبه.»
كانت تلكَ الكلماتُ البسيطةُ أولَ بذورِ الوعيِ التي زرعها الأبُ في ابنه، دونَ أن يعلمَ أنّها سترافقهُ يومًا في معاركَ لا علاقةَ لها بالقمحِ ولا بالأرض.
ثمّ جاءت المرحلةُ الثانية، حينَ رحلَ إلى هامبورغ، المدينةِ التي تشبهُ متاهةً من الحجارةِ والمرافئِ والوجوه.
كانَ في بدايتِها تلميذًا يبحثُ عن المعنى في دفاترِ العلم، ثمّ صارَ شابًّا يتعلّمُ أسرارَ التجارةِ البحريةِ على يدِ عمِّه، الرجلِ الذي فهمَ البحرَ كما يُفهمُ كتابٌ قديمٌ محفورٌ بحبر لكنه في الصخور.
في تلكَ السنواتِ، كانت روحهُ تتأرجحُ بينَ انبهارِه بعالمٍ جديدٍ يضجُّ بالحركةِ، وحنينِه الدائمِ إلى رائحةِ الخبزِ في بيتِ الطفولة.
وفي ليالٍ كثيرةٍ، كانَ يسألُ نفسهُ بصوتٍ خافتٍ لا يسمعهُ أحد:
«هل أستطيعُ أن أُبحرَ دونَ أن أفقدَ جذوري؟ أم أنّ البحرَ لا يقبلُ إلّا مَن نسيَ اليابسة؟»
أمّا المرحلةُ الثالثة، فكانت عودتَه إلى الأرض.
مرضَ الأبُ العجوزُ، فتركَ دانييلُ البحرَ وسافرَ إلى بلدتهِ ليقفَ إلى جانبِه في أعمالِ الطاحونةِ والحقل.
كانت تلكَ السنواتُ قاسيةً كشتاءٍ طويلٍ لا ينتهي، إذ حملَ فيها أعباءَ العائلةِ ومسؤوليةَ الأرضِ، وتزوّجَ آنا ماريا، ابنةَ عمِّه، على أملِ أن تبقى جذورُه ثابتةً في الترابِ الذي وُلدَ منه.
غير أنّ القدرَ كانَ يخبّئُ له امتحانًا آخر؛ فالفقدُ الذي نزلَ على بيتهِ فيما بعدُ لم يتركْ في داخلهِ إلّا الفراغ.
ها هو الآنَ، في المرحلةِ الرابعة، يعودُ إلى البحرِ لا هاربًا إليه من خوفه، بل عائدًا إليه كمن يرجعُ إلى مصيرهِ الأوّل.
يُديرُ نظرهُ في الوجوهِ حوله، فلا يرى إلّا ملامحَ نفسهِ المبعثرة.
يهمسُ مرّةً أخرى، وقد التصقَ الهواءُ المالحُ بوجهِه:
«كم مرّةٍ يمكنُ للإنسانِ أن يُولَدَ في العمرِ الواحد؟ وهل تُعيدُنا البحارُ إلى الحياةِ، أم تمحو آثارَنا إلى الأبد؟»
ثمّ يبتسمُ ابتسامةً باهتةً وهو يضعُ يدهُ على السورِ المعدنيّ للسفينة، كأنّهُ يُصافحُ المجهولَ ويقولُ له في سرّه:
«أنا مستعدّ… خُذني حيثُ تشاء، فلعلّني أجدُ فيك ما لم أجدهُ في الأرض.»
وكانَ في تلكَ اللحظةِ، بينَ صوتِ الموجِ وارتجافِ السفينة، يشعرُ أنّ حياتهُ لم تكنْ سوى سلسلةِ بحارٍ متعاقبةٍ — بعضها من ماءٍ، وبعضها من روحٍ.
وَمِنْ هناك، من فوقِ الخشبِ المبتلِّ بالمطرِ والملحِ والذاكرة، بدأت ملامحُ التحوُّلِ الخفيِّ في حياةِ دانييل مولر.
كان واقفًا على ظهرِ السفينةِ كمن يقفُ على حدودِ عالمٍ بينَ أنقاضٍ خلفَه ومجهولٍ أمامَه. لم يَعُد يدري إنْ كانَ البحرُ خلاصًا أم امتحانًا آخرَ من امتحاناتِ القدر.
كانتِ الأمواجُ تصطدمُ بجانبيِ المركبِ في عنفٍ متقطّعٍ، فتتردّدُ في صدرِه كلماتٌ لم يقلها لأحد:
«كم يلزمُ الإنسانَ من العواصفِ ليغسلَ عن قلبِه رمادَ الخسارات؟
وهل يمكنُ للماءِ أن يُنبتَ من جديدٍ ما أحرقَهُ النار؟»
لم يكنْ يُريدُ أن ينجو بقدرِ ما كانَ يُريدُ أن ينسى.
فالنسيانُ – في تلك اللحظة – بدا لهُ ضربًا من النجاة.
كان يهربُ من صدى المدنِ الضيقةِ التي ضجَّت بأنينِه، ومن جدرانٍ صامتةٍ حفظتْ كلَّ تنهيدةٍ أطلقتْها آنا ماريا في ليالي الفقد الطويلة، حينَ كانتْ تبكي في ظلامِ الغرفةِ كأنها تستدرجُ الموتَ ليعتذرَ عن تأخُّره.
تلك الجدرانُ كانت شاهدةً على انكسارهِ أكثرَ مما كانتْ مأوى له، فحين غادرها، شعرَ أنّه يخلّف وراءه جزءًا من روحهِ مع كلِّ حجرٍ فيها.
ركبَ أوّلَ سفينةِ شحنٍ تجاريةٍ تُبحرُ من مرفأِ هامبورغ القديم، متّجهةً إلى مرسيليا.
لم يسألْ عن الأجرِ، ولا عن المدةِ، ولا عن الخطر.
كلُّ ما أرادَهُ أن يُلقي بنفسهِ في مجرى آخر، كمن يسلّمُ جسدهُ للتيارِ ويتركُ للعالمِ أن يقرّرَ بدلًا عنه.
وفي الطريقِ إلى المرفأ، كانَ صوتهُ الداخليُّ يُكلّمهُ في حوارٍ لم يسمعهُ أحد:
– إلى أينَ تظنُّ نفسك ذاهبًا يا دانييل؟
– إلى البحر…
– البحرُ ليسَ ملجأً، إنّه مرآةٌ، سيُريكَ كلَّ ما تهربُ منه.
– فليُرني إذن، لم أعد أخافُ من الرؤية.
وعندما تحرّكتِ السفينةُ، كانَ المطرُ يتساقطُ خفيفًا على كتفيهِ، كأنَّ السماءَ تباركُ خطوتهُ الجديدة.
نظرَ إلى الأفقِ الرماديِّ، وقالَ في نفسهِ بصوتٍ أقربَ إلى الهمس:
«كم يشبهُ هذا البحرُ قلبي… لا ساحلَ له، ولا قرار.»
كانت تلكَ الرحلةُ الأولى أشبهَ بولادةٍ رابعةٍ لكنها كانت من رحمِ الماء هذه المرة، إذ شعرَ أنّه يُعيدُ تركيبَ ذاتهِ على مهلٍ، كما يُعيدُ النهرُ تشكيلَ حجارتِه مع كلِّ فيضان.
ومنذُ تلكَ اللحظة، بدأ يتعلّمُ لغةَ الرياح، ويقرأُ حركتَها كما كانَ يقرأُ وجوهَ الناسِ في أسواقِ هامبورغ القديمة.
صارَ يعرفُ، دون أن يسألَ أحدًا، متى يغضبُ البحرُ ومتى يهدأ، متى يبتلعُ السفنَ، ومتى يُعيدها إلى الميناء كأطفالٍ عائدين من مغامرةٍ خطيرة.
وفي أعماقِ الليل، حينَ يهدأُ كلُّ شيءٍ إلّا الموج، كانَ دانييلُ يُغمضُ عينيه، يسمعُ خفقَ السفينةِ ويقولُ في حوارٍ خافتٍ مع نفسه:
«لعلّي لم أُغادرْها حقًّا، تلك المدينةَ، ولا ذلكَ الحُزن.
كلُّ ما في الأمر أنّي أحملهما معي على ظهرِ السفينة، في هيئةِ صمتٍ لا يغرق.»
كانَ يقولُ في سرِّه، وهو يُتابعُ بانبهارٍ مُنطفئٍ تلاشيَ الساحلِ خلفَهُ شيئًا فشيئًا:
«أتُراني أهربُ أم أعود؟ أأبحثُ عن نفسي أم أدفنها في البحر؟ أأمضي إلى خلاصٍ حقيقيٍّ أم إلى ضياعٍ جديدٍ بلونٍ آخر؟»
لم يُجبْ عن سؤالٍ منها، لكنّ البحرَ أجابَ بطريقتِه التي لا تعرفُ اللغة.
ذات مساء هادئ ما إن تجاوزتِ السفينةُ سواحلَ سردينيا حتى هبّت عاصفةٌ هوجاءُ كأنّها قبضةُ غضبٍ سماويٍّ انفتحت على العالمِ فجأة.
انقلبَ الليلُ نهارًا مضطربًا، والريحُ تعصفُ بأشرعةِ المركبِ كأنّها تُحاولُ اقتلاعَها من جذورِها.
اهتزّتِ السفينةُ كقشّةٍ بين أصابعِ القدر، وانشقَّ الموجُ عن نفسِه، فصارَ يعلو ويهبطُ في صخبٍ جنونيٍّ لا يرحمُ صرخةً ولا دعاء.
تطايرتِ الصناديقُ المربوطةُ بالحبال، تتدحرجُ على السطحِ المائلِ كأنّها كائناتٌ حيّةٌ مذعورة تبحثُ عن مأوى، وارتفعت أصواتُ البحّارةِ في فوضىٍ تشبهُ الصلاةَ أكثرَ ممّا تشبهُ الأوامر.
كان بعضُهم يصرخُ: «القوا الحمولةَ إلى البحر!»
وبعضُهم يُمسكُ بالأعمدةِ ليحفظَ توازنَه، فيما المطرُ ينهمرُ كالسياطِ على الوجوه.
أمّا دانييل، فكانَ وسطَ كلِّ ذلكَ الهياجِ واقفًا، لا يركضُ ولا يصرخُ، بل ينظرُ حولَهُ بعينَيْ مَن استيقظَ من نومٍ طويلٍ على ولادةٍ جديدة وصحو مختلف.
لم يشعرْ بالخوفِ كما كانَ يتوقّع، بل بشيءٍ غريبٍ أقربَ إلى النشوة، كأنّ كلَّ ما فيه كان ينتظرُ تلك اللحظةَ ليُعيدَ تعريفَ نفسه.
كان يسمعُ ارتطامَ الموجِ بخشبِ السفينة، فيخالُه نبضَ قلبٍ عملاقٍ يذكّرهُ بأنّه ما زالَ حيًّا.
وفي أعماقهِ، كانَ حوارٌ خافتٌ يدورُ بينهُ وبين صوتٍ قديمٍ منه، يقول:
– أتخافُ الموتَ يا دانييل؟
– لا… إنّما أخافُ ألّا أعيشَ حقًّا.
– وهذه العاصفةُ؟
– لعلّها الحياةُ في أقصى تجلّيها… أن تقفَ بينَ الموتِ والنجاةِ، دون يقينٍ إلّا بما يفعلهُ قلبُك في اللحظةِ ذاتها.
تلكَ الليلةُ لم تكنْ مجرّدَ عاصفةٍ بحريّة، بل كانت عاصفةً وجوديّة، محَتْ آخرَ ما تبقّى من رمادِ ماضيهِ، وفتحتْ أمامَهُ طريقًا لم يكنْ يراهُ من قبل.
وحين هدأتِ الريحُ، وبدا الفجرُ يتسلّلُ من بين الغيومِ الرماديّة، جلسَ دانييلُ على سطحِ السفينةِ المتعبة، والماءُ يتقطّرُ من شعرِه وملابسه، وقالَ في سرّه وهو يُحكمُ قبضتَه على الخشبِ:
«لقد نجوتُ… لكنّ شيئًا في داخلي لم يَعُد كما كان.
كأنّ العاصفةَ لم تمرّ بنا، بل مررنا نحنُ من خلالها، لنعرفَ في النهاية مَن نحن.»
كان خلال ذروةِ العاصفة، حينَ ظنَّ الجميعُ أنَّ النهايةَ اقتربت، يندفعَ مع البحّارةِ دونَ تردّدٍ يُساعدُهم على تخفيفِ الحمولة، يُلقي بالأثقلِ فالأثقلِ إلى البحر.
كانَ يُلقي بصناديقَ النحاسِ، فيشعرُ كأنّه يُلقي بأثقالٍ من صدرهِ هو.
وكلّما تهاوتْ قطعةٌ في جوفِ الماء، أحسَّ أنَّ جزءًا من وجعهِ القديمِ يغرقُ معها.
وحين سكنتِ العاصفةُ كما تهدأُ دمعةٌ بعد بكاءٍ طويل، بقيَ هو واقفًا على السطحِ يواجهُ السماءَ المبللةَ بالسكون.
لم يعرفْ كم مرّ من الوقت، لكنّهُ كانَ يعرفُ أنّ شيئًا في داخلهِ تغيّر.
مدّ يدهُ إلى صدره، كأنّه يتحسّسُ نبضًا جديدًا، ثمّ همسَ في نفسه:
«ربّما لم أكُن حيًّا قبلَ هذه الليلة… ربّما كنتُ مجرّدَ ظلٍّ لإنسانٍ خائفٍ من الغرق، حتى اكتشفتُ أنّ الغرقَ أهونُ من الجمود.»
وفي تلكَ الساعاتِ التي أعقبتِ العاصفةَ، جلسَ على مقدّمةِ السفينةِ يراقبُ انشقاقَ الغيومِ وولادةَ الشمسِ من بينِ الرمادِ المائيّ.
