يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: بَغْدَادُ — حِينَ أَصْبَحَ الْفِقْهُ سُلْطَةً
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ” ـ النِّسَاء: ٥٩
أَوَّلاً: بَغْدَادُ — السَّنَةُ مِئَةٌ وَخَمْسُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
بَنَى الْمَنْصُورُ بَغْدَادَ دَائِرَةً.
لَمْ يَكُنْ هَذَا صُدْفَةً مِعْمَارِيَّةً.
كَانَ قَرَاراً فَلْسَفِيًّا مِنْ رَجُلٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَرْكَزَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاضِحاً — مِنْ أَيِّ مَكَانٍ فِي الْمَدِينَةِ تَنْظُرُ تَرَى الْقَصْرَ.
وَمِنَ الْقَصْرِ تَنْظُرُ تَرَى كُلَّ شَيْءٍ.
الْمَدِينَةُ الْمُدَوَّرَةُ.
الْعَالَمُ الْمَضْبُوطُ.
الْخَلِيفَةُ فِي الْمَرْكَزِ.
وَاللهُ — فِي التَّصَوُّرِ السِّيَاسِيِّ لِذَلِكَ الزَّمَانِ — يُضْفِي شَرْعِيَّتَهُ عَلَى الْمَرْكَزِ.
وَالْفَقِيهُ يُتَرْجِمُ إِرَادَةَ اللهِ.
وَالْقَاضِي يُطَبِّقُ مَا يُتَرْجِمُهُ الْفَقِيهُ.
وَالسَّيْفُ يَضْمَنُ أَنَّ التَّطْبِيقَ لَا يُعَانِدُ.
دَائِرَةٌ كَامِلَةٌ.
مَضْبُوطَةٌ.
جَمِيلَةٌ فِي شَكْلِهَا.
خَانِقَةٌ فِي جَوْهَرِهَا — لِمَنْ يَرَى مَا تَحْتَ الشَّكْلِ.
وَالأَشْكَالُ الْجَمِيلَةُ تَخْنُقُ أَكْثَرَ مِنَ الأَشْكَالِ الْقَبِيحَةِ لأَنَّهَا تُقَنِّعُ الْخَنْقَ بِالْجَمَالِ.
كَانَ حَارِثُ الْوَرَّاقُ — الَّذِي كَانَ فِي الْكُوفَةِ مِن قَبْلُ شَابًّا يَحْسُبُ ثَمَنَ كُلِّ كَلِمَةٍ — قَدْ صَارَ الآنَ فِي الثَّامِنَةِ وَالْخَمْسِينَ رَجُلاً يَمْلِكُ دُكَّانَ نَسْخٍ فِي قَلْبِ بَغْدَادَ، بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَسُوقِ الْكُتُبِيِّينَ.
شَعْرُهُ أَبْيَضُ.
أَصَابِعُهُ مَا زَالَتْ مُلَطَّخَةً بِالْحِبْرِ — كَأَنَّ الْحِبْرَ صَارَ جُزْءً مِنْ لَوْنِهِ لَا مُجَرَّدَ أَثَرٍ.
وَعَيْنَاهُ مَا زَالَتَا تَتَحَرَّكَانِ بِتِلْكَ السُّرْعَةِ الَّتِي تَنْسَخُ الْوُجُوهَ كَمَا تَنْسَخُ الْكُتُبَ.
لَكِنَّ عَيْنَيْهِ تَحْمِلَانِ الآنَ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوفَةِ:
شَيْءٌ يُشْبِهُ الإِرْهَاقَ مِنَ الرُّؤْيَةِ — ذَلِكَ الإِرْهَاقُ الَّذِي يَأْتِي لَا مِنَ الضَّعْفِ بَلْ مِنَ الكَثِيرِ مِمَّا رُئِيَ.
فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ جَاءَهُ زَبُونٌ جَدِيدٌ.
رَجُلٌ فِي الأَرْبَعِينَ، يَرْتَدِي ثِيَاباً تَدُلُّ عَلَى الْمَالِ دُونَ أَنْ تَصْرُخَ بِهِ، وَجْهُهُ ذَكِيٌّ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَجْعَلُكَ تَحْسُبُ كَلَامَكَ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ.
قَالَ:
— أُرِيدُ نُسْخَةً مِنْ الموطأ.
نَظَرَ إِلَيْهِ حَارِثٌ.
— أَيَّ نُسْخَةٍ؟ عِنْدِي ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
— ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ لِكِتَابٍ وَاحِدٍ؟
— الْكِتَابُ وَاحِدٌ.
لَكِنَّ النَّاسِخِينَ ثَلَاثَةٌ.
وَكُلُّ نَاسِخٍ يَفْهَمُ فَيُبَسِّطُ.
أَوْ لَا يَفْهَمُ فَيُغَيِّرُ.
