ظل القرار 03

الجزء الثالث:
فِي وَهْرَانَ، تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي تَتَمَازَجُ فِيهَا نَسَائِمُ الْغَرْبِ بِعَبَقِ الشَّرْقِ، وَتَلْتَقِي عِنْدَ مَرَافِئِهَا الْأَزْمِنَةُ كَمَا تَلْتَقِي الْأَمْوَاجُ، بَنَى دَانِيِيلُ وَآنَا مَارِيَا بَيْتًا يَطُلُّ عَلَى الْبَحْرِ، وَأَقَامَا إِلَى جَانِبِهِ مَرْكَزًا تِجَارِيًّا كَبِيرًا؛ كَأَنَّهُمَا يُصَوْغَانِ وَعْدًا جَدِيدًا لِلْحَيَاةِ.
كَانَا يَقُولَانِ لِأَنْفُسِهِمَا:
«الآنَ… آنَ لَنَا أَنْ نَسْتَقِرَّ.»
ثُمَّ يُضِيفَانِ، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ سِرٌّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ظِلِّهِمَا الْمُمْتَدِّ عَلَى الْجِدَارِ:
«هَذَا الْبَحْرُ لَنَا، لَكِنَّ الْيَابِسَةَ أَوْلَى الآنَ.»
كَانَ الْبَحْرُ مَا يَزَالُ يُلَوِّحُ لَهُمَا مِنْ بَعِيدٍ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بِانْفِصَالِهِمَا عَنْهُ. وَلَكِنَّ الْأَرْضَ الْجَدِيدَةَ كَانَتْ تُغْرِيهِمَا بِلُغَتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ، وَوُجُوهٍ تُشْبِهُ الْغُرْبَةَ فِي هُدُوئِهَا الْحَذِرِ، وَدِفْءِ نَاسِهَا الَّذِينَ يُصَافِحُونَ بِالْكَلِمَةِ قَبْلَ الْيَدِ.
فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ الْأُولَى مِنَ الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، كَانَتْ أُورُوبَّا تَضْطَرِبُ عَلَى وَقْعِ تَحَوُّلَاتٍ فِكْرِيَّةٍ كُبْرَى بَعْدَ حُرُوبِ نَابُلْيُونَ، فِيمَا أَلْمَانِيَا — الَّتِي جَاءَ مِنْهَا دَانِيِيلُ وَآنَا مَارِيَا — تَعِيشُ مَخَاضًا صَعْبًا بَيْنَ نُهُوضِ الْبُورْجُوَازِيَّةِ وَتَوْقِ الْفَلَاسِفَةِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْعِلْمِ وَالنِّظَامِ.
كَانَتْ أَفْكَارُ «كَانْط» وَ«غُوتِه» وَ«فِيخْتِه» تَتَرَدَّدُ فِي الصَّالُونَاتِ وَالْمَقَاهِي، حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْأُدَبَاءُ وَالتُّجَّارُ وَالْمُثَقَّفُونَ لِمُنَاقَشَةِ قَضَايَا الْأَخْلَاقِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْفَلْسَفَةِ.
هَامْبُورْغُ، بِمِينَائِهَا الْحَيَوِيِّ عَلَى نَهْرِ الْإِلْبِه، لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مَدِينَةٍ تِجَارِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ بُوتَقَةً تَلْتَقِي فِيهَا الْأُمَمُ وَالْأَفْكَارُ. وَكُلُّ مَا هُوَ قَادِمٌ مِنْ لُنْدُنَ وَبَارِيسَ وَبَرْلِين كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ لَيْسَ الْبَضَائِعَ فَقَطْ، بَلِ الْأَخْبَارَ وَالْأَفْكَارَ الْجَدِيدَةَ، الَّتِي تُشْعِلُ فُضُولَ الشَّبَابِ الطَّمُوحِ مِثْلَ دَانِيِيلَ.
عَلَى الْأَرْصِفَةِ، كَانَ التُّجَّارُ يَتَبَادَلُونَ الْحِكَايَاتِ عَنْ أَسْوَاقِ الْعَالَمِ، فِيمَا كَانَتِ الْمَقَاهِي الصَّغِيرَةُ تَعُجُّ بِـالطُّلَّابِ وَالْمُفَكِّرِينَ الَّذِينَ يُنَاقِشُونَ دَوْرَ الدَّوْلَةِ، قِيمَةَ الْحُرِّيَّةِ، وَحُدُودَ الْمَعْرِفَةِ.
الْمَكْتَبَاتُ هُنَاكَ، وَلَوْ صَغِيرَةٌ، كَانَتْ مَلِيئَةً بِالْكُتُبِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ، وَقِرَاءَةُ نُصُوصٍ مِثْلَ «نَقْدِ الْعَقْلِ الْخَالِصِ» أَوْ أَعْمَالِ غُوتِه كَانَتْ تَمْنَحُ الشَّبَابَ شُعُورًا بِأَنَّهُمْ جُزْءٌ مِنْ حَرَكَةٍ فِكْرِيَّةٍ أَكْبَرَ، وَأَنَّ هَامْبُورْغَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَحَطَّةٍ عَابِرَةٍ فِي رِحْلَةِ التِّجَارَةِ، بَلْ مَدِينَةٌ تُشْبِهُ مُخْتَبَرًا حَيًّا لِلْأَفْكَارِ وَالتَّجَارِبِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
فِي شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ، كَانَ يُمْكِنُ لِـدَانِيِيلَ أَنْ يُلَاحِظَ تَنَاقُضَاتِ الْحَيَاةِ: مِنْ جِهَةٍ، بُيُوتُ التُّجَّارِ الْبُورْجُوَازِيِّينَ الْفَخْمَةِ، حَيْثُ يَعْكِسُ كُلُّ رُكْنٍ ثَرَاءً وَنِظَامًا؛ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَزِقَّةُ الْعُمَّالِ وَالْفَنَّانِينَ، حَيْثُ تَكْمُنُ رُوحُ الْمَدِينَةِ الْحُرَّةِ وَالْفُضُولِيَّةِ. كُلُّ زَاوِيَةٍ، كُلُّ مَقْهًى، كُلُّ رَصِيفٍ كَانَ يَهْمِسُ بِأَصْوَاتِ أُورُوبَّا الَّتِي تَتَشَكَّلُ: الثَّوْرَةُ، الْفِكْرُ، الثَّقَافَةُ، وَالتَّغْيِيرُ.
وَلَكِنْ شَيْئًا مَا كَانَ يُجْعِلُ دَانِيِيلَ وَآنَا يَبْتَعِدَانِ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يُفَضِّلَانِ الْمُكُوثَ فِيهَا طَوِيلًا. حَتَّى فِي أَزِقَّتِهَا الْمُزْدَحِمَةِ، وَفِي مَقَاهِيهَا الْمُضِيئَةِ الَّتِي تَعُجُّ بِـالْحَيَاةِ وَالنِّقَاشِ، كَانَتْ أَحْدَاثُ عَامِ ١٧٨٣ تَتَرَاءَى لَهُمَا كَظِلَالٍ ثَقِيلَةٍ، ثَقِيلَةٍ كَـالدُّخَانِ الَّذِي ابْتَلَعَ الْمَنْزِلَ وَالْمَطْحَنَةَ، وَخَنَقَ صَغِيرَهُمَا فِي لَحَظَاتٍ لَمْ تَنْسَهَا ذَاكِرَتُهُمَا. كَانَتْ تِلْكَ النِّيرَانُ قَدْ قَضَتْ عَلَى وَالِدَيْ دَانِيِيلَ فِي هَارْبُورْغَ، تَارِكَةً لَهُمَا فَرَاغًا مُمْتَدًّا لَا يَمْلَؤُهُ شَيْءٌ، وَحَيَاةً عَارِيَةً مِنَ الْحِمَايَةِ وَالْأَمَانِ.
آنَا، وَهِيَ تَتَقَدَّمُ بِخُطُوَاتٍ مُتَثَاقِلَةٍ عَلَى أَرْصِفَةِ هَامْبُورْغَ، كَانَتْ تَسْمَعُ صَدَى صَمْتِ وَالِدَيْهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ، فِي كُلِّ نَافِذَةٍ مُطِلَّةٍ عَلَى النَّهْرِ.
كَانَتْ تَتَسَاءَلُ فِي صَمْتِهَا:
«أَيُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ هَذِهِ الْمَدِينَةُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَبِئَ الْمَوْتُ وَالذِّكْرَيَاتُ الْمُؤْلِمَةُ خَلْفَ ضَحِكَاتِ الْأَطْفَالِ فِي الشَّوَارِعِ؟»
أَمَّا دَانِيِيلُ، فَكَانَ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى كِتْمَانِ الْحُزْنِ، وَعَلَى دَفْنِ الْأَلَمِ فِي قَلْبِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرَى حُزْنَ آنَا يَطْفُو عَلَى وَجْهِهَا وَلَوْ لِجُزْءٍ مِنْ ثَانِيَةٍ، دُونَ أَنْ يَشْتَعِلَ دَاخِلَهُ شُعُورٌ مُزْدَوَجٌ: الرَّغْبَةُ فِي الْحِمَايَةِ، وَالْخَوْفُ مِنْ أَنْ تُرْهِقَهَا الْمَدِينَةُ بِذِكْرَيَاتِهَا الْمُؤْلِمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَحَمَّلَتْ.
كَانَ يَتَسَاءَلُ فِي نَفْسِهِ:
«كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْحَيَاةُ بَيْنَ هَذَا النُّورِ وَهَذَا الدَّمَارِ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِـالْفِكْرِ أَنْ يَزْدَهِرَ وَسْطَ أَثَرِ الْحُزْنِ وَالْفَقْدِ؟»
وَهَكَذَا، اجْتَمَعَتْ فِي هَامْبُورْغَ — بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا — مَعَانٍ مُزْدَوَجَةٌ: مَدِينَةُ الْأَفْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ، مَدِينَةُ الْحَيَوِيَّةِ وَالنِّقَاشِ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ مَدِينَةُ الْأَشْبَاحِ وَالذِّكْرَيَاتِ الْمُؤْلِمَةِ، بَيْنَ سِحْرِ الْمِينَاءِ وَحَيَوِيَّةِ الْأَسْوَاقِ، وَبَيْنَ صَمْتِ الْآلَامِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ فِيهَا أَصْوَاتُ الْمَاضِي، وَصَدَى فَقْدٍ لَا يَزُولُ.
وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ كَانَا يَمُرَّانِ فِيهَا بِـأَزِقَّتِهَا، كَانَ سُؤَالٌ يَخْتَلِطُ بِـالْهَوَاءِ:
«كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ هَذِهِ الْمَدِينَةُ لَهُمَا كُلَّ هَذَا الْحُزْنِ؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ الضَّوْءِ وَالظِّلِّ دُونَ أَنْ يَنْكَسِرَ؟»
بَيْنَمَا فِي وَهْرَانَ، وَعَلَى ضِفَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ هَامْبُورْغَ، كَانَ الزَّمَنُ يَسِيرُ بِإِيقَاعٍ آخَرَ، إِيقَاعٍ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ حِكَايَاتِ الْبَحْرِ وَصَخَبِ الْأَسْوَاقِ، وَبَيْنَ صَمْتِ الْجِبَالِ وَسَكِينَةِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ.
كَانَتْ وَهْرَانُ مَدِينَةً تَجْمَعُ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْبَانِيِّ، وَبَيْنَ الْأَمَازِيغِيِّ وَالتُّرْكِيِّ، وَتُخْفِي فِي أَزِقَّتِهَا سِرَّ الْمَوَانِئِ الْقَدِيمَةِ وَنَفَسَ التَّارِيخِ الَّذِي تَشْهَدُهُ كُلُّ نَافِذَةٍ وَكُلُّ رَصِيفٍ.
كَانَتْ آنَا مَارِيَا قَدْ غَرَسَتْ قَدَمَيْهَا فِي الْأَرْضِ الْغَرِيبَةِ لَا كَـمُقِيمَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ كَمَنْ تَقُولُ لِلرَّحِيلِ:
«لَنْ أَسْمَحَ لَكَ أَنْ تَنْتَزِعَنِي مِمَّنْ أُحِبُّ.»
كَانَتْ تَتَأَمَّلُ الشَّوَارِعَ الْمَرْصُوفَةَ بِالْحِجَارَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَالْمَآذِنَ الَّتِي تَرْتَفِعُ قُرْبَ الْأَبْرَاجِ الْإِسْبَانِيَّةِ، وَالْوُجُوهَ الَّتِي تَبْتَسِمُ بِنِصْفِ ثِقَةٍ وَنِصْفِ فُضُولٍ.
وَحَدَّثَتْ نَفْسَهَا:
«أَتُرَى، هَلْ يُمْكِنُ لِلْغَرِيبِ أَنْ يُصْبِحَ مِنْ أَهْلِ الْمَكَانِ؟ أَمْ أَنَّ الْجُذُورَ، مَهْمَا اسْتَقَرَّتْ، تَبْقَى فِي حَقِيبَتِهَا الْأُولَى؟»
أَمَّا دَانِيِيلُ، فَكَانَ يُشْبِهُ الْبَحْرَ فِي تَقَلُّبَاتِهِ؛ لَا يَهْدَأُ، وَلَا يُقِيمُ طَوِيلًا.
تَاجِرٌ يَعْرِفُ الْأَوْزَانَ وَالْأَسْعَارَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُتْقِنُ وَزْنَ الطُّمَأْنِينَةِ.
فِي لَيَالِي وَهْرَانَ، كَانَ يَسْمَعُ فِي الْمِينَاءِ أَصْدَاءَ لُغَاتٍ أُورُوبِّيَّةٍ شَتَّى — فَرَنْسِيَّةً وَإِيطَالِيَّةً وَأَلْمَانِيَّةً — فَيَشْعُرُ أَنَّهُ حَلْقَةٌ جَامِعَةٌ لِهَذِهِ الْعَوَالِمِ.
حَدَّثَ نَفْسَهُ وَهُوَ يَتَأَمَّلُ السُّفُنَ الْمُتَرَاصَّةَ فِي الْمَرْفَإِ:
«رُبَّمَا نَحْنُ جَمِيعًا نُتَرْجِمُ أَرْوَاحَنَا كَمَا أُتَرْجِمُ لُغَاتِهِمْ، نَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تُطَابِقُ مَا فِي الْقَلْبِ… كَلِمَةٍ تُشْبِهُ الْوَطَنَ.»
فِي الْأَسْوَاقِ، يَلْتَقِي الْحِرَفِيُّونَ وَالْبَحَّارَةُ، فَيَسْقُطُونَ عَنْهُمْ جِنْسِيَّاتِهِمْ عِنْدَ الْمَدْخَلِ، كَأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ عَلَى الْأَسْعَارِ هِيَ اللُّغَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي يُتْقِنُونَهَا جَمِيعًا، بَيْنَمَا تَتَقَاطَعُ الْحِكَايَاتُ، وَتَخْتَلِطُ أَلْوَانُ الْبَضَائِعِ، وَتَتَنَاثَرُ الرَّوَائِحُ: رَائِحَةُ الْبُنِّ، وَدِفْءُ الْجُلُودِ، وَعِطْرُ التَّوَابِلِ، مَعَ أَهَازِيجِ النِّسَاءِ وَنِدَاءِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الْمِئْذَنَةِ الْقَرِيبَةِ، لِتُصْبِحَ الْمَدِينَةُ سِيمْفُونِيَّةً يَوْمِيَّةً تُرَتَّلُ عَلَى إِيقَاعِ الْبَحْرِ وَصَدَى الْمَدِّ وَالْجَزْرِ.
كَانَتْ آنَا، وَهِيَ تَمْشِي بَيْنَ الْأَزِقَّةِ، تَتَسَاءَلُ فِي نَفْسِهَا:
«هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاخْتِلَاطُ مَصْدَرَ قُوَّةٍ، أَمْ هُوَ سَبَبُ الِاضْطِرَابِ الْمُسْتَمِرِّ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِـقَلْبٍ وَاحِدٍ أَنْ يَفْهَمَ كُلَّ هَذِهِ الْجِنْسِيَّاتِ، وَكُلَّ هَذَا التَّارِيخِ الْمُتَشَابِكِ؟»
أَمَّا دَانِيِيلُ، فَقَدْ كَانَ يَشْعُرُ بِـخَفَقَانٍ دَاخِلِيٍّ، وَهُوَ يَرَى مَزِيجَ النَّاسِ وَالْأَصْوَاتِ، وَيَتَسَاءَلُ بِـصَمْتٍ:
«أَهَذَا هُوَ الْحِرْصُ عَلَى الْبَقَاءِ، أَمْ مُجَرَّدُ لُعْبَةِ الْقَدَرِ؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ الْمَدِينَةُ كُلَّهَا قِصَصَ الْفَقْدِ وَالْفَرَحِ مَعًا دُونَ أَنْ تَنْكَسِرَ رُوحُهَا؟»
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كَانَ ذِهْنُ دَانِيِيلَ يَتَقَاطَعُ مَعَ هَامْبُورْغَ، وَمَعَ الْمُجْتَمَعِ الْأَلْمَانِيِّ الْمُتَحَوِّلِ بَيْنَ نُهُوضِ الْبُورْجُوَازِيَّةِ الَّذِي يُرَافِقُهُ شُعُورٌ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالتَّحَوُّلَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ كُلَّ فِكْرَةٍ عَنِ الْحُرِّيَّةِ وَالنِّظَامِ ثَمَنًا يُدْفَعُ بِالْقُوَّةِ وَالْجِدِّيَةِ.
هَلْ كَانَتْ وَهْرَانُ تُشْبِهُ هَامْبُورْغَ فِي ذَلِكَ؟ أَمْ أَنَّ الْبَشَرَ هُنَا يُخَفِّفُونَ مِنْ وَطْأَةِ التَّارِيخِ وَيَتْرُكُونَ لِلْإِنْسَانِ مِسَاحَةً لِيَتَنَفَّسَ، لِيَتَأَمَّلَ، لِيَحْلُمَ؟
أَمَّا آنَا، فَكَانَ شُعُورُهَا بِالْحَنِينِ مُزْدَوِجًا؛ فَقَدْ كَانَتِ الْمَدِينَةُ تُذَكِّرُهَا بِخَسَارَتِهَا، لَكِنَّهَا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ تَمْنَحُهَا حَيَاةً لَا تُشْبِهُ ذَلِكَ الْأَلَمَ: صَخَبُ الْأَسْوَاقِ، ضَحِكَاتُ الْأَطْفَالِ، تَلَاقِي الْأَعْرَاقِ وَالثَّقَافَاتِ، كُلُّ ذَلِكَ يَجْعَلُهَا تَتَسَاءَلُ:
«هَلْ يُمْكِنُ لِلْمَدِينَةِ أَنْ تَكُونَ دَرْسًا فِي الصَّبْرِ، أَمْ هِيَ مُجَرَّدُ مَسْرَحٍ لِلْأَقْدَارِ؟»
وَهَكَذَا، اجْتَمَعَتْ وَهْرَانُ فِي ذِهْنَيْهِمَا كَـمَدِينَةٍ مُزْدَوِجَةِ الْمَعْنَى، مِثْلَ هَامْبُورْغَ: مَدِينَةٌ لِلْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ وَالْأَفْكَارِ، وَلِـلتَّارِيخِ وَالصَّدَمَاتِ؛ مَدِينَةٌ يَسْكُنُهَا الْبَحْرُ، وَتَتَنَفَّسُ مِنْ بَيْنِ الْجِبَالِ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ قِصَّةً، وَفِي كُلِّ شَارِعٍ تَهْمِسُ بِأَسْئِلَةٍ عَنِ الْحَيَاةِ وَالْمَصِيرِ، وَعَنْ قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى التَّعَايُشِ مَعَ اخْتِلَافَاتِهِ، وَمَعَ فَقْدِهِ، وَمَعَ حُلْمِهِ الْمُسْتَمِرِّ بِالْحُرِّيَّةِ.
مِنْ هُنَا، مِنْ هَذَا الرُّكْنِ الَّذِي لَا يُشْبِهُ أَوْطَانَ الْأَسْلَافِ، بَدَأَتِ الْحِكَايَةُ تَتَشَعَّبُ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الْمَدِينَةُ نَفْسُهَا تُهْدِيهَا دِفْءَ شَوَارِعِهَا وَصَخَبَ أَسْوَاقِهَا، فِيمَا الْبَحْرُ يُرَاقِبُهَا مِنْ مَكَانٍ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، لَا يَمَلُّ مِنْ تِكْرَارِ حِكَايَاتِ الْمَوَانِئِ الْقَدِيمَةِ.
فِي دِمَاءِ الْأَبْنَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ سَيَأْتُونَ فِيمَا بَعْدُ، تَسْرِي حِكَايَاتُ الْمَاضِي كَأَنْهَارٍ خَفِيَّةٍ، فِي لَهَجَاتِهِمُ الْمُتَبَايِنَةِ، الَّتِي سَتَخْتَلِطُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْبَانِيَّةِ وَالْأَلْمَانِيَّةِ، لِتُصْبِحَ لُغَتُهُمْ مِرْآةً لِتَقَاطُعِ الْأَوْطَانِ وَالْقُلُوبِ.
وَفِي أَوْرَاقِ النُّفُوسِ، سَتَتَوَزَّعُ آثَارُهُمْ بَيْنَ الْمَنَافِي؛ مَحْرُوقَةً أَحْيَانًا، مَنْسِيَّةً أَحْيَانًا أُخْرَى، فِي ظِلَالِ أَوْطَانٍ جَدِيدَةٍ لَا تُشْبِهُ إِلَّا فُتَاتَ الذَّاكِرَةِ، فَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى الْمَاضِي، عَلَى الْحُلْمِ، وَعَلَى مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ كُتِبَ بَعْدُ.
وُلِدَتْ آنَا طِفْلَهَا الَّذِي طَالَمَا حَلِمَتْ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي عَيْنَيْهِ ظِلًّا مِنْ جَدَّيْهِ، ذَاكَيْنِ اللَّذَيْنِ رَحَلَا خِلَالَ أَزَمَاتٍ عَصَفَتْ بِالْبِلَادِ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَا أَنَّ حَفِيدَهُمَا سَيُوَزَّعُ كَـالْحُبِّ وَالْمِلْحِ فِي أَرْغِفَةِ الْمَنَافِي، يَتَخَلَّلُهُ الْفَقْدُ وَالْحُلْمُ مَعًا.
جَاءَتِ الْوِلَادَةُ عَسِيرَةً، كَأَنَّهَا آخِرُ اخْتِبَارٍ لِلْوَفَاءِ بَيْنَ الْحُبِّ وَالْمَصِيرِ.
اقْتَرَحَتْ إِحْدَى الطَّبِيبَاتِ امْرَأَةً مِنْ وَهْرَانَ لِرِعَايَةِ الطِّفْلِ، سَيِّدَةً كَرِيمَةَ الْقِسْمَاتِ، وَافَقَ دَانِيِيلُ، وَلَمْ يَكُنْ أَمَامَهُ خِيَارٌ آخَرُ.
كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَهْتَمُّ بِالصَّغِيرِ كَأَنَّهَا تَحْفَظُهُ لِعَيْنِ أُمِّهِ.
آنَا مَارِيَا، الَّتِي لَمْ تُخْفِ يَوْمًا هَشَاشَتَهَا، كَانَتْ تُمْسِكُ بِيَدِ دَانِيِيلَ وَتَهْمِسُ لَهُ بَيْنَ نَوْبَاتِ الْأَلَمِ الْمُتَقَطِّعَةِ:
«لَا تَدَعْنِي أَرْحَلْ… لَمْ يَكْتَمِلْ حُلْمُنَا بَعْدُ.»
فَيَرُدُّ عَلَيْهَا بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ، تَخْتَلِطُ فِيهِ الرَّجْفَةُ بِالرَّجَاءِ:
«سَتَبْقِينَ، لِأَنَّ الْحُبَّ الَّذِي جَمَعَنَا لَنْ يُطِيقَ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ أَحَدِنَا.»