كانَ الموجُ يصفّقُ له، أو هكذا خُيّلَ إليه، بينما الريحُ تمرُّ على وجهِه كمصافحةٍ صامتةٍ من القدر.
تساءلَ بينهُ وبينَ نفسه:
«هل هذهِ هي الحريّةُ التي يتحدّثونَ عنها؟ أن تتجرّدَ من كلِّ شيءٍ وتبقى وحدكَ في مواجهةِ الكون؟ أم أنّها خدعةٌ أخرى تُنسيكَ الألمَ لحينٍ، ثمّ تُعيدكَ إليه بشكلٍ آخر؟»
وفي المساءِ، حينَ استقرَّتِ السَّفينةُ في مرافئِ مَرسِيليا بعدَ أيّامٍ طويلةٍ من العصفِ والنجاة، جلسَ دانيِيل مولر إلى طاولتِه الخشبيّةِ في الغُرفةِ المطِلَّةِ على البحرِ، والريحُ ما زالت تعبثُ بستائرِ النّافذةِ كما لو كانت تُذكِّرهُ بأنَّ البحرَ لا يُغلقُ فصلَهُ الأخيرَ أبدًا، وأنَّ مَن عادَ منهُ لا يعودُ كما كان.
كانت يداهُ ما تزالانِ ترتجفانِ قليلاً، وملابسُه تعبقُ برائحةِ الملحِ والمطرِ، كأنَّهُ خرجَ تَوًّا من قلبِ العاصفةِ ولم يَزَلْ يُصغي إلى صداها البعيد.
أخرجَ ورقةً من حقيبتِه التي ما زالتْ رطبةً من الموج، وبقلمٍ غمرَهُ شيءٌ من الحنين، بدأ يكتبُ إلى آنا ماريا رسالةً لم يكنْ ينوي إرسالَها قطّ، لأنَّهُ كانَ يعلمُ أنَّ بعضَ الكلماتِ لا تُقالُ لمن نحبُّ، بل تُتركُ لتسكنَ القلبَ كأنَّها صلاةٌ خافتةٌ لا تُرفعُ إلّا إلى الله.
كتبَ بخطٍّ مضطربٍ كأنَّ القلمَ نفسهُ يتعثّرُ بين ميلادٍ جديدٍ وذكرى قديمة:
«لم أُخبركِ بعدُ عن أوّلِ عاصفةٍ باغتتْنا قُربَ سواحلِ سردينيا.
كدنا نغرقُ جميعًا، لكنّي – ويا للعجب – لم أشعرْ بالخوف.
كان شيئًا آخرَ… يشبهُ الولادةَ من جديد.
رأيتُ نفسي أخرجُ من رمادٍ قديمٍ، وأمضي في الحياةِ عاريًا من الوعودِ ومن الذاكرةِ الثقيلة.
إنَّ البحرَ يا آنا، علّمني أنَّ النّجاةَ ليست أن نصلَ إلى الشاطئ، بل أن نُواصلَ السّباحةَ حينَ لا نراهُ، حينَ يتوحّدُ الأفقُ بالهاويةِ، ويصيرُ البقاءُ فعلَ إيمانٍ لا مهارة.»
توقّفَ طويلاً عند آخرِ السّطر، نظرَ إلى الورقةِ نظرةَ مَن يسمعُ في الحروفِ نداءً من ذاته، ثمَّ تنفَّسَ بعمقٍ، طواها ببطءٍ، ووضعها في جيبِ معطفِه كمن يخبّئُ سرًّا يُخافُ عليهِ من النّور.
لم يُرسلها… لأنّهُ أدركَ أنَّ ما كتبَهُ لا يُقالُ لامرأةٍ لم تنجُ بعدُ من وجعِ الفقد، ولا يريدُ أن يُضيفَ إلى قلبِها موجةً جديدةً من القلق.
ومعَ ذلكَ، تساءلَ في داخله: هل يكونُ الصمتُ أحيانًا صورةً أخرى من الاعتراف؟ وهل تخونُ الكلمةُ ما تحاولُ إنقاذه؟
مرَّتِ الأيّامُ، ثمَّ عادَ إلى هامبورغ بعدَ أسابيعَ من صراعٍ مع البحرِ والذات.
في تلكَ الليلةِ الأولى، جلسَ إلى جوارِ آنا ماريا في الغرفةِ المُطلّةِ على النهر، والليلُ يهبطُ على المدينةِ كوشاحٍ من طمأنينةٍ حذِرة.
كانت آنا تتابعُ بريقَ القنديلِ فوقَ سطحِ الماء، كأنّها تُفتّشُ فيهِ عن أخباره في صورةٍ لهُ غابتْ طويلاً.
كان الصمتُ بينهما ثقيلاً، يُشبهُ حوارًا مؤجَّلاً يعرفُ كلٌّ منهما أنّه لا مفرّ منه.
نهضتْ بهدوءٍ، جمعتْ ثيابَه التي عادَ بها من البحرِ لتسلِّمها إلى مديرةِ المنزل، وحينَ فتحتْ الحقيبةَ، سقطت منها الورقةُ المطويّة.
تردّدتْ لحظةً، ثمَّ فتحتها، وقرأتْ.
كانت الكلماتُ تخرجُ من السطورِ كما يخرجُ الصوتُ من صدرٍ مُتعبٍ بالشوق.
تغيَّر وجهُها، وانكمشَ قلبُها بين الخوفِ والفخرِ، ثمّ التفتتْ إليهِ وسألتْ بصوتٍ خافتٍ فيهِ من العتبِ أكثرَ من السؤال:
– «ألا تُريدُ أن تُخبرني عن رحلتِكَ؟ أم أنَّ البحرَ صارَ لكَ وطنًا آخر؟»
ابتسمَ ابتسامةً مبلّلةً بالحنين، وقالَ وهو يُبعدُ نظرَهُ بينها هي تحمل الورقة بيدها؛ وبين النافذة:
– «لم أكنْ أُريدُ أن أُخبركِ عن أوّلِ عاصفةٍ واجهتُها… هناكَ قربَ سردينيا. كدنا نغرقُ، لكنّي لم أشعرْ بالخوفِ كما كنتُ أظنّ. كانَ شعورًا آخرَ… يشبهُ الولادة.»
رفعتْ نظرَها إليهِ ببطءٍ، وفي عينيها امتزجَ الحُبُّ بالقلقِ وبشيءٍ من الغيرةِ على حياةٍ لم تَعُدْ تشاركُهُ فيها.
قالتْ بصوتٍ مُرتجفٍ، كأنَّ الكلماتِ تُولَدُ من جرحٍ قديمٍ:
– «لكنّي لا أتحمّلُ فكرةَ أن يأخذكَ الموجُ منّي يا دانييل… لا البحرُ، ولا السّوقُ، ولا المجد. أخافُ أن تستبدلَ دفءَ البيتِ برحابةِ المجهول. أليسَ في الموانئِ أيضًا ضياعٌ آخر؟»
اقتربَ منها، وأمسكَ بيدِها التي ارتجفتْ في قبضتِه، وقالَ بنبرةٍ هادئةٍ اكتسبتْ صلابتها من العاصفةِ ذاتِها:
– «لن يأخذني أحد، يا آنا. لكنِّي لا أستطيعُ أن أعيشَ مقيدًا بالميناء. إنّ مَن ذاقَ طعمَ العاصفةِ لا يعودُ إلى اليابسةِ كما كان، ومَن نجا مرّةً لا يخافُ من الموجِ بعدَ الآن.»
تأمّلتهُ طويلًا، وفي داخلِها حوارٌ لم تجرؤ على قوله:
أأتركهُ يذهبُ إلى البحرِ مرّةً أخرى؟ أأثقُ في وعدِ مَن لا يملكُ وجهَ الغد؟ أم أكتفي بأن أُحبَّهُ وهو يُبحرُ بعيدًا عنّي؟
ثمَّ همسَتْ أخيرًا، بصوتٍ مزيجٍ من رجاءٍ وإصرارٍ أنثويٍّ عنيد، كأنّها تُلقي في وجهِ الريحِ قرارًا لا عودةَ عنه:
– «إذَنْ، لي شَرْطٌ واحِدٌ يا دانييل، إنْ كُنْتَ تُريدُ أنْ تُبْحِرَ مَرَّةً أُخْرَى…»
رفعَ رأسَه إليها بدهشةٍ رقيقةٍ، وفي عينيهِ سؤالٌ لم يَجِدْ طريقَهُ إلى الشفاهِ بعد، وقالَ بنبرةٍ متردِّدةٍ بين الحبِّ والدهشة:
– «وما هوَ هذا الشرطُ يا آنا؟»
ابتسمتْ ابتسامةً غامضةً تُخفي خلفَها خوفًا لا يُقال، وقالتْ وهي تبتلعُ غصّةً صغيرةً علقتْ في حلقِها:
– «أنْ أُرافِقَكَ. في كلِّ رِحلةٍ، في كلِّ ميناءٍ، في وجهِ كلِّ ريحٍ.
أنْ أكونَ ظِلَّكَ حينَ تَغيبُ الشَّمس، وصوتَكَ حينَ يَسْكُتُ البحر.
أريدُ أنْ أرى العالمَ بعينيكَ، لا من وراءِ انتظارٍ طويلٍ على الشاطئ.»
سادَ صمتٌ عميقٌ لحظةً، كأنَّ الليلَ كلَّهُ توقّفَ ليستمعَ إلى ما سيقول.
مدَّ دانييل يدَهُ نحوها، قبضَ على أصابعِها المرتجفةِ بحرارةٍ خفيفةٍ، ومالَ برأسِه على يدِها وقبَّلَها ببطءٍ، كأنَّهُ يُوقِّعُ على عهْدٍ صامِتٍ لا يُنْقَض.
ثمّ قالَ بصوتٍ مبحوحٍ، فيهِ رائحةُ البحرِ ومرارةُ التردّد:
– «وكيفَ آمنُ عليكِ من هَوْلِ البحرِ يا آنا؟ إنَّهُ غادرٌ لا يرحمُ، يسرقُ مَن نُحبُّ في غفلةٍ من الموج.
أأُغامرُ بكِ إلى المجهولِ، وأنا الذي لم أَزَلْ أتعلمُ النجاةَ من نفسي؟»
ابتسمتْ، ورفعتْ رأسَها إليهِ بعينينِ دامعتينِ تشعّانِ بعنادِ من يُحبُّ أكثرَ ممّا يخاف، وقالتْ بثقةٍ لينةٍ تُخفي خلفَها رجفةَ القلب؛ صوتٍ تلوَّنَ بين رجفةِ الخوفِ ونورِ الإصرار، كأنّها تُلقي في وجهِ القدرِ آخرَ أوراقها:
– «إذنْ، لَنْ تُبحِرَ مِن دوني يا دانييل!
لأنّي إنْ تركتُكَ للبحرِ وحدَه، سيأخذُكَ منّي كما أخذَ منكَ ذاتَكَ الأولى.
أريدُ أنْ أكونَ قُرْبَكَ، أُقاوِمُ الموجَ معكَ، وأقرأُ في العاصفةِ ملامحَ وجهِكَ قبلَ أنْ تُضيّعَكَ الريح.
إنّي أخافُ أن يَصنعَ البحرُ منك رجلاً لا أعرفُه… رجلاً لا يعودُ إلَيَّ.»
سكتتْ بعدَها، كأنّها أفرغتْ قلبَها دفعةً واحدة، وبقيتْ تحدِّقُ في عينيه كمن ينتظرُ منه اعترافًا لا بالكلماتِ بل بالسكوت.
كانَ دانييل يُصغي إليها بصمتٍٍ ثقيل، يُنصتُ لاهتزازِ صوتِها كما يُنصتُ بحّارٌ لوقعِ المطرِ على سطحِ السفينة، وكلُّ قطرةٍ تنادي فيهِ ذكرى أو ندمًا.
تأمَّلَها طويلًا، وشعرَ كأنَّ كلَّ ما في الدنيا تلاشى إلّا صوتَها وجوابَ قلبِه.
كانت كلماتُها تتسلّلُ إلى داخله كما تتسلّلُ الموجةُ إلى صخرٍ صامدٍ في الظاهر، لينكشفَ ما تحته من طينٍ ووجعٍ وحنين.
قالَ في سرِّه:
«أأتركُها لتُطفئَ ناري أم أضمُّها لأحترقَ بها؟
كيفَ يُمكنُ أنْ يجتمعَ في امرأةٍ واحدةٍ كلُّ هذا الخوفِ وهذا الضوء؟»
ثمّ مدَّ يدَه إليها ببطءٍ، كأنَّهُ يمدُّها إلى قدرٍ لا مفرَّ منه، وضمَّ أصابعَها المرتجفةَ إلى صدرِه حيثُ يخفقُ قلبُه المُتعَب.
همسَ بصوتٍ دافئٍ مبحوحٍ من أثرِ البحرِ والحنين:
– «إذنْ، لَنْ يَغْرَقَ هذا القلبُ ما دُمْتِ فيهِ يا آنا… لَنْ يَغْرَق.»
لم تُجِبْ.
كانت عيناها تقولانِ أكثرَ ممّا قد يقولُ اللسان.
وانسابَتْ الكلماتُ في ليلِهما كأنّها نشيدُ نجاةٍ يتردَّدُ بين ضفّتَي النهر، بينما كانَ هديرُ الموجِ البعيدِ يُتمِّمُ ما لم يَقُلْهُ هو.
وفي تلك اللحظة، أحسَّ كلاهما بأنّ العالمَ قد توقّفَ قليلًا ليستمعَ إليهما، وأنّ القنديلَ المعلَّقَ في زاويةِ الغرفةِ لم يعُدْ يضيءُ المكانَ فحسب، بل يُنيرُ ما بينَهما من صمتٍ كان بحاجةٍ إلى ولادةٍ جديدة.
نظرتْ إلى الأفقِ عبرَ النافذة، حيثُ يمتزجُ البحرُ بالسماءِ كحدٍّ غامضٍ بين الأملِ والمصير، وقالتْ في داخلِها:
«لعلّ الحبَّ هو أنْ نُبحِرَ رغمَ الخوف، لا أنْ ننتظرَ المرافئَ الآمنة.»
