يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 01

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان

الفصل الأخير: الصوتُ الذي لم يُسمَع
“وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” ـ الذاريات: ٥٦
لَمْ يَكُنِ الْمَكَانُ مَسْجِداً.
وَلَمْ يَكُنْ قَاعَةَ مُحَاضَرَاتٍ تَتَصَادَمُ فِيهَا الأَفْكَارُ،
وَلَا مَجْلِسَ فِقْهٍ يَتَسَابَقُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ إِلَى الْفَتْوَى،
وَلَا غُرْفَةَ نِقَاشٍ تَعْلُو فِيهَا الأَصْوَاتُ وَتَسْقُطُ.
كَانَ فَضَاءً لَا تُحَدِّدُهُ جُدْرَانٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا.
نُورٌ يَأْتِي مِنْ غَيْرِ مَصْدَرٍ مَرْئِيٍّ، وَصَمْتٌ عَجِيبٌ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَصْوَاتاً لَا تَتَعَارَضُ،
بَلْ تَتَعَارَفُ.
وَكَأَنَّ الزَّمَنَ — بَعْدَ قُرُونٍ مِنَ الْوُقُوفِ الْمُتعَبِ — قَدْ قَرَّرَ أَخِيراً أَنْ يَجْلِسَ.
كَانُوا جَمِيعاً هُنَاكَ.
لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِدَعْوَةٍ،
وَلَمْ يُفَاجَأْ أَحَدٌ بِوُجُودِ الآخَرِ.
كَأَنَّ هَذَا الْمَكَانَ كَانَ يَنْتَظِرُهُمْ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى — يَنْتَظِرُ الْبَذْرَةَ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ شَجَرَةً،
وَيَنْتَظِرُ السُّؤَالَ قَبْلَ أَنْ يَجِدَ لِسَاناً.
كَانُوا جَمِيعاً يَعْرِفُونَ،
فِي مَكَانٍ مَا مِنْ أَعْمَاقِهِمْ،
أَنَّ ثَمَّةَ لَحْظَةً سَتَجْمَعُهُمْ — لَا لِلنِّقَاشِ،
وَلَا لِلْجَدَلِ، وَلَا لِلْحُكْمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
بَلْ لِلإِنْصَاتِ.
لِذَلِكَ الصَّوْتِ الَّذِي ظَلَّ قُرُوناً يَنْتَظِرُ مَنْ يَسْمَعُهُ.
جَلَسَتْ سَلْمَى بِنْتُ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
لَمْ تَخْتَرِ الْمَكَانَ.
الْمَكَانُ اخْتَارَهَا.
كَمَا يَخْتَارُ النَّهْرُ مَجْرَاهُ لَا بِقَرَارٍ بَلْ بِطَبِيعَتِهِ.
كَانَتْ عَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ تِسْعَةَ عُقُودٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ الصَّابِرَةِ،
وَكَفَّاهَا تَحْمِلَانِ أَثَرَ ذَاكِرَةٍ حِينَ كَانَتْ طِفْلَةً وَهَذَا بِالذَّاتِ هُوَ مَا جَعَلَهَا أَقْدَرَ النَّاسِ عَلَى فَهْمِهِ لَاحِقاً:
“أَنَّ أَعْمَقَ اللَّحَظَاتِ لَا تُفْهَمُ حِينَ تَحْدُثُ،
بَلْ تَتَكَشَّفُ بِبُطْءٍ كَالضَّوْءِ خِلَالَ الْمَاءِ”.
جَلَسَتْ كَمَا تَجْلِسُ الأَشْجَارُ الْقَدِيمَةُ — بِلَا ادِّعَاءٍ،
وَبِلَا تَعَبٍ،
وَبِلَا حَاجَةٍ إِلَى أَنْ تُثْبِتَ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ.
لَمْ تَتَكَلَّمْ فِي الْبِدَايَةِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِمْ جَمِيعاً،
وَاحِداً وَاحِداً،
كَمَنْ يَتَعَرَّفُ عَلَى وُجُوهٍ رَآهَا فِي حُلْمٍ طَوِيلٍ ظَنَّ أَنَّهُ نَسِيَهُ.
رَأَتْ أَبَا حَنِيفَةَ يُحَرِّكُ أَصَابِعَهُ كَعَادَتِهِ حِينَ يَبْنِي حُجَّةً فِي رَأْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا.
رَأَتْ مَالِكاً جَالِساً مُسْتَقِيمَ الظَّهْرِ كَأَنَّ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ لَا تَزَالُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَلَا تَزَالُ تُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَقِفُ.
وَرَأَتِ الشَّافِعِيَّ يُمْسِكُ بِقَلَمٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ — تِلْكَ الْعَادَةُ الَّتِي لَا يَتْرُكُهَا حَتَّى حِينَ لَا يَكْتُبُ، لأَنَّهُ يَكْتُبُ دَائِماً،
فِي دَاخِلِهِ عَلَى الأَقَلِّ.