وَلَكِنَّ الْقَدَرَ لَنْ يُمْهِلَهَا كَثِيرًا.
فَبَعْدَ الْوِلَادَةِ، دَخَلَ الطَّبِيبُ الْإِيطَالِيُّ الْمُشْرِفُ عَلَى حَمْلِهَا بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ، يُخْفِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَا لَا يُقَالُ.
جَلَسَ إِلَى جِوَارِ دَانِيِيلَ، وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِ مِعْطَفِهِ وَرَقَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ يَقْطُرُ بِالْأَسَى:
«كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُخْبِرَكَ، سَيِّدِي… لَقَدْ كَانَتْ زَوْجَتُكَ تَعْلَمُ بِخُطُورَةِ الْحَمْلِ عَلَيْهَا. حَذَّرْتُهَا، تَوَسَّلْتُ إِلَيْهَا أَنْ تُؤَجِّلَ الْأَمْرَ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُصِرُّ… قَالَتْ لِي: مَا جَدْوَى الْحَيَاةِ إِنْ لَمْ أُنْجِبْهَا لَهُ؟»
مَدَّ الطَّبِيبُ الْوَرَقَةَ إِلَيْهِ مُضْطَرِبًا، كَأَنَّهُ يُسَلِّمُهُ قَلْبًا نَابِضًا لَا وَثِيقَةً. ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ:
«هِيَ كَتَبَتْهَا بِيَدِهَا، وَذَيَّلَتْهَا بِتَوْقِيعِهَا أَمَامِي. أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدَيْكَ الْآنَ. كَانَتْ تُدْرِكُ مَا تَفْعَلُ، وَلَكِنَّهَا اخْتَارَتْ أَنْ تُكْمِلَ طَرِيقَهَا حَتَّى النِّهَايَةِ.»
أَخَذَ دَانِيِيلُ الْوَرَقَةَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، كَأَنَّهُ يُمْسِكُ بِهَا نَبْضَهَا الْأَخِيرَ.
كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهَا جَيِّدًا — ذَاكَ الْمَيْلُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَسْكُنُ حُرُوفَهَا — وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِطْرُ الْحِبْرِ الْمُعْتَادِ، بَلْ رَائِحَةُ الْوَدَاعِ.
قَرَأَ السُّطُورَ الْأُولَى بِصَمْتٍ يُشْبِهُ الْوُقُوفَ أَمَامَ قَبْرٍ مَفْتُوحٍ:
«إِنِّي أُوَقِّعُ عَلَى هَذَا الْقَرَارِ بِإِرَادَتِي الْكَامِلَةِ، لِأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَهَبَ حَيَاةً جَدِيدَةً لِزَوْجِي وَلِطِفْلِي، وَلَوْ كَانَتْ حَيَاتِي هِيَ الثَّمَنَ.»
تَجَمَّدَتْ عَيْنَاهُ عِنْدَ الْكَلِمَةِ الْأَخِيرَةِ، وَشَعَرَ كَأَنَّ الْغُرْفَةَ تَدُورُ بِهِ، وَأَنَّ الْهَوَاءَ صَارَ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُتَنَفَّسَ.
أَغْلَقَ الْوَرَقَةَ بِبُطْءٍ، وَوَضَعَهَا عَلَى صَدْرِهِ، وَهَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«كُنْتِ تَعْلَمِينَ… وَلَمْ تُخْبِرِينِي… أَرَدْتِ أَنْ تُنْقِذِي الْحُلْمَ وَلَوِ احْتَرَقْتِ بِهِ.»
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ الطَّبِيبِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ لَا يُشْبِهُ صَوْتَهُ:
«لَقَدْ عَلَّمَتْنِي آنَا أَنَّ الْقَرَارَ لَيْسَ ظِلًّا نَتَّبِعُهُ… بَلْ نَارًا نُلْقِي بِأَنْفُسِنَا فِيهَا طَائِعِينَ.»
وَبَعْدَ أَنْ غَادَرَ الطَّبِيبُ الْغُرْفَةَ، جَلَسَ دَانِيِيلُ وَحِيدًا فِي سُكُونٍ غَرِيبٍ، كَأَنَّ الْأَصْوَاتَ كُلَّهَا غَادَرَتِ الْبَيْتَ مَعَ أَنْفَاسِهَا الْأَخِيرَةِ.
أَمْسَكَ بِالْوَثِيقَةِ طَوِيلًا، يَقْرَؤُهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْ حُرُوفِهَا صَدَى آخِرَ نَفَسٍ تَنَفَّسَتْهُ آنَا مَارِيَا بَيْنَ تِلْكَ السُّطُورِ الْقَلِيلَةِ.
لَمْ يَعُدْ يَرَاهَا اعْتِرَافًا طِبِّيًّا أَوْ تَوْقِيعًا رَسْمِيًّا، بَلْ خَارِطَةً رُوحِيَّةً لِامْرَأَةٍ أَرَادَتْ أَنْ تُعِيدَ تَرْجَمَةَ الْحُبِّ وَاخْتِصَارَ الْعَالَمِ عَلَى طَرِيقَتِهَا؛ امْرَأَةٍ آمَنَتْ أَنَّ الْأَوْطَانَ لَيْسَتْ جُغْرَافِيَا، بَلْ نِيَّاتٌ طَيِّبَةٌ تُزْرَعُ فِي قَلْبِ مَنْ نُحِبُّ.
رَفَعَ بَصَرَهُ نَحْوَ النَّافِذَةِ، فَلَامَسَتْ عَيْنَيْهِ زُرْقَةُ الْبَحْرِ الْمُمْتَدِّ حَتَّى تُخُومِ الْأُفُقِ. هُنَاكَ، كَانَتِ السُّفُنُ الْفَرَنْسِيَّةُ وَالْإِنْكْلِيزِيَّةُ تُبْحِرُ بِبُطْءٍ، تَجُرُّ وَرَاءَهَا صَدَى الْقُرُونِ وَأَطْمَاعَهَا، فِيمَا الْمِينَاءُ يَعُجُّ بِتُجَّارٍ عَرَبٍ وَإِيطَالِيِّينَ وَأَفَارِقَةَ يُسَاوِمُونَ عَلَى الْبَضَائِعِ وَيُبَادِلُونَ اللُّغَاتِ كَمَا يُبَادِلُونَ الْعُمْلَةَ.
فِي تِلْكَ الْفَوْضَى الْمُتَنَاسِقَةِ رَأَى مَا لَمْ يُبْصِرْهُ مِنْ قَبْلُ: صُورَةَ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَارَتْهَا لَهُ آنَا، مَدِينَةٍ تُشْبِهُ وُعُودَهَا؛ تَقِفُ بَيْنَ الْشَّرْقِ وَالْغَرْبِ كَجِسْرٍ لَا يَنْحَازُ إِلَّا لِلْحَيَاةِ.
هَمَسَ فِي نَفْسِهِ:
«أَكُنْتِ تَرَيْنَ مَا لَمْ أَرَ؟ كُنْتِ تَعْرِفِينَ أَنَّ الْيَابِسَةَ وَحْدَهَا تُنْجِبُ مَا يَعْجِزُ الْبَحْرُ عَنْ مَنْحِهِ؟ لَقَدْ أَرَدْتِ أَنْ نَرْسُوَ أَخِيرًا، لَا أَنْ نُبْحِرَ إِلَى الْأَبَدِ.»
شَعَرَ لَحْظَتَهَا بِأَنَّهَا لَمْ تَدْفَعْهُ لِبِنَاءِ بَيْتٍ فَحَسْبُ، بَلْ تَرَكَتْ لَهُ فَلْسَفَةَ نَجَاةٍ وَاسْتِمْرَارٍ؛ فِكْرَةً تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ عَاصِفَةً مِنَ الْحَنِينِ، بَلْ أَرْضٌ تُعِيدُ تَرْتِيبَ فَوْضَى الزَّمَنِ.
ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَالْوَثِيقَةُ عَلَى صَدْرِهِ، وَهَمَسَ فِي صَمْتِهِ:
«عَلَّمْتِنِي كَيْفَ يَكُونُ الْقَرَارُ حُبًّا، وَالْحُبُّ وَطَنًا.»
تَذَكَّرَ دَانِيِيلُ كَلِمَاتِهَا الْأَخِيرَةَ، تِلْكَ النَّظْرَةَ الَّتِي أَلْقَتْهَا نَحْوَ الْبَحْرِ مِنْ نَافِذَةِ الْبَاخِرَةِ حِينَ قَالَتْ لَهُ يَوْمًا بِصَوْتٍ تَغْشَاهُ رَهَافَةُ التَّعَبِ وَوُضُوحُ الْبَصِيرَةِ:
«اَلْبَحْرُ جَمِيلٌ، يَا دَانِيِيلْ… لَكِنَّنَا لَا يَجِبُ أَنْ نَخْلُدَ فِيهِ. اَلْيَابِسَةُ وَحْدَهَا تُعْطِي اَلْحَيَاةَ.»
حِينَئِذٍ لَمْ يُدْرِكْ عُمْقَ مَا قَالَتْ، ظَنَّهُ مُجَرَّدَ حَدِيثِ اِمْرَأَةٍ أَرْهَقَهَا طُولُ اَلسَّفَرِ وَاَلْمَوَانِئُ اَلَّتِي تَتَبَدَّلُ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَنَفَّسُ هِيَ.
أَمَّا اَلْآنَ، وَقَدْ عَرَفَ مَا كَانَتْ تُخْفِيهِ، أَدْرَكَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَخْشَى اَلْبَحْرَ بِقَدْرِ مَا كَانَتْ تَخْشَى اَلْفَقْدَ؛ كَانَتْ تُخَطِّطُ فِي صَمْتٍ لِرِحْلَةٍ أُخْرَى، أَكْثَرَ هُدُوءًا، نَحْوَ بَرٍّ آمِنٍ يُبْقِيهِ حَيًّا مَعَ طِفْلِهِمَا اَلْقَادِمِ.
مَدَّ يَدَهُ إِلَى اَلْوَثِيقَةِ ثَانِيَةً، طَوَاهَا بِبُطْءٍ كَمَنْ يُعِيدُ قَلْبًا بَيْنَ صَفَحَاتٍ مِنَ اَلْحِبْرِ، ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى صَدْرِهِ هَامِسًا:
«هَا أَنْتِ تُعَلِّمِينَنِي مُجَدَّدًا كَيْفَ أَقْرَأُ اَلْعَالَمَ بِعَيْنَيْكِ لَا بِعَيْنَيَّ… فِي وَهْرَانَ وَجَدْتِ لِلْبَحْرِ قَلْبًا، وَلِلْيَابِسَةِ ذَاكِرَةً، أَمَّا أَنَا فَمَا زِلْتُ أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَعِيشُ بَيْنَهُمَا.»
جَلَسَ قُرْبَ اَلنَّافِذَةِ، وَعَيْنَاهُ تَتَبَعَانِ خُيُوطَ اَلشَّمْسِ وَهِيَ تَمْتَدُّ فَوْقَ اَلْمِينَاءِ كَـسِجَّادَةٍ مِنْ ضَوْءٍ ذَهَبِيٍّ عَلَى صَفْحَةِ اَلْمَاءِ.
هُنَاكَ، فِي اَلْأَسْفَلِ، كَانَتْ أَصْوَاتُ اَلْبَحَّارَةِ اَلْفَرَنْسِيِّينَ تَخْتَلِطُ بِالْعَرَبِ، وَلَهَجَاتٌ إِيطَالِيَّةٌ وَإِسْبَانِيَّةٌ تَتَدَاخَلُ كَأَنَّ اَلْمَدِينَةَ نَسَجَتْ مِنْ اِخْتِلَافِهَا سَلَامًا مُؤَقَّتًا.
عِنْدَهَا أَدْرَكَ دَانِيِيلُ أَنَّهَا لَمْ تَخْتَرْ وَهْرَانَ عَبَثًا؛ اِخْتَارَتْهَا لِأَنَّهَا نُقْطَةُ اِلْتِقَاءٍ بَيْنَ اَلْبَحْرِ اَلَّذِي يَعْشَقُهُ، وَاَلْأَرْضِ اَلَّتِي تَمْنَحُ اَلْحَيَاةَ.
قَالَ فِي نَفْسِهِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَسْمَعَ اَلْعَالَمُ سِرَّهُ:
«كَمْ كُنْتِ بَعِيدَةَ اَلنَّظَرِ، يَا آنَا… أَرَدْتِ أَنْ تَصْنَعِيَ لِي وَطَنًا صَغِيرًا يَجْمَعُ بَيْنَ الْشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، بَيْنَ لُغَتِي الضَّائِعَةِ وَصَلَوَاتِهِمْ، بَيْنَ بَحْرِي وَأَرْضِكِ… أَرَدْتِ أَنْ تُعِيدِيَ لِي اَلتَّوَازُنَ الَّذِي فَقَدْتُهُ يَوْمَ غَادَرْتُ **هامْبُورْغَ.»
ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَرَأَى اَلْمَشْهَدَ كَمَا لَوْ أَنَّهَا مَا زَالَتْ تَهْمِسُ لَهُ:
«هُنَا سَنَزْرَعُ طِفْلًا يَحْمِلُ مَلَامِحَنَا مَعًا، أَلْمَانِيًّا إِنْسَانًا يَعْرِفُ أَنَّ اَلْحَيَاةَ تَبْدَأُ مِنْ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ لُغَةِ **الْقَلْبِ.»
هَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَالدَّمْعُ يَغْمُرُ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ كَأَنَّهُ يُحَدِّثُ غَائِبًا يَسْمَعُهُ:
«كُنْتِ تَعْلَمِينَ أَنَّ الْيَابِسَةَ هِيَ رَحِمُ الْعَالَمِ، وَأَنَّ الْبَحْرَ، مَهْمَا أَغْرَانَا، لَا يَهْبُ إِلَّا الْتِّيهَ. فَاخْتَرْتِ لِي هَذَا الْمَكَانَ لأَتَعَلَّمَ أَخِيرًا كَيْفَ **أَرْسُوَ.»
لَكِنَّ اَلْمَرَضَ الَّذِي رَافَقَ اَلْحَمْلَ وَاَلْوِلَادَةَ اِمْتَدَّ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةً بَعْدَهَا، فَخَفَتَ صَوْتُهَا وَتَرَاجَعَ وَهْجُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى بَدَتْ كَشَمْعَةٍ تُضِيءُ بِقَدْرِ مَا تَذُوبُ.
كَانَ دَانِيِيلُ يَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهَا، يُمْسِكُ بِكَفِّهَا الْبَارِدَةِ، وَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ كَمَنْ يُنَاجِي صَدَى رُوحِهِ:
«كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْحَيَاةِ أَنْ تُعْطِيَ وَتَسْتَرِدَّ فِي الْلَحْظَةِ ذَاتِهَا؟ أَأُكْمِلُ مِنْ أَجْلِهَا؟ أَمْ مِنْ أَجْلِ مَا لَمْ يُولَدْ بَعْدُ فِينَا؟»
كَانَ الْبَحْرُ فِي الْخَارِجِ يُغَنِّي أُغْنِيَةً حَزِينَةً طَوِيلَةً، وَالرِّيحُ تَنْثُرُ رَائِحَةَ الْمَطَرِ عَلَى نَوَافِذِ الْبَيْتِ الْجَدِيدِ، كَأَنَّ السَّمَاءَ هِيَ أُخْرَى تُشَارِكُهُ وَدَاعًا قَادِمًا.
وَمِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَدَأَ الظِلُّ يَطُولُ فَوْقَ الْقَرَارِ، وَبَدَأَتِ الْحِكَايَةُ تَتَشَكَّلُ مِنْ جَدِيدٍ — بَيْنَ ضِفَّتَيْنِ، وَاِمْرَأَةٍ تخَلَتْ عن نِصْفِهَا للْبَحْرِ، وَرَجُلٍ مَا زَالَ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَرْسُوَ.
دَانِيِيلُ، وَهُوَ يَتَأَمَّلُ الطِّفْلَ بِعَيْنَيْنِ مُشْبَعَتَيْنِ بِالْدَّهْشَةِ وَالْخَوْفِ مَعًا، شَعَرَ بِثِقْلٍ يَلْتَفُ حَوْلَ قَلْبِهِ كَأَنَّ كُلَّ نَبْضَةٍ مِنهُ تُذَكِّرُهُ بِمَسْؤُولِيَّةِ الْحَيَاةِ الَّتِي أَمَامَهُ:
«كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْبَرَ وَيَعْرِفَ وَطَنَهُ؟ وَكَيْفَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ جُذُورًا لَمْ يَعْرِفْهَا؟ أَمْ أَنَّ اَلْعَالَمَ كُلَّهُ سَيُصْبِحُ لَهُ مُجَرَّدَ مَرَافِئَ وَأَزِقَّةٍ، حَيْثُ تَتَلَاقَى الْبِحَارُ مَعَ الْمَرَافِئِ، وَاللُّغَاتُ مَعَ الْبَضَائِعِ، وَالْأَلْوَانُ مَعَ الْأَصْوَاتِ، دُونَ أَنْ تَمْنَحَهُ أَمَانًا أَوْ **اِسْتِقْرَارًا؟»
ثُمَّ أَضَافَ فِي صَمْتٍ دَاخِلِيٍّ، وَهُوَ يُرَاقِبُ خُطُوَاتِهِ الصَّغِيرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ:
«هَلْ يَكْفِي أَنْ أُحِبَّهُ لِأَحْمِيَهُ مِنَ الْفَقْدِ وَالِاغْتِرَابِ؟ أَمْ أَنَّ قَدَرَهُ أَنْ يَشِقَّ طَرِيقَهُ بَيْنَ ضِفَّتَيْنِ، بَيْنَ هامْبُورْغَ وَوَهْرَانَ، بَيْنَ اَلْتَّارِيخِ وَالْفَقْدِ، بَيْنَ الْحُلْمِ وَ**الْوَاقِعِ؟»
أَمَّا آنَا مَارِيَا، فَقَدِ اِخْتَلَطَتْ مَشَاعِرُهَا بَيْنَ الْدَّهْشَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَبَيْنَ الْحَنَانِ وَالْخَوْفِ، فَجَلَسَتْ تَتَأَمَّلُ الطِّفْلَ بِعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ بِالْقَلَقِ وَالْحُبِّ مَعًا، وَتَسَاءَلَتْ فِي صَمْتِهَا الدَّاخِلِيِّ:
«هَلْ يَسْتَطِيعُ الْحُبُّ وَحْدَهُ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِحِمَايَتِهِ مِنْ قَسْوَةِ الْعَالَمِ؟ هَلْ سَتَحْتَضِنُهُ الأَيَّامُ كَمَا اِحْتَضَنَتْنَا حِينَ كُنَّا صِغَارًا، أَمْ أَنَّ الذَّاكِرَةَ، بِكُلِّ أَلَمِهَا وَفَقْدِهَا، سَتَظَلُّ تُطَارِدُهُ بَيْنَ هامْبُورْغَ وَوَهْرَانَ، بَيْنَ صَرَامَةِ النِّظَامِ وَحَرَكَةِ الْأَسْوَاقِ، بَيْنَ صَخَبِ الْمَقَاهِي وَنَبْضِ **الْبَحْرِ؟»
ثُمَّ أَضَافَتْ فِي هُدُوءٍ كَأَنَّهُ هَمْسٌ مَعَ الْبَحْرِ:
«هَلْ سَتُمَكِّنُهُ الْحَيَاةُ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَطَرِ وَالْفَرَحِ، بَيْنَ الْجُذُورِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْهَا، وَبَيْنَ الْمَرَافِئِ الَّتِي سَتَحْتَوِيهِ؟ أَمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْحُبَّ وَالْفَقْدَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، لِيُصْبِحَ أَقْوَى مِنْ ذِكْرَيَاتِنَا وَأَعْمَقَ مِنْ جِرَاحِنَا؟»
وَبَيْنَ هَذَيْنِ الْعَالَمَيْنِ، نَشَأَ الطِّفْلُ: عَالَمٌ مِنَ الانْضِبَاطِ وَالْفِكْرِ وَالتَّارِيخِ، وَعَالَمٌ مِنَ الْبَحْرِ وَالْجِبَالِ وَالْأَلْوَانِ وَاللُّغَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ، حَيْثُ كَانَ كُلُّ شَارِعٍ، وَكُلُّ رَصِيفٍ، وَكُلُّ نَافِذَةٍ، يَهْمِسُ لَهُ بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ:
«كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعِيشَ بَيْنَ اخْتِلَافَاتٍ لَا تُحْصَى، وَأَنْ يحْمِيَ قَلْبَهُ مِنْ أَلَمِ الْفَقْدِ، وَأَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يُحِبَّ بِلَا **حُدُودٍ؟»
أَمَّا آنَا، فَقَدْ كَانَتْ تَرَى فِي مِيلَادِهِ دَرْسًا عَنِ الصَّبْرِ وَالْمَصِيرِ، وَقِيمَةً كُبْرَى لِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ هِيَ صَاحِبَةَ هَذَا الْقَرَارِ، تَحْمِلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ كَامِلَةً، وَتَتَحَمَّلُ أَمَانَةَ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي أَمَامَهَا. جَلَسَتْ تَتَأَمَّلُ وَجْهَهُ الصَّغِيرَ، وَأَصَابِعَهُ الَّتِي تَتَشَابَكُ مَعَ يَدَيْهَا، وَتَسَاءَلَتْ فِي صَمْتِهَا الدَّاخِلِيِّ:
«هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّسِعَ قَلْبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّ هَذَا الْحُبِّ؟ هَلْ سَأَتَمَكَّنُ مِنْ مَنْحِهِ الْأَمَانَ الَّذِي حُرِمْنَا مِنْهُ نَحْنُ، أَمْ أَنَّ قَدَرَهُ أَنْ يَكْتَشِفَ الْعَالَمَ بِكُلِّ صَخَبِهِ وَخَوْفِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ دَفءَ حُضْنِ ذاك الْأَمَانِ؟»
وَهَكَذَا، أَصْبَحَ الطِّفْلُ الثَّانِي رَمْزًا لِهَذَا التَّقَاطُعِ بَيْنَ الْعَوَالِمِ: عَالَمِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْمُنَظَّمَةِ وَالْفِكْرِ الْمَنْهَجِيِّ، وَعَالَمِ وَهْرَانَ الْمُتَحَرِّرِ مِنَ الْقُيُودِ، الْمَلِيءِ بِالْحَيَاةِ وَالْمُوسِيقَى وَالْرَوَائِحِ، عَالَمٌ يَخْتَبِرُ فِيهِ الْإِنْسَانُ قُدْرَتَهُ عَلَى الْحُبِّ وَالْعَطَاءِ، عَلَى المَقدرةِ عَلَى التَّجَدُدِ مَعَ الْفَقْدِ، وَعَلَى تَقَبُّلِ الِاخْتِلَافِ، وَعَلَى بِنَاءِ ذَاكِرَةٍ جَدِيدَةٍ رَغْمَ كُلِّ الْفَقْدَانِ.
لَكِنَّ الْمَرَضَ لَمْ يَنْحَسِرْ، وَلَمْ يُخَفِّفْ مِنْ وَطَأَتِهِ عَلَى آنَا مَارِيَا؛ يَشْتَدُّ الْأَلَمُ أَحْيَانًا، وَيَخْبُو بِفِعْلِ عَقَاقِيرِ الْأَطِبَّاءِ، كَأَنَّهُ يَلْعَبُ مَعَهَا لُعْبَةً لَا نِهَايَةَ لَهَا، بَيْنَ غَيْبُوبَةٍ وَصَحْوَةٍ.
اِسْتَدْعَى دَانِيِيلُ لَهَا أَطِبَّاءَ عَرَبًا وَفَرَنْسِيِّينَ وَإِيطَالِيِّينَ وَإِسْبَانًا، وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، فَتَوَالَتْ خُطُوَاتُهُمْ الثَّقِيلَةُ عَلَى أَرْضِيَّةِ الْغُرْفَةِ، وَتَتَابَعَتْ هَمَسَاتُهُمْ بَيْنَ سَمَّاعَاتٍ وَأَجْهِزَةٍ صَغِيرَةٍ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَحْمِلُ مَعَهُ وَعْدًا مُؤَقَّتًا، كَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَتَوَارَى عَنْ الْأَنْظَارِ.