ومنذ تلكَ الليلةِ، بينَ سكونِ القلبِ وصخبِ الموج، وُلِدَ وعدٌ جديدٌ من رحمِ الخوف، وعدٌ لا خاتمةَ له، لأنّ نهايتَه كانت دائمًا في بدايته.

كانَ وعدًا يُشبهُ البحرَ نفسهُ: لا يهدأُ، ولا يُرى آخرُه، لكنَّهُ هناك… يلوِّحُ لهما من بعيدٍ، كظلٍّ للقرارِ الآتي.
في عامِ ألفٍ وسبعمائةٍ وستٍّ وثمانين، رستِ السَّفينةُ على شاطئِ جَنوة، تلكَ المدينةِ التي لا تنامُ، إذْ تتزاحمُ فيها رائحةُ القهوةِ الطازجةِ مع صريرِ الحبالِ على سواعدِ البحّارةِ، ويعلو صوتُ الدلالينَ فوقَ هديرِ الأمواجِ كأنّ البحرَ نفسهُ يُزايدُ على البضائع.
هناك، عقدَ دانييل مولر أوّلَ صفقةٍ تجاريّةٍ كبيرةٍ بمفرده، بعدَ أن أحالَ عمُّهُ نفسهُ إلى التقاعد، تاركًا له ولـ آنا حرّيّة القرار في إمبراطوريّة البحر الصغيرة التي شقّاها بجهدهما.
كانت آنا، التي لم تفقد بعدُ دهشتها الأولى من الموانئِ والمدن، تقفُ إلى جانبِه، تُديرُ الدفترَ الماليّ بيدٍ وتمدُّ قلبَها بالأخرى.
كانت تقولُ له أحيانًا، وهي تبتسمُ بتلكَ الثقةِ الهادئةِ التي تُغري بالاطمئنان:
– «ليس البحرُ يا دانييل من يخيفني، بل أنْ تعودَ منهُ غريبًا عن نفسك.»
فيُجيبُها وهو يُقلّبُ خرائطَه:
– «بل البحرُ هو الذي يُعرّفني بي، كلُّ موجةٍ مرآة، وكلُّ رحلةٍ ولادةٌ أخرى.»
لم يَعُدْ دانييل يسألُ نفسَه كما كان يفعلُ في شبابه: «أأنا أسيرُ الحظّ أم البحر؟»
لقد غدتِ الإجابةُ واضحةً في قلبه؛ إنّه يسيرُ بقدرٍ اختارهُ بنفسه، كمنْ يركبُ مركبًا يعرفُ أنّهُ قد يُغرقُهُ يومًا، لكنّهُ لا يستطيعُ العيشَ على اليابسة.
ثمَّ انتقلا إلى طرابلس الشام، مدينةٍ تُعانقُ البحرَ كما تُعانقُ امرأةٌ عاشقَها العائدَ من الغياب.
تلفحها رائحةُ الملحِ والعنبر، وتتعانقُ فيها قوافلُ البرِّ بالبحرِ في مزيجٍ من الغبارِ والمجد.
هناكَ، تعرّفَ دانييل إلى تجّارٍ من حلب وصيدا ودمشق، يبيعونَ الحريرَ والصابونَ والجلودَ، ويتبادلونَ القصصَ كما يتبادلونَ السلع.
كان يستمعُ إليهم بشغفٍ غريب، كأنّهُ يسمعُ أصواتَ أممٍ بعيدةٍ تتحدّثُ بلغةٍ واحدةٍ اسمُها التجارةُ والرجاء.
وأحسَّ يومها أنّهُ لم يَعُدْ يسعى إلى المالِ وحدَه، بل إلى شيءٍ أعمقَ من ذلك… إلى حركةٍ تبقيهِ حيًّا، إلى نبضٍ يجعلُ الأيامَ تتّسعُ كالأفق، وإلى يقينٍ صغيرٍ بأنَّ الرحلةَ هي الثروةُ الوحيدةُ التي لا تُفلسُ أبدًا.
ثمَّ كانت الإسكندريّة…
مدينةٌ كأنّها ولدت من رحمِ التناقضات، لا تُشبهُ شيئًا ممّا عرفهُ من قبل، ولا تُشبهُ حتى نفسها من شدّةِ تبدّلها في كلِّ لحظة.
خليطٌ من الأجناسِ والعطورِ والكتبِ والجنودِ والبحّارة، مدينةٌ تتكلّمُ بلغاتٍ كثيرةٍ، لكنّها تصمتُ حين يتنفّسُ البحرُ عندَ الغروب.
هناكَ باعَ كلَّ شيءٍ تقريبًا:
مرّةً خشبَ الزّانِ القادمَ من النمسا، ومرةً نبيذًا من تولوز، وأخرى مرآةً بلجيكيّةً رآها تنعكسُ على وجهِ سيّدةٍ مجهولةٍ، فشعرَ أنّ كلَّ صفقةٍ حكايةُ عبورٍ مؤقّتٍ بين بائعٍ وزبونٍ لن يلتقيا ثانيةً، كما لو أنّ التجارةَ نفسها نوعٌ من الفقدِ الجميل.
وكان يشتري الزَّعفرانَ من الشرق، والأقمشةَ الموشّاةَ بخيوطِ الذهبِ من دمشق، وعودَ الهندِ الذي تفوحُ منهُ رائحةُ البداياتِ البعيدة، وحتى الكتبَ القديمةَ التي اصفرّتْ صفحاتُها كأوراقِ الخريف.
لم يكن في حياتِه روتينٌ ولا ثبات، بل سوقٌ تتحرّكُ كما لو كانت تُراقصُ الحياةَ على إيقاعٍ متقلّبٍ بينَ الربحِ والخسارةِ، بينَ الطموحِ والخوف، بينَ صوتِ الموجِ وصمتِ الليل.
وفي كلِّ مساء، حينَ تهدأُ الأمواجُ وتغفو المرافئُ على أنينِ السفنِ العائدة، كان يفتحُ دفترَهُ الصغير ويكتبُ فيهِ ما جرى:
مشهدًا من الميناء، حديثًا عابرًا بين بحّارين، أو اسمًا جديدًا سمعهُ في سوقٍ مزدحم.
وكان يُحدّثُ نفسهُ قائلًا:
«البحرُ لا يُطبَعُ على الورقِ، لكنَّهُ يجعلُ من الذاكرةِ مطبعةً خفيّةً، لا ينضبُ حبرُها ما دامَ القلبُ يخفق.»
وذاتَ مساءٍ، وبينَ صمتِ الميناءِ المضاءِ بالفوانيس، أخذَ يُقلّبُ دفترًا قديمًا بخطٍّ دقيقٍ متآكلِ الحوافّ.
رعشةٌ خفيفةٌ سرتْ في أصابعِه، حينَ أدركَ أنّ هذا الدفترَ كان لأبيه، وقد ورثَهُ عن جدّهِ دانييل مولر الأوّل، البحّارِ الذي دوّنَ أوّلَ سطرٍ فيهِ قبلَ نصفِ قرنٍ من الزمن.
قرأَ الصفحاتِ ببطءٍ، كأنّهُ يُصغي إلى أصواتٍ بعيدةٍ تتردّدُ من عمقِ البحرِ إلى صدرِه.
كلُّ سطرٍ كانَ مرآةً تُعيدُ إليهِ صورتَهُ هو، كأنَّ الأجدادَ كتبوا فيهِ عنهُ من قبلِ أن يولد، ليقولَ لهُ البحرُ في النهاية:
«لستَ وحدكَ يا دانييل، كلُّ بحّارٍ هو ظلٌّ لآخر، وكلُّ رحلةٍ امتدادٌ لأخرى.»
رفعَ رأسَهُ إلى النافذة، وأطلَّ على الأفقِ حيثُ تتكسّرُ الفوانيسُ على صفحةِ الموجِ، وهمسَ لنفسِه بصوتٍ أشبهَ باعترافٍ خفيٍّ:
«ترى، هل نكتبُ نحنُ رحلاتِنا، أم أنّ البحرَ هو الذي يكتبُنا حينَ نظنُّ أنّنا نحملُ القلم؟»

في زمنٍ بعيدٍ، حينَ كانت «هاربورغ» تُطوى رويدًا تحت جناح «هامبورغ» الكبرى، وتتحوّلُ المرافئُ الصغيرةُ إلى ظلالٍ في خرائطِ الطموح، خافَ دانييل مولر الجدُّ من الفراغ… فركبَ البحر.
لم يكن هروبًا من اليابسة، بل من سكونها، من تلك المسافةِ الباردة بينَ الأيام التي تتكرّر دونَ وعدٍ جديد. قالَ في نفسه يومَ أبحر:
«من لا يُبحِر، لن يعرفَ وزنَ روحه.»
ومضتِ السُّنونُ، فإذا بالحفيدِ دانييلَ مولرَ الثّاني يُكرِّرُ الرّحلةَ ذاتَها، لا على خُطى الجدِّ تمامًا، بل على صدى أصدقاءٍ ومعارفَ قُدامى لجده، كان يلتقي بعضَهُم في الموانئِ، كأنَّ الأقدارَ تُعيدُ ترتيبَ لقاءاتِها في كلِّ مرّةٍ، ولكنْ على نحوٍ مختلفٍ قليلًا.
صارَ البحرُ أمامَهُ مفتوحًا، لا كصفحةٍ بيضاءَ تنتظرُ أن تُكتَب، بل كصفحةٍ كُتِبَتْ مرارًا ولم تَشْبَعْ من الحبرِ بعد.
وكان يشعرُ أنّهُ لا يُبحرُ نحوَ مدنٍ جديدةٍ بقدرِ ما يُبحرُ داخلَ نفسه، يُقايضُ ذاكرتهُ بالموج، وخوفهُ بالأمل، وخساراتهُ بالوعدِ الدائمِ بالبدءِ من جديد.
لقد غدا العالمُ آنذاكَ معروضًا على موائدِ البيعِ والشّراء، سهلًا كأنّهُ طُبِخَ على عَجَلٍ في مطبخِ القدر. لا شيء فيه يُمنَحُ بلا ثمنٍ، وكلُّ شيءٍ يُقايَضُ: البضائعُ، والوجوهُ، والأحلامُ، بل وحتى الضّمائر.
وكان دانييلُ يقولُ في سرِّه، وهو يرقبُ الأمواجَ وهي تتلاطمُ عندَ المرسى:
«أيُّ بحرٍ هذا الذي يغسلُ الأجسادَ ولا يُطهِّرُ الأرواح؟ وأيُّ زمنٍ هذا الذي صارَت فيه الكلمةُ تُوزَنُ كما تُوزَنُ السِّلَع؟»
ثمّ يبتسمُ على استحياءٍ، كأنّهُ يُصالحُ البحرَ بعدَ خصامٍ طويل، ويتمتمُ لنفسِه:
«لعلَّهُ قدرُنا أن نُعيدَ الرحلةَ، لا لنصلَ إلى المكانِ الذي غادرهُ الأجداد، بل لنكتشفَ ما الذي أبقوهُ ناقصًا فينا.»
أبحر من ميناء «هامبورغ» حيث تتشابكُ الحبالُ كأقدارٍ متقاطعة، وترتفعُ الأشرعةُ كأحلامٍ تبحثُ عن رياحٍ ملائمة.
وكان له أكثرُ من مرسى، أكثرُ من بدايةٍ وانتهاء.
في مرسيليا، تلك المدينةِ المشتعلةِ بروائحِ الزيتِ والصابونِ والعطورِ الممزوجةِ بعرقِ العمّال، حمّلَ دانييلُ النبيذَ والزيتَ والحديدَ. هناكَ، تعلّمَ أنَّ الرائحةَ لا تُباع، وأنَّ بعضَ الأسواق تُعلّمُ الإنسانَ أكثرَ مما تُغنيه.
كانَ إذا سارَ في شوارعها، يسمعُ داخلهُ صوتًا يقول:
«أهذهِ الحياةُ تجارةٌ أم مغامرة؟»
فيُجيبُهُ آخرُ من أعماقه:
«بل هي كليهما، وما بينَهما أنت.»
ثمَّ كانت جَنوة…
مدينةُ الرخامِ والمقاهي، حيث تُعقَدُ الصفقاتُ بالكلمةِ قبلَ القلم، وحيثُ يُقطَّعُ الرخامُ كما تُقطَّعُ الجبنةُ في أيديِ الحرفيّين. هناكَ تعلّمَ دانييلُ أنّ الجمالَ أيضًا يمكنُ أن يكونَ تجارة، وأنّ الحجارةَ تُباعُ حينَ تُنحتُ بإتقانٍ يشبهُ الإيمان.
وفي نابولي، مدينةِ الشمسِ والبراكينِ والنبيذِ الداكن، التقى ببحّارٍ سوريٍّ عجوز، علّمهُ كيف يُقايضُ قنينةَ خمرٍ بخنجرٍ دمشقيٍّ مزخرفٍ بحروفٍ عربيةٍ غامضة. قال له الرجلُ وهو يناولهُ الخنجرَ:
«في الشرقِ، يا صديقي، السيفُ لا يُباعُ بالذهبِ، بل بالكلمة.»
فابتسمَ دانييلُ وقالَ في نفسه:
«ربّما كانت الكلمةُ هي الخنجرُ الحقيقيّ.»
وفي مالطا، أدركَ أنّ البحرَ ليس عدوًّا كما ظنَّ من قبل، بل دفترُ حسابٍ ضخم، تُقَيَّدُ فيه الصفقاتُ كما تُقَيَّدُ الذكريات. رأى كيفَ تعبرُ السلعُ من يدٍ إلى أخرى، كأنَّ العالمَ كلَّهُ سوقٌ عائم، وأنّ الإنسانَ نفسهُ سلعةٌ حينَ يفقدُ وجهتَه.
ثم كانت الإسكندرية…
مدينةٌ لا تُشبهُ أحدًا، ولا تُشبهُ حتى نفسها من شدّةِ التناقض.