وَالنَّتِيجَةُ ثَلَاثَةُ كُتُبٍ تَحْمِلُ اسْماً وَاحِداً وَتَقُولُ أَشْيَاءَ مُتَقَارِبَةً لَا مُتَطَابِقَةً.
جَلَسَ الرَّجُلُ — جُلُوسَ مَنْ فَاجَأَهُ الْكَلَامُ وَقَرَّرَ أَنَّ الأَمْرَ يَسْتَحِقُّ الْجُلُوسَ.
— وَأَيُّهَا أَصَحُّ؟
— أَصَحُّهَا أَطْوَلُهَا وَأَصْعَبُهَا.
لأَنَّ الَّذِي اخْتَصَرَ اخْتَارَ مَا يَفْهَمُ.
وَالَّذِي يَخْتَارُ مَا يَفْهَمُ يَحْذِفُ مَا لَا يَفْهَمُ.
وَمَا لَا يَفْهَمُهُ النَّاسِخُ قَدْ يَكُونُ أَهَمَّ مَا فِي الْكِتَابِ — لأَنَّهُ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَحَدَّى الْعَقْلَ وَلَا يُدَاهِنُهُ.
ضَحِكَ الرَّجُلُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً:
— أَنْتَ فَيْلَسُوفٌ يَبِيعُ الْكُتُبَ.
— أَنَا وَرَّاقٌ يَعْرِفُ ثَمَنَ الْكَلِمَةِ.
وَهَذَا أَخْطَرُ مِنَ الْفَلْسَفَةِ — لأَنَّ الْفَيْلَسُوفَ يُقَدِّرُ الْكَلِمَةَ بِالْفِكْرِ، وَأَنَا أُقَدِّرُهَا بِمَا يَحْدُثُ حِينَ تُنْسَخُ وَتُنْقَلُ وَتَتَغَيَّرُ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ أَحَدٌ.
قَدَّمَ لَهُ حَارِثٌ النُّسْخَةَ الطَّوِيلَةَ.
قَالَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَتَصَفَّحُهَا:
— اسْمِي يَحْيَى أَنَا قَاضٍ.
لَمْ يَتَغَيَّرْ وَجْهُ حَارِثٍ — لَا انْقَبَضَ وَلَا انْفَتَحَ، بَقِيَ بِتِلْكَ الرَّصَانَةِ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا مَنْ رَأَى كُلَّ أَنْوَاعِ النَّاسِ يَمُرُّونَ مِنْ أَمَامِهِ.
— وَمَاذَا تُرِيدُ مِنْ رِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ؟
— أ ُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ كَيْفَ يُفَكِّرُ.
لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسْتَشْهِدُونَ بِهِ أَمَامِي.
وَأُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ مَا قَالَهُ هُوَ لَا مَا يَقُولُونَ إِنَّهُ قَالَهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ حَارِثٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاحْتِرَامَ غَيْرَ الْمُتَوَقَّعِ:
— هَذَا سُؤَالٌ ذَكِيٌّ.
— أَنَا قَاضٍ. الذَّكَاءُ مِهْنَتِي.
— لَا. الْحُكْمُ مِهْنَتُكَ.
وَالذَّكَاءُ شَيْءٌ آخَرُ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْقُضَاةِ يَخْلِطُونَ بَيْنَ الاثْنَيْنِ — يَظُنُّونَ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْحُكْمِ تَعْنِي الذَّكَاءَ، وَالذَّكَاءُ يَعْنِي الْقُدْرَةَ عَلَى السُّؤَالِ الصَّحِيحِ.
صَمَتَ يَحْيَى لَحْظَةً.
ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ لَا دِفَاعَ فِيهَا وَلَا هُجُومَ — نَبْرَةُ مَنْ يَتَحَمَّلُ كَلَاماً لأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّحَمُّلَ:
— أَنْتَ لَا تَخَافُ.
— مِنْ مَاذَا؟
— مِنْ أَنْ تَقُولَ لِقَاضٍ مَا قُلْتَهُ.
ابْتَسَمَ حَارِثٌ:
— أَنَا وَرَّاقٌ. إِذَا أَغْلَقُوا دُكَّانِي لَا يَجِدُونَ مَنْ يَنْسَخُ لَهُمْ.
هَذَا يَمْنَحُنِي حُرِّيَّةً مَحْدُودَةً لَكِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ.
وَالْحُرِّيَّةُ الْمَحْدُودَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الْوَاسِعَةِ الْمُزَيَّفَةِ.