وَقَفَ دَانِيِيلُ عِنْدَ الْبَابِ، جِسْمُهُ مُتَجَمِّدٌ، لَا يَجْرُؤُ عَلَى الاقْتِرَابِ أَكْثَرَ، فِيما تَتَقَاطَعُ أَنْفَاسُ آنَا مَارِيَا مَعَ خَفَقَاتِ قَلْبِهِ. كَانَتْ تُمْسِكُ بِطَرْفِ الْغِطَاءِ كَأَنَّهُ آخِرُ خَيْطٍ يَرْبِطُهَا بِالْحَيَاةِ، وَتَهْمِسُ بِصَوْتٍ مُتَقَطِّعٍ، كَأَنَّهُ صَدًى مِنْ عَالَمٍ آخَرَ:
«أَحْضِرُوا لِي طِفْلِي… أُرِيدُهُ أَنْ لَا يَغِيبَ عَنْ **عَيْنِي».
يَقْتَربُ طَبِيبُهَا الإِيطَالِيُّ يُرَافِقُهُ طَبِيبٌ فَرَنْسِيٌّ بِبُطْءٍ، وَيَفحَصَ قَلْبَهَا، ثُمَّ يَهزَّ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ، بَيْنَما يَهمِسُ بِالْفَرَنْسِيَّةِ: «نَحْنُ نَفْعَلُ مَا نَسْتَطِيعُ، لَكِن…» تَوَقَّفَ، تَارِكًا عِبَارَةً مُعَلَّقَةً، كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ نَفْسَهَا تَخْشَى مُوَاجَهَةَ الْأَلَمِ.
هُنَا ارْتَجَفَ دَانِيِيلُ، وَتَحَدَّثَ إِلَى نَفْسِهِ بِصَوْتٍ هَامِسٍ، يَخْتَلِطُ بِالْخَوْفِ وَالْحُبِّ:
«أَيَعْقَلُ أَنْ تَعْجِزَ الْمُدُنُ الَّتِي عَلَّمَتْنَا الطِّبَّ وَالْفِكْرَ عَنْ إِنْقَاذِ قَلْبٍ وَاحِدٍ؟ أَمْ أَنَّ الْعِلْمَ يَقِفُ عَاجِزًا أَمَامَ حُبٍّ لَا يَجِبُ أَنْ يَغَادِرَ مَنْ أَحَبَّ الْأَمْنَ وَ**السَّلَامَ»؟
ثُمَّ تَذَكَّرَ طِفْلَهُ الصَّغِيرَ، يَتَخَيَّلُهُ فِي حِضْنِهِ، يَبْتَسِمُ بِلَا وَعْيٍ، وَفَجْأَةً شَعَرَتْ رُوحُهُ بِالْمَرَارَةِ وَالْحَنِينِ مَعًا:
«هَلْ يَكْفِي الْحُبُّ لِيُقَاوِمَ الْمَوْتَ؟ هَلْ يُمْكِنُ لِلْقُلُوبِ أَنْ تَصْمُدَ أَمَامَ الْأَلَمِ حِينَ تَغَادِرُ الْحَيَاةَ تَدْرِيجِيًّا؟ أَمْ أَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْ الْمُعْجِزَاتِ فِي عُيُونِنَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ مِنَ الْخَارِجِ؟»
وَسِيطَ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، مَرَّتْ دَقَّاتُ سَاعَةِ الْحَائِطِ الثَّقِيلَةِ، كُلُّ دَقَّةٍ تُشْبِهُ خَفَقَةَ قَلْبٍ تَتَوَقَّفُ أَوْ تَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ. كَانَتْ آنَا مَارِيَا تَتَقَلَّبُ بَيْنَ الْغَيْبُوبَةِ وَالْوَعْيِ، تَتَحَرَّكُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَهْمِسُ مُجَدَّدًا:
«أُرِيدُ وَلَدِيَ… دَعُوهُ يَأْتِ إِلَيَّ…»
اِقْتَرَبَ دَانِيِيلُ أَخِيرًا، أَخَذَ يَدَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَشَعَرَ بِأَنَّ حَرَارَةَ جَسَدِهَا تَتَسَرَّبُ إِلَى قَلْبِهِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ حُضُورَهُ وَحْدَهُ، وَصَوْتُهُ وَهَمْسُهُ، قَدْ يَكُونُ الْعِلَاجَ الَّذِي لَا يَجِدُهُ الْأَطِبَّاءُ فِي أَيِّ وَصْفَةٍ، وَلَا فِي أَيِّ عَقَارٍ.
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، أَصْبَحَ الصَّمْتُ فِي الْغُرْفَةِ مَلِيئًا بِالْحَيَاةِ، رَغْمَ الْأَلَمِ، وَمَلَأَ الْمَكَانَ حُضُورُ الْحُبِّ الَّذِي لَا يُقْهَرُ، حُضُورُ الْإِنْسَانِ أَمَامَ الْمَوْتِ، حَاضِرًا أَمَامَ الْمُعْجِزَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى الْحَيَاةُ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَحَسَّ أَنَّ جُدْرَانَ الْبَيْتِ تَضِيقُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْبَحْرَ الَّذِي بَنَى قُرْبَهُ بَيْتَهُ صَارَ أَبْعَدَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
لَمْ يَعُدْ يَسْمَعُ سِوَى نِدَاءِهَا الْخَافِتِ يَتَرَدَّدُ فِي أَرْجَاءِ الْمَكَانِ:
«هَاتِ الطِّفْلَ يَا دَانِييل… هَاتِ الطِّفْل…»
وَآنَا، كُلَّمَا أَفَاقَتْ مِنْ وَهنِهَا، كَانَتْ تَطْلُبُهُ، تُضَمُّهُ إِلَى صَدْرِهَا، وَتَهْمِسُ فِي أُذْنِهِ بِصَوْتٍ دَافِئٍ مُتَقَطِّعٍ:
«كُنْ كَأَبِيكَ يَا صَغِيرِي… كُنْ كَجَدَّيْكَ، لَا تَنْكَسِرْ لِلرِّيحِ، وَلَا تُغْمِضْ عَيْنَكَ لِلْمَوْجِ.»
وَالطِّفْلُ، عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ، كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى وَجْهِهَا، يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِرِفْقٍ، يَبْتَسِمُ حِينَ تَبْتَسِمُ، وَيَعْبِسُ حِينَ يَتَسَلَّلُ الْأَلَمُ إِلَى نَبْرَةِ صَوْتِهَا.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كَانَ يَشْعُرُ وَكَأَنَّ كَلِمَاتِهَا تُنْقِلُهُ إِلَى عَوَالِمَ بَعِيدَةٍ، تَتَخَطَّى حُدُودَ الْغُرْفَةِ: صَبَاحَاتُ هَارْبُورْغَ، فَجْرٌ يَتَنَفَّسُ عَلَى مَهْلٍ، وَرِيَاحٌ تَمْشِي خِلْسَةً، تُصْغِي لِمَا سَيَحْدُثُ، وَنَسَائِمُ الإِلْبَةِ الرَّطْبَةِ، تَمُرُّ عَلَى النَّافِذَاتِ الْخَشَبِيَّةِ، تُدَاعِبُ شُرَفَاتِ الْبُيُوتِ، وَتُحْيِي أَكَالِيلَ الزُّهُورِ الَّتِي نَسَجَتْهَا الْفَتَيَاتُ عَلَى ضَوْءِ قَمَرِ الْأَمْسِ عِنْدَ الْمَصَبِّ.
اِبْتَسَمَ الطِّفْلُ حِينَ حَدَّثَتْهُ عَنْ رَائِحَةِ الْخُبْزِ الطَّازَجِ الَّتِي تَعْبُقُ مِنَ الْمَخَابِزِ الْقَدِيمَةِ، وَعَبَسَ عِنْدَمَا تَحَدَّثَتْ عَنْ شَقِيقِهِ الْأَكْبَرِ الَّذِي فَقَدَ حَيَاتَهُ فِي نِيرَانٍ لَمْ تُتْرُكْ شَيْئًا، كَأَنَّ الْأَلَمَ الْمُرَوِّعَ يَلَامِسُ قَلْبَهُ الصَّغِيرَ.
ثُمَّ شَعَرَ بِهِ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى صَدْرِهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُطَمْئِنَّ أَنَّهُ حَاضِرٌ، وَأَنَّ الْأَلَمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ وَحْدَهُ.
حَدَّثَتْهُ عَنْ الْعَمِّ فِرِيدْرِيشَ، جَدِّهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ بَوَّابَةِ الطَّاحُونَةِ، يُرَاقِبُ الْمَارِّينَ بِعَيْنٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الزَّهْوِ وَالْحَنِينِ، وَاسْتَعَادَتْ ذَاكِرَتُهُ مَعَهَا يَوْمَ زِوَاجِهَا مِنْ دَانِييلَ، حِينَ كَانَ الْعَالَمُ يَبْدُو وَاسِعًا وَمَلِيئًا بِالْأَمَلِ.
وَعَنْ دَانِييلَ الابْنِ، الَّذِي لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَ الْبَحْرِ، بَلِ اخْتَارَ الْبَقَاءَ إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ، لِيُخَفِّفَ عَنْ قَلْبِهِ ثِقْلَ حَجَرِ الرَّحَى، شَعَرَتْ أَنَّ الطِّفْلَ يَفْهَمُ، وَلَوْ بِحَدْسِهِ الطِّفُولِيِّ، مَعْنَى الصَّبْرِ وَالْوَفَاءِ، وَكَأَنَّ حضْنَهَا يُعَلِّمُهُ أَنَّ الْحَيَاةَ، رَغْمَ قَسْوَتِهَا، يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَلِيئَةً بِالدِّفْءِ وَالْحُبِّ.
وَكُلَّمَا هَمَسَتْ لَهُ، وَكُلَّمَا حَكَتْ لَهُ عَنْ الْمَاضِي، كَانَ الطِّفْلُ يَضْحَكُ أَحْيَانًا، وَيَعْبسُ أَحْيَانًا، يَمُدُّ يَدَيْهِ لِلْهَوَاءِ كَأَنَّهُ يُلَامِسُ ذِكْرَيَاتٍ بَعِيدَةً، وَيَشْعُرُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ عَالَمٍ أَكْبَرَ، مُمتَدٍّ بَيْنَ هَامْبُورْغَ وَوَهْرَانَ، بَيْنَ الْأَمْسِ وَالْيَوْمِ، بَيْنَ الْأَلَمِ وَالْأَمَلِ، بَيْنَ الْفَقْدِ وَالْحَيَاةِ، وَيَشْعُرُ مَعَهُ أَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ فِي الْغُرْفَةِ هِيَ مُعْجِزَةٌ صَغِيرَةٌ، تُعِيدُ الْأَمَلَ فِي قَلْبِ مَنْ يُرَاقِبُ، وَتُعَلِّمُهُ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ قَادِرٌ عَلَى مُقَاوَمَةِ كُلِّ صُعُوبَاتِ الزَّمَنِ وَالْمَكَانِ.
كَانَتْ تَقُولُهَا كُلَّ مَرَّةٍ، وَكَأَنَّهَا تَحْكِيها لِشابٍّ يَفْهَمُ، لَا لِطِفْلٍ لَمْ يُدْرِكْ بَعْدُ مَا تَعْنِي كَلِمَةُ “زوَاج”. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَتْ تَزْرَعُ فِي وَعْيِهِ ذَاكِرَةً تُشْبِهُ الرُّوحَ، ذَاكِرَةً سَتُنْقِذُهُ لاحِقًا حِينَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتُ؟ وَمَنْ أَنَا؟»
وَكَانَ ثَمَّةَ هدْهدَةٌ خَافِتَةٌ تَتَرَدَّدُ فِي الْغُرْفَةِ، كَأَنَّهَا أَنْفَاسُ أُمٍّ تُجَاهِدُ لِتَرْبِطَ قَلْبَهَا بِقَلْبٍ صَغِيرِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفِيقَ تَمَامًا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ الْغَرِيبِ.
تُضَمُّ آنَا مَارِيَا طِفْلَهَا إِلَى صَدْرِهَا، تَمْسَحُ عَلَى خُصَلَاتِهِ النَّاعِمَةِ، وَتَهْمِسُ فِي أُذْنِهِ، كَأَنَّهَا تُسَرُّ لَهُ بِسِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ الدَّهْرِ، تمْنَحُهُ دِفْءَ الْحَاضِرِ وَأَمَانَهُ، وَتَغْرِسُ فِي دَاخِلِهِ شُعُورًا بِالانْتِمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَعِي الْعَالَمَ كُلَّهُ حَوْلَهُ.
وَحِينَ يَنْتَابُهَا التَّعَبُ، وَتَثْقُلُ عَلَيْهَا وَطأَةُ الْمَرَضِ، يَتَقَدَّمُ دَانِييلُ بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ نَحْوَ الْسَّرِيرِ، وَيَأْخُذُ اسْتِكْمَالَ حَدِيثِهَا، فَيَمْلَأُ صَوْتُهُ الْغُرْفَةَ بِهُدُوءٍ دَافِئٍ، كَأَنَّهُ يَنْسِجُ طَبَقَةً مِنَ الْأَمَانِ فَوْقَ دِفْءِ حضْنِ الْأُمِّ.
يَهْمِسُ لِلْطِفْلِ عَنْ الْبَحْرِ، عَنْ الْمَرَافِئِ، عَنْ الطُّرُقِ الَّتِي اخْتَارَهَا لِيَبْقَى بِجَانِبِهِ، وَعَنْ صَبْرِ الْجَدَّينِ وَعَزِيمَتِهِمَا الَّتِي مَا زَالَتْ تَتَرَدَّدُ فِي أَرْجَاءِ الْغُرْفَةِ.
رَفَعَ الطِّفْلُ رَأْسَهُ قَلِيلًا، وَمَلَامِحُهُ الصَّغِيرَةُ تَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الْفُضُولِ وَالْدَّهْشَةِ، يُحَرِّكُ أَصَابِعَهُ نَحْوَ صَدْرِ دَانِييلَ، كَأَنَّهُ يَطْلُبُ التِّمَاسَ الْأَمَانِ مِنْ صَوْتِهِ وَنَبْرَتِهِ. حِينَ يَبْتَسِمُ دَانِييلُ، يَبْتَسِمُ هُوَ أَيْضًا، وَعِنْدَمَا يَعْبِسُ، يَتَرَدَّدُ شُعُورٌ بِالْغُمُوضِ فِي قَلْبِهِ الصَّغِيرِ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ فَهْمَ مَا يُحْكَى لَهُ عَنِ الْمَاضِي وَالْحَيَاةِ.
وَمَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَكُلِّ هَمْسَةٍ، وَكُلِّ حَرَكَةِ يَدٍ صَغِيرَةٍ، تَتَّسِعُ الْغُرْفَةُ بِمزْجٍ مِنَ الْحَنَانِ وَالْخَوْفِ، مِنَ الْأَلَمِ وَالْأَمَلِ. كَانَ صَوْتُ دَانِييلَ يُغَنِّي لِحِكَايَاتٍ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهَا مِنْ قَبْلُ، بَيْنَمَا صَمْتُ آنَا، مُمتَدٌّ فِي حَضْنِ الطِّفْلِ، يُشَكِّلُ خَلْفِيَّةً حَمِيمِيَّةً، يَخْتَلِطُ فِيهَا صَوْتُ النَّفَسِ بِخَفَقَاتِ الْقَلْبِ، وَيَدْرُسُ الطِّفْلُ مِنْ خِلَالِهَا أَوَّلَ دُرُوسِ الْحَيَاةِ: الْحُبُّ وَالْصَّبْرُ، وَالْأَمَانُ الَّذِي يَنْبَعُ مِنَ الْوُجُودِ الْمُشْتَرَكِ.
وَهَكَذَا، فِي حضْنِ الْأُمِّ وَهَمْسِ الْأَبِ، كَانَ الطِّفْلُ يُكَوِّنُ ذَاكِرَتَهُ الأُولَى، ذَاكِرَةً تُشْبِهُ الرُّوحَ، تَحْمِلُ مِنَ الْمَاضِي مَا يُعَلِّمُهُ الْصَّبْرَ، وَمِنَ الْحَاضِرِ مَا يَمْنَحُهُ الْأَمَانَ، وَمِنَ الْمُسْتَقْبَلِ مَا يُعِدُّهُ لِمُوَاجَهَةِ الْعَالَمِ.
وَكُلُّ حَرَكَةٍ صَغِيرَةٍ، وَكُلُّ نَظْرَةٍ، وَكُلُّ ابْتِسَامَةٍ، كَانَتْ تَنْسِجُ حَوْلَهُ طَبَقَةً مِنَ الْحَيَاةِ، تَمْنَحُهُ شُعُورًا بِالانْتِمَاءِ، وَتَجْعَلُ الْغُرْفَةَ، رَغْمَ مَرَضِهَا وَوَهنِهَا، مِسَاحَةً مِنَ الْأَمَلِ، مِنَ الْحُبِّ، وَمِنَ الْمُعْجِزَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَصْنَعُ الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْكَلِمَاتِ.
كانتِ الغُرْفَةُ هادِئَةً، ما عدا أَنْفاسِ آنَا ماريا المُتَقَطِّعَةِ، وصَوتِ دانييل الخافِتِ حين يُكمِلُ عنها الحَديثَ، وخفوتِ حَفيفِ الغِطاءِ تحتَ حَركةِ الطِّفلِ الصَّغيرِ. كانَ الطِّفلُ، ذوَا العَيْنَيْنِ الزَّرقاوَيْنِ الوَاسِعَتَيْنِ، يلوِّحُ بيَدَيْهِ الصَّغيرَتَيْنِ في الهَواءِ، يعبِسُ حين يَصِلُ إليهِ صَوتُ الألَمِ في نَبْرَةِ حَديثِ آنَا، ويبتَسِمُ حين يَلْحَظُ دَفءَ صَوتِ دانييل أو لَمْسَةَ فاطِمَةَ الحَنونَةِ.
كانت فاطِمَةُ تَجْلِسُ بجانِبِهِ، تُراقِبُهُ بعَيْنَيْنِ مَليئَتَيْنِ بِالحَنانِ، تَمسَحُ على خُصلاَتِهِ الناعِمَةِ، وتَمُدُّ أَصابِعَها بِلُطْفٍ إلى يَدَيْهِ، فَتَتَوَقَّفُ حَركتُهُ لِلَّحْظَةٍ، كَأَنَّها تَنْتَظِرُ هذه اللَّمْسَةَ لتُطَمْئِنَّ قَلْبَهُ الصَّغيرَ. كانتْ تُحكِي لهُ، مِن دونِ كَلِماتٍ، لُغَةً مِنَ الحُبِّ والدَّفءِ، تجْعِلُ كُلَّ حَرَكَةٍ في جِسْمِهِ دَرْسًا أَوَّلِيًّا في الأمانِ.
آنَا ماريا، وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، كانت تتَابِعُ المَشهَدَ بِعُيُونٍ نِصْفِ مُغْلَقَةٍ مِنَ التَّعَبِ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِأَنَّ كُلَّ ضحْكَةٍ صَغيرَةٍ مِنَ الطِّفلِ، وَكُلَّ عَبوسٍ عابِرٍ، وَكُلَّ رَفْرَفَةِ أَصابِعٍ صَغيرَةٍ، يُعِيدُ إلَيْها الأَمَلَ. كانت تَمسَحُ على رَأسِهِ مِن بَعيدٍ، تبتَسِمُ حين يَلْتَقِطُ نَظَرَاتِها، وَهَمْسُها يَخْتَلِطُ بِصَوتِ دانييل الذي يَرْوِي لهُ حِكاياتِ هارْبُورغ، عن نَسائِمِ الإلبِه، وعن صَباحاتِ الطَّاحُونَةِ، وعن جَدِّهِ العَمِّ فِريدْرِيش.
في كُلِّ مَرَّةٍ يَضْحَكُ فيها الطِّفلُ، كانَ الضَّوءُ يَتَسَلَّلُ عَبْرَ النَّافِذَةِ، يَرْقُصُ على وَجْهِهِ الصَّغيرِ، وَعلى خُصلاَتِ شَعرِهِ، فيغْدُو المَشهَدُ كَلَوْحَةٍ حَيَّةٍ مَليئَةٍ بِالحُبِّ. وعِنْدَما يعبِسُ، كانَ دانييل يَمِيلُ إليهِ ويَهْمِسُ لهُ بِصَوتٍ دافِئٍ، فتعودُ ابتِسامةٌ خَجولَةٌ، كَأَنَّها تُرَدُّ على الأمانِ المَمنوحِ لهُ مِن كُلِّ الجِهاتِ: حضنُ الأُمِّ، لَمَساتُ فاطِمَةَ، وَهَمْساتُ الأبِ.
وصَمْتُ الغُرْفَةِ، رَغْمَ شِدَّتِهِ، كانَ مُمتَلِئًا بِالحَياةِ؛ كُلُّ نَظْرَةٍ، كُلُّ حَرَكَةٍ، كُلُّ هَمْسَةٍ، كانت تتَدَاخَلُ لتُكَوِّنَ سِيمفُونِيَّةً مِنَ الحُبِّ وَالحَنانِ، تُعَلِّمُ الطِّفلَ الصَّبْرَ، وتَزرَعُ في قَلْبِهِ أَوَّلَ بُذورِ الفَهْمِ وَالذَّاكِرَةِ، ليُصْبِحَ كُلُّ نَفَسٍ، وَكُلُّ ضَحْكَةٍ، وَكُلُّ عبوسٍ، جُزءًا مِن ذاكِرَةٍ صَغيرَةٍ، لَكِنَّها عَميقَةٌ، شاهِدَةٌ على الرُّوحِ، على الماضِي، وعلى الأَمَلِ الذي يَرْبِطُهُم جَميعًا بِبَعْضِهِم بَعْضًا.
كانت فاطِمَةُ، تِلْكَ الفَتاةُ الوَهْرانيَّةُ في مُقْتَبَلِ العُمْرِ، لا تَمَلُّ الوقوفَ عِنْدَ سَرِيرِ الطِّفلِ، عَيْنَاهَا مَلِيئَتَانِ بِالاهْتِمامِ، وَيَدَاهَا تَتَحَرَّكانِ بِرِفْقٍ، كَمَا لو كانَ كُلُّ لَمْسٍ صَغيرٍ لهُ يَزْرَعُ في قَلْبِهِ شُعورًا بِالأمانِ. لم تُكَمِّلْ تَعْلِيمَها، لَكِنَّ قَلْبَها كانَ يَعْرِفُ ما لا تَعْرِفُهُ الكُتُبُ، وتَصَرَّفَتْ لَيْسَ فَقَطْ بِحِكْمَةِ الأُمِّ، بَل بِطَبِيعَتِها المُتَكامِلَةِ، جَعَلَتْ كُلَّ حَرَكَةٍ وَكُلَّ كَلِمَةٍ تَصِلُ إلى الطِّفلِ كَنَبْعٍ مِنَ الحَنانِ، وَفَيْضٍ مِنَ الأمانِ.
آنَا ماريا، وَهي تُراقِبُ هذا الحُبَّ الصَّادِقَ، شَعَرَتْ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَوَصَفَتْ فاطِمَةَ بِأَنَّهَا «الأُمُّ الثّانِيَةُ لِطِفلِهَا»، لِأَنَّ حُضُورَها لم يَكُنْ مُجَرَّدَ رِعايَةٍ أَوْ وَاجِبٍ، بَل كانَ اِمتِدادًا لِحُبِّ الأُمِّ الحَقِيقِيِّ، يُخَفِّفُ عليها مِن قَسْوَةِ المَرَضِ، وَيَمْنَحُ الطِّفلَ دَفءَ الحَنانِ الذي يَزْرَعُ فيهِ أَوَّلَ بُذورِ الأمانِ وَالثِّقَةِ وَالحَيَاةِ.