وَرَأَتْ أَحْمَدَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ كَأَنَّهُ يَسْمَعُ حَدِيثاً لَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ — وَرُبَّمَا كَانَ يَسْمَعُهُ فِعْلاً.
وَرَأَتْ فِي الْخَلْفِ ابْنَ رُشْدٍ جَالِساً إِلَى جَانِبِ الْغَزَالِيِّ،
وَلأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي التَّارِيخِ — أَوْ فِيمَا تَبَقَّى بَعْدَهُ — لَمْ يَتَجَادَلَا.
جَلَسَا فَقَطْ.
وَفِي ذَلِكَ الْجُلُوسِ الْمُشْتَرَكِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْكَلَامِ.
وَرَأَتْ رَابِعَةَ فِي رُكْنٍ بَعِيدٍ،
عَيْنَاهَا مُغْمَضَتَانِ،
وَابْتِسَامَةٌ عَلَى وَجْهِهَا لَا تَنْتَظِرُ شَيْئاً لأَنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى مَا لَا يُنْتَظِرُ.
وَرَأَتْ فِي آخِرِ الْمَكَانِ نُوراً الْبَاحِثَةَ، وَإِلَى جَانِبِهَا طَارِقٌ الْمُهَنْدِسُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَضَعُ إِيمَانَهُ لِيَرْتَاحَ،
وَسَارَةُ الْفَقِيهَةُ الْمُعَاصِرَةُ الَّتِي تَعِيشُ بَيْنَ دُنْيَيْنِ وَلَا تَنْتَمِي كُلِّيًّا إِلَى أَيٍّ مِنْهُمَا،
وَجَمَالٌ الَّذِي كَانَ يُؤْمِنُ بِيَقِينٍ مُطْلَقٍ حَتَّى طُرِحَ عَلَيْهِ سُؤَالٌ لَمْ يَجِدْ لَهُ جَوَاباً جَاهِزاً،
فَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي فَضَاءٍ مُخِيفٍ اسْمُهُ الشَّكُّ — وَلَمْ يَتَراجَعْ،
وَلَمْ يَكفُرْ، بَلْ وَجَدَ نَفْسَهُ إِنْسَاناً مِنْ نَوْعٍ جَدِيدٍ.
كُلُّهُمْ جَالِسُونَ.
كُلُّهُمْ يَحْمِلُونَ فِي أَعْيُنِهِمُ السُّؤَالَ ذَاتَهُ الَّذِي لَا يَمُوتُ،
وَلَا يَكُفُّ عَنِ الوِلادَةِ.
أدرك كلٌّ منهم أوّلاً أنّهم لم يجتمعوا لِيَحكموا وَلَا لِيُحَاكَمَ أَحَدٌ.
صَمْتٌ قَصِيرٌ تَنَفَّسَ فِيهِ الْجَمِيعُ مَعاً دُونَ أَنْ يَتَوَاطَؤُوا عَلَى ذَلِكَ.
— وَلَمْ نَجْتَمِعْ لِنَتَّفِقَ.
فَالاتِّفَاقُ الَّذِي يَأْتِي قَبْلَ الْفَهْمِ لَيْسَ اتِّفَاقاً، بَلْ هُوَ صَمْتٌ مُقَنَّعٌ بِقِنَاعِ الإِجْمَاعِ.
صَمْتٌ أَطْوَلُ.
وَفِي ذَلِكَ الصَّمْتِ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي لَمْ تُقَلْ بَعْدُ تَجِدُ جُرْأَتَهَا.
— اجْتَمَعْنَا لأَنَّ ثَمَّةَ صَوْتاً لَمْ يُسْمَعْ.
وَقَدْ آنَ أَوَانُهُ.
نَهَضَتْ سَلْمَى بِبُطْءٍ.
لَمْ يُسَاعِدْهَا أَحَدٌ.
لَمْ تَطْلُبْ مُسَاعَدَةً.
نَهَضَتْ كَمَا يَنْهَضُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الأَرْضَ سَتَحْمِلُهُ — لَا لأَنَّهُ قَوِيٌّ،
بَلْ لأَنَّهُ مُنْتَمٍ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ لَا يَرْتَفِعُ وَلَا يَنْكَسِرُ — صَوْتٌ يُشْبِهُ الْمَاءَ الَّذِي يَجِدُ طَرِيقَهُ لَا بِالصَّخَبِ بَلْ بِالثِّقَةِ:
— رَأَيْتُهُ ﷺ يَتَكَلَّمُ مَعَ النَّاسِ.
كُلِّ النَّاسِ.