ثَانِياً: الْمَسْجِدُ الْجَامِعُ — حَلْقَةُ أَبِي حَنِيفَةَ
لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَجْلِسُ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
كَانَ يَجْلِسُ فِي الْمُنْتَصَفِ — وَكَانَ لِهَذَا مَعْنًى لِمَنْ يَفْهَمُ أَنَّ مَكَانَ الْمُعَلِّمِ يَقُولُ شَيْئاً عَنْ طَرِيقَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ:
“الْمُعَلِّمُ الَّذِي يَجْلِسُ فِي الْمُقَدِّمَةِ يَرَى ظُهُورَ طُلَّابِهِ.
وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَرَى وُجُوهَهُمْ — لأَنَّ الْوَجْهَ يَقُولُ مَا لَا يَقُولُهُ الْفَمُ.”
حَلْقَتُهُ كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ حَلْقَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
أَقَلُّ هُدُوءً.
أَكْثَرُ حَرَكَةً.
الطُّلَّابُ يَتَكَلَّمُونَ وَيَعْتَرِضُونَ وَأَحْيَاناً يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ — وَأَبُو حَنِيفَةَ يَسْمَعُ كُلَّ صَوْتٍ بِنَفْسِ الاهْتِمَامِ، كَأَنَّ صَوْتَ الِاعْتِرَاضِ أَهَمُّ عِنْدَهُ مِنْ صَوْتِ الْمُوَافَقَةِ.
كَانَ فِي الْحَلْقَةِ ذَلِكَ الصَّبَاحَ نَحْوُ سِتِّينَ طَالِباً.
بَيْنَهُمُ النُّعْمَانُ بْنُ زِيَادٍ — الَّذِي كَانَ شَابًّا فِي الْكُوفَةِ وَصَارَ الآنَ فِي الْخَمْسِينَ رَجُلاً يَحْمِلُ فِي وَجْهِهِ كُلَّ السُّؤَالِ الَّذِي بَدَأَهُ فِي ذَلِكَ الْفَجْرِ— السُّؤَالُ لَمْ يَصِرْ أَصْغَرَ بِمُرُورِ الزَّمَنِ، صَارَ أَكْثَرَ تَفَاصِيلَ وَأَثْقَلَ خِبْرَةً.
وَبَيْنَهُمْ أَيْضاً لَيْلَى الْفَقِيهَةُ — خَلْفَ سِتَارٍ رَقِيقٍ فِي الْجَانِبِ، تَسْمَعُ وَتَكْتُبُ بِخَطٍّ يَكَادُ لَا يُقْرَأُ لأَنَّهُ خَطُّ مَنْ يَكْتُبُ بِسُرْعَةِ مَنْ يَخَافُ أَنْ تُسْرَقَ الْفُرْصَةُ — وَالسِّتَارُ الرَّقِيقُ لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُ صَوْتَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَحْجُبُ عَقْلَهَا، لَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَيْئاً عَنِ الْحَدِّ الَّذِي يَقِفُهُ الْمَجْتَمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِلْمِ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ.
كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تُنَاقَشُ تِلْكَ الْجَلْسَةَ مَسْأَلَةَ الاسْتِصْنَاعِ — عَقْدُ الصَّانِعِ عَلَى شَيْءٍ يَصْنَعُهُ مُسْتَقْبَلاً.
مَسْأَلَةٌ تَبْدُو فِقْهِيَّةً صِرْفَةً لَكِنَّهَا فِي جَوْهَرِهَا سُؤَالٌ عَنِ الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ وَكَيْفَ يُصَاغُ الالْتِزَامُ الإِنْسَانِيُّ فِي الْكَلِمَاتِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
— مَا رَأْيُكُمْ فِي مَنْ يَطْلُبُ مِنَ الْحَدَّادِ أَنْ يَصْنَعَ لَهُ سَيْفاً بِمَوَاصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مُقَابِلَ ثَمَنٍ مُعَيَّنٍ — هَلْ هَذَا بَيْعٌ أَمْ إِجَارَةٌ؟
قَالَ طَالِبٌ فِي الأَمَامِ:
— بَيْعٌ. لأَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّيْءُ الْمَصْنُوعُ.
قَالَ طَالِبٌ آخَرُ:
— إِجَارَةٌ. لأَنَّ الْمَقْصُودَ عَمَلُ الصَّانِعِ.
قَالَ ثَالِثٌ:
— لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ. هُوَ عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ بِذَاتِهِ يُعَبِّرُ عَنْ وَاقِعٍ لَمْ يُصَغْهُ الْقُدَمَاءُ لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَيْهِ.
الْتَفَتَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى النُّعْمَانِ:
— وَأَنْتَ يَا نُعْمَانُ؟
نَهَضَ النُّعْمَانُ بِبُطْءِ رَجُلٍ يَزِنُ كَلَامَهُ — وَكَانَ هَذَا الْبُطْءُ مُكْتَسَباً، لَمْ يَكُنْ طَبِيعَتَهُ فِي الشَّبَابِ:
— رَأْيِي أَنَّهُ يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَى مَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الطَّرَفَيْنِ.