كانَت فاطِمَةُ تَسْتَأْذِنُ دانييل كُلَّ أُسْبُوعٍ لِيومٍ واحِدٍ، لِتَتَوَجَّهَ إلى بَيْتِ وَالِدِها وَتَطْمَئِنَّ على أهْلِها، على أَخْبارِ المَدِينَةِ وَوُجوهِ الأهْلِ المَأْلُوفَةِ. لَكِنَّها كَثيرًا ما كانت تَعُودُ سَرِيعًا، فَقَدِ اشْتَاقَتْ إلى الطِّفلِ، إلى حضْنِهِ الصَّغيرِ، إلى صَوتِهِ الذي يَمْلَأُ الغُرْفَةَ دَفءً وَحَياةً، وَإلى الهَمَساتِ التي كانت تَصْنَعُ مِن كُلِّ لَحْظَةٍ مَعَهُ دَرْسًا في الحُبِّ وَالحَنانِ.
وفي طَريقِ عودَتِها، كانت أَفْكارُها مَشْدودَةً دَائِمًا نَحوَ الطِّفلِ، تَتَخَيَّلُ ابْتِسَامَاتِهِ وَعبوسَاتِهِ، وَكُلَّ حَرَكَةٍ صَغيرَةٍ تُعْلِنُ عن سَعَادَتِهِ أَو فُضولِهِ. كانَ قَلْبُها يَفِيضُ بِالشَّوقِ، كَأَنَّها تَتْرُكُ جُزْءًا مِن رُوحِها هُناكَ، بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَعُودُ بِسُرْعَةٍ لِتَسْتَأْنِسَ بِحُضُورِهِ، وَتَجِدُ فيهِ مَعْنَى الرِّعايَةِ، وَالأمانِ، وَالحَيَاةِ التي تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تُوَزَّعُ بَيْنَ العَطَاءِ وَالحُبِّ.
وَحينَ أَدْرَكَ دانييل مَدَى العاطِفَةِ العَمِيقَةِ التي تكنُها فاطِمَةُ لِلطِّفلِ، بَعْدَ طُولِ إِلْحَاحٍ مِنْها، سَمَحَ لَها أَنْ تَصْطَحِبَهُ مَعَها إلى بَيْتِ وَالِدِها، لِأَنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أَنَّ فاطِمَةَ، مِن دُونِهِ، لَنْ تَنْعَمَ بِالبَقَاءِ بَيْنَ أَحْضَانِ أهْلِها أَوِ التَّمَتُّعِ بِسَلامِ النَّفْسِ الذي تمنحهُ لها زِيارتُهم.
كانَت تِلْكَ الرِّحْلَةُ الصَّغيرَةُ بِالنِّسْبَةِ لَها أَكْثَرَ مِن مُجَرَّدِ خُرُوجٍ مِنَ الغُرْفَةِ؛ كانَت لَحْظَةَ اسْتِراحَةٍ لِلرُّوحِ، فُرْصَةً لِتَجْدِيدِ الطّاقَةِ، وَلِلتَّواصُلِ مَعَ أهْلِها، لَكِنَّها لم تَنْسَ الطِّفلَ لَحْظَةً واحِدَةً، وَلا غِيابَ حضْنِهِ عَن صَدْرِها. وَفي الطَّريقِ، كانَ قَلْبُها يَفِيضُ بِالشَّوقِ وَالحَذَرِ مَعًا، وَهي تَحْرِصُ على أَنْ يَشْعُرَ الطِّفلُ بِالأمانِ، كَأَنَّها تُحاوِلُ أَنْ تمْنَحَ حُضُورَهُ على الطَّريقِ جُزْءًا مِنَ الحَنانِ الذي يَمْلَأُ الغُرْفَةَ عِنْدَ عودَتِها.
كانَ دانييل، وَهُو يُراقِبُها مِن بَعيدٍ، يَشعرُ بِالطُّمَأْنِينَةِ. لَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ، رَغْمَ طُولِها القَصِيرِ، سَتَزِيدُ مِن قُوَّةِ الرَّابِطِ بَيْنَ الطِّفلِ وَفاطِمَةَ، وَسَتُعَلِّمُ الطِّفلَ، بِشَكْلٍ هادِئٍ، مَعْنَى الحُبِّ وَالحَنانِ وَالرِّعايَةِ خَارِجَ حُدودِ الغُرْفَةِ، في عالَمٍ أَوْسَعَ، مَلِيءٍ بِالرَّوابِطِ الإِنْسَانِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ.
وبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، أَطْبَقَ الحُزْنُ جَنَاحَيْهِ على البَيْتِ؛ فَقَدْ رَحَلَتْ آنا ماريا في هُدُوءٍ صامتٍ، كَمَا تَنْطَفِئُ شَمْعَةٌ تَعِبَتْ مِنَ الوقُوفِ طَويلاً.
شَعَرَ دانييل أَنَّ فُرَاغًا هائِلًا انْفَتَحَ فِي داخِلِهِ، وَأنَّ الغُرْفَةَ التي كانَتْ تَضُجُّ بِحُضُورِها صَارَتْ كَصَدَى لِصَمْتٍ بَعِيدٍ.
عَلَى طَاوِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ خَشَبِ ٱلصَّنَوْبَرِ ٱلْمُتَقَشِّفِ، جَلَسَ “دَانْيِيلْ” يُطَوِّقُهُ ٱلصَّمْتُ وَٱلْوُجُوهُ ٱلْمَعْرُوفَةُ. أَصْدِقَاؤُهُ ٱلْقُدَمَاءُ كَانُوا هُنَاكَ، كُلٌّ مِنهُمْ يَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهِ جُرْحًا لَمْ يَبْرَأْ. ٱلْمَرَاسِمُ ٱلرَّسْمِيَّةُ كَانَتْ قَدِ ٱنْتَهَتْ، وَهُمُ ٱلْآنَ فِي مَجَالِسِ ٱلْوُدَاعِ ٱلْأَخِيرِ، حَوْلَ “دَانْيِيلْ” كَأَنَّهُمْ يُحَاوِطُونَ جُرْحًا فَاغِرًا، يَخْشَوْنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَطْبِقَ ٱلْجُفُونُ عَلَى ٱلنَّزِيفِ.
تَسَلَّلَتْ ٱلْأَسْمَاءُ إِلَى ٱلْذَّاكِرَةِ وَاحِدَةً تِلْوَ ٱلْأُخْرَى: “يُوهَانْ شْمِيتْ”، “إِيمِيلْ مَايَرْ”، “فْرِيتْسْ بُومَانْ”، “مَارْتِنْ فِيشَرْ”، “أُوتُو لِيمَانْ”، وَ”بِيتَرْ شْتَايْنْ”. وَفِي ٱللَّحْظَةِ ٱلْمُنَاسِبَةِ، ٱنْضَمَّ “هَايْنْرِيشْ فُولْفْ” إِلَيْهِمْ، قَادِمًا مِنْ “نَابُولِي”، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي جَيْبِهِ صُورَةَ ٱلرَّاحِلَةِ مَطْوِيَّةً عَلَى حُنَانٍ قَدِيمٍ.
بعد رحيل زوجته وسفر أصدقائه صارَ دانييل يَسِيرُ في البَيْتِ كَمَنْ يَتَتَبَّعُ خُطَاهُ في مَتَاهَةٍ خَفِيَّةٍ. كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ يُذَكِّرُه بِهَا: الكُرْسِيُّ الَّذِي كَانَتْ تُفَضِّلُ الجُلُوسَ عَلَيْهِ، الكُوبُ الَّذِي بَقِيَ أَثَرُ شَفَتَيْهَا عَلَى حَافَتِهِ، حَتَّى الرِّيحُ الَّتِي تَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ، كَانَ يَحْسَبُهَا نَفَسَهَا العَذْبَ قَدْ عَادَ يَزُورُهُ لِلْحَظَةٍ.
كَانَ الحُزْنُ يُقِيمُ فِيهِ إِقَامَةَ الدَّائِمِ، يُصْبِحُ مَعَهُ وَيَمْسِي عَلَيْهِ، يُرَافِقُهُ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ وَكُلِّ صَمْتٍ، وَيُخَاطِبُهُ كَظِلٍّ لا يَفَارِقُهُ. لَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ اليَقَظَةِ وَالحُلْمِ، فَكُلُّ مَا حَوْلَهُ يَبْدُو كَأَشْبَاحٍ تَسِيرُ فِي وَقْتٍ مَكْسُورٍ.
لَيَالٍ طَوِيلَةٍ قَضَاهَا يُحَدِّقُ فِي السَّقْفِ، يَسْمَعُ فِي خَيَالِهِ وَقْعَ خُطَاهَا، وَيَرَى بَيْنَ طَيَّاتِ الظِّلِّ وَجْهَهَا يَبْتَسِمُ لَهُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ قَبْلَ الغُرُوبِ. كَانَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا أَحْيَانًا، هَمْسًا، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ المَوْتَ إِنْ سَمِعَ صَوْتَهُ.
وَكُلَّمَا نَادَى اسْمَهَا، يَرْتَدُّ الصَّدَى عَلَيْهِ نَاعِمًا وَمُوجِعًا، كَأَنَّ الجُدْرَانَ تَرْثِيهِ مَعَهُ.
لَمْ يَبْكِ كَثِيرًا؛ فَالدُّمُوعُ كَانَتْ تُخْطِئُ الطَّرِيقَ إِلَى عَيْنَيْهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَنْزِفُ فِي صَمْتٍ، نَزِيفًا لا يُرَى، يُقَلِّمُ مِن قَلْبِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِطْعَةً صَغِيرَةً.
وَفِي اللَّحَظَاتِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا البَيْتُ تَامًّا، كَانَ يَسْمَعُ فِي أَعْمَاقِهِ نَبْضَهَا البَعِيدَ، كَأَنَّ الحَيَاةَ تَتَنَفَّسُ مِنْ خَلْفِ الحِجَابِ، ثُمَّ تَخْمُدُ مُجَدَّدًا.
. أَمَّا فاطِمَةُ، فَقَدْ أَحَسَّتْ بِحُزْنِهِ كَأَنَّهُ يُقِيمُ فِي صَدْرِهَا مَعَهُ، فَأَخَذَتْ الطِّفْلَ في رِعَايَتِها، تُحَاوِلُ أَنْ تَجْعَلَ مِن ضَحِكِهِ وَحَرَكَاتِهِ الصَّغِيرَةِ بَلْسَمًا لِقَلْبِ دانييل الجَرِيحِ.
وَكُلَّمَا سَمِعَ صَوْتَ الطِّفْلِ يَمْلَأُ البَيْتَ، يَرْتَجِفُ شَيْءٌ فِي نَفْسِهِ، كَأَنَّ الحَيَاةَ تَتَذَكَّرُ نَفْسَهَا بَعْدَ غَيَابٍ طَوِيلٍ.
وَبَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، كَانَتْ فاطِمَةُ تَرْفَعُ عَيْنَيْهَا نَحْوَهُ، تَرَاهُ يَغُوصُ فِي سُكُونٍ حَزِينٍ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الصَّمْتَ الَّذِي يَلُفُّهُ لَيْسَ سُكُونًا بَل جُرْحًا يَتَنَفَّسُ. فَتَقْتَرِبُ، تَضَعُ الطِّفْلَ فِي حِجْرِهِ، وَتَتْرُكُ الحَنانَ يُتَرْجِمُ مَا لَا تُجِيدُهُ الكَلِمَاتُ.
مُنْذُ رَحِيلِ آنا ماريا، تَغَيَّرَ دانييل كَثِيرًا. صَارَ صَمْتُهُ أَطْوَلَ، وَنَظْرَتُهُ أَبْعَدَ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُحَدِّقَ فِي مَكَانٍ لا يَبْلُغُهُ البَصَرُ. كَانَ يَجْلِسُ طَوِيلًا قُرْبَ النَّافِذَةِ، يُطِلُّ عَلَى الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ، وَيُتَابِعُ سُقُوطَ الأَوْرَاقِ وَهِيَ تَدُورُ فِي الهَوَاءِ، كَأَنَّهُ يَرَى فِيهَا صُورَةَ حَيَاتِهِ الَّتِي تَتَفَلَّتُ بِلُطْفٍ، وَبِلا ضَجِيجٍ.
وَحِينَ كَانَتْ فاطِمَةُ تَدْخُلُ الغُرْفَةَ وَتَضمُ الطِّفْلَ إِلى صدرِهَا، كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ببُطْءٍ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا كَمَنْ يَتَذَكَّرُ أَنَّ فِي العَالَمِ بَقَايَا دفْءٍ. يَبْتَسِمُ أَحْيَانًا، ابْتِسَامَةً هَشَّةً كَضَوْءِ نَارٍ تَتَلاشَى، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى صَمْتِهِ، كَأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ نَقَاءَ المَشْهَدِ بِكَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِن قَلْبٍ مُتعَبٍ.
كَانَتْ فاطِمَةُ تُحَاوِلُ أَنْ تَكْسِرَ حَاجِزَ الصَّمْتِ بِلُطْفِ الحَدِيثِ، تَسْأَلُهُ أَحْيَانًا عَنْ الطِّفْلِ، وَعَنْ مَأْكَلِهِ، وَنَوْمِهِ، فَيُجِيبُهَا بِعِبَارَاتٍ قَصِيرَةٍ، مُتَقَطِّعَةٍ، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تُؤْلِمُهُ وَتُخْرِجُ مَعَهَا نَفَسًا ثَقِيلًا. وَإِذَا رَآهَا تَضْحَكُ مَعَ الطِّفْلِ، يَتَوَقَّفُ طَرِيفُ عَيْنِهِ عِندَ ذَلِكَ المَشْهَدِ، وَيُدِيرُ وَجْهَهُ نَاحِيَةَ الجِدَارِ، كَأَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِن الحَيَاةِ أَنْ تَرَاهُ كَئِيبًا بَيْنَ الأَحْيَاءِ.
كَانَتِ اللَّيَالِي أَشَدَّ وَطْأَةً عَلَيْهِ؛ فَعِنْدَ انْطِفَاءِ الأَصْوَاتِ، يَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ لِيُحَاسِبَهُ: رَائِحَةُ البيت، وَالصُّورَةُ المَوْضُوعَةُ عَلَى الرَّفِّ. وَفِي تِلْكَ السَّاعَاتِ، كَانَتْ فاطِمَةُ تَسْمَعُ فِي البَيْتِ صَمْتًا غَرِيبًا، لَيْسَ صَمْتَ نَوْمٍ، بَل صَمْتَ قَلْبٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَنْبِضُ وَحْدَهُ بَعْدَ فَقْدٍ عَظِيمٍ.
بِمُرُورِ الأَيَّامِ، أَخَذَ الحُزْنُ يَتَحَوَّلُ فِي نَفْسِ دانييل مِن لَظًى يَحْرِقُهُ إلى وَجَعٍ هَادِئٍ يَسْكُنُهُ. وَبِدَايَةُ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ كَانَتْ وَقْتَ مَدَّ الطِّفْلُ ذِرَاعَيْهِ نَحْوَهُ، يُرِيدُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى حِجْرِهِ. لَحْظَةٌ صَغِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا أَحْيَتْ فِيهِ شَيْئًا كَانَ يَظُنُّهُ مَاتَ مَعَ آنا ماريا.
تَرَدَّدَ أَوَّلَ الأَمْرِ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وَاحْتَضَنَهُ، وَفِي صَدْرِهِ ارْتَجَفَتْ ذِكْرَى قَدِيمَةٌ: كَيْفَ كَانَتْ هِيَ تَضُمُّهُ بِالمَحَبَّةِ نَفْسِهَا.
مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، غَدَا الطِّفْلُ صِلَتَهُ الأَخِيرَةَ بِالدُّنْيَا. كَانَ يُراقِبُهُ وَهُوَ يَزْحَفُ بَيْنَ الظِّلَالِ، وَيَضْحَكُ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ نَغْمَةً قَدِيمَةً كَانَتْ آنا ماريا تُدَنْدِنُهَا فِي المَسَاءِ. وَحِينَ يَمُدُّ الصَّغِيرُ يَدَهُ نَحْوَ وَجْهِهِ، يَشْعُرُ دانييل كَأَنَّ الحَيَاةَ تُرَبِّتُ عَلَى قَلْبِهِ بِأَصَابِعَ طَرِيَّةٍ.
أَمَّا فاطِمَةُ فَكَانَتْ تَرَى تِلْكَ المَشَاهِدَ فِي صَمْتٍ، تَقِفُ عِنْدَ البَابِ وَتَبْتَسِمُ، كَأَنَّهَا تَشْهَدُ مِيلادًا جَدِيدًا يَتَكَوَّنُ مِن رُفَاتِ الحُزْنِ. لَمْ تَقُلْ شَيْئًا، وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تُقَاطِعَ ذَلِكَ الحِوَارَ الخَفِيَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالطِّفْلِ، فَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ هُنَاكَ أَلْوَانًا مِن الشِّفَاءِ لا يَصْنَعُهَا البَشَرُ، بَلِ الحَيَاةُ نَفْسُهَا حِينَ تُقَرِّرُ أَنْ تَعُودَ.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَحْمِلُ فِيهَا دانييل الطِّفْلَ، كَانَ الحُزْنُ يَتَزَحْزَحُ عَنْ مَكَانِهِ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يُفْسِحُ لِلنُّورِ مَمَرًّا بَيْنَ أَطْبَاقِ الغَيْمِ. وَكَانَتْ فاطِمَةُ، مِنْ بَعِيدٍ، تَرَى فِي تِلْكَ اللَّحْظَاتِ وَجْهَ دانييل يُسْتَعِيدُ شيئاً من مَلَامِحَهُ الأُولَى، كَمَنْ يَتَعَلَّمُ الاِبْتِسَامَ مُجَدَّدًا، وَيَتَذَكَّرُ أَنَّ لِلقَلْبِ قُدْرَةً عَجِيبَةً عَلَى الحَيَاةِ، وَإِنْ كَانَ مَكْسُورًا.
بِمُرُورِ الأَيَّامِ، بَدَأَ البَيْتُ يَتَنَفَّسُ مِن جَدِيدٍ. لَمْ تَعُدِ الجُدْرَانُ تُرَدِّدُ صَدَى الفَقْدِ كَمَا كَانَتْ، بَلْ صَارَتِ الأَصْوَاتُ الصَّغِيرَةُ تَمْلَؤُهَا بِحَيَاةٍ هَادِئَةٍ: ضَحِكَاتُ الطِّفْلِ، وَخَطَوَاتُ فاطِمَةَ وَهِيَ تَتَنَقَّلُ بَيْنَ الغُرَفِ، وَصَوْتُ المَاءِ يَنْسَابُ فِي المَطْبَخِ كَأُنْشُودَةٍ قَدِيمَةٍ.
كَانَ دانييل يُصْغِي إِلَى كُلِّ تِلْكَ الأَصْوَاتِ بِقَلْبٍ مَفْتُوحٍ عَلَى الوَجَعِ، كَأَنَّهُ يَتَعَلَّمُ لُغَةً جَدِيدَةً لا تَسْتَعْمِلُ الكَلِمَاتِ، بَلِ الإِيمَاءَاتِ وَالأَنْفَاسَ وَنَبضَ الحَيَاةِ فِي الأَشْيَاءِ.
صَارَ الطِّفْلُ يَزْحَفُ نَحْوَهُ كُلَّ صَبَاحٍ، يَجُرُّ خُطَاهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى الأَرْضِ، وَيَضْحَكُ كَأَنَّهُ يُنَادِيهِ لِلنُّهُوضِ. فَيَمُدُّ دانييل يَدَيْهِ وَيَرْفَعُهُ، ثُمَّ يُقَرِّبُهُ مِن صَدْرِهِ، يَشُمُّ رَائِحَتَهُ العطّرِيَّةَ، وَيُغْمِضُ عَيْنَيْهِ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِن ذَلِكَ النَّفَسِ الصَّغِيرِ سَبَبًا لِلاِسْتِمْرَارِ.
أَمَّا فاطِمَةُ، فَصَارَتْ تُدِيرُ حَيَاةَ البَيْتِ بِهُدُوءٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ تَرْسُمُ لِكُلِّ يَوْمٍ نَغْمَتَهُ. تُعِدُّ الطَّعَامَ فِي وَقْتِهِ، وَتُرَتِّبُ الزَّهْرَ عَلَى المَائِدَةِ، وَتَتَأَكَّدُ مِن أَنَّ ضَوءَ النَّهَارِ يَدْخُلُ الغُرْفَةَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا.
كَانَتْ تُحَافِظُ عَلَى ذَلِكَ النِّظَامِ الصَّامِتِ كَمَنْ يَسْقِي نَبْتَةً جَرِيحَةً، تَعْرِفُ أَنَّهَا لَنْ تُزْهِرَ كَمَا كَانَتْ، وَلَكِنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَبْقَى حَيَّةً.
بِالتَّدْرِيجِ، تَشَكَّلَ بَيْنَهُم ثَلاثَتِهِم نِظَامٌ جَدِيدٌ لِلْوُجُودِ: دانييل يَتَكَلَّمُ أَقَلَّ، لَكِنَّهُ يُصْغِي أَكْثَرَ، وَفاطِمَةُ تَفْهَمُ صَمْتَهُ قَبْلَ كَلِمَاتِهِ، وَالطِّفْلُ يَمْلَأُ الفَرَاغَاتِ بَيْنَهُم بِصَوْتِ الحَيَاةِ.
وَفِي مَسَاءٍ مِن تِلْكَ المَسَاءَاتِ، حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَسَلَّلَ ضَوْؤُهَا المَائِلُ إلى الغُرْفَةِ، رَآهَا دانييل وَهِيَ تَحْمِلُ الطِّفْلَ وَتُغَنِّي لَهُ، فَتَوَقَّفَ فِي مَكَانِهِ، وَأَحَسَّ أَنَّ الحُزْنَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، يَبْكِي دَاخِلَهُ لا لأَنَّهُ يَتَأَلَّمُ، بَل لأَنَّهُ يَبْتَسِمُ.
لَمَّا أَسْدَلَ المَسَاءُ سِتَارَهُ، جَلَسَ دانييل عَلَى الكُرْسِيِّ القَدِيمِ قُرْبَ النَّافِذَةِ، يُطِلُّ عَلَى الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي غَزَاهَا الصَّمْتُ بَعْدَ رَحِيلِ آنا ماريا.
كَانَت فاطِمَةُ تَجْمَعُ أَلْعَابَ الطِّفْلِ وَتُرَتِّبُهَا عَلَى الرَّفِّ، فَلَمَّا رَأَتْهُ غَارِقًا فِي نَظْرَتِهِ، تَوَقَّفَتْ عَنِ الحَرَكَةِ، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ تُقَاطِعَ خُطَى أَفْكَارِهِ.
تَنَفَّسَ بِعُمقٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ ظِلًّا:
ــ كَانَتْ تُحِبُّ هَذَا الوَقْتَ مِنَ اليَومِ… عِنْدَ الغُرُوبِ. كَانَتْ تَقُولُ: “الشَّمْسُ تُودِّعُ البَحْرَ كَمَا تُودِّعُ المَرْأَةُ مَنْ تُحِبُّهُ”، بِهُدُوءٍ لا يَخْلُو مِنَ الدَّمْعِ.
سَكَتَ قَلِيلًا، وَأَدَارَ وَجْهَهُ نَحْوَ فاطِمَة:
ــ لَمْ أَتَحَدَّثْ عَنْهَا مُنْذُ رَحِيلِهَا. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا يخوِفُنِي مِنَ الذِّكْرَى. حَتَّى رَائِحَةُ أنفاسِهَا… كَانَتْ تُطَارِدُنِي فِي كُلِّ صَبَاحٍ.