التَّاجِرَ وَالْفَقِيرَ وَالْمَرْأَةَ وَالطِّفْلَ وَالْعَبْدَ الْمُحَرَّرَ وَالأَعْرَابِيَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسٍ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِالْغُرْبَةِ.
كَانَ الْكَلَامُ يَصِلُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَكَانِهِ — لَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْهِ،
بَلْ كَانَ هُوَ يَنْزِلُ إِلَيْهِمْ.
وَهَذَا النُّزُولُ لَمْ يَكُنْ تَنَازُلاً.
كَانَ حُبًّا.
تَوَقَّفَتْ،
وَنَظَرَتْ إِلَى شَيْءٍ لَا يَرَاهُ غَيْرُهَا.
— ثُمَّ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ.
قَالَتْهَا دُونَ حُزْنٍ وَدُونَ اتِّهَامٍ.
قَالَتْهَا كَحَقِيقَةٍ طَبِيعِيَّةٍ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا،
كَأَنَّ الطَّبِيعَةَ نَفْسَهَا تَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهَا.
— وَبَدَأَ الإِنْسَانُ.
تَحَرَّكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكَاتِبُ فِي مَكَانِهِ.
كَانَ يَحْمِلُ مُنْذُ قُرُونٍ ثِقَلَ السُّؤَالِ ذَاتِهِ الَّذِي لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الْبَوْحِ بِهِ كَامِلاً:
هَلِ الْحَرْفُ يَحْمِلُ الرُّوحَ؟ هَلِ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ تَنْقُلُ مَا كَانَ فِي الْكَلِمَةِ الْمَعِيشَةِ؟
هَلِ الصَّفْحَةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْتَضِنَ مَا كَانَ يَسَعُهُ الصَّدْرُ فَقَطْ؟
قَالَ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ الاعْتِرَافَ — لَيْسَ اعْتِرَافاً بِخَطَأٍ،
بَلِ اعْتِرَافاً بِحَقِيقَةٍ كَانَ يَعْرِفُهَا دَائِماً وَلَمْ يَجِدْ لَهَا كَلِمَةً:
— حِينَ كَتَبْتُ، كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يُصْبِحَ مَا كَتَبْتُهُ سَقْفاً يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الصُّعُودِ،
بَدَلاً مِنْ أَنْ يَكُونَ جِسْراً يُعِينُهُمْ عَلَى الْمُضِيِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجِسْرِ وَالسَّقْفِ لَيْسَ فِي الْمَادَّةِ — بَلْ فِي نِيَّةِ مَنْ يَسْكُنُ مَا بَعْدَهُمَا.
نَظَرَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ نَظْرَةَ مَنْ يُمَرِّرُ شُعْلَةً بَيْنَ يَدَيْنِ.
— وَأَنْتَ؟
نَهَضَ أَبُو حَنِيفَةَ بِبُطْءِ رَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّ كَلَامَهُ سَيُحْفَرُ فِي الْحَجَرِ — وَيَعْرِفُ أَيْضاً أَنَّ الْحَجَرَ يَتَآكَلُ،
وَأَنَّ مَا لَا يَتَآكَلُ لَيْسَ الْحَجَرَ بَلِ الرُّوحُ الَّتِي دَفَعَتِ الْكَلِمَةَ.
قَالَ:
— بَنَيْتُ مَا بَنَيْتُ لأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ جَوَابٌ مُنَظَّمٌ.
الْحَيَاةُ تَمْضِي وَلَا تَنْتَظِرُ.
التَّاجِرُ يَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ حُدُودَ عَقْدِهِ قَبْلَ أَنْ يُوَقِّعَ.
الزَّوْجُ يَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ حُقُوقَ زَوْجَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا لَا بَعْدَهَا.
الْقَاضِي يَحْتَاجُ مِيزَاناً يَزِنُ بِهِ لَا كَفَّيْنِ تَتَذَبْذَبَانِ مَعَ كُلِّ رِيحٍ.
تَوَقَّفَ.
وَكَانَ فِي صَمْتِهِ شَيْءٌ لَمْ يُقَلْ بَعْدُ — شَيْءٌ يَبْحَثُ عَنْ لِسَانٍ.
— لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أَضَعَ سَقْفاً.
قَصَدْتُ أَنْ أَضَعَ أَرْضاً يَقِفُ عَلَيْهَا مَنْ لَا أَرْضَ لَهُ.
ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ، كَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ — أَوْ مَعَ تِلْكَ النُّسْخَةِ مِنْهُ الَّتِي كَانَتْ دَائِماً تَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَجْرُؤُ عَلَى الاعْتِرَافِ بِهِ:
— لَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ — فِي مَكَانٍ مَا،
فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ الصَّادِقِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لَا يَكْذِبُ حَتَّى عَلَى صَاحِبِهِ — أَنَّ مَا أَبْنِيهِ سَيُسْكَنُ ثُمَّ سَيُقَدَّسُ،
ثُمَّ سَيَتَوَقَّفُ عَنِ النُّمُوِّ لأَنَّ الْمُقَدَّسَ لَا يُغَيَّرُ — حَتَّى حِينَ يَحْتَاجُ التَّغْيِيرَ.
وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مَا أَرَدْتُ.
ثُمَّ، وَبَعْدَ صَمْتٍ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ:
— كُنْتُ تَاجِراً قَبْلَ أَنْ أَكُونَ فَقِيهاً.
وَالتَّاجِرُ يَعْرِفُ شَيْئاً لَا يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ دَائِماً:
أَنَّ الْبِضَاعَةَ الَّتِي لَا تَتَجَدَّدُ تَفْسُدُ.
وَأَنَّ مَا يَحْمِيهَا مِنَ الْفَسَادِ لَيْسَ التَّخْزِينَ — بَلِ الاسْتِخْدَامُ.
قَالَ مَالِكٌ دُونَ أَنْ يَنْهَضَ — لأَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ تَقُولُهَا وَأَنْتَ جَالِسٌ لِتُبَيِّنَ أَنَّكَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّأَهُّبِ لِقَوْلِهَا:
— الْمَدِينَةُ كَانَتْ تَعِيشُ الإِسْلَامَ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ.
فِي طَرِيقَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
فِي تَحِيَّةِ الْجَارِ قَبْلَ أَنْ تَتَذَكَّرَ اسْمَهُ.
فِي الْغَضَبِ وَالصُّلْحِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ صَبْرٍ لَا يُسَمِّيهِ أَحَدٌ صَبْراً لأَنَّهُ صَارَ طَبِيعَةً.
الْفِقْهُ الَّذِي رَأَيْتُهُ لَمْ يَكُنْ رَأْيِي وَحْدِي — كَانَ حَيَاةَ نَاسٍ عَاشُوا مَعَ مَنْ عَاشَ مَعَ مَنْ رَأَى.
كَانَ تَرَاكُمَ الأَيَّامِ لَا مَجْرَّدَ تَرَاكُمِ الْكَلِمَاتِ.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ لَا تَخْلُو مِنْ مَرَارَةٍ هَادِئَةٍ تشْبِهُ الْمَرَارَةَ الَّتِي لَا تُؤْلِمُ بَعْدَ أَنْ طَالَ تَعَوُّدُهَا:
— لَكِنَّهُمْ نَقَلُوا الْفِقْهَ دُونَ الْحَيَاةِ الَّتِي أَنْتَجَتْهُ.
نَقَلُوا الْخُلَاصَةَ دُونَ الرِّحْلَةِ.
وَوَضَعُوا كَلَامِي فِي بِلَادٍ لَمْ تَعِشْ مَا عَاشَتْهُ الْمَدِينَةُ، وَلَا مَرَّتْ بِمَا مَرَّتْ بِهِ.
وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الإِسْلَامُ.
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ.
— الإِسْلَامُ لَيْسَ خُلَاصَةً.
هُوَ رِحْلَةٌ.
وَالرِّحْلَةُ لَا تُنْقَلُ بِالنَّسْخِ.
نَهَضَ الشَّافِعِيُّ وَفِي عَيْنَيْهِ ذَلِكَ الْبَرِيقُ الَّذِي لَا يُخْطِئُهُ مَنْ قَرَأَ كُتُبَهُ — بَرِيقُ الْعَقْلِ الَّذِي يَلْمَعُ حِينَ يَجِدُ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ،
لَا حِينَ يَجِدُ مَنْ يَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ.
قَالَ:
— أَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ قَوَاعِدَ حَتَّى لَا يَتَكَلَّمَ كُلُّ أَحَدٍ بِاسْمِ الشَّرِيعَةِ كَيْفَ يَشَاءُ.
رَأَيْتُ الْفَوْضَى — فَقِيهٌ هُنَا يَقُولُ هَكَذَا،
وَفَقِيهٌ هُنَاكَ يَقُولُ عَكْسَهُ،
وَالنَّاسُ بَيْنَهُمَا ضَائِعُونَ لَا يَعْرِفُونَ مَنْ يَتَّبِعُونَ.
أَرَدْتُ مِيزَاناً لَا يَمِيلُ مَعَ كُلِّ رِيحٍ.
نَظَرَ إِلَى أَحْمَدَ نَظْرَةَ مَنْ يَسْتَدْعِي شَاهِداً لَا مَنْ يَطْلُبُ مُؤَازَرَةً.
— أَلَيْسَ هَذَا مَا أَرَدْنَاهُ مَعاً؟
أَمْسَكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَدَيْهِ وَقَالَ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ الصَّخْرَ — لَا فِي الْقَسْوَةِ،
بَلْ فِي ذَلِكَ الثَّبَاتِ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الدَّاخِلِ لَا مِنَ الْعِنَادِ، مِنَ الاقْتِنَاعِ لَا مِنَ الْخَوْفِ:
— أَرَدْنَا الْحَقَّ.