قالَ عنها في دفترهِ:
«هي مدينةٌ تفوحُ بعطرِ الشرقِ وتُبخّرُ الأوهام. فيها يختلطُ الحلمُ بالواقعِ كما يختلطُ الطيبُ بالدخان.»
أحضرَ منها قطنًا وتوابلَ ومخطوطاتٍ قديمةً قال عنها: «تسكنُها أرواحُ الحكماءِ.»
وفي الليل، حينَ كانَ يكتبُ تلك الملاحظاتِ، كان يسمعُ صوتهُ الداخليّ يتمتمُ:
«هل أنا تاجرُ أشياء، أم جامعُ أرواحٍ منسية؟»
ثم مرَّ بـ بيروت و طرابلس و صيدا، مدنٍ تفوحُ بالقهوةِ والزعفرانِ وأحاديثِ الرجالِ الذين يبيعونَ القصيدةَ كما يبيعونَ القمح. رأى هناكَ كيف تُشترى الكلمةُ بالحبّة، وكيفَ يكونُ الشعرُ أحيانًا أغلى من الذهب.
وفي عكّا ختمَ رحلته.
اشترى منها زبيبًا ما زالت رائحتُهُ عالقةً في صفحاتِ دفترهِ حتى اليوم.
لكنهُ، وهو يُغلقُ الدفترَ، شعرَ أنَّ البحرَ لم يُفرغْ كلَّ أسرارهِ بعد، وأنَّ صفحةً ناقصةً لا تزالُ تناديه.
كانت تحملُ في أعلاها كلمةً واحدةً كأنّها وعدٌ مؤجَّل: «الجزائر».
رفعَ رأسهُ نحو الأفقِ يومها، وقالَ في سرِّه:
«ربّما لا تكفي حياةٌ واحدةٌ لاكتشافِ كلِّ شاطئٍ فينا. فمن لا يفتحُ دفاترَ أجدادِه، يعيشُ في نصفِ نفسهِ فقط.»
آنا ماريا… تلك المرأة التي التصقت بخطوات زوجها التصاقَ الظلِّ بصاحبه، فلم تُفارقه في أيِّ رحلةٍ من رحلاته عبر الموانئ البعيدة والعواصف المجلجلة. كانت البحرَ الآخر في حياته، والسكينةَ التي تختبئ في عينيه كلّما اضطرب الموج. غير أنّ في داخلها بحرًا آخر، لا يعرف السكون، تتلاطم فيه أمواجُ الحنين والخسارة بلا هدأةٍ ولا ميناء.
على ظهر السفينة، حيث صريرُ الحبال وارتطامُ الموج بخشب السفينة، كانت تُخفي أنينًا لا يسمعه أحد. تُشارك البحّارة ضحكاتهم، وتُنشد معهم أهازيج البحر كأنّها وُلدت من الملح والريح، ولكنّها حين تُدير وجهها نحو الأفق، يُطلّ من عينيها حزنٌ عميق، يشبه الغروب الذي يتكرّر كلَّ مساءٍ ولا يُعتاد.
كان في قلبها جرحٌ لم يلتئم بعدُ؛ جرحَ أمٍّ فُجِعَت بطفلها الأوّل. ذلك الفقدُ الغائرُ ترك في صدرها فراغًا لا تملؤه البحارُ كلُّها، ولا تعويضَ له في أيِّ ميناءٍ أو رحلةٍ جديدة.
وكلّما رست السفينة في مدينةٍ غريبة، كانت آنا ماريا تسأل عن طبيبٍ أو عرّافٍ أو امرأةٍ حكيمةٍ تُتقن لغة الأعشاب والعطور. لم تكن تبحث عن شفاءٍ لجسدها، بل عن ومضةٍ صغيرةٍ تُعيد إليها ما سلبته الأقدار ذات ليلةٍ عاصفة، عن أملٍ يردُّ إلى عيني زوجها ذلك البريقَ القديم الذي خبا منذ تلك الكارثة.
كم مرّةٍ جلست في عيادةٍ باردةٍ تفوح منها رائحةُ الملح والرطوبة والعقاقير، تُحدِّث الطبيبَ العجوزَ بصوتٍ خافتٍ عن حلمٍ لا يريد أن يموت! كانت تُصغي لكلّ كلمةٍ كما يُصغي الغريقُ لخرزة هواءٍ أخيرة. وكم مرّةٍ خرجت من عنده بورقةٍ لا تُشبه اليقين، تطويها بحذرٍ وتضعها في صندوقها الخشبيّ الصغير، بين تذكاراتٍ بحريةٍ وأمنياتٍ لا تُحصى.
وحين يعود المساءُ ويغفو زوجها من عناء البحر، كانت تجلس قربه في صمتٍ طويلٍ، تُحادث نفسها همسًا:
«أتراني سأعود يومًا أُمًّا كما كنت أحلم؟ أم أنَّ الله قد كتب لي انتظارًا لا نهاية له؟»
ثمّ تُلقي نظرةً على وجهه المرهق تحت ضوء المصباح المتراقص وتقول في داخلها:
«كم تغيّر وجهُه بعد تلك الليلة… كم انطفأ فيه من ضوءٍ كنت أراه مرآةً لحياتي! أحقًّا يمكن أن يُبعث الأمل من رمادٍ كهذا؟»
تُقنع نفسها بأنّ المعجزة ممكنة، وأنّ الحبَّ الذي جمعهما أقوى من العجز، ثمّ تغمض عينيها على حلمٍ صغيرٍ، كأنّها تُبحر فيه بعيدًا عن رائحة الملح والذاكرة.
وهكذا ظلّتْ آنا ماريا، بينَ مرافئِ الرَّجاءِ وموانئِ الخيبةِ، تُبحِرُ في رحلتينِ متوازيتينِ؛ إحداهما فوقَ سطحِ البحرِ، والأُخرى في أعماقِ نفسها. كانتْ الأمواجُ من حولِها تضطربُ وتَهدأُ، لكنّ اضطرابَها الداخليَّ لم يعرفْ سكونًا. لم يكنْ أحدٌ من البحّارةِ يُدركُ أنَّ رحلتها الأشدَّ عنفًا لم تكنْ معَ العواصفِ ولا معَ الرياحِ، بل معَ قلبِها الذي يُصارعُ كي لا يفقدَ إيمانَه بالحياةِ.
كانتْ كلّما نظرتْ إلى الأفقِ البعيدِ، تسألُ نفسها همسًا:
«أترى هناكَ شاطئًا ينتظرُني؟ أيمكنُ أنْ أُولدَ من جديدٍ بعدَ هذا الكمِّ من الغرق؟»
وربّما لم تكنْ تبحثُ عن طفلٍ فقط، بل عن معنى جديدٍ لوجودِها ذاته، عن لحظةٍ تشعرُ فيها أنَّ الحياةَ ما زالتْ تُعطيها شيئًا، لا تأخذُ منها فقط. كانتْ تُؤمنُ بأنَّ الوصولَ إلى شاطئٍ يُدعى الأمومة قد يُعيدُ إلى عينيْ زوجِها ذلكَ الألقَ القديمَ الذي انطفأ منذُ تلكَ الكارثةِ، حينَ غابتْ في البحرِ شمسٌ لم تشرقْ بعدُ من جديدٍ.
في إحدى محطّاتِ رحلتِها الطويلةِ، كانتِ آنا ماريا تقتربُ من مرفأٍ إيطاليٍّ قديمٍ تمتدُّ عند أطرافِه سوقٌ عريقةٌ تفوحُ من أزقّتِها رائحةُ الزهرِ الممزوجةُ بنكهةِ البحرِ، كأنَّ النسيمَ يحملُ في طيّاتِه حكاياتِ البحّارةِ والعشّاقِ والغرباءِ الذين مرّوا من هنا.
سارتْ بخُطًى وئيدةٍ فوقَ رصيفٍ حجريٍّ يلمعُ كصفحةِ مرآةٍ تحتَ شمسٍ خفيفةٍ تلامسُ وجهَها في دلالٍ، فيما الأوراقُ المتساقطةُ تتراقصُ حولَها كأنَّها تُرحّبُ بقدومِها بعدَ غيابٍ طويلٍ.
كانتْ تشعرُ أنّ في هذا المكانِ شيئًا من الطمأنينةِ الغامضةِ، طمأنينةٍ لا تأتي من المشهدِ وحدَه، بل من نداءٍ خفيٍّ في داخلِها يُهمسُ: «هنا، في هذا الركنِ المجهولِ، ينتظركِ شيءٌ يشبهُكِ.»
وكان النسيمُ القادمُ من التلالِ يُداعبُ أطرافَ شعرِها، يحملُ في نبرتهِ لهجةً مألوفةً لم تسمعْها من قبل، كأنَّ الطبيعةَ نفسَها تُحدّثُها بلغتها القديمةِ، لغةِ الحنينِ والبوحِ والرجاء.
وهناك، على مقربةٍ من أحدِ الدكاكينِ الخشبيّةِ الصغيرةِ التي اصطفّتْ كالعقودِ على أطرافِ الميناءِ، توقّفتْ عيناها عندَ لوحةٍ قديمةٍ يعلوها غبارُ السنينِ. لم يكن الغبارُ يُخفي ملامحَها، بل يُضفي عليها هالةً من الغموضِ والقداسةِ، كأنّها قطعةٌ من زمنٍ آخرَ نجتْ من الغرقِ لتروي قصّتَها لمن يُحسنُ الإصغاء.
ألوانُها باهتةٌ، نعم، ولكنَّ في بهتانِها سحرًا يُشبهُ الذكرياتِ حينَ تبهتُ ولا تموتُ، وتبقى في الأعماقِ كشعلةٍ خافتةٍ لا تنطفئُ.
وبينما كانت تتأمّلُ اللوحةَ بفضولٍ شفيفٍ، لَفَتَ انتباهَها مشهدُ امرأةٍ تجلسُ قبالةَ البائعِ، تُساومُهُ على ثمنِها بعنادٍ نبيلٍ يشبهُ إصرارَ مَن يُدافعُ عن شيءٍ من قلبِه لا عن سلعةٍ تُشترى.
كانتِ المرأةُ ذاتَ وجهٍ مُشرقٍ تحفُّهُ ملامحُ الاطمئنانِ، وعيناها تلمعانِ بصفاءِ الريفِ الإيطاليِّ ووداعتِه، وفيهما ضوءٌ هادئٌ يُشبهُ الغروبَ حينَ يُودّعُ البحرَ بوداعةٍ وصدقٍ.
كان في حركتِها تأنٍّ يشي برصانةِ مَن اعتادَ الإصغاءَ أكثرَ من الكلامِ، وفي صوتِها نغمةٌ خافتةٌ تُفصحُ عن امرأةٍ تعرفُ قيمةَ الجمالِ لا بما يُقالُ عنه، بل بما يُوقظُهُ في الروحِ من مشاعرَ دفينةٍ.
توقّفتْ آنا ماريا لحظةً، تُصغي للمشهدِ كمن يُنصتُ لصفحةٍ من روايةٍ تُكتَبُ أمامَه، ثمّ أحسّتْ أنّ شيئًا خفيًّا يجذبُها إلى تلكَ المرأةِ، كما يجذبها إلى اللوحةِ.
قالتْ في سرّها:
«ما سرُّ هذا الوجهِ الهادئِ؟ لِمَ أشعرُ وكأنّي أعرفُه من قبل؟ أهي الصدفةُ؟ أمْ أنَّ في الأرواحِ ذاكرةً لا تُخطِئُ مَن يُشبهُها؟»
ثمّ خطتْ خطوةً نحو الكشكِ، وقدْ سرتْ في عروقِها رعشةٌ غامضةٌ بين الخوفِ والفضولِ، لتبدأ هناكَ لحظةٌ صغيرةٌ ستغيّرُ مجرى رحلتِها الطويلةِ.
في تلكَ اللحظةِ، ارتفعَ صوتُ التاجرِ العجوزِ بنبرةٍ خشنةٍ قائلاً بالإيطاليّةِ المتكسّرةِ التي وشت إلى آنا ماريا بأنه تاجر ألماني:
«هذا ثمنُها الأخيرُ، لا يمكنُ أن أُنقِصَ فلسًا واحدًا! إنْ لم تشتريها الآن، فستجدينَها غدًا في بيتِ غيرِك!»
ارتبكتِ المرأةُ، وأخذتْ تفتّشُ في حقيبتِها الصغيرةِ عن النقودِ، تُقلبُها بأناملٍ مضطربةٍ، وكلُّ ملامحِها تقولُ إنّها تخشى أنْ تغيبَ عن اللوحةِ لحظةً فتضيعَ منها إلى الأبد. رمشتْ بعينيها مرتينِ، ثمّ تنفّستْ بعمقٍ وهي تهمسُ لنفسِها:
«لو استطعتُ أن أعودَ إلى البيتِ الآن وأجلبَ المالَ… لكنّ اللوحةَ ستُباعُ، ولن أجدَها ثانيةً، ولن أجدَ معها تلكَ النظرةَ التي تعيدني إلى طفولتي…»
عندها، تحرّكتْ آنا ماريا بخفّةٍ نحو الدكانِ، وقدْ ارتسم في عينيها بريقُ ودٍّ خالصٍ، كأنّها تتبعُ نداءً داخليًّا لا يمتلكُه العقلُ وحدهُ، بل شيءٌ أعمقَ، أصدقَ، يُملي على القلبِ خطواته. وقفتْ قربَ المرأةِ، ثمّ رفعتْ يدَها بإيماءةٍ رقيقةٍ نحوَ البائعِ، تسبقُها ابتسامةٌ ناعمةٌ تنضحُ بالإنسانيّةِ والطمأنينةِ.
قالتْ بصوتٍ هادئٍ، لكنه يحملُ من الحزمِ ما يجعلُ التاجرَ يلتفتُ إليها فورًا بلغتها الأم:
«اسمحْ لي أن أُقدِّمَ الثمنَ عنها… فاللوحةُ تستحقُّ أن تبقى في يدَيْ من يُحبُّها حقًّا، لا في بيتِ مَن يشتريها صدفةً.»