رَفَعَت فاطِمَة عَيْنَيْهَا نَحْوَهُ، لَمْ تَقُلْ شَيْئًا. صَمْتُهَا كَانَ أَكْثَرَ طَمْأَنَةً مِن أَيِّ كَلِمَةٍ. فَأَكْمَلَ هُوَ، كَمَنْ يَسْتَسْلِمُ لِأُولَى خُطُواتِ البَوْحِ:
ــ أَتَدْرِينَ؟ كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَزْرَعَ شَجَرَةً لطفلنا أَمَامَ البَيْتِ. قَالَتْ: “لِتَكْبُرَ مَعَه.”
لكِنَّهَا رَحَلَتْ قَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ. وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَومِ، كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَى التُّرَابِ هُنَاكَ، أَحْسَسْتُ أَنَّ الأَرْضَ تَنْتَظِرُهَا مَعِي.
دَنَتْ فاطِمَة خُطُوَاتٍ قَلِيلَةً، ثُمَّ وَقَفَتْ قُرْبَ النَّافِذَةِ، وَنَظَرَا مَعًا نَحْوَ البُقْعَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا.
قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَدَافِئٍ:
ــ رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِنَزْرَعَهَا. لَا لِتُعَوِّضَهَا، بَلْ لِتُكْمِلَ مَا بَدَأَتْهُ.
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، ثُمَّ ابْتَسَمَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ رَحِيلِ آنا ماريا. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ تَعُدِ الدُّمُوعُ تَعْنِي الفَقْدَ، بَلِ البِدَايَةَ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فِي صَمْتِه، كَانَ يَجْرِي حِوارٌ داخِلِيٌّ لا يَطَّلِع عَلَيْهِ أَحَد: هل يَعودُ إلى هامبورغ؟ أم يَبقى هُنا، في وهران، ليَصنعَ حياةً جديدة للطفل؟
فِي الهَامِشِ مِنْ نَفْسِهِ، كَانَ «دَانِيِيل» يَشْعُرُ أَنَّ البَقَاءَ لَنْ يَكُونَ إِلَّا رِحْلَةَ بَحْثٍ عَنْ عَزَاءٍ جَدِيدٍ، وَمُحَاوَلَةً خَجُولَةً لِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ ذَاتِهِ بَعْدَ ٱلْفَقْدِ.
أَمَّا ٱلْعَوْدَةُ، فَكَانَ يَرَاهَا سَفَرًا نَحْوَ أَطْلَالِ ٱلطُّفُولَةِ، وَظِلَالِ ٱلذِّكْرَيَاتِ ٱلْمُتَبَدِّدَةِ عَلَى شَاطِئٍ قَدِيمٍ، حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ يَبْدُو مَأْلُوفًا وَمَعَ ذَلِكَ غَرِيبًا.
هُنَاكَ، بَيْنَ أَصْدِقَائِهِ ٱلَّذِينَ تَقَاسَمَ مَعَهُمُ ٱلْأَمْوَاجَ وَٱلْمَوَاسِمَ وَٱلْمَوَانِئَ، كَانَ يَدْرِي أَنَّ غُرْبَةَ ٱلْقَلْبِ أَعْنَدُ مِنْ كُلِّ سَفِينَةٍ، وَأَبْعَدُ مِنْ كُلِّ رِحْلَةٍ.
فَاطِمَةُ، بِهُدُوئِهَا وَسُكُوتِهَا وَرِعَايَتِهَا الْحَانِيَةِ لِلْطِّفْلِ، وَإِشْرَافِهَا الدَّقِيقِ عَلَى الْبَيْتِ، كَانَتْ تَصْنَعُ لِـدَانِيِيلَ جِسْرًا رَقِيقًا يَرْبِطُ بَيْنَ مَا فَقَدَهُ وَمَا يُمْكِنُهُ بِنَاؤُهُ الْآنَ، مَانِحَةً إِيَّاهُ إِحْسَاسًا بِالْأَمَانِ، وَأَمَلًا صَامِتًا يَهْمِسُ فِي قَلْبِهِ بِأَنَّ حَيَاةً جَدِيدَةً قَدْ تُوَلَدُ مِنْ بَيْنِ أَطْلَالِ الْحُزْنِ.
لَمْ تَقِفِ حُدُودُ اهْتِمَامِهَا عِنْدَ الْحَنَانِ الْيَوْمِيِّ، بَلْ كَانَتْ تَسْعَى دَائِمًا، بِصَبْرٍ لَا يَنْفَدُ، لِإِخْرَاجِهِ مِنْ عُزْلَتِهِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِ حُزْنُهُ الْعَمِيقُ. كَانَتْ تَتَسَاءَلُ فِي صَمْتِهَا:
ـ هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْتَحَ لَهُ بَابًا جَدِيدًا؟ هَلْ يَسْتَطِيعُ قَلْبُهُ أَنْ يَثِقَ مِنْ جَدِيدٍ؟
فَتَارَةً تَدْعُو أَصْدِقَاءَهُ الْقُدَمَاءَ مِنْ هَامْبُورْغ حِينَ تَرْسُو سُفُنُهُمْ فِي مِينَاءِ وُهْرَان، فَتَمْلَأُ الْمَكَانَ بِالضَّحِكَاتِ وَالذِّكْرَيَاتِ، وَيَجِدُ دَانِيِيلُ نَفْسَهُ مُشْدُودًا بَيْنَ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ، بَيْنَ ابْتِسَامَةٍ حَيَّةٍ تُذَكِّرُهُ بِمَا فَقَدَ، وَضَحِكَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ تُعِيدُ الْحَيَاةَ إِلَى قَلْبِهِ.
وَتَارَةً أُخْرَى، كَانَتْ تَدْعُوهُ هُوَ وَالطِّفْلَ لِيُصْحَبَهَا فِي زِيَارَاتٍ إِلَى أَهْلِهَا، حَيْثُ يَجِدُ بَيْنَ دَفءِ الْمَحَبَّةِ الْبَسِيطَةِ وَالِابْتِسَامَاتِ الصَّادِقَةِ تَذْكِرَةً بِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَزَالُ مُسْتَمِرَّةً، وَأَنَّهُ مَا زَالَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يُشَارِكَهَا، أَنْ يُحِبَّ وَيُحَبَّ، وَأَنْ يَبْتَسِمَ رَغْمَ الْأَلَمِ.
فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، كَانَ دَانِيِيلُ يَشْعُرُ بِتَنَاقُضٍ دَاخِلِيٍّ:
فَرَحٌ صَغِيرٌ يَغْمُرُهُ، وَحُزْنٌ عَمِيقٌ يَتَرَبَّصُ بِظِلِّهِ.
ـ هَلْ يُمْكِنُ لِلْحَيَاةِ أَنْ تَعُودَ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْفَقْدِ؟ وَهَلْ يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْرَحَ مَرَّةً أُخْرَى؟
كَانَتْ كُلُّ حَرَكَةٍ مِنْهَا، وَكُلُّ اهْتِمَامٍ بِالطِّفْلِ، وَكُلُّ تَرْتِيبٍ دَقِيقٍ لِلْبَيْتِ، بِمَثَابَةِ هَمَسَاتٍ لَطِيفَةٍ تُعِيدُ لَهُ الثِّقَةَ بِنَفْسِهِ، وَتُذَكِّرُهُ أَنَّ الْحُبَّ لَا يَزُولُ بِالرَّحِيلِ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى طَاقَةٍ صَامِتَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُنِيرَ الطَّرِيقَ نَحْوَ غَدٍ جَدِيدٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ، ظَلَّ دَانِيِيلُ يَخْتَزِنُ فِي قَلْبِهِ صَمْتًا طَوِيلًا، يُحَادِثُ فِيهِ ذِكْرَيَاتِ آنا مَارِيَا، يَبُوحُ لَهَا بِمَا لَا يُسْتَطَاعُ قَوْلُهُ لِأَحَدٍ، بَيْنَ حَنِينٍ وَأَلَمٍ، بَيْنَ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ، بَيْنَ رُوحٍ تَتَلَمَّسُ وُجُودَ مَنْ فَقَدَتْهُ، وَأُخْرَى تَتَسَاءَلُ عَنْ مَعْنَى الْبَقَاءِ.
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، لَمْ تَنْسَ فَاطِمَةُ وَاجِبَ الْوَفَاءِ، فَكَانَتْ تَزُورُ قَبْرَ آنا مَارِيَا كُلَّ يَوْمٍ، تَضَعُ عَلَيْهِ بَاقَةً مِنَ الْوُرُودِ الَّتِي كَانَتْ تُحِبُّهَا، وَتَظَلُّ لَحَظَاتٍ صَامِتَةً أَمَامَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ تُحَادِثُهُ:
ـ هَا هُوَ دَانِيِيلُ جَاءَ الْيَوْمَ… وَأَنَا هُنَا أحرِسُ ذِكْرَاكِ.
وَكُلَّمَا جَاءَ دَانِيِيلُ لِزِيَارَةِ قَبْرِ زَوْجَتِهِ، وَجَدَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا وَاعْتَنَى بِالْقَبْرِ بِعِنَايَةٍ، فَكَانَ قَلْبُهُ يَطْمَئِنُّ قَلِيلًا، وَيَشْعُرُ بِأَنَّ الْحُزْنَ يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَضَنَ بِلَا أَلَمٍ، وَأَنَّ الْوَفَاءَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَمَرَّ حَتَّى بَعْدَ الرَّحِيلِ.
وَبَيْنَ هَذَا وَذَاكَ، صَارَ الطِّفْلُ مِحْوَرًا لِعَالَمِهِ الْجَدِيدِ، وَفَاطِمَةُ جِسْرًا بَيْنَ مَا فَقَدَهُ وَمَا يُمْكِنُهُ بِنَاؤهُ الْآنَ، يَفْتَحُ لَهُ نَافِذَةً عَلَى الْحَيَاةِ الَّتِي لَمْ يَعُدْ يَخَافُ مِنْهَا بِالْكَمَالِ، نَافِذَةً صَغِيرَةً لَكِنَّهَا مُشْرِقَةٌ، يُطِلُّ مِنْهَا عَلَى الْأَمَلِ وَالدِّفْءِ، وَيَكْتَشِفُ أَنَّ الْحُزْنَ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ بَدَايَةٌ لِفَهْمٍ جَدِيدٍ لِلْحَيَاةِ، وَلِلتَّعَلُّقِ بِالْوُجُودِ مِنْ جَدِيدٍ، بِحَذَرٍ لَكِنَّهُ مُتَجَدِّدٌ.
فِي صَبَاحٍ هَادِئٍ فِي وَهْرَانَ، اسْتَيْقَظَ دَانِييلُ عَلَى صَمْتٍ غَرِيبٍ، صَمْتٍ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ رَائِحَةَ الْحُزْنِ وَذِكْرَى آنا مَارِيَا. تَنَفَّسَ عُمقًا وَأَمسَكَ بِيَدِ الطِّفْلِ، الَّذِي كَانَ يَبْسِمُ بِعَيْنَيْهِ الْصَّافِيَتَيْنِ، فَشَعَرَ كَأَنَّ شَيْئًا مِنَ الْحَيَاةِ يَتَدَفَّقُ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَفاطِمَةُ، بِهُدُوءِهَا وَرِعَايَتِهَا الدَّافِئَةِ، كَانَت تَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ فِي الْبَيْتِ، ترتِّبُ الْأَلْعَابَ، تُعِدُّ الطَّعَامَ، وَتُلَفُّ بِهِ الْوِجْهَ بِكُلِّ هَمْسَةٍ وَتَفَصِيلٍ دَقِيقٍ، كَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ مِنْهَا تُنَشِّطُ دَانِييلَ لِلخُرُوجِ مِنْ ظِلِّ الْفَقْدِ.
فِي إِحْدَى اللَّحَظَاتِ، حِينَ اجْتَمَعَ أَصْدِقَاؤُهُ الْقُدَامَى: يُوهَان شْمِيت وَإِمِيل مَايِر وَفْرِيتْز بُومَان وَمَارْتِن فِيشِر وَأُوتُو لِيهْمَان وَبِيتِر شْتَاين وَهَانْس بْرُودَر وَيُوهَان كْرَاوْس وَهَايِنْرِيش وُولْف وَفْرِيدْرِيش لَانْغِه وَكَارْل شْتْرَاوْس فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ دَانِيِيلُ وَآنا مَارِيَا قَدْ خَصَّصَاهُ لِاجْتِمَاعِ الأصدقاء، أَخَذُوا يَتَهَامَسُونَ بَيْنَهُمْ، وَعُيُونُهُمْ مُرَكَّزَةٌ عَلَى فَاطِمَةَ. كَيْفَ تَتَحَرَّكُ بِهُدُوءٍ وَرِعَايَةٍ، كَيْفَ تصْغَي لِدَانِيِيلَ وَتُرَاعِي كُلَّ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكَاتِ الطِّفْلِ، وَكَيْفَ أَنَّ كُلَّ وُجُودٍ مِنْهَا يَصْنَعُ جِسْرًا رَهيفًا يَرْبطُ بَيْنَ مَا فَقَدَهُ وَمَا يُمْكِنُهُ بِنَاؤهُ الآن.
تَسَاءَلَ يُوهَان شْمِيت وَإِمِيل مَايِر وَفْرِيتْز بُومَان فِي حوارٍ صَمْتِيٍّ كَأَنَّهُ أَصْغَى لِقَلْبِهِمْ:
ـ هَلْ هَذِهِ أَمَانَةُ قَلْبٍ تَسْعَى لِإِسْعَادِ غَرِيبٍ تَحَمَّلَ الْفَقْدَ؟
أَمْ هِيَ رُوحٌ وَفِيَّةٌ، تَفْهَمُ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَوَقَّفُ؟
وَعَقِبَ صَمْتٍ مَلأهُ الإعجابُ، تَجَاسَرَ بِيتِر شْتَاين، وَمَحَّا الصَّمتَ الَّذِي كَانَ يَحْتَكِمُ لِلْخَوْفِ، وَنَظَرَ إلى دَانِييلَ مُلَاحِظًا:
ـ دَانِييل… أَلَا تَرَى مَا تَفْعَلُهُ فاطِمَةُ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ هَذَا الطِّفْلِ؟
أَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تَرَى فِي رِعَايَتِهَا وَحُبِّهَا دَفءَ يُسَاعِدُكَ عَلَى النهُوضِ؟
تَوَقَّفَ دَانِييلُ لِحَظَةٍ، صَمْتُهُ يَتَحَدَّثُ، وَعَيْنَاهُ تَتَبَاعَثُانِ بَيْنَ الْخَجَلِ وَالدهشة، كَمَا لَوْ كَانَ يُدْرِكُ أَنَّ فَاطِمَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَاعٍيةٍ، بَلْ مِرْآةٌ لِلأَمَلِ، وَجِسْرٌ يَمْتَدُّ بِحُبِّهَا وَصَمْتِهَا وَرِعَايَتِهَا.
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، سَمِعَ دَانِييلُ نَبْضَ قَلْبِهِ يَسْمَعُ لِلْحَقِيقَةِ:
ـ هَلْ كَانَ يُمْكِنُ لِلْحُزْنِ أَنْ يَمْنَعَنِي عَنِ الرِّضَا بِهَذَا الْحُبِّ الصَّافِي؟
هَلْ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ أَسْمَحَ لِنَفْسِي أَنْ أَشْعُرَ بِالْأَمَلِ؟
تَغَشَّتْ وَجْهَهُ ابتسامةٌ خَفِيفَة، كَأَنَّهُ يَقْبَلُ حُضُورَ فَاطِمَةَ بِوَجْهٍ صَارِمٍ وَحَنُونٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَشَعَرَ الأصدقاءُ بِهَذِهِ اللَّحْظَةِ كَمَا تَغْشَى الصَّفَاءَ عَلَى نَفْسٍ أَثْقَلَها الْحُزْنُ.
وَكُلَّ هَمْسٍ مِنْهُمْ، وَكُلُّ نَظْرَةٍ مُرْسَلَةٍ إِلَى فَاطِمَةَ، كَانَت تُمَثِّلُ صَدَاقَةً تُقَدِّرُ الصَّمْتَ وَالرِّعَايَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَتُذَكِّرُ دَانِييلَ أَنَّهُ لَا يَزَالَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْنِيَ حَيَاتَهُ مِنْ جَدِيدٍ، بَيْنَ حُبٍّ صَافٍ وَأَمَلٍ يَتَسَلَّلُ بِهُدُوءٍ إِلَى نَفْسِهِ.
فِي صَمْتِ بَيْتِهِمْ، بَعْدَ غُرُوبٍ هادِئٍ، تَقَدَّمَ دَانِييلُ بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ نَحْوَ فَاطِمَةَ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي نَفْسِهِ مِزَاجًا مِنَ التَّرَقُّبِ وَالْخَجَلِ. كَانَت تَجْمَعُ أَغْرَاضَ الطِّفْلِ، وَعَيْنَاهَا تُلَاحِظُهُ بِهُدوءٍ، كَأَنَّهَا تَشْعُرُ بِكُلِّ تَحَرُّكٍ وَكُلِّ فِكْرٍ يَمُرُّ بِعَقْلِهِ.
فَأَلْقَى عَلَيْهَا دَانِييلُ نَظْرَةً وَسِمَتْهَا خَجَلٌ صَافٍ، وَصَوْتُهُ يَخْتَنِقُ بَيْنَ صَمْتِهَا وَصَمْتِهِ:
ــ فاطِمَة… أَتَعْلَمِينَ؟ أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ مَا أَفْعَلُهُ لِلطِّفْلِ، وَكُلَّ مَا تَفْعَلِينَ أَنْتِ مِنْ أَجْلِي، يَكادُ يُغَيِّرُ مَا بَقِيَ فِيّ مِنَ الْحُزْنِ.
تَنَفَّسَتْ فَاطِمَةُ عَمِيقًا، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِلُطْفٍ، وَأَحَسَّتْ بِحَرَكَةٍ غَامِرَةٍ فِي صَمْتِه:
ــ سيدي دَانِييل… لَسْتَ مُضْطَرًّا لِأَنْ تَحْمِلَ الْحُزْنَ وَحْدَكَ. أَنَا هُنَا… وَالطِّفْلُ هُنَا… وَنَحْنُ نَسْعَى لِمَا يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى، لا لِمَا فَقَدْنَاهُ.
فَجَاءت كلماتُهَا كَمَوْقِفٍ حَافِلٍ بِالرَّحمةِ وَالرِّعَايَةِ، وَشَعَرَ دَانِييلُ بِأَنَّهُ، بِوَجْهِهَا وَصَمْتِهَا، يَكْسِرُ جُدْرَانَ الْخَوْفِ فِي قَلْبِهِ. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِلحَظَةٍ، وَسَأَلَ نَفْسَهُ، صَامتًا:
ـ هَلْ يَجُوزُ لِلْحُبِّ أَنْ يَتَجَدَّدَ بَعْدَ الرَّحِيل؟ هَلْ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ أُفَتِّشَ عَنْ فَرَحٍ صَافٍ، بَيْنَ خَفَقَاتِ الرِّعَايَةِ وَالطِّفْلِ؟
فَحَرَكَتْ فَاطِمَةُ يَدَها بِرِقَّةٍ، وَنَطَقَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى أَعْمَاقِهِ:
ــ سيدي دَانِييل… أَلَا تَرَى أَنَّ الحَيَاةَ لَا تَزَالُ تَتَحَرَّكُ، وَأَنَّ نُورًا صَغِيرًا يَمْكِنُ أَنْ يُشْرِقَ فِي قَلْبِكَ؟ أَنَا هُنَا، وَهُوَ هُنَا، لِنَبْنِي مَعًا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ.
أَطَالَ دَانِييلُ نَظَرَهُ إِلَيْهَا، وَشَعَرَ بِتَلاطُمِ المَشَاعِرِ فِي صَمْتِهِ: حُزْنٌ عميقٌ لا يزول، أَمَلٌ صَافٍ يَتَسَلَّلُ ببطءٍ، شجعَه لِمُوَاجَهَةِ ما بَقِيَ. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَتَنَفَّسَ عَمِيقًا، كَمَنْ يَقْبَلُ أَنَّهُ، رَغْمَ فَقْدِه، لا يَزَال يُمْكِنُهُ أَنْ يُحِبَّ، أَنْ يَفْرَحَ، وَأَنْ يُعِيدَ تَعْرِيفَ حَيَاتِهِ بِحَسْنٍ وَوُدٍّ.
فَانْحَنَى نَحْوَ الطِّفْلِ، وَعَيْنَاهُ تَتَأَمَّلَانِ بِحُبٍّ وَحِمَايَةٍ، وَشَعَرَ أَنَّ فَاطِمَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ رَاعِيَةً لَهُ وَلِلطِّفْلِ، بَلْ جِسْرًا يُوَصِلُهُ إِلَى الحَيَاةِ مِنْ جَدِيدٍ، وَإِلَى أَمَلٍ يَنْتَظِرُهُ بِصَمْتٍ وَرِعَايَةٍ.

فِي صَبَاحٍ مُشرِقٍ، بَعْدَ أَن تَنَفَّسَ دَانِييلُ هَوَاءَ الصَّحْوِ وَتَلَذَّذَ بِصَمْتِ الْفُجْرِ، اجْتَمَعَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ الْقُدَامَى فِي الْمِينَاءِ، قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ السُّفُنُ مَحَطَّتَهَا. كَانَت الوجوهُ المألوفةُ تَحْمِلُ بَعْضَ الذِّكْرَيَاتِ، وَكَانَ فِي صَمْتِهَا صَدى الْأَيَّامِ الَّتِي مَضَتْ، بَيْنَ ضَحِكَاتٍ وَهَمْسَاتٍ وَمُحَاولَاتٍ لِتَخْطِيطِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَفِي كُلِّ كَلِمَةٍ يَمْلِي بِهَا دَانِييلُ عَلَى شُرَكَائِهِ وَعُمَّالِهِ، كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يُنَسِّقَ الْأَفْعَالَ وَيُشْرِفَ عَلَى الْخُطَطِ بِحِرْصٍ، وَهُوَ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ أَوْجَاعَ الْفَقْدِ وَخَفَقَاتِ الأَمَلِ الَّتِي أَنارَتْهَا رِعَايَةُ فَاطِمَةَ.
تَجَرَّأَ أَحَدُ أَصْدِقَائِهِ، يُوهَان شْمِيت، بَعْدَ أَنْ لاحَظَ كَيْفَ أَنَّ دَانِييلَ يَتَمَسَّكُ بِرَوتِينِهُ وَبِالْخُطَطِ لِيَصْنَعَ لِنَفْسِهِ أُسْوَةً وَحِصْنًا مِنَ الْأَمَانِ:
ــ دَانِييل… هَلْ لَمَحْتَ أَنَّ فَاطِمَةَ، بِكُلِّ هُدُوئِهَا وَاهْتِمَامِهَا، تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ رَاعِيَةٍ لِلطِّفْلِ؟
أَلَا تَشْعُرُ أَنَّهَا تُرَسِّخُ فِي نَفْسِكَ أَمَلًا وَثِقَةً بِالْحَيَاةِ؟
تَرَكَ دَانِييلُ الحوارَ لِثَانِيَةٍ، وَأَحَسَّ بِوَخْزَةٍ غَامِرَةٍ مِنَ الْحُبِّ وَالاحْتِرَامِ. كَانَ يُدَاوِلُ فِي نَفْسِهِ:
ـ هَلْ يَحْقُّ لِي أَنْ أُعْطِيَ قَلْبِي وَقْتًا لِـمَنْ صَانَ حَيَاتِي بِلُطْفِهَا وَرِعَايَتِهَا؟ أَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ أَفْرَحَ مَعَ مَنْ يُشْرِكُنِي فِي بدَايَةٍ جَدِيدَةٍ؟
وَبَيْنَمَا عَادَ يَمْلِي الْخُطَطَ وَيَسْتَمِعُ إِلَى مُلاحظاتِ أَصْدِقَائِهِ، شَعَرَ بِتَجَدُّدِ النَّبضِ فِي صَدْرِهِ، وَأَنَّ صَغِيرَهُ وَفَاطِمَةَ هُمَا جِسْرُهُ إِلَى الحَيَاةِ، وَأَنَّ الْأَمَلَ وَالْحُبَّ قَدْ يَنْتَظِرَانِهُ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ سيَتَّخِذُهَا.