وَدَفَعْنَا ثَمَنَهُ.
قُلْتُ مَا قُلْتُهُ وَدُفِعْتُ إِلَى السِّجْنِ وَجُلِدْتُ ،
وَجُلِدَ جِسْمي وَلَمْ أَجِدْ فِي قَلْبِي مَا يُعِيدُنِي عَنْ مَا قُلْتُهُ.
وَهَذَا لَمْ يَكُنْ شَجَاعَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي يَتَصَوَّرُهُ النَّاسُ.
كَانَ أَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ:
لَمْ أَجِدْ فِي نَفْسِي مَكَاناً أُخَبِّئُ فِيهِ التَّرَاجُعَ.
تَوَقَّفَ.
وَكَانَ هَذَا التَّوَقُّفُ نَادِراً فِيهِ — مُؤْلِماً بِقَدْرِ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ.
— لَكِنَّنِي أَيْضاً لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنْ يَحْمِلَ اسْمِي مَنْ يُضَيِّقُ مَا أَرَدْتُهُ رَحْباً.
مَنْ يُحَرِّمُ مَا سَكَتُّ عَنْهُ.
مَنْ يَجْعَلُ احْتِيَاطِي خَوْفاً،
وَوَرَعِي وَسِيلَةً لإِخَافَةِ النَّاسِ مِنَ اللهِ.
وَالُله الَّذِي عَرَفْتُهُ لَمْ يَكُنْ يُخِيفُ — كَانَ يَدْعُو.
رَفَعَ رَأْسَهُ.
— حَمَلَ بَعْضُهُمُ اسْمِي وَأَنَا مِنْهُمْ بَرِيءٌ.
وَأَنَا أَيْضاً أَبْرَأُ إِلَى اللهِ مِنْ كُلِّ ظُلْمٍ ارْتُكِبَ بِاسْمِي — وَإِنْ كَانَ هَذَا الظُّلْمُ قَدِ ارْتَدَى ثَوْبَ التَّقْوَى وَتَكَلَّمَ بِلُغَةِ الدِّينِ.
فِي الرُّكْنِ الْبَعِيدِ،
قَالَتْ رَابِعَةُ دُونَ أَنْ تَفْتَحَ عَيْنَيْهَا — لأَنَّ مَنْ يَرَى بِالْقَلْبِ لَا يَحْتَاجُ دَائِماً إِلَى أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَعْرِفَ مَنْ أَمَامَهُ:
— كُنْتُمْ تَبْنُونَ.
وَأَنَا كُنْتُ أُحِبُّ.
وَلَيْسَ بَيْنَنَا خُصُومَةٌ.
فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا.
وَكَانَ فِيهِمَا مِنَ الدِّفْءِ مَا يَجْعَلُ السُّؤَالَ يَخْجَلُ مِنْ حِدَّتِهِ.
— لَكِنَّ الْحُبَّ لَا يُورَّثُ بِالْكُتُبِ.
لَا يُجَرِّبُهُ أَحَدٌ بِقِرَاءَةِ وَصْفِهِ.
وَهَذَا مَا لَمْ تَجِدُوا لَهُ حَلًّا — لَيْسَ لأَنَّكُمْ أَخْطَأْتُمْ،
بَلْ لأَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ تَرْفُضُ أَنْ تُوضَعَ فِي كِتَابٍ.
وَهَذَا الرَّفْضُ لَيْسَ عَيْباً فِيهَا — بَلْ هُوَ أَجْمَلُ مَا فِيهَا.
قَامَ الْحَلَّاجُ مِنْ مَكَانِهِ بِبُطْءٍ مَنْ لَا يَقُومُ لِيُفَاجِئَ،
بَلْ لِيَسْتَقْبِلَ.
كَانَ الْجَمِيعُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
بَعْضُهُمْ بِتَوَجُّسٍ قَدِيمٍ لَمْ يَتَعَلَّمُوا بَعْدُ كَيْفَ يَضَعُونَهُ جَانِباً.
بَعْضُهُمْ بِشَوْقٍ كَانُوا يُخَبِّئُونَهُ حَتَّى مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
قَالَ:
— قُتِلْتُ وَلَا أَشْكُو.
لَيْسَ لأَنَّ مَا فُعِلَ بِي كَانَ عَدْلاً — بَلْ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَصِلُ إِلَى مَكَانٍ لَا تَصِلُهُ اللُّغَةُ يَعْرِفُ أَنَّ اللُّغَةَ سَتَنْتَقِمُ مِنْهُ.
اللُّغَةُ تَحْمِي نَفْسَهَا.