تجمّدَتِ المرأةُ للحظةٍ، وقدْ ارتعشَ قلبُها بين القلقِ والخوفِ، وارتسمَ على وجهها سؤالٌ لم تجرؤ على نطقه:
مَن هذه المرأةُ الغريبةُ التي تقدّمتْ بخطواتٍ هادئةٍ، وكأنّها تعرفُ كلَّ ما في داخلي، لتحصل بسهولةٍ على شيءٍ كنتُ أظنُّ أنّه سيصبح ملكي؟
وهل سأستطيعُ بعدُ أن أتمسّكَ بما كنتُ أراهُ حلمي؟
ارتفعتْ عينَاها لترى آنا ماريا عن قرب، تبحثُ في ملامحها عن سرٍّ يفسّرُ هذا التصرفَ الغريبَ، عن ابتسامةٍ دافئةٍ لا تُخفي شيئًا من الحكمة، ولا شيئًا من القوةِ الرقيقةِ التي تمتلكها. ثمّ همستْ في داخلها بصوتٍ شبه صامتٍ، كما لو أنّها تحادثُ روحَها قبل أن تُسمع أيَّ كلماتٍ:
«لماذا أشعرُ أنّها تعرفُ السرَّ الذي جعل قلبي ينبضُ لهذه اللوحةِ قبل أن أفتحه لها؟ أهي صدفةٌ؟ أم أنّ الأقدارَ تعرفُ طريقَ الأفكارِ قبلَ الأجسادِ؟»
كان النسيمُ يُداعبُ شعرَها كأنّه يهمسُ لها أنّ هذه اللّحظةَ ليست عابرةً، وأنّ شيئًا جديدًا سيبدأ في قلبِ هذا السوقِ العتيق. وكلّما تردّدَتْ أنفاسُها، شعرتْ بأنّ اللوحةَ لم تعد مجرّد لوحةٍ بين يديْها، بل رمزًا لشيءٍ أعمقَ، رابطٍ خفيٍّ بين قلبَيْها وقلبِ المرأةِ التي قدّمت لها مفاجأةً لا تُنسى.
ثمّ وجدتِ المرأةُ نفسها تبتسمُ بخجلٍ، وارتاحتْ يدَها على اللوحةِ كما لو أنّها تسلّمت شيئًا أكثرَ من لوحةٍ قديمة؛ تسلّمت شعورًا بالطمأنينةِ، وبدايةَ علاقةٍ ربما تغيّرُ مسارَ رحلتِها وحياتها معًا.
«ولِمَ تفعلينَ ذلك؟ نحنُ غريبتانِ لا نعرفُ بعضَنا…!»
لكنَّ آنا ماريا أجابتْ بنظرةٍ فيها من العطفِ ما يفوقُ الكلماتِ، كأنَّها تمدُّ إليها خيطًا من دفءٍ إنسانيٍّ نادرٍ في عالمٍ تزدادُ فيه المسافاتُ بين الأرواحِ:
«رُبَّما لا نحتاجُ أنْ نعرفَ الأسماءَ، يا سيّدتي، لندركَ من أينَ يأتي الدفءُ. أحيانًا، تتلاقى الأرواحُ قبلَ أنْ تتبادلَ التحايا… كأنَّها تعرفُ طريقَها منذ الأزلِ.»
تجمّدتِ المرأةُ لحظةً، وقدْ ارتجفَ شيءٌ في أعماقِها كأنَّ كلمةً واحدةً من هذه الغريبةِ أيقظتْ فيها ذاكرةً بعيدةً كانت نائمةً على حافةِ القلبِ. أمسكتِ اللوحةَ بيديْنِ مرتجفتينِ، ثمّ أطرقتْ رأسَها في صمتٍ طويلٍ، وراحتْ تُحدّثُ نفسَها همسًا:
«غريبةٌ هي الأقدارُ… كيفَ تمنحُنا ما نظنُّ أنَّا فقدناهُ، على يدِ مَن لا نعرفُهم؟ أهيَ مصادفةٌ عابرةٌ؟ أمْ عنايةٌ خفيّةٌ تُعيدُ إلينا إيمانَنا بأنَّ اللطفَ ما زالَ يسكنُ الأرضَ؟»
كان في عينيْها بريقُ امتنانٍ صامتٍ، وفي نبرتها رجفةٌ تشي بأنَّ هذه اللّحظةَ الصغيرةَ لم تكن عابرةً في حياتِها. رفعتْ رأسَها أخيرًا نحو آنا ماريا، وقالتْ بابتسامةٍ حيِيّةٍ متردّدةٍ:
«هذا كرمٌ لا يُصدَّق… لستُ أدري كيفَ أردُّ لكِ الجميلَ، ولا كيفَ أعبّرُ عمّا أشعرُ به الآن. إنّه شعورٌ يشبهُ اللقاءَ مع قَدَرٍ كان ينتظرُني في هذا المكان.»
ابتسمتْ آنا ماريا، وهي تُقلِّبُ اللوحةَ بينَ يديْها، تتأمّلُ ملامحَ وجهٍ قديمٍ يرتسمُ فيها غموضُ الزمانِ وجمالُ الضياعِ، ثمّ قالتْ بصوتٍ خافتٍ تتسلّلُ منهُ نبرةُ شجنٍ:
«رُبَّما يكفيني ما رأيتُهُ في عينيكِ من خوفٍ وحنينٍ في آنٍ واحدٍ… الخوفُ من أنْ تفقدي شيئًا يشبهُ جزءًا من نفسِكِ، والحنينُ إلى زمنٍ تُريدينَ أنْ تعودي إليه. هل تسمحينَ لي أنْ نُكملَ هذا الحديثَ على فنجانِ قهوةٍ؟ يبدو أنّ في طفولةِ هذه اللوحةِ شيئًا منّا معًا؛ وجهٌ قديمٌ يُطلُّ من زمنٍ بعيدٍ، يبحثُ عمَّن يفهمُ صمتَه.»
تردّدتِ المرأةُ قليلًا، ثمّ أومأتْ برأسِها والدهشةُ تملأُ ملامحَها، كأنّها لا تصدّقُ أنّ هذا اللقاءَ البسيطَ قد فتحَ في داخلِها بابًا واسعًا من الطمأنينةِ. قالتْ في سرّها وهي تسيرُ إلى جوارِ آنا ماريا نحو المقهى القريبِ من الميناءِ:
«ما بالُ هذه المرأةِ؟ أشعرُ أنّها تعرفُ شيئًا عنّي لا أعرفُه أنا نفسي… لعلّها تشبهُ تلكَ اللوحاتِ التي لا تُدركُ معناها إلا بعدَ طولِ تأمّلٍ.»
ضحكتِ المرأةُ برقةٍ وقالتْ:
«أنا روزيتا. ويبدو أنّ البحرَ شاءَ أن يجمعَ بينَ غريبتَيْنِ تبحثانِ عن شيءٍ لا تعرفانِ تمامًا ما هو.»
أما آنا ماريا، فكانتْ تمشي إلى جانبِها وهي تُصغي إلى وقعِ خطواتِهما فوقَ الأحجارِ، وتُحادثُ نفسها في أعماقِها:
«كمْ غريبٌ أنْ يمنحَك القدرُ وجهًا جديدًا في لحظةٍ ظننتَ فيها أنَّ الدربَ خلا من الرفاقِ. لعلَّ اللهَ أرسلَ هذه المرأةَ لتذكّرَني أنّ الحنانَ لا ينتهي، وأنَّ في كلِّ لقاءٍ عابرٍ بذرةَ شفاءٍ خفيّةٍ لا نراها إلا بعد حينٍ.»
جلسَتَا بعد قليلٍ على مقعدٍ خشبيٍّ يطلُّ على الميناءِ، وكانتِ الشمسُ قد بدأتْ تميلُ نحوَ المغيبِ، تغسلُ السماءَ بلونٍ نحاسيٍّ هادئٍ. هناكَ، وسطَ رائحةِ القهوةِ والبحرِ، بدأتْ بينهما حكايةٌ لن تنتهي عندَ حدودِ الصدفةِ، بل عندَ تخومِ الروحِ التي وجدتْ صدىً يشبهُها أخيرًا.
منذُ تلكَ اللحظةِ، بدأتْ بينهما صداقةٌ عجيبةٌ، نشأتْ بسرعةٍ لا تفسّرُها الأيّامُ القليلةُ ولا المواقفُ العابرةُ. كانَ في حديثِ روزيتا دفءُ البيوتِ الإيطاليّةِ القديمةِ، وفي صمتِ آنا ماريا شجنُ امرأةٍ تحملُ في صدرِها ما يفوقُ الكلامَ.
وفي طريقِ عودتِهما إلى الميناءِ، كانتْ آنا ماريا تُحادثُ نفسها بصوتٍ داخليٍّ خافتٍ:
«ما الذي يجعلُنا نرتاحُ فجأةً إلى أناسٍ لم نعرفْهم من قبل؟ أهيَ مصادفةٌ أم ترتيبٌ خفيٌّ من القدر؟»
كأنَّ القدرَ نفسهُ كانَ يُمهّدُ لتلكَ الصداقةِ لتكونَ نافذةً جديدةً تُطلُّ منها على أملٍ آخرَ، أو ربّما جسرًا نحوَ فصلٍ جديدٍ من حكايتها الطويلةِ مع الحلمِ والانتظارِ.
في مساءٍ رماديٍّ مائلٍ إلى الحزنِ، كانت السماءُ تُلقي بظلٍّ خفيفٍ فوق الميناءِ كأنّها تُغطيه برداءٍ من الغيمِ والذكرياتِ. جلستْ آنا ماريا إلى جانبِ روزيتا على مقعدٍ خشبيٍّ قديمٍ، تتآكلُ أطرافُه من رطوبةِ البحرِ، والريحُ تداعبُ خصلاتِ شعرِها الذهبيّ في تردّدٍ حنونٍ، كأنّها تُواسيها. كانت السفنُ ترسو في الأفقِ البعيدِ، تصدرُ صفيرَها الأخيرَ قبل الغروبِ، فيما ارتسمتْ على وجهِ البحرِ مساحاتٌ من الضوءِ والظلِّ، تُشبهُ حياتَها بينَ الأملِ والانكسارِ.
قالتْ روزيتا بصوتٍ خافتٍ، تتسلّلُ نبراتُه إلى القلبِ كهمسِ صلاةٍ:
«سمعتُ عن طبيبٍ في جنوى… يُقالُ إنّهُ يُعالِجُ العقمَ بمعجزةٍ من الأعشابِ. لِمَ لا تجرّبينَ زيارته؟ ربّما تجدينَ عنده ما لم تجديه في كلّ تلكَ الرحلاتِ الطويلةِ.»
ظلّتْ آنا ماريا صامتةً لحظةً، وعيناها تَسبحانِ في الأفقِ حيثُ تلتقي السماءُ بالبحرِ في غموضٍ لا يُدركُه النظرُ. كان في داخلِها صراعٌ بينَ خوفٍ قديمٍ وأملٍ يتشبّثُ بما تبقّى من ضوءٍ في آخرِ النهارِ. ارتجفَ قلبُها كطائرٍ بلّله المطرُ فجأةً، وشعرتْ بنسمةٍ باردةٍ تتسلّلُ إلى صدرِها كأنّها تحملُ خبرًا لا تدري إنْ كانَ مفرحًا أم موجِعًا.
ثمّ تنفّستْ بعمقٍ، كأنّها تُحرّرُ صدرها من ثقلِ سنواتٍ من الانتظارِ والفقدِ، وقالتْ بصوتٍ أقربَ إلى الاعترافِ منه إلى الجوابِ، مترددةً، تُحاولُ أن تضعَ الكلماتَ في قالبٍ لا يُمزّقُ شعورَها:
«لقدْ جرّبتُ الكثيرَ يا روزيتا… أكثرَ ممّا يحتملُ القلبُ. حملتُ مرّتين، وكلّ مرّةٍ كنتُ أُمسكُ بطرفِ الحلمِ بينَ يديَّ، أنتظرُ ثباتَ الحملِ حتى أخبرَ زوجي، ثمّ أكتشفُ أنّه ينهارُ قبل أن يُتمَّ أسبوعَهُ الأول. كنتُ أعيشُ أيّامًا من الأملِ المرهفِ، كأنّي أحتضنُ شعلةً صغيرةً في غرفةٍ مظلمةٍ، ثمّ يسقطُ الحلمُ مني كما تسقطُ ورقةُ الخريفِ الأخيرةُ من غصنٍ يابسٍ تحتَ عاصفةٍ لا تُرحم.»
أطرقتْ برأسها، وغاصتْ في صمتٍ مُرهفٍ يملؤهُ الألمُ والحنينُ، ثمّ أضافتْ بصوتٍ يقطرُ وجعًا، كما لو أنّ الحروفَ نفسها تُفرغُ حزنَها في الهواء:
«طرقتُ أبوابَ الأطباءِ في كلِّ مدينةٍ وطئتُ فيها الأرض، لجأتُ إلى العرّافينَ، جرّبتُ الأعشابَ التي تهمسُ بأسرارِ الحياة، توسّلتُ بالصلاةِ والانتظارِ… وانتظرتُ طويلًا، طويلاً لدرجةٍ شعرتُ فيها أنّ الزمانَ قد تجمّدَ حولي. لكن، رغم كلّ هذا، هناك شيئٌ صغيرٌ عنيدٌ في داخلي يرفضُ التصديقَ أنّ الطريقَ قد انتهى، شيءٌ يهمسُ لي كلَّ ليلةٍ قبل أن أخلدَ إلى النوم: ما زالَ في الرحلةِ متّسعٌ للحلم… وما زالَ في القلب نبضٌ يُمكنه أن يُنير الطريق.»