ذاتَ مساءٍ دافِئٍ في وهرانَ، عندَ مصبِّ نهرٍ صَغيرٍ يَنْحَدِرُ من جَبَلِ “مَرْجاجو”، ويُعانقُ الميناءَ العُثمانيَّ، غابَتِ الشَّمسُ خلفَ سُحُبٍ فِضِّيَّةٍ، وغَنّى البَحرُ وداعَ النَّهارِ بصوتٍ كأنه همسُ ذكرياتٍ عَابِرةٍ.
قُرْبَ حانَةِ “المَرْسَى القَديم”، ذاتِ السَّقْفِ الوَاطِئِ والأخشابِ المُتآكِلَةِ، تَجلِسُ وُجوهٌ كَأَنَّها خُطّت في كتابٍ قديمٍ؛ تُحيطُ بـ”دانييل”، الجالِسِ في الزّاويَةِ، والسَّكينَةُ تُغلِفُ كَتِفيه كعِباءةٍ مُبلَّلَةٍ بالمَطرِ، وَعَيْناهُ تَسْتَحِلُّ صَمْتَ الماضِي.
تُرسِلُ الحانَةُ رائِحَةَ تَبْغٍ مُعتَّقٍ، مَمْزوجَةً بالقَهوَةِ المُحَمَّصَةِ وماءِ البَحرِ، كأنَّها تُنَبِّهُه إلى حياةٍ لم تزل حيّةً بينَ الأصوات والروائح.
في البعيدِ، كانتِ السُّفُنُ تحني أشرِعَتَها، كَمَن يَنْحَنِي لِذِكرياتٍ لم تَأتِ بَعْدُ، وتُهمِسُ للأفقِ بأنَّ الغيابَ ليس النهاية.
أَغْمَضَ “دانييل” عَينَيْهِ بِبُطْءِ، كَمَن يصغي لِصوتٍ لا يُقالُ، وهمسَ، كَمَن يُحادثُ روحًا مَاضِيَةً:
ــ “آنا كانت تقولُ: المرافئُ لا تُغلقُ أبوابَها لمن عادَ…”
فتَحَ عَينَيْهِ، وفي النظرةِ اللاحقة، بَرَقَتِ ابتسامةٌ خَجولَةٌ تُقاوِمُ الحزنَ ولا تُنكرُهُ، وكأنَّ القلبَ يَجربُ تَذوُّقَ الأملِ بعد طولِ الانكسار.
قالَ يُوهَان شْمِيت كَمَن يُقنِعُ قلبَهُ قَبْلَ أن يُقنِعَ الآخرينَ:
ــ “فلنُبحِر إذًا… إلى مرافئِها، ومرافئي، ومرافئَ لا تزالُ في الخيالِ.”
كانَ الليلُ التالي يُخفتُ أنوارَهُ على رَصيفٍ خشبيٍّ يمتدُّ على شاطئِ البحر، حينَ أشارتْ “الميرا” بصمتٍ إلى سفينةٍ صغيرةٍ تقتربُ من الأفق.
“دانييل” يَستعدُّ، و”فاطِمَةُ” تَحمِلُ طِفلًا نائِمًا بِسَلامٍ، يَتَنفَّسُ كما تَتَنفَّسُ الأغنيةُ في نهايةِ الحُلْم، وكلُّ لحظةٍ تمتلئ بالهدوءِ والدفءِ، تهمسُ له بأنَّ الحياة، رغم كلِّ فقد، ما تزالُ تُشرقُ في تفاصيلِها البسيطة.

الأَصدِقاءُ مِن حَولِه: “فريتز”، “إيميل”، “مارتن”، “أوتو”، وَ”يُوهان”.
كَانَتْ “فاطِمَةُ” جالِسَةً إِلَى جانِبِهِ، تُطوِّقُ كَفَّ الصَّغيرِ بَينَ يَدَيْها، كَمَن يُمسِكُ بِقارورةِ عِطرٍ مُهَدَّدَةٍ بِالانْكسارِ، وَكَأَنَّها تَحميهَا مِن كُلِّ رياحٍ عاتية.
عَيْناها لا تُفارِقُ وَجهَهُ، وَفي ابْتِسامتِها دَفءٌ يُذيبُ صَلابَةَ الكَلِماتِ، كأنَّها تقول له من دونِ كلمات: “هنا أنا، لا تقلق، سأبقى.”
ثُمَّ، بِدُونِ أَنْ تَرِفَّ جُفونُها، انْهَمَرَتْ دُمُوعُها، لَيْسَ كَمَن يَبكي حُزنًا، بَلْ كَمَن يُقاتِلُ الفَقْدَ بِأَسنانِهِ، وَكَأَنَّهَا ترفُضُ أَنْ تُفْلِتَهُ، لا بِجَسدٍ وَلا بِقَدَرٍ.
تَنَهَّدَتْ، وَأطْرَقَت رَأْسَها، كَمَن يَبْحَثُ عَنْ ظِلِّهَا عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قالتْ بِصوتٍ خافِتٍ يَشْتَعِلُ فِي صَمْتِ الغُرفة:
ــ “انْتَبِهْ إِلَى الصَّغيرِ… لَم أُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ بَعْدُ.”
تَرَدَّدَ “دانييل” لِلثَّوانِي، كَمَن يَتَأمَّلُ مسارَ الريحِ، ثُمَّ تَمْتَمَ بِصوتٍ مُتَكسِرٍ بَيْنَ الصَّدْرِ وَالحَنَجَرَةِ:
ــ “هَلْ… هَلْ تَبْقَيْنَ مَعَهُ؟”
رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ، وَفِي عَيْنَيْها تَرَدُّدٌ يُشْبِهُ ارْتِجافَ نافِذَةٍ أَمامَ الرّيحِ، وَتَسَاءَلَتْ بِصَمتٍ: هل يَستوعب قَلْبِي هذا الصمتَ العميق؟
فهمَسَتْ بِحَنِيَّةٍ وَوَقار:
ــ “لا أَسْتَطيعُ… لا أَسْتَطيعُ أَنْ أَترُكَهُ، وَأيضًا لا أَسْتَطيعُ أَنْ أُغادِرَ.”
رَفَعَ “دانييل” نَظَرَهُ إِلَيْها بِبُطءٍ، كَمَن يَصْعَدُ مِن قاعِ حُزنٍ ثَقيلٍ، وَصَمتَ لِلثَّوانِي، ثُمَّ سَألَ:
ــ “ماذا تَعْنِين؟”
أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا، وَتَرَدَّدتْ كَموجةٍ تَضْرِبُ صخورَ الشاطئ، فَخَرَجَ صَوْتُها مَزِيجًا بَيْنَ خَجَلٍ وَتَمَرُّدٍ مَكْبُوتٍ:
ــ “أَهْلِي… عَائِلَتِي لَا تَقْبَلُ أَنْ أُسَافِرَ مَعَكَ، وَلَا أَنْ أَعِيشَ وَحْدِي فِي بَلَدٍ غَرِيبٍ مَعَ شَخْصٍ غَرِيبٍ.
أَنَا لَسْتُ مُلْتَزِمَةً كَأُخْتِي، وَلَكِنِّي لَا أَجْرُؤُ عَلَى كَسْرِ قَوَاعِدِهِمْ.
أَنَا وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ، حَتَّى وَإِنْ بَدَوْتُ مُخْتَلِفَةً.”
أَدَارَ وَجْهَهُ بَعِيدًا، كَمَنْ يُخْفِي غُصَّةً ثَقِيلَةً تَحْتَ رِأسِهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ كَالْحَصَى فِي الحَلْقِ:
ــ “وَلَكِنَّهُ أَصْبَحَ كَطِفْلِكِ… يَحْتَاجُكِ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ دَامِعَتَيْنِ، وَقَالَتْ بِلَطَافَةٍ وَحُزْنٍ:
ــ “وَأَنَا أَحْتَاجُهُ…
لَكِنَّ حَاجَتِي لَهُ لَا تَهْزِمُ خَوْفِي مِنْ كَسْرِ البَابِ الوَحِيدِ الَّذِي أَعْرِفُهُ.
أَنَا مُقَيَّدَةٌ بِخَيْطٍ لَا يُرَى…
وَلَكِنَّهُ يَشُدُّنِي فِي كُلِّ خُطْوَةٍ.”
ثُمَّ سَكَتَتْ، وَفِي صَمْتِها كانَتْ كُلُّ هَمْسَةٍ لَهُ رسالةً، وَرَفَعَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوَهُ كَمَنْ يَسْأَلُ مِنْ وَرَاءِ نَافِذَةٍ مُغْلَقَةٍ:
ــ “هَلْ تَفْهَمُ هَذَا؟”
لَمْ يُجِبْ. أَدَارَ وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ، وَتَرَكَ الكَلِمَاتِ تَتَسَاقَطُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ كَأَنَّهَا خَوفٌ لا يُرِيدُ أَنْ يُسْمَعَ:
ــ “أُحَاوِلُ…”
وفي صمت الغرفة، كان كلُّ منهما يَسْمَعُ صَدَى قلب الآخر، وَيتَساءَل: هل يَكفي هذا الارتباطُ الصامتُ ليُعيدنا إلى حياةٍ مشتركة، أم أن الفقدَ ما زال يَسكن بيننا؟

فِي لَحْظَةِ صَمْتٍ ثَقِيلَةٍ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِوَى صَوْتِ الهَوَاءِ يَزْحَفُ مِنَ المَرْكَبِ القَادِمِ، وَتَرَنَّحَتِ المَوَاجُ بِخُفْتٍ عَلَى الرَّصِيفِ، تَحْمِلُ رَائِحَةَ المِلحِ وَرَذَاذِ البَحرِ.
تَحَرَّكَ الصَّغِيرُ فَجْأَةً كَأَنَّهُ الِتَقَطَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِمَا لَمْ يُقَلْ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ بِعَيْنَيْنِ وَاسِعَتَيْنِ، فِيهِمَا خَوْفُ كَائِنٍ صَغِيرٍ يَشْعُرُ بِالخَطَرِ وَحَذَرٌ مِنَ المَجهُولِ.
مَشَى نَحْوَ “فَاطِمَةَ” بِخُطًى مُتَعَثِّرَةٍ، ثُمَّ التَصَقَ بِسَاقِهَا، وَالْتَفَّ حَوْلَهَا بِذِرَاعَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ كَمَنْ يَسْعَى لِلاِحْتِفَاظِ بِأَمَانٍ وَاحِدٍ فِي عَالَمٍ مُتَشَظٍّ.
رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا وَهَمَسَ بِصَوْتٍ طُفُولِيٍّ، يَحْمِلُ نَغَمَةَ التَّعَلُّقِ وَالاعْتِمَادِ:
ــ “لَا تَذْهَبِي.”
تَجَمَّدَتْ فَاطِمَةُ فِي مَكَانِهَا، كَأَنَّ جَسَدَهَا تَحَوَّلَ إِلَى حَجَرٍ طَرِيٍّ يَتَشَظّى بِطَيَّاتِ الشعُورِ، مَدَّتْ يَدَهَا تَمْسَحُ شَعْرَهُ بِبُطْءٍ، وَالدُّمُوعُ تَتَسَاقَطُ صَامِتَةً كَأَنَّهَا نَبْعٌ يَخْرُجُ مِنْ صَمْتِ قَلْبٍ.
قالَ الصَّغِيرُ مِنْ جَدِيدٍ، بِصَوْتٍ طُفُولِيٍّ لَمْ تَسَعْهُ مُفْرَدَاتُهُ لِلْحُزْنِ:
ــ “أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَبْقَى إِلَى جَانِبِكِ.”
أَرَادَتْ أَنْ تُجِيبَهُ، تُطَمْئِنَهُ، تُخْبِرَهُ أَنَّ النَّوْمَ مُمْكِنٌ حَتَّى فِي الغِيَابِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَجِدِ الكَلِمَاتِ، لَمْ تَجِدْ سِوَى يَدِهَا تُطَوِّقُهُ، وَتَضْغَطُ عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَغْرِسَهُ فِي صَدْرِهَا إِلَى الأَبَدِ.
أَمَّا “دَانِيِيل”، فَكَانَ يَقِفُ عَلَى بُعْدٍ، يُرَاقِبُهُمَا بِصَمْتٍ، يَشْعُرُ بِخَوْفٍ مِنَ التَّدَخُّلِ، وَيَتَسَاءَلُ فِي صَمْتِهِ: هل أستطيع أن أَكُونَ السَّاكِنَ اللَّطِيفَ بَيْنَ هذين العالمين؟ أم أنني سَأُخْذِلُ كُلَّ وَعْدٍ صَامِتٍ؟
وفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكَ أَنَّ هذا الحُبَّ الثُّلاثِيَّ، بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَطِفْلٍ، لَا يَعْلَمُ مَنْ أَيْنَ جَاءَ، لَا يَخْتَزِلُهُ الزَّمَانُ وَلا المَسَافَةُ. كان حُبًّا مَرِنًا كالماءِ، قَدْ يُنقِذُ أو يُغرِقُ.
اِقْتَرَبَ دَانِيِيل بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ، رَكَعَ إِلَى جَانِبِهِمَا، وَوَضَعَ يَدَهُ بِرِفْقٍ عَلَى كَتِفِ الصَّغِيرِ، وَقالَ لَهُ بِحَنَانٍ يُخْفِي انْكَسَارَهُ:
ــ “سَأَكُونُ مَعَكَ… لَا تَخَفْ.”
وَلَكِنَّ الصَّغِيرَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ. ظَلَّ مُتَمَسِّكًا بِفَاطِمَةَ، كَأَنَّها الْحَبْلُ الْوَحِيدُ الْمُتَبَقِّي فِي سَفِينَةٍ تَغْرِقُ، وَكَأَنَّها وَحْدَهَا لديها القُدْرَةُ عَلَى تغذيةِ أَوْرَاقِهَا.
كَانَ دَانِييل يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ، أَنْ يُنْهِى تِلْكَ المَسْرَحِيَّةَ الْمُؤْلِمَةَ بِخُطْوَةٍ حَازِمَةٍ تُجَاهِلُ الْمَاضِي، حِينَ شَعَرَ بِأَصَابِعَ صَغِيرَةٍ تَلْمِسُ طَرَفَ قَمِيصِهِ.
رَفَعَ نَظَرَهُ بِبُطءٍ، فَرَأَى الصَّغِيرَ قَدْ أَدَارَ نِصْفَ جَسَدِهِ نَحْوَهُ، وَهُوَ مُمْسِكٌ بِفَاطِمَةَ، وَحِينها أَدْرَكَ دَانِييل أنَّ الرَّجاءَ وَالثِّقَةَ يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ بِكلمةٍ صامتةٍ وَنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
هَمَسَ الصَّغِيرُ بِعَيْنَيْنِ تَائِهَتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَسْأَلُ الْعَالَمَ بِكُلِّ طُفُولَتِهِ:
ــ “لَا تَذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا.”
وفي صمتها، شعرت فاطمة بأن قلبها يَخْلِقُ عالمًا صغيرًا، حيث يمكن للجميع أن يَكُونُوا قريبين من بعضهم، رغم كل الخوف والغموض.
شَعَرَ «دَانِيِيل» بِشَيْءٍ يَنْكَسِرُ فِي صَدْرِهِ، لَيْسَ حُزْنًا فَقَطْ، بَلْ كَأَنَّهُ ذَاكَ ٱلْبُرْجُ ٱلصَّخْرِيُّ ٱلَّذِي شَيَّدَهُ فِي دَاخِلِهِ لِيَحْتَمِيَ مِنَ ٱلْحَنَانِ، قَدْ تَهَدَّمَ فَجْأَةً، وَتَسَلَّلَ مِنْ خِلَالِ شُقُوقِهِ دِفْءٌ كَانَ نَسِيَ شَكْلَهُ.
حَدَّقَ فِي ٱلصَّغِيرِ طَوِيلًا، كَأَنَّهُ يَرَى فِيهِ مَرْآةً لِمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَهُ، ثُمَّ نَقَلَ نَظَرَهُ إِلَى «فَاطِمَةَ»… كَانَتْ تُرَاقِبُهُ بِعَيْنَيْنِ يَتَجَاذَبُهُمَا ٱلرَّجَاءُ وَٱلْخَوْفُ، وَشَفَتَاهَا تَرْتَجِفَانِ، لَا مِنْ بُكَاءٍ، بَلْ مِنْ صَدْمَةِ كَسْرِ ذَلِكَ ٱلصَّمْتِ ٱلْطَوِيلِ ٱلَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا.
كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا، أَنْ تَكْسِرَ هُوَةَ ٱلتَّرَقُّبِ، لَكِنَّ ٱلْكَلِمَاتِ تَثْقُلُ عَلَى لِسَانِهَا كَأَنَّهَا حِجَارَةٌ.
وَبِصَوْتٍ خَافِتٍ، مُتَهَدِّجٍ كَنَبْضٍ يُحَاوِلُ ٱلْحَيَاةَ، سَأَلَتْهُ:
«هَلْ سَمِعَ كُلَّ شَيْءٍ؟»
أَطَالَ «دَانِيِيل» ٱلنَّظَرَ فِي ٱلطِّفْلِ، ثُمَّ هَزَّ رَأْسَهُ بِلُطْفٍ، وَقَالَ وَٱلْكَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْهُ كَٱعْتِرَافٍ:
«لَا أَعْلَمُ… وَلَكِنَّهُ فَهِمَ.»
غَاصَتِ ٱلْكَلِمَاتُ بَيْنَهُمَا كَحَجَرٍ سَقَطَ فِي بِئْرٍ قَدِيمٍ، وَسَادَ سُكُونٌ غَرِيبٌ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَصْوَاتًا لِمَا لَمْ يُقَلْ.
ثُمَّ نَهَضَ «دَانِيِيل» بَغْتَةً، كَمَنْ يُحَاوِلُ ٱلْفِرَارَ مِنْ نَفْسِهِ، وَخَطَا نَحْوَ ٱلنَّافِذَةِ ٱلْمُطِلَّةِ عَلَى ٱلْبَحْرِ.
كَانَ ٱلْغَيْمُ مُتَكَاثِفًا، وَٱلرِّيحُ تَهْمِسُ بِأَصْوَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ، كَأَنَّهَا تَنْقُلُ إِلَيْهِ رِسَالَةً مِنْ بَعِيدٍ.
هَلْ كَانَ يَهْرُبُ؟ أَمْ كَانَ يَعُودُ؟
سَأَلَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يُجِبْ.
قَالَ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِمَا، وَصَوْتُهُ يَتَرَجَّحُ بَيْنَ ٱلتَّصْمِيمِ وَٱلتَّوَجُّسِ:
«رُبَّمَا… لَا أُغَادِرُ هَذَا ٱلْمَسَاءَ.»
ٱرْتَجَفَ قَلْبُ «فَاطِمَةَ» فِي صَدْرِهَا، كَطَائِرٍ صَغِيرٍ سُمِحَ لَهُ أَنْ يُحَلِّقَ بَعْدَ سِجْنٍ طَوِيلٍ.
تَلَاوَنَ وَجْهُهَا بَيْنَ دَهْشَةٍ وَرَجَاءٍ وَخَوْفٍ، وَنَطَقَتْ بِصَوْتٍ مُتَقَطِّعٍ:
«مَاذَا؟»
ٱسْتَدَارَ إِلَيْهَا ببطءٍ، وَفِي عَيْنَيْهِ غَوْرٌ بَعِيدٌ كَبَحْرٍ يَتَفَتَّحُ فِي ٱلْعَتْمَةِ، وَفِيهِمَا بَرِيقُ حَيَاةٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ قَلِيلٍ.
قَالَ:
«سَأَبْقَى يَوْمًا آخَرَ… وَرُبَّمَا أَكْثَرَ. لَا لِأَجْلِكِ فَقَطْ، بَلْ لِأَجْلِهِ. لِأَجْلِ كُلِّ مَا لَمْ أَقُلْهُ وَلَمْ أَفْعَلْهُ.»
ثُمَّ تَقَدَّمَ خُطُوَاتٍ، وَجَثَا أَمَامَ ٱلصَّغِيرِ، كَمَنْ يَسْتَغْفِرُ زَمَنًا ضَاعَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَى صَدْرِهِ ٱلصَّغِيرِ، وَهَمَسَ بِصَوْتٍ تَخْتَلِطُ فِيهِ ٱلرِّقَّةُ بِٱلْعَزْمِ:
«لَنْ أَتْرُكَكَ… حَتَّى نَجِدَ ٱلطَّرِيقَ.»
وَفِي عَيْنَيْ «فَاطِمَةَ» لَمَعَ دَمْعٌ لَمْ يَسْقُطْ، بَلْ بَقِيَ مُعَلَّقًا كَنَبْضٍ يَخَافُ أَنْ يَنْكَسِرَ، كَأَنَّ ٱلْحَيَاةَ نَفْسَهَا وَقَفَتْ عَلَى ٱلْحَدِّ بَيْنَ ٱلرَّحِيلِ وَٱلْبَقَاءِ.
وَتَسَاءَلَتْ فِي دَاخِلِهَا، وَصَوْتُهَا ٱلصَّامِتُ يَرْتَدُّ عَلَيْهَا كَصَدًى:
«هَلْ كَانَ هَذَا ٱلِاعْتِرَافَ ٱلَّذِي ٱنْتَظَرْتُهُ؟ أَمْ بَدَايَةَ حِكَايَةٍ جَدِيدَةٍ كَتَبَ ٱلْقَدَرُ سُطُورَهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُكْمِلَهَا؟»

رَفَعَتْ فَاطِمَةُ يَدَهَا إِلَى فَمِهَا، تَخْنُقُ شَهْقَةً غَلَبَتْهَا. شَعَرَتْ كَأَنَّ ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ ٱنْكَمَشَ فِي هَذِهِ ٱلْغُرْفَةِ ٱلصَّغِيرَةِ، حَيْثُ لَا وَجُودَ لِلْوَطَنِ، وَلَا لِلْعَائِلَةِ، وَلَا لِلْخَوْفِ، بَلْ فَقَطْ لِثَلَاثَةِ قُلُوبٍ تُعَادُ صِيَاغَتُهَا بِصَمْتٍ… عَلَى مَهْلٍ، وَلَكِنْ بِصِدْقٍ.
ثُمَّ تَرَنَّحَ صَوْتُ فْرِيتْز بُومَانَ فِي زَاوِيَةِ ٱلْمَشْهَدِ، عَمِيقًا كَنَغْمَةٍ نَسِيَهَا ٱلزَّمَنُ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى ٱلسَّفِينَةِ:
” هَذَا مَرْكَبُنَا، لَيْسَ فَخْمًا وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ ذِكْرَى كُلِّ مِينَاءٍ زُرْنَاهُ… تَعَالَ أَنْتَ وَٱبْنُكَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ ٱلْبُكَاءَ لَيْسَ جُرْحًا، بَلْ جِسْرًا بَيْنَ ٱلْحُزْنِ وَٱلْأَمَلِ.”
نَهَضَ دَانِيِيل، وَرَبَتَ بِلُطْفٍ عَلَى كَتِفِ ٱبْنِهِ، ثُمَّ هَمَسَ وَفِي صَوْتِهِ نَبْرَةُ غُرُوبٍ طَوِيلٍ:
” أَرَاكِ يَا صَغِيرِي… فِي عَيْنَيْكَ تَطَالِعُنِي كَلِمَاتُهَا ٱلْمَنْسِيَّةُ. ٱلْيَوْمَ، سَتُشَاهِدُ مَا بَقِيَ مِنْ حُبِّهَا.”
ٱبْتَسَمَ إِيمِيل مَايَر، وَغَمَزَ كَمَنْ يُخْفِي مَفَاجَأَةً فِي جَيْبِهِ:
” وَسَنُعِيدُ لِٱسْمِ آنا صَدَاهَا… لَيْسَ فِي مِرْفَإِ وَهْرَانَ فَقَطْ، بَلْ فِي كُلِّ مِينَاءٍ نَقْتَرِبُ مِنْهُ.”