وَهِيَ مُحِقَّةٌ فِي ذَلِكَ — لأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ مَنْ تَجَاوَزَهَا يُهَدِّدُ كُلَّ مَا بَنَتْهُ.
نَظَرَ إِلَى الْجَمْعِ نَظْرَةً لَا تَطْلُبُ شَيْئاً.
— لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَهْدِمَ الشَّرِيعَةَ.
كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ إِنَّ مَا وَرَاءَهَا أَعْظَمُ مِمَّا فِيهَا.
وَأَنَّ الْوُصُولَ إِلَى اللهِ لَا يَمُرُّ بِالْخَوْفِ،
بَلْ بِالذَّوَبَانِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالذَّوَبَانِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَقِفُ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ وَمَنْ يَدْخُلُ.
ثُمَّ جَلَسَ.
وَكَانَ فِي جُلُوسِهِ مَا يُشْبِهُ الصُّلْحَ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ — مَعَ مَنْ أَحَبَّ،
وَمَنْ أَسَاءَ فَهْمَهُ، وَمَعَ تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَحْمِلَهُ.
نَهَضَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِلَى جَانِبِهِ الْغَزَالِيُّ.
تَبَادَلَا نَظْرَةً قَصِيرَةً — كَانَتْ فِي تِلْكَ النَّظْرَةِ قُرُونٌ مِنَ الْجَدَلِ تَنْتَهِي دُونَ أَنْ يُعْلِنَ أَحَدٌ انْتِصَارَهُ.
لأَنَّ الانْتِصَارَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِعْلَاناً لَيْسَ انْتِصَاراً حَقِيقِيًّا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
— كَتَبْتُ دِفَاعاً عَنِ الْعَقْلِ لأَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ ضِدَّ اللهِ.
اللهُ أَعْطَى الإِنْسَانَ الْعَقْلَ.
وَالْعَقْلُ الَّذِي يُعْطَى ثُمَّ يُطْلَبُ مِنْهُ أَلَّا يَعْمَلَ — هَذَا ظُلْمٌ لَا يَصْدُرُ عَنِ اللهِ.
الظُّلْمُ يَصْدُرُ عَمَّنْ يَخَافُ الْعَقْلَ لأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْعَقْلَ سَيَسْأَلُهُ مَا لَا يُرِيدُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ.
أَحَسَّ الْغَزَالِيُّ بِشَيْءٍ أَرَادَ أَنْ يَقُولَهُ مُنْذُ قُرُونٍ.
قَالَ بِهُدُوءٍ لَمْ يَخْلُ مِنْ دِفْءٍ حَقِيقِيٍّ — لَيْسَ دِفْءَ مَنْ يَتَسَامَحُ، بَلْ دِفْءَ مَنْ يَفْهَمُ:
— وَأَنَا كَتَبْتُ تَهَافُتَ الْفَلَاسِفَةِ لَا لأَنَّ الْعَقْلَ عَدُوٌّ — بَلْ لأَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْلِ أَعْمَقُ مِنْهُ.
وَصَلْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَتْقَنْتُ الْعَقْلَ وَتَجَاوَزْتُهُ.
الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُتْقِنِ الرِّيَاضِيَّاتِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ لِمَاذَا تَعْجِزُ الرِّيَاضِيَّاتُ عَنِ الإِجَابَةِ عَلَى بَعْضِ الأَسْئِلَةِ. وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُتْقِنِ الْعَقْلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ لِمَاذَا تَحْتَاجُ الرُّوحُ أَكْثَرَ مِنْهُ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً.
— الْفَرْقُ بَيْنَنَا لَيْسَ فِي الْغَايَةِ — كِلَانَا أَرَادَ اللهَ.
الْفَرْقُ فِي الطَّرِيقِ.
وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ كَانَا صَادِقَيْنِ فِي زَمَانِهِمَا.
وَرُبَّمَا كَانَ التَّارِيخُ بِحَاجَةٍ إِلَى كِلَيْهِمَا لِكَيْ لَا يَغْرَقَ فِي أَحَدِهِمَا.
مِنَ الْخَلْفِ،
قَالَتْ نُورٌ الْبَاحِثَةُ بِصَوْتٍ فِيهِ ارْتِجَافٌ خَفِيٌّ لَا تُخْفِيهِ لأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ أَخِيراً أَنَّ الارْتِجَافَ أَمَانَةٌ لَا ضَعْفٌ:
— أَنَا دَرَسْتُ كُلَّ هَذَا.
قَرَأْتُ كُلَّ هَذَا.
وَكُنْتُ أَحْيَاناً أَشْعُرُ أَنَّنِي أَدْرُسُ حَفْرِيَّةً أَثَرِيَّةً — جَمِيلَةً وَمُهِمَّةً وَضَرُورِيَّةً لِفَهْمِ التَّارِيخِ،
لَكِنَّهَا لَا تَتَنَفَّسُ.