وحدها، في هذه اللحظة، شعرتْ أنّ الحديثَ لم يكن مع روزيتا وحدها، بل مع نفسها، مع كلّ جزءٍ من روحها أصيبت بالخذلان، ومع كلّ حلمٍ سُلبَ منها. نظرتْ إلى البحرِ في الميناءِ البعيد، كأنّه يردّ لها شيئًا من القوة، ومن ثمّة ولادةً جديدةً للأملِ، رغم كلّ الخيباتِ التي حملتها الأيامُ على ظهرِ قلبها.
نظرتْ إليها روزيتا بعينينِ يغمرُهما التعاطفُ، ثمّ وضعتْ يدَها على يدِها برفقٍ قائلةً:
«ربّما لا نعرفُ متى يقرّرُ اللهُ أن يُعيدَ المعجزةَ إلى قلوبِنا، لكنّكِ… ما زالَ فيكِ ذلكَ الضوءُ الذي يُشبهُ الأمومةَ نفسها، حتى وإنْ لم تَحملي بعدُ طفلاً.»
ابتسمتْ آنا ماريا ابتسامةً شاحبةً، ثمّ أمالتْ رأسَها نحو البحرِ وقالتْ في حوارٍ داخليٍّ لا يسمعهُ أحدٌ سواها:
«أيمكنُ أنْ يكونَ ضوءُ الأمومةِ في القلبِ لا في الجسدِ؟ أيمكنُ أنْ يولدَ الحلمُ من جديدٍ ولو بعدَ أنْ يموتَ ألفَ مرة؟»
كانَ المساءُ يُوشكُ على الانسحابِ خلفَ الأفقِ البعيد، والبحرُ يغدو أكثرَ سكونًا، وكأنّه يَصغي لصوتِ امرأتينِ تبحثانِ عن معنى البقاءِ في عالمٍ لا يمنحُ شيئًا مجّانًا. وبينَ عبقِ الزهرِ الممزوجِ برائحةِ الملحِ، شعرتْ آنا ماريا أنّها على مشارفِ رحلةٍ جديدةٍ، ولكنْ هذه المرّةَ لن تكون كالسابق، فهي لا تُبحرُ فقط بحثًا عن طبيبٍ، بل عن فرصةٍ أخيرةٍ لإعادةِ اكتشافِ ذاتها التي أوشكت على الانطفاء، ولقلبٍ طالما أنهكهُ الانتظارُ والفقدُ والخيبة.
وبعدَ أيامٍ قليلةٍ، كانت روزيتا ترافقُها إلى العيادةِ الإيطاليةِ الشهيرةِ للطبيبِ الذي امتدّت شهرتهُ إلى الآفاقِ، رجلٌ عُرفَ بمهارتهِ في معالجة الحالات المستعصية، والذين يزرعُ الأملَ في نفوسِ اليائسينَ قبلَ أجسادِهم.
استقبلَهُما الطبيبُ في غرفةٍ تغمرُها رائحةُ الزهورِ اليابسةِ والأعشابِ القديمة، وفي الزوايا رفوفٌ مثقلةٌ بزجاجاتٍ صغيرةٍ تحتفظُ بذكرياتِ علاجاتٍ مرّت عبر السنين. كان رجلاً ذو لحيةٍ بيضاء، وصوتٍ مطمئنٍ كنسيمِ الجبلِ في فجرٍ صافٍ، ينضح بالحكمةِ والصبرِ.
جلستْ آنا ماريا أمامه، وعيناها تحاولان إخفاء ارتعاشِ الأملِ الممزوجِ بالخوف، وهي تُجيب على أسئلته بصوتٍ متهدّجٍ، فيهِ بقايا الحزنِ، وبقايا الرجاء، وبقايا الرغبةِ في الإيمان بأنّ للحياةِ دومًا فرصةً أخيرة.
ظلَّ الطبيبُ صامتًا لحظاتٍ طويلة، وكأنّ صمته يثقلُ الهواءَ بينهما، ثمّ رفعَ رأسَه إلى عينيها، وقالَ بنبرةٍ حازمةٍ يغلفُها الأسفُ والقلقُ:
«سيّدتي، جسدُكِ ضعيفٌ، لا يحتملُ عناءَ الحملِ من جديدٍ… قد يكلّفُكِ ذلك حياتَكِ.»
تجمّدت آنا ماريا للحظة، وقد سقطت الكلماتُ من شفتيها كما لو أنّ الهواءَ أصبحُ ثقيلاً جدًا، ثمّ همستْ لنفسها بصوتٍ خافتٍ، أشبهُ بالبوح:
«أحقًّا انتهت الرحلة؟ أحقًّا لن أستطيع أن أُمسكَ بحلمي مرةً أخرى؟ أم أنّ في قلبي ما يزال ينبضُ بمقدارٍ كافٍ لأستمرَّ في السعي؟»
ارتجفَ صدرها، وانقبضت يدها حول المقعد، بينما كانت روزيتا تلمسُ يدها بخفّة، محاولةً أن تزرعَ في قلبها شيئًا من الطمأنينة، وسمعتْ نفسها تقول بصوتٍ داخليّ:
«ربّما ليس كلّ الأمل ضائعًا بعد… هل يمكن أن يكون هناك طريقٌ آخر؟ هل من الممكن أن تُعيدَ الحياةُ للحلمِ جزءًا صغيرًا، حتى لو لم يكن كما تصوّرته؟»
وكان البحرُ في الخارج يهمسُ بلغةٍ خافتةٍ لليلِ وللموج، وكأنّه يقول لها: لا تستسلمي بعد، فما لم تمتلكهُ الأجسادُ قد تمنحه الروحُ بصبرٍ وإيمان.
خرجتْ آنا ماريا من العيادةِ، تمشي بخطواتٍ هادئةٍ متثاقلة، وكأنّها تحملُ في صدرِها بحرًا آخرَ، بحرًا من الأسئلةِ التي لا إجابةَ لها، أمواجُه ترتطمُ بصخورِ قلبها، تُذكّرها بأنّ الحياةَ أحيانًا لا تمنحُ ما نطلبه مهما صرخنا أو توسّلنا.
كانت روزيتا تمسكُ بذراعها برفقٍ، تواسيها بصمتٍ أثقلَ من أي كلمات، صمتٌ يحوي في طيّاته حضورَ روحٍ تعرفُ معنى الألم، وتعرفُ قيمةَ البوح حين لا يجد المرءُ من يستمع.
وفي يومٍ آخر، أصرّت آنا ماريا على زيارةِ الطبيب مجدّدًا، برفقة صديقتها الإيطالية روزيتا، التي شعرتْ بمزيجٍ من الدهشةِ والقلق حين علمتْ بأنّ صديقتها قرّرت أن تسعى لتصبح أمًّا، وأن تمنحَ زوجها فرصةً ليكون أبًا، رغم كلّ ما ستشهده من ألمٍ أو احتمالات.
كانت روزيتا تحمل في عينيها علاماتِ الدهشة، وداخلها تتساءل: هل هي شجاعة أم جنون؟ وهل يمكن للروح أن تخطو فوق حدودِ الجسد والقدر؟
أما آنا ماريا، فكانت تمشي بخطواتٍ ثابتةٍ، قلبها يغلي بالأمل والخوف معًا، وفكرها يزدحم بالأسئلة:
لماذا يُصرّ قلبي على هذا الطريق رغم كلّ التحذيرات؟ هل من الممكن أن يكون الحلمُ أكبر من قدر الجسد؟ وهل يحق لي أن أُمنح فرصةً ثانيةً لأملٍ طالما تاه؟
وفي الطريق، همستْ روزيتا بصوتٍ خافتٍ، كأنّها تحاول أن تُوازن بين تشجيعها وتحذيرها:
«هل تعلمين يا آنا ماريا أنّ جسدك ضعيف، وأن المخاطرة كبيرة؟ أحقًّا ترغبين في المضي قُدمًا؟»
ابتسمتْ آنا ماريا برقةٍ وحزنٍ في آنٍ واحد، وقالتْ في داخلها، كما لو أنّ الكلمات كانت همسًا للروح:
«نعم، أعرفُ، أعرف أنّ الخطر قائم، لكنّي لا أستطيع أن أعيشَ دون أن أُعطي قلبي فرصةً أخرى، دون أن أُحاول أن أُعيدَ الحلمَ الضائعَ إلى الحياة، حتى لو كان بأشكالٍ مختلفة.»
كانت لحظاتُ الصمتِ بينهما كأنّها تمتحن صبرَ البحر، وأمواجُ الأسئلة تتلاطم داخل عقلهما: هل من الحكمةِ أن نواجه القدر بهذا التصميم؟ أم أنّ القلبُ وحدهُ يملكُ الحقَّ في المضيّ حيث يشاء؟
وصلتا إلى العيادة، والجوُّ يحملُ مزيجًا من رائحة الأعشاب والزهور اليابسة، والضوءُ يتسلّل بخجلٍ عبر النوافذ العتيقة، كأنّه يبارك هذا القرار، أو على الأقل يشهد عليه. نظرتْ آنا ماريا إلى وجه الطبيب، وعيناها مليئتان بالحزمِ والرجاء، فيما جلست روزيتا بجانبها، ممسكةً بيدها بخفّة، وكأنّها تقول لها بصمت: أنا معك، مهما كانت النتيجة.
وفي تلك اللحظة، شعرت آنا ماريا أنّ القرار لم يكن مجرد خطوةٍ جسدية، بل رحلةٌ داخليةٌ كاملة، صراعٌ بين الخوفِ والأمل، بين ما يريده العقلُ وما يريده القلب، وبين الحياة التي فقدتها والحياة التي ما زالت تنتظرها على شاطئٍ بعيد.
دخلت آنا ماريا إلى عيادة الطبيب، وعيناهما تتحدثان قبل الكلمات. كان الجو مشبعًا برائحة الأعشاب اليابسة والزهور، والضوءُ يتسلل عبر النوافذ العتيقة، يرسم خطوطًا رقيقة على الأرض، وكأنّه يراقب قرارها ويمنحه بركاته الصامتة.
جلس الطبيبُ أمامها، نظراته مُتأملةٌ، ثم بدأ بالكلام بصوتٍ هادئٍ، مزيجٌ من الحزم والقلق:
«سيّدتي، جسدُكِ ضعيفٌ، ولا يحتملُ عناء الحمل من جديد… أي محاولة قد تكلّفُك حياتك.»
تجمّدت آنا ماريا للحظة، شعرت وكأنّ الهواء قد أصبح ثقيلاً حول صدرها، كأنّ البحر في الخارج توقف عن التنفس، وكأنّ كلّ المرافئ صمتت لتسمع قلبها. ارتجفَت، وارتسم على وجهها مزيجٌ من الألم والذهول، ثم انسكبت الكلمات في داخلها همسًا:
«هل هذا يعني أنّ الحلم انتهى؟ هل انتهت الرحلة قبل أن تبدأ؟ وهل يمكن أن أحتفظ بالأمل رغم الجسد الذي يرفضه؟»
نظرت روزيتا إلى صديقتها بعينين مليئتين بالحنو، ثم أمسكت بيدها برفقٍ، محاولةً أن تنقل لها شيئًا من الشجاعة:
«حتى لو رفض الجسد، القلب لم يمت بعد… هل يمكن أن نجرب طرقًا أخرى؟ هل الأمل يُقاس فقط بما يمكن أن يحتمله الجسد؟»
أغمضت آنا ماريا عينيها للحظة، وسمعت في الداخل صوت البحر، أمواجُه تتلاطم بصوتٍ هادئٍ ولكنها تعرف أنّها لن تهدأ بسهولة:
هل من الحكمة أن أستسلم؟ أم أنّ في أعماق قلبي شاطئٌ لم أصل إليه بعد؟
فتحت عينيها، ونظرت إلى الطبيب بعزمٍ خافتٍ يختلط بالخوف:
«ربما الجسد ضعيف، لكن الروح لا تزال قوية. ربّما الطريق لا يُقاس بما يستطيع جسدي تحمله، بل بما أستطيع أن أزرعه من حياةٍ وأملٍ في من حولي.»
ابتسم الطبيب بحزنٍ وارتباك، وكأنّ كلماتها أخافته قليلًا، وارتجف الهواء حولهم لوهلة، بينما شعرت روزيتا بأنّ شيئًا قد تغيّر في صمت المكان.
طلبَ الطبيبُ من آنا ماريا أن تحضرَ إليه في يومٍ آخر، برفقة زوجها، ليُطلعَهُ على كل تفاصيل الوضع الطبي ويُشاركها القرار.
ولكن آنا ماريا، وهي تمشي على الرصيف الحجري للميناء، شعرتْ بأن زوجها سيرفض ذلك.
رفعت رأسها نحو البحر، حيث الأمواج تتلاطم بصمتٍ مهيب، وكأنّها تقول لها:
الصبر، فالزمن ليس لصالحك وحدك.
ترددتْ لحظة، ثم قالت في داخلها، همسًا يُسمع للروح فقط:
«لن أخبر زوجي بعدُ… ليس بعد. لا أريد أن أُثقل قلبه بالقلق قبل أن يثبت الحمل. فهو لا يركن إلى ميناء، وقته كلّه مشغولٌ بالعمل والسفر، كل يومٍ جديدٍ يحمل معه رحلةً وعاصفةً أخرى. كيف له أن يعيش القلق قبل أن يكتمل الأمل؟»
شعرت روزيتا بجانبها بالحذر والقلق، نظرت إلى صديقتها بعينين تحملان سؤالاً صامتًا
: هل هذا القرار حكيم؟
هل من الصواب أن تحتفظ بالحقيقة لنفسها؟
لكنها لم تنطق، بل أمسكت يد آنا ماريا بخفّة، محاولةً أن تنقل لها ثقةً ودعمًا صامتًا.
ثم همست آنا ماريا في أعماق قلبها، كما لو أنّها تحاور روحها:
«ربّما يبدو ما أفعل جنونًا، وربّما يعتقد البعض أنّني أتحمّل وحدي ما ينبغي أن يُشارك مع الآخرين.