وَاقْتَرَبَ أَحَدُهُمْ مِن “دانييل” وَهَمَسَ لَهُ بِشَيْءٍ.
وحينَ انْتَهى الرَّجُلُ مِنْ حديثِهِ عن قَراصِنَةِ البَربَرِ في عامِ ألفٍ وسَبعِمِئةٍ وخَمسٍ وتِسعين، وَعن “رايس حَميدو”، وَعن سُفُنٍ أُسِرَتْ، وَعَبيدٍ سِيقوا إلى السَّواحِلِ، ظَلَّ “دانييل” صامِتًا، يُقَلِّبُ الكَأْسَ الخَشَبِيَّ في يَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقيسُ الزَّمَنَ مِن خِلالِ مَلمَسِهِ، أَو كَأَنَّهُ يَتَحَسَّسُ جُرحًا قَديمًا في ذاكرةِ المَوجِ؛
فَقد طالَ عَهْدُهُ بِاليابِسَةِ، وَلا يَدري ما الَّذي كانَ يَحصُلُ في البَحرِ…
ثمّ همس، لا إلى محدّثه فقط، بل إلى الفراغ الذي امتلأ فجأةً بمِلحِ البَحرِ وقصصِ الغرقى:
” أحيانًا أظنّ أنّ التاريخَ لا يمضي… بل يتحوّلُ إلى ملحٍ في الدّم، لا تراه، لكنّه يُغيّر طَعمَ كلّ شيء.”
تقدّم إليه صاحبُ الخبر، وقال بنبرةٍ تحليلية:
” تخيّل… كانوا يُمنَحون تراخيص رسميّة للقرصنة، يسمّونها خصّاصين، لا قراصنة. القانونُ كان على مَقاسِ الغنيمة.”
ابتسم “دانييل”، تلك الابتسامة التي تشبه شرخًا في مرآةِ مَرفأٍ مهجورٍ، وقال:
” الظّلمُ، حين يُكتَبُ على ورقةٍ رسميّة، يُصبِحُ محترمًا… لكنَّه لا يتغيّر. يظلُّ ظُلمًا، ولو باركَتهُ الأختامُ.”
ثمّ أضاف، وكأنّه يرى أطيافًا على صفحة نافذةٍ تطلّ على بحرٍ لا ينام:
” أتُدرِك؟ كانوا يُهاجمون السّفنَ الغريبة… ونحنُ الآن، نُهاجم ذكرياتِنا.
لا فارق كبير… سوى أنَّ البحرَ أرحمُ من بعضِ العقول.”
ثُمَّ قالَ، وهو يُحاوِلُ أن يُبقي نبرَتَهُ حياديَّةً:
” تِلكَ الرِّحلَةُ… حِيْنَ مَرَّتْ سُفُنُنَا بِسَواحِلِ طَرابُلُسَ في صَيفِ خمسٍ وتِسعين… دونَ أَنْ تُـمَسَّ، بَينَما سُحِبَتْ غَيرُها إلى الأَسْرِ… كَيفَ؟”
لَم يُجِبْ “دانييل” في الحالِ، بَل أَدارَ الكَأسَ الخَشَبِيَّ بيْنَ يَدَيْهِ، كَأَنَّهُ يَقرَأُ عَلَيهِ كِتابَةً لا تُرَى. ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، وَبِصَوْتِهِ المُتَهَدِّجِ المَألوفِ، قالَ:
” في بَعضِ البِحارِ، لا يَكْفِي أَنْ تَكونَ بَرِيئًا… بَل يَجِبُ أَنْ تَدْفَعَ ثَمَنَ بَراءَتِكَ مُسْبَقًا.”
تَبادَلَ الحُضورُ نَظَراتٍ صامِتَةً، لَم يَسأَلْهُ أَحَدٌ: ” كَم دَفَعْتَ؟” وَلا ” لِمَنْ؟”، وَلٰكِنَّ السُّؤالَ أَقامَ بيْنَهُم، يُحاوِرُهُم مِنْ غَيرِ صَوْتٍ.
اقْتَرَبَ “مارْيُوس” قَليلًا، وَهَمَسَ:
” وَلٰكِنَّكَ لَم تَفْقِدْ سَفِينَةً مِنْ سُفُنِكَ…”
فَأَجَابَهُ “دانييل” دُونَ أَنْ يَنظُرَ إلَيْهِ:
” رُبَّما لأَنِّي فَقَدْتُ أَشْياءَ أَعمَقَ مِنْها.”
ثُمَّ نَظَرَ إلى المَدى البَعيدِ، كَأَنَّما يُحَدِّقُ في مِدفَأَةٍ خَبَتْ جَمْرَتُها شَيئًا فَشَيئًا، وَقالَ كَأَنَّهُ يُحادِثُ الجَمْرَ:
” كُلُّ عَهدٍ لَهُ قُرْصانُهُ، وَلَهُ أَيْضًا حاكِمُهُ الَّذي يُجِيزُ القَرْصَنَةَ بِاسمِ الدَّوْلَةِ، وَيَدْعُوها شَجاعَةً، أَوِ اقْتِصادًا، أَوْ دينًا… لا فَرْقَ.”
تَقَدَّمُوا نَحْوَ ٱلسَّفِينَةِ بِهُدُوءٍ، وَٱلْبَحَّارَةُ يُنَادُونَهُمْ لِلصُّعُودِ: دَانِيِيل، وَٱبْنُهُ، وَفَاطِمَة.
سَادَ شَيْئٌ مِثْلُ ٱلصَّمْتِ, لَيْسَ صَمْتَاً عَامَاً, بل هُوَ الهُدُوءُ بَعْدَ أَنْ ٱنْطَفَأَتْ دَمْعَةُ فَاطِمَةَ فِي رَاحَةِ يَدِهَا، كَأَنَّ ٱلْعَالَمَ وَقَفَ لِلْوَقْفِ، حَتَّى تَنَفَّسَ بِحَذَرٍ فِي تِلْكَ ٱلْفُسْحَةِ ٱلصَّغِيرَةِ. ٱلطِّفْلُ مَا زَالَ مُلْتَصِقًا بِهَا، يَحْتَضِنُ سَاقَهَا كَأَنَّهُ يُعَانِقُ ٱلْأَرْضَ كُلَّهَا، وَعَيْنَاهُ تَشْتَرِئَانِ نَحْوَ وَجْهِهَا ٱلْمُرْتَبِكِ، كَأَنَّهُ يَسْتَجْدِي ٱلطُّمَأْنِينَةَ فِي عَيْنَيْنِ لَا تَعْرِفَانِهَا.
وَقَفَ دَانِيِيلُ مُتَصَلِّبًا قُرْبَ ٱلنَّافِذَةِ، يُحَدِّقُ فِي ٱلسَّفِينَةِ ٱلَّتِي تَسْتَعِدُّ لِلْإِبْحَارِ. تَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ أَصْوَاتُ ٱلْبَحَّارَةِ مُتَقَطِّعَةً، كَأَنَّهَا تَأْتِي مِنْ ضِفَّةٍ أُخْرَى فِي مَمَرِّ ٱلزَّمَنِ.
مَدَّ فْرِيتْسُ يَدَهُ نَحْوَ سَاعَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ نَحْوَ ٱلْمِينَاءِ وَقَالَ: ” عَلَيْنَا أَنْ نَتَحَرَّكَ.”
لَكِنَّ دَانِيِيلَ لَمْ يُحَرِّكْ سَاكِنًا، وَلَمْ يُلْتَفِتْ حَتَّى. جَاءَ صَوْتُهُ خَافِتًا، لَكِنَّهُ قَاطِعٌ: ” لَنْ نُسَافِرَ ٱلْيَوْمَ.”
ٱلْتَفَتَ ٱلْجَمِيعُ نَحْوَهُ، وَحَتَّى ٱلطِّفْلُ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحَدَّقَ بِذُهُولٍ، كَأَنَّهُ سَمِعَ كَلِمَةً نَادِرَةً مِنْ زَمَنٍ مَنَسِيٍّ.
فَاطِمَةُ، وَقَدْ خَنَقَهَا ٱلْمَوْقِفُ، هَمَسَتْ بِصَوْتٍ كَٱلرِّقَّةِ غَيْرِ ٱلْمُدْرَكَ: ” وَلَكِنَّ ٱلسَّفِينَةَ… وَٱلْمَوْعِدَ… وَكُلَّ شَيْءٍ…”
قَالَ دَانِيِيلُ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ مَا هُوَ أَعْمَقُ مِنَ ٱلْمَوَاعِيدِ: ” كُلُّ شَيْءٍ… تَغَيَّرَ فِي هَذِهِ ٱللَّحْظَةِ.”
ٱقْتَرَبَ مِنَ ٱلطِّفْلِ، وَجَثَا إِلَى مُسْتَوَاهُ، وَرَبَتَ عَلَى كَتِفِهِ: ” لَنْ نُغَادِرَ دُونَ وَدَاعٍ يَلِيقُ بِكَ، وَلَنْ نَتْرُكَ مَنْ يُحِبُّكَ دُونَ أَنْ نُحِبَّهُ لِأَجْلِكَ.”
ثُمَّ نَهَضَ وَنَظَرَ إِلَى فْرِيتْسَ: ” أَرْجِئِ ٱلْإِبْحَارَ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَقَطْ يَوْمٌ وَاحِدٌ. أُرِيدُ أَنْ أُبْحِرَ دُونَ خوفٍ أو حزن يشوبُ قَلْبَ طِفلِي.”
أَوْمَأَ فْرِيتْسُ، وَقَدْ خَفَّتْ ٱبْتِسَامَتُهُ، وَلَمْ يُعَلِّقْ، بَلْ نَظَرَ إِلَى إِيمِيلَ وَقَالَ: ” ٱلرِّحْلَاتُ ٱلَّتِي تُؤَجَّلُ بِسَبَبِ ٱلْأَطْفَالِ، غَالِبًا مَا تَكُونُ ٱلْأَجْمَلَ.”
فَاطِمَةُ لَمْ تَقُلْ شَيْئًا، وَلَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِأَنَّ ٱلْأَرْضَ ٱلَّتِي كَانَتْ تَضِيقُ بِهَا، قَدِ ٱتَّسَعَتْ فَجْأَةً. لَمْ تُشِرْ، لَمْ تَطْلُبْ، وَلَمْ تُبَادِرْ، وَلَكِنَّ ٱلْعَالَمَ تَحَرَّكَ نَحْوَهَا، عَلَى مَهْلٍ، لِيَقُولَ: ” مَا تَخَافِينَ أَنْ تَخْسَرِيهِ، قَدْ يُمْنَحُ لَكِ إِذَا صَدَقْتِ ٱلْحُضُورَ.”
جَلَسَ دَانِيِيلُ عَلَى طَرَفِ ٱلْمَقْعَدِ، وَنَظَرَ إِلَى ٱلطِّفْلِ، وَقَالَ: ” سَنَقْضِي هَذِهِ ٱللَّيْلَةَ هُنَا… مَعًا. لَا وَدَاعَ ٱلْيَوْمَ، بَلْ حِكَايَةٌ.”
ثُمَّ ٱلْتَفَتَ إِلَى فَاطِمَةَ، وَسَأَلَ بِهُدُوءٍ: ” هَلْ نَعُودُ إِلَى مَنْزِلِنَا؟”
لَمْ تُجِبْ… وَلَكِنَّهَا جَلَسَتْ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَى جَانِبِ ٱلطِّفْلِ، وَبَدَأَتْ تَحْكِي لَهُ قِصَّةً عَنْ نَجْمٍ صَغِيرٍ، ضَاعَ عَنْ مَجَرَّتِهِ… وَلَكِنَّهُ وَجَدَ بَيْتًا جَدِيدًا فِي حِضْنِ مَنْ رَآهُ مُضِيئًا، لَا ضَائِعًا.
صَبَّ مَارْتِن فِيشَرُ فِنْجَانًا مِنْ شَرَابِ ٱلسَّفَرْجَلِ فِي كُوبٍ، وَقَالَ: ” لِهَذَا أَشْعَلْنَا ٱلنَّارَ دَاخِلَكَ، يَا دَانِيِيلُ… لِتُزِيحَ سُدُودَ ٱلصَّمْتِ.”
هَمَسَ يُوهَان كْرَاوسُ بِحَمَاسَةٍ خَفِيَّةٍ، وَرَفَعَ كَأْسَهُ نَحْوَ ٱلضَّوْءِ: ” إِلَى ٱلْحُبِّ، يَا أَصْدِقَائِي! إِلَى ٱلْأُمِّ ٱلَّتِي تَسْتَيْقِظُ فِي كُلِّ مَوْجَةٍ، فِي كُلِّ نَسْمَةٍ بَرِّيَّةٍ!”
بِطَائِفَةٍ مِنَ الوَجْدِ، وَكَأَنَّ صَوْتَ الأَمْوَاجِ يُرَافِقُهُ فِي ترديدِ صَدَاهُ، تَدَرَّجَ المَرْكَبُ ببطءٍ فِي دَوَرانٍ هَادِئٍ، ثُمَّ أَخَذَ يَنسَابُ نَحْوَ بَوَّابَاتِ المَرْفَإِ المُضِيئَةِ، كَمَنْ يَتَقَدَّمُ إِلَى مُوَاعِيدَ لَا يُدْرِكُ مَا تَخْفِيهُ أَسْوَارُهَا.
تَكَسَّرَ صَوْتُ “دَانِيِيل” تَحْتَ وَقْعِ التَّأَثُّرِ، يَنثُرُ كَلِمَاتِهُ كَنَفَسٍ خَفِيفٍ مِنَ الأَمَلِ:
” آنَا… اِسْمَعِينِي الآنَ. فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، أَنْتِ مَعَنَا. لَنْ تَنْطَفِئَ شُعْلَتُكِ فِي قَلْبِي… وَلَا فِي قَلْبِ اِبْنِنَا. دَعِينَا نُسَافِرْ غَدًا بَيْنَ المَرَافِئِ، حَتَّى تُذَكِّرَنَا الأَرْضُ كَيْفَ نُحِبُّ.”
رَفَعَ “أُوتُو لِيمَان” نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، صَافِيًا كَمَا يَرْتَجَى:
” إِنْ كُنْتِ تَسْمَعِينَ، فَأَشْرِقِي. دَعِينَا نَرَى كَيْفَ تَهُبِّينَ رِيَاحًا جَدِيدَةً عَلَى حَيَاتِنَا.”
فِي المنزل وفي حِضْنِ “فَاطِمَة”، تَهَاوَتْ أَنْفَاسُ الطِّفْلِ، وَغَفَا بَعْدَ أَنْ أَضْنَاهُ بُكَاءُهُ وَتَعَبُهُ. كَانَتْ يَدُهَا عَلَى ظَهْرِهِ، تَمْسَحُهُ بِلِينٍ، كَأَنَّهَا تُرَقِّي وَجَعَهُ قَبْلَ أَنْ تُرَقِّيَ جَسَدَهُ.
جَلَسَ “دَانِيِيل” عَلَى الكُرْسِيِّ الخَشَبِيِّ، مُنْحَنِيَ الكَتِفَيْنِ، وَعَيْنَاهُ غَائِرَتَانِ فِي أَرْضِ الغُرْفَةِ. رَائِحَةُ المِلْحِ وَالوَدَاعِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، لَا تَزَالُ عَالِقَةً فِي الهَوَاءِ.
فَجْأَةً… طُرِقَ البَابُ بِخِفَّةٍ، وَدَخَلَ الطَّبِيبُ “فَالْتِر هَايْنِرِش”، رَجُلٌ نَحِيلٌ، يَرْتَدِي بُزَّةً دَاكِنَةً، وَفِي عَيْنَيْهِ طِيبَةٌ تَشْبِهُ النَّدَمَ. وَضَعَ ظَرْفًا صَغِيرًا فِي يَدِ “دَانِيِيل”، دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ نَطَقَ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ:
” أُقْسِمُ لَكَ أَنَّنِي لَمْ أَقْصِدِ التَّأْخِيرَ… وَجَدْتُهَا بَيْنَ أَوْرَاقِ ‘آنَا مَارِيَا’ بَعْدَ وَفَاتِهَا بِسَاعَاتٍ، ثُمَّ غِبْتُ أَيَّامًا طَوِيلَةً عَنِ المَدِينَةِ… نَسِيتُ. سَامِحْنِي.”
غَادَرَ، وَكَأَنَّ وُجُودَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِتَسْلِيمِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
نَظَرَ “دَانِيِيل” إِلَى الظَّرْفِ مُطَوَّلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَوَجْهُهُ يَتَلَامَسُ مَعَ وَجْهِ “فَاطِمَة”، وَهَمَسَ:
“خَطُّهَا…”
فَسَحَبَتْ “فَاطِمَة” الغِطَاءَ عَنِ الطِّفْلِ، وَقَالَتْ:
” اِقْرَأْ.”
فَتَحَ الظَّرْفَ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، كَأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يُكَسَّرَ صَدَى صَوْتِهَا المُتْرَكِ عَلَى الوَرَقِ:
«إلَى دانييل… الحبيبِ الأبديِّ، والرَّفيقِ الَّذي لم يُبدِلْهُ الزَّمانُ بظلٍّ آخر
أكتُبُ إلَيْكَ، لا لأُخْبِرَكَ بِشَيءٍ جَديدٍ، بَلْ لأُودِّعَكَ بِصَوتٍ أَعرِفُ أَنَّهُ سَيَصِلُكَ بَينَ نَبضٍ وَنَفَسٍ.
لَا أَدْرِي إِنْ كُنْتَ سَتَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ يَوْمًا، أَمْ سَتَضِلُّ الطَّرِيقَ كَمَا ضَلَّتْ أَيَّامُنَا فِي زَحَامِ الحَيَاةِ…
وَلَكِنِّي أَشْعُرُ، وَأَنَا أَكْتُبُ، أَنَّ جَسَدِي يَبْتَعِدُ عَنِّي قَلِيلًا قَلِيلًا، كَسَفِينَةٍ تَفْقِدُ مَرْسَاهَا، وَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ أَكْتُبُهَا الآنَ هِيَ مِرْسَاةٌ أُخْرَى أُلْقِيهَا فِي البَحْرِ… عَسَى أَنْ تَصِلَكَ.
طِفْلُنَا… ذَلِكَ الضَّوْءُ الصَّغِيرُ الَّذِي جِئْنَا بِهِ مِنْ عَتْمَتِنَا…
أَرْجُوكَ، يَا دَانِييل، لَا تَدَعْهُ يَنْسَى وَجْهِي، وَلَا تَدَعْهُ يَتَعَلَّمَ مِنَ الغِيَابِ مَا تَعَلَّمْنَاهُ نَحْنُ.
عَلِّمْهُ أَنْ يَضْحَكَ، وَأَنْ يَبْكِي بِدُونِ خَوْفٍ، وَأَنْ يُحِبَّ كَمَا كُنَّا نُحِبُّ — بِبَسَاطَةٍ تُشْبِهُ الصّدْقَ.
أَمَّا فَاطِمَةُ… فَلَا تَسْأَلْنِي كَيْفَ وَمَتَى صَارَتْ لَنَا قَرِيبَةً كَظِلٍّ، وَصَادِقَةً كَنَظْرَةِ أُمٍّ.
هِيَ مَنْ اِخْتَرْتُهَا لِتَكُونَ لِطِفْلِنَا أُمًّا، لَا لِأَنَّ الحَيَاةَ فَرَضَتْهَا، بَلْ لِأَنَّ قَلْبِي آمَنَ أَنَّهَا الأَمَانُ الَّذِي سَيَبْقَى بَعْدِي.
فَإِذَا رَأَيْتَهَا تَبْكِي، فَلَا تُوَاسِهَا… اِصْمُتْ إِلَى جَانِبِهَا، فَفِي صَمْتِكَ مَا يُجْبِرُهَا أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ كَلِمَاتِ العَطْفِ.
أَمَّا مَا تَرَكْتُهُ خَلْفِي… مِنْ سُفُنٍ وَأَمْوَالٍ وَأَرْضٍ…
فَهِيَ أَشْيَاءُ لا تهِمُّ إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَحْمِلُ مِنْ ذِكْرَى.
لَا تَبِعْهَا، وَلَا تُقَسِّمْهَا، دَعْهَا كَمَا هِيَ، تَسْتَرِيحُ فِي يَدَيْكَ كَأَنَّنِي مَا زِلْتُ أُدِيرُهَا.
لَا لِتَرْبَحَ، بَلْ لِتُبْقِي اسْمَيْنَا عَلَى وَجْهِ المَاءِ، كَكَلِمَتَيْنِ كُتِبَتَا عَلَى المَوْجِ وَلَمْ تَمْحُهُمَا الرِّيحُ.
لَا تَدَعْ مَوْتِي يَكُونُ نِهَايَةً، يَا دَانِييل…
لِيَكُنْ فَاصِلَةً فِي جُمْلَتِكَ الطَّوِيلَةِ مَعَ الحَيَاةِ.
فَصْلٌ صَغِيرٌ بَيْنَ نَفَسَيْنِ، لَيْسَ إِلَّا…
وَإِذَا مَا سَكَنَ البَحْرُ وَغَفَا، سَتَجِدُنِي فِي المَوْجَةِ الأُولَى، أُرَتِّبُ شِرَاعَكَ، وَأَهْمِسُ لَكَ كَمَا كُنْتُ دَائِمًا أهْمِسُ:
“لا تَخَفْ… سَتَعُودُ السُّفُنُ.” »
بِرِقَّةٍ، أَسْدَلَ دَانِيِيلُ الوَرَقَةَ، وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ. بَقِيَ صَامِتًا لِلحَظَاتٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَصَوْتُهُ مَغْمُورٌ بِالثَّقَلِ:
” كَانَتْ تَعْرِفُ… كُلَّ شَيْءٍ.”
فاطِمَةُ لَمْ تُجِبْ، بَل قَامَتْ مِنْ عَلَى الأَرْضِ بُطْئًا، وَوَضَعَتِ الطِّفْلَ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ غَطَّتْهُ بِهُدُوءٍ حَنُونٍ. عَادَتْ وَجَلَسَتْ قُرْبَهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِثِقَةٍ وَرَجَاءٍ، وَسَأَلَتْهُ:
” هلْ هذَا… يُغَيِّرُ شَيْئًا؟”
أَجَابَ دانييلُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَهُوَ يَتَرَدَّدُ فِي كَلِماتِهِ:
” رُبَّمَا… يُفَسِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.”
ثُمَّ التَفَتَ نَحْوَها وَبَدَتْ عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ مَزِيدًا مِنَ الصِّدْقِ:
” قالَتْ عَنكِ إنَّكِ أُمُّهُ… وَهِيَ اخْتارَتْكِ. أَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي فَقَطْ أَسْتَعِينُ بِكِ.”
سَكَتَ لِوَقْتٍ قَصِيرٍ، ثُمَّ أَضَافَ وَبصَوتٍ أَثْقَلَهُ التَّرْكِيزُ وَالعَزِيمَةُ:
” الآنَ أَفْهَمُ… كُنْتِ جُزءًا مِنَ الحِكَايَةِ، مِنَ البِدَايَةِ.”
نَظَرَتْ فاطِمَةُ إِلَيْهِ بِوُجُوهٍ مَلِئٍ بِالْحِكْمَةِ، وَهَمَسَتْ بِرِقَّةٍ:
” لَكِنَّ الخَوْفَ لا يَقْرَأُ الرَّسَائِلَ… الخَوْفُ يَرَى فَقَطِ الجُدْرَانَ.”
رَفَعَ دانييلُ الرِّسَالَةَ بِيَدِهِ بِيُسْرٍ، وَقَالَ:
” رُبَّمَا حَانَ وَقْتُ بِنَاءِ نَوافِذَ… بَدَلًا مِنَ الجُدْرَانِ.”