صَمَتَتْ.
وَفِي صَمْتِهَا كَانَ اعْتِرَافٌ كَلَّفَهَا سَنَوَاتٍ.
— وَالْيَوْمَ — لأَوَّلِ مَرَّةٍ — أَرَى أَنَّهَا كَانَتْ تَتَنَفَّسُ دَائِماً.
كُنْتُ أَنَا مَنْ لَمْ تُنْصِتْ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ.
دَرَسْتُ الأَفْكَارَ وَنَسِيتُ أَنَّ وَرَاءَ كُلِّ فِكْرَةٍ إِنْسَاناً كَانَ يَخَافُ وَيَشُكُّ وَيَحِبُّ وَيُخْطِئُ.
وَحِينَ تَتَذَكَّرُ الإِنْسَانَ يَصِيرُ التُّرَاثُ حَيًّا.
قَالَ طَارِقٌ الْمُهَنْدِسُ،
وَفِي صَوْتِهِ تِلْكَ الْبَسَاطَةُ الَّتِي تَقْطَعُ الْجَدَلَ دُونَ أَنْ تَقْصِدَ،
كَمَا يَقْطَعُ الضَّوْءُ الشَّكَّ دُونَ أَنْ يَجَادِلَهُ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ كُلَّ هَذَا الْكَلَامِ الْكَبِيرِ.
لَا أَعْرِفُ الأُصُولَ وَلَا الْفُرُوعَ وَلَا الْكَلَامَ وَلَا التَّصَوُّفَ.
لَكِنَّنِي كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ النَّوْمِ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ لَا اسْمَ لَهُ — لَيْسَ خَوْفاً،
لَيْسَ ذَنْباً، لَيْسَ وَاجِباً.
شَيْءٌ يُشْبِهُ أَنَّنِي لَسْتُ وَحْدِي.
وَأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ يَعْرِفُنِي — حَتَّى حِينَ لَا أَعْرِفُهُ.
نَظَرَ إِلَى سَلْمَى،
إِلَى تِلْكَ الْعَجُوزِ الَّتِي رَأَتِ النَّبِيَّ طِفْلَةً.
— رُبَّمَا هَذَا هُوَ مَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَحْمُوهُ.
أَوْمَأَتْ سَلْمَى بِرَأْسِهَا.
إِيمَاءَةٌ بَسِيطَةٌ تَحْمِلُ مِنَ الثِّقَلِ مَا لَا يَحْمِلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْكَلَامِ.
ثُمَّ قَالَتْ بِذَلِكَ الْهُدُوءِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ عَاشَ طَوِيلاً وَخَسِرَ كَثِيراً وَمَا زَالَ يُؤْمِنُ — لَيْسَ رَغْمَ ذَلِكَ بَلْ بِسَبَبِهِ:
— الْوَحْيُ لَمْ يَتَوَقَّفْ لأَنَّهُ انْتَهَى.
تَوَقَّفَ لأَنَّهُ اكْتَمَلَ.
وَالاكْتِمَالُ لَيْسَ الإِغْلَاقَ — بَلْ هُوَ الأَمَانَةُ.
أَمَانَةٌ فِي أَيْدِي مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ حَمَلَ جُزْءً مِنْ هَذِهِ الأَمَانَةِ — وَالْجُزْءُ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ،
وَلَا يُخْطِئُ وَحْدَهُ.
أَنْتُمْ مَعاً كُنْتُمُ الإِنْسَانَ الَّذِي بَدَأَ.
تَوَقَّفَتْ،
ونَظَرَتْ إِلَى وُجُوهِهِمْ وَاحِداً وَاحِداً،
كَأَنَّهَا تُوَدِّعُ وَتَبْدَأُ فِي آنٍ.
— وَالإِنْسَانُ الَّذِي يَبْدَأُ لَا يَعْرِفُ النِّهَايَةَ.
وَهَذَا لَيْسَ ضَعْفَهُ.
هَذَا كَرَامَتُهُ.
حَدَثَ شَيْءٌ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَا تَسْتَطِيعُ الْكَلِمَاتُ وَصْفَهُ بِدِقَّةٍ — وَرُبَّمَا هَذَا بِالذَّاتِ هُوَ دَلِيلُهُ.
لَمْ يَكُنْ ضَوْءً جَدِيداً.
وَلَمْ يَكُنْ صَوْتاً مِنَ الْغَيْبِ يَنْزِلُ لِيَخْتِمَ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ نَهَضَ وَأَعْلَنَ النِّهَايَةَ.
كَانَ شَيْئاً أَبْسَطَ وَأَعْمَقَ:
صَمْتٌ مُشْتَرَكٌ لَمْ يَشْعُرْ فِيهِ أَحَدٌ بِحَاجَةٍ إِلَى مَلْئِهِ.
وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ الْمُعْجِزَةَ — أَنْ يَجْتَمِعَ هَؤُلَاءِ جَمِيعاً وَلَا يَشْعُرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ مَنْ يَتَكَلَّمُ.
أَغْمَضَ أَبُو حَنِيفَةَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ،
وَعَلَى وَجْهِهِ مَا يُشْبِهُ الرَّاحَةَ الَّتِي لَمْ يَجِدْهَا فِي حَلَقَاتِ الْكُوفَةِ مَهْمَا امْتَدَّتْ.
حَرَّكَ مَالِكٌ شَفَتَيْهِ بِشَيْءٍ لَا يُسْمَعُ — رُبَّمَا دُعَاءٌ،
رُبَّمَا شُكْرٌ،
رُبَّمَا الاثْنَانِ مَعاً وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
رَفَعَ أَحْمَدُ رَأْسَهُ إِلَى السَّقْفِ الَّذِي لَا سَقْفَ — وَرَأَى فِيهِ مَا لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ،
أَوْ رَآهُ وَلَمْ يَجِدِ اسْمَهُ حَتَّى الآنَ.
ابْتَسَمَتْ رَابِعَةُ ابْتِسَامَةَ مَنْ تَقُولُ بِلَا كَلِمَاتٍ:
أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ؟
وَلَمْ تَكُنِ ابْتِسَامَتُهَا انْتِصَاراً — كَانَتْ دَعْوَةً مَفْتُوحَةً.
مَدَّ الْحَلَّاجُ يَدَيْهِ أَمَامَهُ — تِلْكَ الْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ قُطِعَتَا وَلَمْ يُقْطَعْ بِهِمَا مَا أَرَادَ أَنْ يُقَالَ — وَنَظَرَ إِلَيْهِمَا كَمَنْ يَرَى لأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ الْجُرْحَ وَالْعَطَاءَ يَسْكُنَانِ الْمَكَانَ نَفْسَهُ.
نَظَرَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْغَزَالِيُّ إِلَى بَعْضِهِمَا مَرَّةً أَخِيرَةً.
وَفِي تِلْكَ النَّظْرَةِ مَا يَكْفِي لِكِتَابٍ لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ — وَرُبَّمَا لَنْ يُكْتَبَ،
لأَنَّ بَعْضَ الصُّلْحِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَاتِبٍ.
وَبَقِيَ صَوْتٌ وَاحِدٌ.
ذَلِكَ الصَّوْتُ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ — كُلُّ مَنْ أُسْكِتَ فِي التَّارِيخِ،
كُلُّ مَنْ حَمَلَ سُؤَالاً وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُجِيبُهُ،
كُلُّ مَنْ آمَنَ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَجِدْ لَهَا اسْماً فِي كِتَابٍ — اجْتَمَعَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَكَلَّمَ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئاً مُحَدَّداً.
قَالَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ الصَّوْتِ الْجَامِعِ — صَوْتُ الطِّفْلِ الَّذِي يَسْأَلُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْخَوْفَ مِنَ السُّؤَالِ،
وَصَوْتُ الأُمِّ الَّتِي تُوَرِّثُ الإِيمَانَ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ،
وَصَوْتُ الصَّانِعِ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَحْضُرِ النِّقَاشَ الَّذِي جَرَى فِيهِ،
وَصَوْتُ الْعَجُوزِ الرَّاضِيَةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الْجَوَابَ عَلَى أَيِّ سُؤَالٍ كَبِيرٍ وَتَحْيَا فِي سَلَامٍ لَا يَحْتَاجُ الْجَوَابَ.
وَصَوْتُ كُلِّ مَنْ عَاشَ الدِّينَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ.
وَحِينَ انْتَهَى الصَّمْتُ — أَوْ حِينَ صَارَ الصَّمْتُ نَفْسُهُ كَلَاماً — كَانَتِ الآيَةُ الَّتِي بَدَأَتْ بِهَا هَذِهِ الصَّفَحَاتُ تَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ مَكَانٍ دُونَ أَنْ يَنْطِقَهَا أَحَدٌ:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
وَلَمْ يَكُنِ الاخْتِلَافُ عَلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ مُهِمًّا.
كَانَ الْمُهِمُّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ — بِطَرِيقَتِهِ،
فِي زَمَانِهِ،
بِقَدْرِ مَا أُوتِيَ مِنْ فَهْمٍ وَقَدْرٍ وَحَدٍّ — كَانَ يُحَاوِلُ.
وَالْمُحَاوَلَةُ،
فِي حَدِّ ذَاتِهَا، عِبَادَةٌ.
وَالتَّارِيخُ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ خَطَأً.
التاريخ كان جُزْءاً من الطريق.

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 02