ولكنّي أحتاج إلى أن أكون واثقة، أن أرى أثر الأمل يتجسّد قبل أن أضعه بين يديه. أليس من الحكمة أن أستفيد من آخر فرصة لي؟
أليس في استمرار هذه الحقيقة شعورٌ أقوى من خوفٍ مبكرٍ قد يُفسد كل شيء؟»
وهكذا، ظلت آنا ماريا في صمتها الداخلي، تُفكّر، تُعيد ترتيب خطواتها، وتهمس لنفسها:
«سأُخبره حين تثبت الحقيقة، حين يصبح الأمل ملموسًا. حتى ذلك الحين، سأحمل الحلم وحدي، وسأدع البحر والشمس يشهدان صمتي وصموده، وسأظل أبحر في داخلي، على موجات من الرجاء، حتى يحين وقت الإفصاح.»
وذات يوم، حين انبعثت خيوط الصباح بخجلٍ من وراء النوافذ، عادت آنا ماريا إلى عيادة الطبيب مسرعةً، كأنّ كلَّ جزءٍ من روحها يسعى نحو الضوء الذي بدأ يسطع في داخلها، نورٌ هشّ ولكنه صارم، يُخبرها بأنّ الأمل لا يموت مهما كتمه الألم.
دخلت الغرفة وهي تحمل قلبًا يختلط فيه الفرح بالخوف، والأمل بالمسؤولية. جلست أمام الطبيب، ونظرت إليه بعينين لا تختبئان عن الحقيقة: أنا وحدي من سيحمل هذا القرار، أنا وحدي من سيواجه النتائج مهما كانت، ولكنّي أرفض أن أفقد شعاع الأمل هذا قبل أن يبدأ.
أخرجت ورقةً صغيرة، خطّت عليها كلماتها بخطٍّ حازمٍ ويدٍ ترتجف قليلاً من الفرح والتوتر معًا، ثم أضافت توقيعها أسفلها، وكأنّها تمنح نفسها الحق في أن تتحمّل وحدها عبء القرار:
«سيدي، لقد قررتُ أن أتحمّل مسؤولية الحمل وحدي، مع العلم بكل المخاطر، وأنا على استعدادٍ كامل لمواجهة كلّ النتائج. توقيعي أدناه شهادة على إرادتي ووعيي الكامل بما أفعل.»
ارتجف قلبها وهي تضع الورقة أمام الطبيب، شعرت بحرارة في يديها، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٍ خافتةٍ، بينما همست في داخلها، مخاطبة روحها:
«ها هو النور يسطع أخيرًا… هل من الجنون أن يكون الأمل أكبر من الخوف؟ أم أنّه قدرٌ كتب لي أن أتمسك به رغم كل شيء؟»
كانت روزيتا واقفةً بجانبها، تراقب كل حركة، وعيناها تحملان الدهشة والاعتراف بصمود صديقتها، وهمست في نفسها:
إنها لا تخاف، أو على الأقل تعلم كيف تُخفي الخوف، وكيف تجعل من الألم دافعًا للحياة… أليست هذه القوة هي ما يجعل من القلب مكانًا للأمل؟
ابتسمت آنا ماريا برقةٍ، وكأنَّ البحر خلف النوافذ يبتسم معها، وكأنّ الأمواج تتراقص بخفةٍ على وقع خفقات قلبها، تحملُ بين حركاتها همسَ فرحٍ خافت، وقالت لنفسها بصوتٍ داخليٍّ هامسٍ:
«ربما لا أستطيع أن أتحكّم بالمستقبل، وربما الطريق محفوفٌ بالمخاطر والمجهول… لكنّي سأبقى أبحر في داخلي، على موجاتٍ من النور والأمل، على دروبٍ لا يراها أحد، وسأصل إلى الشاطئ حين يحين الوقت، حين يكتمل الضياء في قلبي.»
أمسكت الورقة بين يديها، وهي ترتجف قليلاً من مزيج الخوف والفرح، ومع كل حرف خطّته، شعرت أنّها لا تثبت حملها وحسب، بل تثبت إرادةً جديدةً في قلبها، نورًا داخليًا يرفض الانطفاء، وشعورًا صامتًا يقول لها:
ها قد اخترت أن تتحمّلي، وأن تصنعي القرار، وأن تُبقي الأمل حيًّا، رغم كل المخاطر.
نظرت إلى الطبيب، وعيناها تحملان حزمًا وهدوءًا، وقالت في داخلها:
«لقد اتخذت القرار، نعم… وربما لا يفهمه أحد، وربما يراه البعض جنونًا… ولكنّي أعلم أنّه الطريق الذي يجب أن أسلكه. هل يملك الإنسان شيئًا أهمّ من أن يبقي الأمل حيًّا في قلبه، حتى لو اجتازه الخوف والعجز؟»
ابتسم الطبيب، وقد لمس في عينيها الإصرار والشجاعة، وشعر أن الورقة التي بين يديها لم تكن مجرد توقيعٍ على سند، بل رسالةً صامتةً من روحٍ رفضت الاستسلام، من قلبٍ تعلم أنّ المسؤولية الحقيقية لا تُقاس بالقرار وحده، بل بالقدرة على الحفاظ على الأمل حيًّا في ظل هذا القرار.
وبينما خرجت آنا ماريا من العيادة، حملت قلبها المضيء معها، كأن البحر والأمواج والنسيم كلهم يُباركون اختيارها، وتردّد في داخلها صدى سؤالٍ متسائلٍ:
هل يكون الأمل هو الأمومة الحقيقية؟ وهل يكفي أن نحمل الحلم في داخلنا، لنكتشف مع الوقت الشاطئ الذي سيعيد لنا الروح والفرح؟
وهكذا، استمرت الرحلة… رحلةٌ مزدوجة، داخلية وخارجية، بين خوفٍ يتسلّل من زوايا القلب، وأملٍ يتوهّج كل يومٍ في صميمها، بين البحر الواسع والسماء المفتوحة، بين ضوءٍ خافتٍ يسطع في قلبها، وبين مسؤوليةٍ تتجسّد في قرارٍ صغيرٍ صنعته يدها، لكنه أثقل من كلّ الموانئ والأمواج، لأنه يحمل في طيّاته الحياة نفسها، ويختبر صمود روحها أمام ما لم يكن يُرى من قبل.
وفي خضمّ هذه المشاعر، وأمام لحظةٍ محتملةٍ لتسليم الخبر الكبير لزوجها، لم تسرع آنا ماريا، بل فكّرت مليًا، وأدركت أنّ إعلان الحمل وحده قد لا يكون كافيًا، بل يجب أن يكون مصحوبًا بخطوةٍ تُظهر الرؤية المشتركة للمستقبل، رؤية تُحوّل الأمل إلى خطة ملموسة.
اقتربت من زوجها وهي تحمل في عينيها بريقًا من الحزم والحنان معًا، وقالت له بصوتٍ خافتٍ، ولكنه حمل في طياته قوة القرار:
«قبل أن أخبرك بالخبر، فكّرتُ أن نُحضّر لأنفسنا مكانًا على اليابسة… مكانًا يربط الشرق بالغرب، نؤسّس فيه حياتنا، وندير من خلاله تجارتنا عبر البحر. ألا ترى أنّه ربما حان الوقت لنحوّل الحلم إلى واقع؟»
جلس الزوج صامتًا للحظة، تلاعبت مشاعره بين الدهشة والتقدير، بين الامتنان والخوف من المسؤولية الجديدة، وبين شعورٍ داخلي يقول له:
ها هي المرأة التي أحببتها، لم تُفكّر في نفسها وحدها، بل فينا معًا… كيف يمكنني رفض هذا الحلم الذي صاغته بحنانها؟
ابتسمت آنا ماريا، وعلت في قلبها أصداء همساتها الداخلية:
«ربّما لا أستطيع أن أتحكّم بكلّ شيء، وربما الطريق مليء بالعواصف، لكنّي أعلم أنّنا سنبحر معًا، وأن البحر واليابسة لن يفرّقا بين حلمين يلتقيان في قلب واحد.»
أما الزوج، فقد جلس قليلًا مستجمعًا أفكاره، ثم رفع عينيه إلى البحر خلف النوافذ، إلى الأفق الذي يربط الشرق بالغرب، وقال في داخله:
إنها ليست مجرد فكرة، بل رسالة من قلبها… رسالة تقول لي: الحلم لا يُصنع وحده، بل يُبنى مع من نحبّ، خطوة خطوة، من اليابسة إلى البحر، ومن النور الداخلي إلى الواقع الذي نصنعه بأيدينا.
وهكذا، صار اقتراح آنا ماريا جسراً بين قلبها وقلبه، بين البحر واليابسة، بين الماضي المليء بالفراغ والخوف، والمستقبل المشرق المليء بالأمل، وجعل من كل قرارٍ صغيرٍ يتخذونه معًا حجر أساسٍ لحياةٍ جديدة، تُضيء شراع الرحلة القادمة.
كانت الجزائر في ذلك الزمانِ عالَمًا قائمًا بذاتِه، لا يُشبهُ ما تسردهُ الأخبارِ الباردة، ولا ما يكتبهُ الرحّالةُ العابرون على عَجَلٍ في دفاترهم الممهورةِ برائحةِ الغُربة. كانت إيالةً عثمانيّةً تنبضُ بنَفَسٍ خاصّ، تُحافظُ على استقلالها مثل نسرٍ يحلّقُ قريبًا من الشمسِ، يلامسُ وهجها ولا يحترق. على عرشها يتربّعُ الداي، رجلٌ جمع بين مهابة الحاكم ودهاء التاجر وصلابة القائد البحري، فصار حضورهُ يُسمَعُ في المرافئ كما يُسمَع هديرُ الموج في الليالي العاصفة، وكأنّ البحر نفسه يحترمُ قدميه قبل أن تُخطو على الأرصفة.
كانت الجزائر حينها أسدَ البحر الأبيض المتوسط، تزأرُ سفنها في الموانئ، وتلوحُ راياتها على صفحة الماء، متحدية الريح والزمان معًا. تجارتها وقرصنتها كانتا وجهين لعملة واحدة؛ لا فرق بين من يشتري المجد ومن ينتزعُه انتزاعًا، فكلّ معركةٍ في البحر تحمل طعم الذهب نفسه، وريحة الملح ذاته، ووقع خُطى الشجاعة على الأخطار الداهمة.
تعود السفن المحمّلة بالغنائم، تحمل معها رائحة المعارك، بينما السفن التجارية القادمة من الشرق والغرب تملأ المرافئ بصخب يشبه نشيد المدن حين تستيقظ على صوت الحياة. هناك، حيث يلتقي القمح بالذهب، كانت الجزائر تحيا في فم البحر كما تحيا القصيدة على حافة الخطر، تتلألأ في عيون من يجرؤ على الاقتراب منها، وتُحرّك القلب قبل العقل.
في قلب ذلك الثراء كان ميناء الجزائر العاصمة، نبضًا متأججًا بالحركة والأصوات واللغات، حيث تتعانق نداءات التجار على الأرصفة، وتتصاعد روائح التوابل والجلود والصابون والعطور الشرقية. المدينة تشبه مسرحًا من الضوء والعرق، يَعرض على جمهوره مشهدًا لا يتكرّر إلا عند الموج الأول في فجرٍ جديد، حين يلتقي الصخب بالسكينة، وتصبح المرافئ قصائد من الحياة والخطر معًا.
هناك وقف دانييل مولر، القادم من الشمال، يرقب الأفق بعين نصفها حلم ونصفها حساب، يزن كل موجةٍ ويمسح كل ظلّ على الماء بعقله وقلبه معًا. تمتم في نفسه، كمن يحاور البحر قبل أن يحاوره:
«أيُعقَلُ أن تكون هذه المدينة بوّابتي إلى مجدٍ جديد؟ أم أنّ البحر، كعادته، يغوي من يقترب ليبتلعه؟»
كان يعرف أنّ التجارة في الجزائر ليست مجرد بيع وشراء، بل مبارزة من نوع آخر؛ من ينتصر فيها هو من يملك فراسة الموج وصبر البحر، من يقرأ الريح قبل أن يقرأ السوق، ومن يقدّر قيمة الصبر كما يقدّر قيمة الذهب.
ومع ذلك، لم يكن خوفه من الخسارة المالية وحدها، بل من أن يصبح واحدًا من أولئك الذين يبيعون أرواحهم بالمكاسب، من ينسى أنّ البحر يُعطي، لكنه لا يُعيد شيئًا ممّا أخذ. وعندئذٍ، سمع صدى صوته الداخلي، يهمس له بهدوءٍ شديدٍ:
«احذر يا دانييل… البحر يُعطي كثيرًا، لكنه لا يُعيد شيئًا ممّا يأخذ. وهل أنت مستعد أن تدفع قلبك مقابل ثروةٍ تذوب في الموج؟»
توقف للحظة، وأغمض عينيه، وشعر بأن المدينة كلها، من الميناء إلى الأرصفة المضيئة، ترصده، كأنها تختبر عزيمته، وكأن كل حجرٍ وكل نبرة صوتٍ تحمل سؤالًا: هل أنت صبور بما يكفي لتصنع مجدك هنا، أم أنّك ستُبتلع بين الأمواج والأحلام الضائعة؟
كانت السفن القادمة من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تفرغ حمولاتها من الزجاج والخزف والنبيذ والحديد، بينما تُحمَّل في طريق عودتها حبوب الريف الجزائري، وصوفه وجلوده، وشمع النحل الذي يقطر رائحة الأرض وأشعة الشمس. كلّ صندوقٍ يُحمَّل أو يُفرَّغ كان كأنه يحمل معه قصة حياة، يعبق فيها عرق الرجال ودهشة النساء اللواتي ينتظرن البضائع القادمة من وراء البحر، وكأن كل رحلة تحمل بين طياتها فصولًا من الحكاية الإنسانية نفسها، تكتبها الأمواج على صفحة الزمن.