ثُمَّ نَظَرَ نَحْوَ الطِّفْلِ، وَاسْتَطْرَدَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ العَزِيمَةَ وَالأَمَلَ:
” لَنْ أُبْحِرَ غَدًا… وَلَنْ أُبْحِرَ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ نَحْنُ الثَّلاثَةُ، إِلَى أَيْنَ نَمْضِي فِعْلًا.”
كَانَ دانييلُ جَالِسًا فِي الغُرْفَةِ، وَالرِّسَالَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَصَدَى كَلِمَاتِ آنا ماريا لا يَزَالُ يَنْبِضُ فِي رُوحِهِ بِوُضُوحٍ عَمِيقٍ.
اقْتَرَبَتْ فاطِمَةُ، وَجَلَسَتْ إلى جَانِبِهِ بِهُدُوءٍ، وَعَلَى وَجْهِهَا تَلَاشَى التَّعَبُ، وَتَلألَأَ وَجْهُهَا بِبَصِيصِ أَمَلٍ جَدِيدٍ.
نَظَرَ دانييلُ إِلَى الرِّسَالَةِ، وَتَمَطَّرَتْ مِنْ شَفَتَيْهِ كَلِمَاتٌ مَلِيئَةٌ بالعَزِيمَةِ:
” هِيَ لَمْ تَتْرُكْ لِي مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، بَل تَرَكَتْ لِي طَرِيقًا… طَرِيقًا نَحْوَ المُسْتَقْبَلِ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ أَجْلِي، بَل مِنْ أَجْلِ ابْنِنَا.”
تَنَهَّدَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَكْمَلَ وَبِصَوْتٍ مُحمَّلٍ بِالمَسْؤُولِيَّةِ:
” لَكِنَّ هذَا الطَّرِيقَ لا يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْلُكهُ وَحْدِي.”
أَوْمَأَتْ فاطِمَةُ بِرِقَّةٍ، وَشَدَّتْ يَدَ دانييلَ بِلُطْفٍ:
” لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَسْلُكهُ وَحْدَكَ. غَدًا سَأُصْحَبُكَ إِلَى أَبِي، الشَّيخِ مَحمودَ. هُناكَ، حَيْثُ يَنمو الإيمَانُ، وَحَيْثُ تُزْرَعُ الجُذُورُ الَّتِي لا تَذْبُلُ.”
وَقَفَ دانييلُ بُطْئًا، وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقْلِ القَرَارِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الثِّقْلَ كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ رَاحَةً عَمِيقَةً.

الصَّبَاحُ التَّالِي، فِي بَيْتِ الشَّيخِ مَحمودَ رَمَضانَ، بِلُبِّ حَيٍّ شَعْبِيٍّ مِنْ وَهرانَ.
كَانَ الصَّبَاحُ يَلْمَعُ بِنُورِهِ الذَّهَبِيِّ عَلَى أَسْطُحِ المَدِينَةِ، وَالأَزِقَّةُ تَفُوحُ بِرَائِحَةِ الخُبْزِ الطَّازَجِ وَعَبِيرِ القَهْوَةِ القَدِيمَةِ.
فِي سَاحَةٍ صَغِيرَةٍ أَمَامَ البَيْتِ، جَلَسَ الشَّيخُ مَحمودُ رَمَضانَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةِ لَيْمُونٍ قديمةٍ، عِمَامَتُهُ بَيْضاءُ نَاصِعَةٌ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ كَنَجْمَتَيْنِ فِي لَيْلَةٍ صَافِيَةٍ، وَصَوْتُهُ هَادِئٌ مَتَزَنٌّ كَالمَاءِ يَجْرِي بِرَوْيَةٍ.
خَطَتْ فاطِمَةُ خُطُواتٍ مُتَرَدِّدَةٍ نَحْوَهُ، وَتَحْمِلُ بِيَدِهَا الصَّغِيرَةِ يَدَ الطِّفْلِ، وَخَلْفَهَا بِقَلِيلٍ، يَسِيرُ دانييلُ بِخُطَىً بَطِيئَةٍ، كَأَنَّهُ يَمْشِي فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرْهِبْهُ.
نَطَقَتْ فاطِمَةُ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ، يَحْمِلُ مَزِيدًا مِنَ الثِّقَةِ:
” أَبِي… هذَا دانييلُ جاء لزيارتك اليوم، وَهذَا صالِحُ الصَّغِيرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ، وَالَّذِي أَحْبَبْتَهُ كَمَا أَحْبَبْتَ حَفِيدَكَ.”
بِهُدُوءٍ رَفَعَ ٱلشَّيخُ رَأْسَهُ، وَثُمَّ وَجَّهَ نَظَرَهُ إِلَى ٱلرَّجُلِ ٱلْوَقُورِ ٱلأشَّقْرِ الَّذِي وَقَفَ أَمَامَهُ، عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ مَزِيجًا مِنَ ٱلْخَجَلِ وَٱلدَّهْشَةِ.
قالَ بِرِقَّةٍ: ” أَهْلًا وَسَهْلًا، تَفَضَّلْ، وَٱجْلِسْ.”
جَلَسَ دَانِييلُ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ لَمْ يَعْرِفْ مِثْلَهُ حَتَّى فِي وَسَطِ ٱلْبَحْرِ.
ٱلصَّبِيُّ ٱلصَّغِيرُ ٱفْتَرَشَ ٱلْأَرْضَ وَٱجْتَثَّ إِلَى جَانِبِ ٱلشَّيخِ، نَاظِرًا إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ بَرِيئَةٍ.
ٱلشَّيخُ، وَهُوَ يُرَاقِبُ ٱلصَّبِيَّ، قَالَ:
” ٱبْنُك وَدِيعٌ… وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ أَحَدٍ أَعْرِفُهُ.”
تَرَدَّدَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ هَمَسَتْ:
” أَطْلَقْتُ عَلَيْهِ فِي سِرِّي منذُ البِدَايَةِ ٱسْمَ صَالِحٍ، عَلَىٰ ٱسْمِ جَدِّي، كَمَا أَطْلَقْتُ ٱلِٱسْمَ عَلَىٰ أَبِيهِ أَيْضًا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي، لِمَا وَجَدْتُ فِيهِ مِنْ صَلَاحٍ وَصِدْقٍ وَوَفَاءِ، وَعِنْدَمَا سَمِعَتْنِي آنَا مَارِيَا سَأَلَتْنِي عَنْ مَعْنَاهُ، وَعِنْدَمَا أَخْبَرْتُهَا وَافَقَتْ عَلَىٰ هَذَا الاسْمِ.”
نَظَرَ ٱلشَّيخُ إِلَى ٱبْنَتِهِ، ٱبْتَسَمَ وَمَسَحَ عَلَىٰ رَأْسِ ٱلصَّغِيرِ:
” رَحِمَ ٱللَّهُ آَنَّا وَرَحِمَ وَالِدِي صَالِحًا… كَانَ رَجُلَ قَلْبٍ وَلِسَانٍ، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ ٱلْأَلْوَانِ وَلَا ٱلْأَلْسِنَةِ.”
ثُمَّ ٱلتَفَتَ إِلَىٰ دَانِييلَ وَسَأَلَهُ بِهُدُوءٍ:
” هَلْ تُحِبُّ أَنْ يَحْمِلَ هٰذَا ٱلطِّفْلُ ٱلْٱسْمَ ٱلَّذِي أَطْلَقَتْهُ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ؟”
هَزَّ دَانِييلُ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ:
” هُوَ… كُلُّ مَا بَقِيَ لِي مِنْ آَنَا، وَآنَا وَثِقَتْ بِفَاطِمَةَ وَمَنَحَتْهَا كُلَّ ٱلصَّلَاحِيَّاتِ، وَهِيَ رُبَّمَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ ٱبْنَهَا سَيَحْمِلُ ٱسْمَ صَالِحٍ، وَإِنْ كُنْتُ لَا أَعْرِفُ تَمَامًا مَعْنَاهُ.”
سَأَلَهُ ٱلشَّيخُ: “وَهَلْ تُحِبُّ فَاطِمَةَ؟”
تَجَمَّدَ دَانِييلُ لَحْظَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَىٰ فَاطِمَةَ وَقَالَ:
” نَعَمْ… أُحِبُّهَا، كَوْنَ أَنَّ آنا مَارِيَا ٱخْتَارَتْهَا أُمًّا لِٱبْنِنَا، وَلَكِنِّي أَخَشى أَنْ أُخِيفَهَا.”
ٱبْتَسَمَ ٱلشَّيخُ وَقَالَ:
” ٱلَّذِي يَخَافُ لَا يُخِيفُ، وَٱلَّذِي يُحِبُّ لَا يَهْرُبُ.”
مَالَ ٱلشَّيخُ نَحْوَ دَانِييلَ قَلِيلًا، وَسَأَلَهُ بِصَوْتٍ كَمَنْ يَنْقِّبُ فِي أَعْمَاقِ نَفْسٍ لَمْ تَعُدْ غَرِيبَةً:
” هَلْ تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ الدِّينِ؟”
تَلَجْلَجَ دَانِييلُ كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُخْفِي وَرَقَةً بَيْضَاءَ فِي صَحْرَاءِ:
” أَنَا… نَشَأْتُ مَسِيحِيًّا، وَلٰكِنِّي لَا أَذْهَبُ إِلَى ٱلْكَنِيسَةِ، وَلَا أُمَارِسُ شَيْئًا فِي ٱلْحَقِيقَةِ إِلَّا مَا يُمْلِيهِ عَلَيَّ ضَمِيرِي.”
أَوْمَأَ ٱلشَّيخُ بِرَأْسِهِ، كَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ حِكْمَةً قَدِيمَةً، ثُمَّ قَالَ:
” وَٱلضَّمِيرُ عَزِيزٌ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ قُبْلَةً عَلَى ٱلْجَبِينِ كَيْ يَصْحُوَ.
أَنْتُمْ قَادِمُونَ مِنْ بُحُورٍ بَعِيدَةٍ، وَلٰكِنَّ هٰذَا ٱلْبَيْتَ لَا يُغْلَقُ فِي وَجْهِ مَنْ يَطْلُبُ بَابًا لِلْحَيَاةِ.
فَاطِمَةُ مِنْ لَحْمِنَا وَدَمِنَا، وَلٰكِنَّهَا ٱخْتَارَتْ، وَأَنَا لَا أُمَانِعُ، إِنِ ٱجْتَمَعَ ٱلْقَلْبُ وَٱلْعَقْلُ.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَرْدَفَ بِصَوْتٍ أَقْرَبَ إِلَى ٱلرِّجَاءِ:
” إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي حُبِّكَ لَهَا، وَإِنْ كُنْتَ رَاغِبًا أَنْ يَكُونَ هٰذَا ٱلطِّفْلُ مَنْسُوجًا مِنَ ٱلنُّورِ لَا مِنَ ٱلظِّلَالِ، فَٱفْتَحْ قَلْبَكَ لِلْحَقِّ، فنحن لَا نُجْبِرُكَ أَوْ نُخَيِّرُكَ، بَلْ لِأَنَّكَ تَرَاهُ يَلِيقُ بِكَ.”
ثُمَّ نَطَقَ بِصَوْتٍ وَاضِحٍ رَقِيقٍ، كَأَنَّهُ يُقَدِّمُ مِفْتَاحًا بِلَا قَيْدٍ:
” ٱنْطِقْ بِٱلشَّهَادَةِ، لَيْسَ لِتَتَخَلَّى عَنْ شَيْءٍ، بَلْ لِتَقْتَرِبَ، وَلِتَكُنَ صَادِقًا.”
ثُمَّ أَضَافَ: ” فَاطِمَةُ لَنْ تَكُونَ جَارِيَةً فِي بَيْتِكَ، وَلَا مُرَبِّيَةً لِوَلَدِكَ بَعْدَ اليَوْمِ، بَلْ شَرِيكَةُ رُوحِكَ… إِنْ شِئْتَ.”
نَظَرَ دَانِيِيلُ إِلَى فَاطِمَةَ، فَإِذَا هِيَ وَاقِفَةٌ، تَخْتَزِنُ دُمُوعًا لَا تَسْقُطُ، وَبِٱبْتِسَامَةٍ لَا تَكْتَمِلُ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ بَصَرُهُ إِلَى ٱلطِّفْلِ، وَمِنْ ثَمَّ إِلَى ٱلشَّيْخِ ٱلَّذِي كَانَ يَمدُّ لَهُ مِفْتَاحًا لِبَابٍ لَمْ يَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى ٱلِاقْتِرَابِ مِنْهُ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَلَكِنَّ فِي مَنَطِقِهِ كَانَ الثِّقَةُ:
” أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا رُسُلُ ٱللَّهِ وَأَنْبِيَاؤُهُ.”
خَيَّمَ ٱلصَّمْتُ كَسَجْدَةِ كَوْنٍ، ثُمَّ ٱبْتَسَمَ ٱلشَّيْخُ بِرِقَّةٍ، وَمَسَحَ لِحْيَتَهُ ببطْءِ:
” بَارَكَ ٱللَّهُ فِيكُمَا… وَسَيُبَارِكُ لِطِفْلِكُمَا، إِنْ شَاءَ ٱللَّهُ.”
مَدَّ يَدَهُ إِلَى دَانِيِيلَ، وَضَغَطَ عَلَيْهَا بِحَنَانٍ أَبَوِيٍّ، ثُمَّ قَالَ:
” ٱلْبُيُوتُ تُبْنَى بِٱلْحُبِّ، وَلَكِنَّهَا لَا تَقِفُ إِلَّا عَلَى ٱلْإِيمَانِ.”
أَمَّا فَاطِمَةُ، فَجَلَسَتْ قُرْبَ ٱبْنِهَا… أَوْ وَاللَّهِ، ٱبْنِهِمْ.
ضَمَّتْ رَأْسَهُ إِلَى صَدْرِهَا، وَهَمَسَتْ، كَأَنَّهَا تُخْتِمُ وَعْدًا قَدِيمًا:
” صَالِحٌ… كَمَا تَمَنَّيْتَ يَا جَدِّي.”
فِي المَسَاءِ التَّالي لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَفْلٌ صَاخِبٌ، وَلَا خِيَامٌ وَلَا أَغَانٍ. كَانَتْ شَمْسٌ تَمِيلُ بِهُدُوءٍ نَحْوَ ٱلْمَغِيبِ، وَسَاحَةُ ٱلْبَيْتِ تَغْتَسِلُ بِنُورٍ ذَهَبِيٍّ خَفِيفٍ. رِيحٌ نَاعِمَةٌ تَلْعَبُ بِأَطْرَافِ شَالِ فَاطِمَةَ، وَهِيَ وَاقِفَةٌ فِي طَرَفِ ٱلْغُرْفَةِ، خَلْفَ سِتَارَةٍ رَقِيقَةٍ مِنْ قُمَاشِ ٱلشَّاشِ ٱلْأَبْيَضِ.
جَلَسَ ٱلشَّيْخُ مَحْمُودٌ إِلَى يَمِينِهِ جَلَسَ دَانِيِيلُ، وَقَدِ ٱرْتَدَى قَمِيصًا أَبْيَضَ، دُونَ رَبْطَةِ عُنُقٍ، وَوَجْهُهُ مَبْلُولٌ بِشَيْءٍ مِنَ ٱلْحَيَاءِ، وَشَيْءٍ آخَرَ مِنَ ٱلسَّكِينَةِ.
وَقَدْ فُرِشَتِ ٱلْغُرْفَةُ كَمَا فِي ٱلْأَعْرَاسِ ٱلْقَدِيمَةِ: طَاوِلَةٌ صَغِيرَةٌ، وَكِتَابُ ٱللَّهِ مَفْتُوحٌ، وَكُوبٌ مِنَ ٱلْمَاءِ، وَتَمَرَاتٌ مَوْضُوعَةٌ فَوْقَ طَبَقٍ نُحَاسِيٍّ.
وَعَلَى يَسَارِهِ جَلَسَ “فْرِيتْزْ بُومَان”، بِشَعْرِهِ ٱلْفِضِّيِّ وَٱبْتِسَامَةِ مَنْ رَأَى ٱلْبَحْرَ يَهْدَأُ أَخِيرًا. أَمَّا ٱلطَّبِيبُ “مَايَر”، فَقَدْ وَقَفَ قُرْبَ ٱلْبَابِ، يُمْسِكُ بِطِفْلٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يُفْلِتَ يَدَهُ، وَقَدْ بَدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَفْقَهُ شَيْئًا مِمَّا يَجْرِي، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَبْتَسِمُ لِفَاطِمَةَ كُلَّمَا مَالَتْ بِرَأْسِهَا نَحْوَهُ مِنْ خَلْفِ ٱلْسِّتَارَةِ.
رَفَعَ ٱلشَّيْخُ مَحْمُودٌ يَدَهُ، وَقَرَأَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ:
” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً…”
ثُمَّ ٱلْتَفَتَ إِلَى دَانِيِيلَ، وَسَأَلَهُ بِلُطْفٍ:
” دَانِيِيلُ… بِنِيَّةِ ٱلزَّوَاجِ عَلَى سُنَّةِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَلَى مَهْرٍ رَمْزِيٍّ قَدْرُهُ خَمْسُ لِيرَاتٍ ذَهَبِيَّةٍ، وَعَلَى أَنْ تَحْفَظَهَا وَتَحْفَظَ وَلَدَهَا، هَلْ تَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ فَاطِمَةُ زَوْجَتَكَ؟”
فَأَجَابَ دَانِيِيلُ بِصَوْتٍ ثَابِتٍ هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ:
” أَقْبَلُ… بِقَلْبٍ يَعْرِفُ مَا تَعْنِيهِ ٱلْمَوَدَّةُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ ٱلْعَرَبِيَّةَ جَيِّدًا.”
ضَحِكَ ٱلشَّيْخُ، وَأَعَادَ ٱلْجُمْلَةَ بِٱللُّغَةِ ٱلْأَلْمَانِيَّةِ (وَهِيَ جُمْلَةٌ كَانَتْ فَاطِمَةُ قَدْ عَلَّمَتْهَا لِوَالِدِهَا)، ثُمَّ نَطَقَ بِهَا ٱلشَّاهِدَانِ خَلْفَهُ، وَكَرَّرَ دَانِيِيلُ ٱلْكَلِمَاتِ مَااسْتَطَاعَ، وَفَاطِمَةُ تَهْمِسُهَا خَلْفَ السِّتَارَةِ، وَكَأَنَّهَا تُصَلِّي، لَا تُرَدِّدُ.
بِقَلْبِ الحِكَايَةِ، وَبِصَوْتِ الشَّيْخِ يَحْمِلُ ثِقَلَ الحُجَّةِ، نَظَرَ إِلَى السِّتَارَةِ وَنَادَى:
” فَاطِمَةُ مَحْمُودِ رَمَضَان، هَلْ تَقْبَلِينَ هٰذَا الرَّجُلَ زَوْجًا لَكِ؟”
جَاءَ صَوْتُهَا مِنْ خَلْف الحِجَابِ، هَادِئًا وَمُرْتَجِفًا:
” نَعَمْ… أَقْبَلُ.”
فَكُتِبَتِ الكَلِمَاتُ بِيَدِ الشَّيْخِ فِي دَفْتَرِهِ، وَشَهِدَ البَحْرُ فِي قَلْبِ “فْرِيتْز”، الَّذِي ارْتَجَفَ لَحْظَةً، ثُمَّ ارْتَمَى فِي حِضْنِهِمَا مَعًا.
لَاحِقًا، اجْتَمَعُوا فِي بَاحَةِ البَيْتِ الصَّغِيرَةِ، حَيْثُ تَمَّ تَمْرِيرُ الشَّايِ بِالنَّعْنَاعِ وَبَعْضِ الكَعْكِ البَسِيطِ. ضَحِكَةُ فَاطِمَةَ، خَفِيفَةٌ كَصَوْتِهَا، كَانَتْ حَاضِرَةً بِرِقَّةٍ.
اقْتَرَبَ دَانِييل مِنْهَا وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ صَغِيرٌ مِنْ فِضَّةِ البَحْرِ، وَقَالَ:
” لَمْ أَعْرِفْ كيف الحُبَّ يُكْتَبُ بِالعَرَبِيَّةِ… وَلَكِنَّهُ الآن لُغَتِي الثَّانِيَةُ.”
وَهِيَ، بِبسْمَةٍ رَقِيقَةٍ، امْتَنَعَتْ عَنْ الْكَلَامِ، تَمْسِكُ يَدَ الطِّفْلِ وَتَدُسُّهَا فِي يَدِهِ الأُخْرَى.
وَحْدَهَا الشَّمْسُ، فِي آخِرِ النَّهَارِ، تَسْحَبُ ظِلَّهَا بِخِفَّةٍ عَنْ سَطْحِ البَيْتِ، كَأَنَّهَا لا تُرِيدُ أَنْ تُزْعِجَ هَذَا السَّكِينَ الجَدِيدَ.

صَبَاحٌ جَدِيدٌ فِي مَرْفَأِ وَهْرَان
أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، خَفِيفَةَ الظِّلِّ هَذِهِ المَرَّةِ، تَتَلَمَّسُ بِخَجَلٍ وُجُوهَ المُسَافِرِينَ.
لَمْ يَكُنْ فِي المَرْفَأِ صَخَبُ السُّفُنِ الحَرْبِيَّةِ، بَلْ سَادَ خشُوعٌ، كَأَنَّ البَحْرَ نَفْسَهُ انْتَبَهَ لِمَا يَحْدُثُ.
العَرَبَةُ القَدِيمَةُ تَشِقُّ طَرِيقَهَا بِهُدُوءٍ، يَجُرّهَا حِصَانٌ أَشيبُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَشْهَدٍ قَدِيمٍ.
فِي العَرَبَةِ، جَلَسَ دَانِييلُ بِثَوْبِهِ البَسِيطِ، وَجَانِبَهُ فَاطِمَةُ بِوِشَاحٍ لَوْنُهُ زَيْتُونِيٌّ، يشْبِهُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهَا وَشَيْئًا مِنَ المَدَى.
فِي حضْنِهَا، الطِّفْلُ نَائِمٌ، رَأْسُهُ مَائِلٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَخَدُّهُ مَطْبُوعٌ بِنُقْطَةٍ مِنْ دَمْعَةٍ نَامَتْ قَبْلَهُ.
عِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى المَرْفَأِ، وَقَفَ البَحَّارَةُ عَلَى طَرَفِ السَّفِينَةِ، يُلَوِّحُونَ وَيَهْتِفُونَ بِلُغَةِ البَحْرِ، لَمْ تَفْهَمْ فَاطِمَةُ أَغْلَبَهَا، لَكِنَّهَا قَرَأَتْهَا فِي عُيُونِهِمْ تَرْحِيبًا.
وَقَفَ “فْرِيتْز بُومَانَ” عِنْدَ السُلَّمِ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى البَحْرِ:
“كُلُّ شَيْءٍ صَارَ جَاهِزًا… حَتَّى المَوْجُ يَنْتَظِرُكُمْ.”
تَأَمَّلَ دَانِييلُ وَجْهَ وَهْرَانَ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ.
هُنَاكَ لَقِيَ عَيْنًا خَضْرَاءَ تَحْمِلُ ظَهِيرَةَ الشَّمْسِ.
هُنَاكَ سَقَطَ قَلْبُهُ فِي حِضْنِ طِفْلٍ يَحْمِلُ فِي مَلَامِحِهِ شَيْئًا مِنْ أُمِّهِ وَجِدِّيهِ، لَكِنَّهُ صَارَ كُلَّ مَلَامِحِهِ.
ثُمَّ التَفَتَ إِلَى الشَّيْخِ مَحْمُودٍ، الَّذِي جَاءَ لِودَاعِهِمْ رَغْمَ تَعَبِهِ.
أَمْسَكَ دَانِييلُ يَدَهُ وَقَالَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ رَجْفَةً:
” شُكْرًا لِأَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْنِي عَنْ أشياءَ كثيرةٍ.”
رَدَّ الشَّيْخُ وَهُوَ يَبْتَسِمُ:
” بَلْ سَأَلْتُهُ فِي قَلْبِي… وَجَاءَنِي الجَوَابُ مِنْ عَيْنَيْ فَاطِمَةَ.”