وقف دانييل على رصيف الميناء، متأمّلًا حركة العمال، يستمع إلى ارتطام الحبال بالأخشاب، وصرير العربات الحجرية، ونداءات الباعة الذين يبيعون التوابل والصابون والجلود. كان يسمع في كل صوتٍ إيقاعًا يذكّره بأن البحر لا يفرّق بين قوي وضعيف، وأن من يعرف أن يستمع فقط، قد يفهم أسرار الحياة نفسها. تمتم في داخله:
«كم من حكايةٍ تختبئ خلف كل صندوقٍ؟ وكم من حياةٍ تُصاغ على هذه الأرصفة قبل أن تصل إلى يد مشتريّها؟ هل سأفهمها يومًا، أم أنّني سأظل غريبًا بين البشر والبحر؟»
رفع عينيه إلى السماء، حيث تنعكس أشعة الشمس على صفحات الماء المتلألئة، وشعر بأن الميناء كله يراقبه، كما لو أنّه سؤالٌ حيّ يطرح عليه نفسه:
«هل أنا هنا لأجني المال فقط، أم لأكتشف ما وراء الذهب والفضة، لأقرأ القلوب قبل أن أقرأ العقود؟»
ومع كل حركة من العمال، وكل خطوة على الرصيف المبلل بملح البحر، كان قلبه يخفق بمزيجٍ من الطموح والخوف، يتساءل عن مصيره في هذه المدينة النابضة بالحياة والمخاطرة:
«هل سأكون واحدًا من أولئك الذين يكتفون بالمكاسب، أم أنّ البحر سيعلّمني أن المجد الحقيقي لمن يفهم قيمته قبل أن يمتلكه؟»
كانت رائحة الخشب المبلّل، والتوابل، والجلود، مع ضوء الشمس الغاربة على الحمولات، تثير في قلبه رغبةً في الانغماس أكثر في هذا العالم، لتعرف نفسه أكثر، ويكتشف أسرار الجزائر التي تبدو كمدينةٍ عالقة بين الأمواج والسماء، بين الماضي المليء بالقصص، والحاضر الذي يُكتب على الأرصفة يوميًا.
وفي الغرب، كانت وهران تتلألأ على كتف البحر الأبيض المتوسط كجوهرةٍ مشبوبةٍ بنورٍ خافتٍ يزداد ويخبو مع نسيم الموانئ. كانت المدينة تختلط فيها لغات التجار وروائح الزيت والحديد والتوابل والأقمشة، حتى بدا السوق كقلبٍ نابضٍ لا يعرف السكون، ينبض بالنداءات والصفقات، ويبثُّ في كل زائر إحساسًا بأنّه دخل عالمًا يروي نفسه بنفسه. وكان القادم الجديد يتساءل في صمت:
«أهي مدينةٌ كما تبدو على الخريطة، أم مرآةٌ تعكس وجوهَ كل من مرّ بها؟»
ثم بجاية، ميناء الشمع والزيوت، ظلّ اسمه يتردد في دفاتر البحّارة الإيطاليين منذ قرون، كأنه سيدةٌ شرقيةٌ تقف عند المدخل، تفوح عطرًا وأسرارًا، تمنحك الدفءَ إن أحسنت الإصغاء إليها، وتغلق أبوابها عليك إن جهلت لغة قلبها. كان دانييل يتأملها من بعيد، وهو يهمس لنفسه:
«كم من حكايةٍ تختبئ وراء كل زاوية من زواياها؟ وكم من بحّارٍ جلب الحلم إليها ليكتشف أن البحر وحده يعلم من يستحق الدفء؟»
ومن هناك إلى عنّابة، النافذة الشرقية التي تفتح ذراعيها نحو تونس، حيث يلتقي النحاس بالزبيب، وتتعانق الصابونات والصناعات اليدوية كما تتعانق الأيدي في سوق مزدحم بالدهشة، فتشعر بأن كل قطعة تُباع أو تُشترى تحمل معها قصة حياة، وماضٍ وحاضرٍ لم يُكتشف بعد.
أما مستغانم، فكانت كفًا بحريةً ترسل الحبوب إلى مالطا وجنوة، وتستقبل في المقابل السكاكين والمنسوجات، وكأن البحر وسيطٌ حبٌّ بين شعوبٍ لا تنام، يخاطبهم بصوت الأمواج ويعلّمهم أن التجارة ليست مجرد تجارة، بل لغةٌ وفنٌ وفراسةٌ للموج.
وهكذا كانت الجزائر، مزيجًا من مجد وتجارة وكرامةٍ ترفرف فوق الموج، تروّض البحر والزمان معًا.
لكن دانييل، وهو يقلّب دفتره في المساء، شعر بأن وراء كل هذا الثراء ظلًا خفيًّا لا يُرى، كأن الأرض تخفي في بطنها نبوءةً لم تُكتب بعد، تنتظر من يقرأها بعين قلبه قبل أن يقرأها بعين العقل. تمتم متأمّلًا صفحة البحر الممتدة أمامه:
«أترى… هل تدرك هذه البحار أنّها تحمل على أمواجها قصة وطن سيصحو يومًا من غفلته ليصير ساحة أطماع ومعارك وذكريات لا تموت؟ أم أنّها، كعادتها، تُخفي كل شيء تحت الموج… حتى الحكايات التي تنتظر من يرويها؟»
بعد تفكير طويلٍ، توصلا إلى أن اليابسة الوحيدة التي ستُمكّنهما من متابعة أعمالهما التجارية والبحرية، وتؤمّن لهما ربطًا مستمرًا بين الشرق والغرب، تحمل اسم الجزائر. كانت الفكرة لا تزال غير ناضجة بالكامل في ذهن دانييل، لكن آنا ماريا بدفْعها الثابت وإيمانها بالمستقبل جعلتها كافية ليبدأوا برسم خططهم الجديدة: إقامة منزل لهما، واستثمار جزء من رأس المال في إرسال قوافل تجارية من موانئ الجزائر إلى موانئ المتوسط، بحيث تُوزّع البضائع بينهم بشكل يضمن الانتشار والأمان.
ومع مرور الأيام، بدا أنّ ما بدأ كخطة سريعة وعملية آنية، تحول لاحقًا إلى ذراعٍ أساسي للتجارة البحرية للأسرة، يحمل إرثًا من الخبرة والنجاح، ويؤسس لجذورٍ لا تتزعزع بين اليابسة والبحر.
لم يكن دانييل من أولئك الذين يهوون الاستقرار على اليابسة، فهو عاش حياته بين المرافئ والعواصف والرحلات التي لا تنتهي، لكن خبر حمل آنا ماريا أجبره على إعادة النظر في حياته، فكان لزامًا أن يجد لهما مكانًا آمنًا، يُتيح لهما الاستمرار في البحر دون أن يضيعا الحياة التي حملاها بين ضلوعيهما.
وهنا كانت وهران تنتظرهما، بأذرعها المفتوحة على البحر، وبحركة مينائها الذي لا تهدأ صفقاته. ميناء وهران، ثاني أكبر ميناء بعد العاصمة، كان يُستخدم لتصدير المحاصيل الزراعية من الغرب الجزائري، ويعجّ بالأسواق والحركة واللغات والوجوه المتعددة. وجد فيها دانييل شيئًا من هامبورغ الأم؛ ميناءً، تلالًا، أسواقًا حية لا تهدأ، وهدير البحر الذي يذكّره بأيامه الأولى على مرفأ شمال أوروبا.
على مرتفعٍ يطلّ على المرفأ القديم، اختارا أن يبنيا منزلًا بسيطًا، لكنه مشغول بروح ألمانيا؛ واجهته مزيّنة بقرميدٍ أحمر، والنوافذ الخشبية تطل على البحر كما لو كانت تُراقب حركة السفن. في الداخل، وضعت الطاولات والسجلات البحرية، وبعض لُقى رحلاته القديمة، فتغدو غرفة العمل مثل خريطة الحياة؛ تجمع بين الماضي والحاضر، بين البحر والتجارة، بين الوطن القديم والوطن الجديد.
كانت آنا ماريا تنظر إلى المكان بابتسامةٍ خافتة، وفي قلبها سؤالٌ صامت:
«هل سيكون هذا البيت ملاذًا للأمل، أم مجرد محطة عابرة على طريقنا الطويل؟ وهل ستعلم الرياح القادمة أن هناك قلبين يحاولان رسم مستقبلهما بعيدًا عن العواصف؟»
أما دانييل، فيطيل الوقفَ عند النافذة، يُمعن النظر في حركة السفن، يراقب الأمواج، ويهمس لنفسه:
«ربما هنا… ربما بين هذه الجدران وهذه الشوارع، أستطيع أن أحمي حياتنا، وأن أبدأ صفحةً جديدة، رغم أن البحر لا يزال يناديني كل صباح.»
وهكذا، جمع البيت بين اليابسة والبحر، بين الأمان والمغامرة، بين الجذور والطموح، ليصبح نقطة الانطلاق لحياة جديدة.
وما جعل هذا البيت أكثر من مجرد منزل، أنّه احتوى في طابقه الأرضي على مركزٍ تجاري صغيرٍ، بدأ متواضعًا، لكنه نما شيئًا فشيئًا حتى صار يُدار كمكتبٍ رئيسي لشبكةٍ تجارية عائلية متفرعة، تتصل بموانئ البحر المتوسط كلها. كان دانييل قد وكل بداية الأمر ثلاثة من أصدقائه القدامى لمساعدته، كلٌّ في مكانه، كلٌّ يحمل قلبه وعقله مع التجارة:
صديقه هاينريش، الذي أرسله ليستقر في نابولي، كان يُشرف على شراء الزيت الإيطالي وإرساله إلى وهران، مقابل القمح والصوف، يُحسّ به دانييل وكأنّه امتدادٌ ليده في البحر، يتذكّر صوته الداخلي وهو يهمس: «هل يصل الزيت كما يجب؟ هل تُحفظ التجارة كما حفظت صداقتنا؟»
أما رفيقه الأول في البحر، كارل، فقد اختار له مارسيليا، حيث كانت السوق الفرنسية تفتح ذراعيها لما تأتي به السفن من مستغانم والجزائر العاصمة، فتكون الصفقات محفوفة بالتحدّي والدهشة. كان كارل يكتب له رسائل طويلة عن حركة السوق، وعن مفاجآت الريح والأمواج، وعن التجار الذين يُخادعون ويُخدَعون، وكل رسالة كانت تمس قلب دانييل، فتجعل نبضه أسرع، وتساؤله الداخلي: «هل أمتلك السيطرة حقًّا، أم أنّ البحر وحده يعرف أسرار الربح والخسارة؟»
أما صديق طفولته القديم، فريدريك، فوجد أنّه عشق الإسكندرية، فراح يتبادل معها التمر والتوابل والنحاس، يكتب عن الشمس والحمرة التي تُضيء الميناء، وعن الأسواق المزدحمة، وعن تلك الابتسامات التي تُخفي وراءها مفاجآت لم تُكتب بعد.
كان هؤلاء الثلاثة له كأنّهم ثلاثة قلوبٍ تنبض في ثلاثة موانئ مختلفة، بينما ظلّ المركز في وهران، حيث دانييل ينسّق، يُراسل، يُحاسب، ويُخطّط، كربّانٍ لا يغادر سفينته، حتى ولو كانت راسية، وكأن البيت برمّته سفينة تُبحر في بحرٍ من الحسابات والرسائل والمراسلات اليومية.
وظلَّ الاسم لامعًا في تجارة البحر آنذاك، يتردد صداه بين المرافئ والموانئ، وبين الرسائل والكتب التجارية، خيوطٌ تمتدّ، بعضها انقطع، وبعضها الآخر بقي متواصلًا، لا يزال يحمل بين طياته قصصًا وأسرارًا، وإن خفي تحت غبار التاريخ، كأنه همسٌ صامتٌ يقول لمن يقرأ: «هنا وُلدت التجارة، وهنا وُجدت الصداقات، وهنا بقيت الحياة تروي نفسها بين اليابسة والبحر».
وبين هذا وذاك، ظلَّ الطفل الذي نما سره في صمتها، طفلاً يُذكّرها أنّ الحياة قد تُولد من رحم الصبر والتحدّي، وأنّ الأمل يمكن أن يسكن القلوب حتى في أقسى الظروف. كانت تمشي في صمت، تخاطب قلبها بصوت خافتٍ لا يسمعه سوى ذاتها:
«أيمكن أن أكون قويةً بما يكفي لأحميك؟ وهل سيعرف العالم أنّ الحلم الذي نحمله معًا لا يُقاس إلا بالحب؟»
كان الطبيب الإيطالي يتابع حالتها الصحية بين شهرٍ وآخر، عبر إحدى سفنهم القادمة من إيطاليا، ليعود معها بعد استعدادها لرحلة العودة. وفي كل مرة، كان يقرأ أوضاعها بعناية، يتلمس بيد الحكمة والكلمات نبض طفلها، ويسمعها وهي تجيبه في صمتها:
«ها أنت تقف معي، وتلهمني الصبر، وتعلّمني أنّ الإرادة قادرة على تحدّي القيود، حتى لو بدا الطريق محفوفًا بالعواصف.»
ومع كل يومٍ يمر، كان شعورها يزداد ثقةً ومهابةً، وكأنّ البحر والسماء والريح جميعها تتحالف لتواسيها، لتهمس لها أنّها ليست وحدها في هذا الطريق:
«إنه نبضك، نعم، لكنه أيضًا صدى أمومتك، صدى كل حلمٍ رفض أن ينطفئ رغم كل الخوف.»
وفي أعماقها، كانت تسائل نفسها أحيانًا:
«هل سيقدر زوجي على فهم ما حملتُه من صمتٍ وإصرار؟ وهل ستكون الرحلة القادمة أكثر هدوءً أم أكثر تحدّيًا؟»
وهكذا، ظلّت آنا ماريا تبحر بين الأمواج المادية والداخلية، بين اليقين والخوف، تحمل في أحشائها حياةً صغيرةً، لكنها حملت معها أيضًا قوةً أعظم من كلّ الموانئ والأعاصير، قوةً تولد من قلب امرأة تعرف أن الحب والإرادة قادران على صنع المعجزات.