الْحَدَّادُ يَحْتَاجُ ضَمَاناً لِعَمَلِهِ حَتَّى لَا يُصْبِحَ الْعَمَلُ عَبُودِيَّةً بِلَا سَنَدٍ.
وَالْمُشْتَرِي يَحْتَاجُ ضَمَاناً لِمَوَاصِفَاتِهِ حَتَّى لَا يُصْبِحَ الشِّرَاءُ مُقَامَرَةً بِلَا حَقٍّ.
فَأَيُّ صِيَاغَةٍ لِلْعَقْدِ تُحَقِّقُ الضَّمَانَيْنِ هِيَ الصَّحِيحَةُ — بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ تَصْنِيفِهَا.
صَمَتَ أَبُو حَنِيفَةَ لَحْظَةً — تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الصَّمْتُ تَفْكِيراً لَا انْتِظَاراً.
ثُمَّ قَالَ:
— هَذَا الْجَوَابُ يُسْعِدُنِي وَيُقْلِقُنِي فِي آنٍ وَاحِدٍ.
— لِمَاذَا يُقْلِقُكَ؟
— لأَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَصْلَحَةَ أَسَاساً.
وَالْمَصْلَحَةُ قَدْ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي تَحْدِيدِهَا — كُلُّ إِنْسَانٍ يَرَى مَصْلَحَتَهُ مِنْ مَوْقِعِهِ وَمِنْ تَجْرِبَتِهِ وَمِنْ مَا يَخَافُهُ.
فَمَنْ يُحَدِّدُ أَيَّ مَصْلَحَةٍ هِيَ “الصَّحِيحَةُ” بَيْنَ مَصَالِحَ مُتَعَارِضَةٍ؟
قَالَ النُّعْمَانُ:
— الْفَقِيهُ.
— وَحِينَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ؟
— الأَعْلَمُ.
— وَمَنْ يَحْكُمُ عَلَى الأَعْلَمِ؟
صَمَتَ النُّعْمَانُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا كَانْتِقَادٍ بَلْ كَاسْتِمْرَارٍ فِي مَسِيرَةِ السُّؤَالِ:
— هَذَا السُّؤَالُ لَمْ أَجِدْ لَهُ جَوَاباً مُرْضِياً حَتَّى الآنَ.
لَكِنَّنِي أَطْرَحُهُ لأَنَّ مَنْ لَا يَرَى السُّؤَالَ لَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْجَوَابِ.
وَمَنْ لَا يَبْحَثُ عَنِ الْجَوَابِ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَمْتَلِكُهُ.
مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ كَتَبَتْ لَيْلَى بِخَطِّهَا الصَّغِيرِ السَّرِيعِ:
“قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
الْمَصْلَحَةُ أَسَاسٌ.
ثُمَّ قَالَ:
مَنْ يَحْكُمُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ؟ وَلَمْ يُجِبْ.
وَهَذَا أَهَمُّ مِنَ الْجَوَابِ — لأَنَّ الْعَالِمَ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِحُدُودِ جَوَابِهِ يَحْمِي النَّاسَ مِنَ الْعَالِمِ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ لَا حُدُودَ لِجَوَابِهِ.”
بَعْدَ الْحَلْقَةِ، خَرَجَ الطُّلَّابُ تَبَاعاً.
مَشَى النُّعْمَانُ بِبُطْءٍ نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ.
اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَلْقَةِ — جَاءَ مِنَ الْخَارِجِ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ وَلَمْ يَجِئْ مُصَادَفَةً.
قَالَ الرَّجُلُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
— أَنْتَ مِنْ طُلَّابِ أَبِي حَنِيفَةَ؟
— نَعَمْ.
— الْوَالِي يُرِيدُ لِقَاءَهُ.
— الْوَالِي؟
— وَالِي بَغْدَادَ. يُرِيدُ رَأْيَ الشَّيْخِ فِي مَسْأَلَةٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ النُّعْمَانُ.
— وَهَلْ أَبْلَغْتَ الشَّيْخَ نَفْسَهُ؟
— أَبْلَغْنَاهُ. رَفَضَ.
تَوَقَّفَ النُّعْمَانُ.
— وَمَاذَا تُرِيدُ مِنِّي إِذاً؟
— أَنْ تُقْنِعَهُ.
ابْتَسَمَ النُّعْمَانُ ابْتِسَامَةَ رَجُلٍ يَعْرِفُ أُسْتَاذَهُ جَيِّداً — تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي تَأْتِي مِنْ سَنَوَاتٍ لَا مِنْ كَلَامٍ:
— أَنْتَ لَا تَعْرِفُ أَبَا حَنِيفَةَ.
مَنْ يَرْفُضُ لَا يُقْنَعُ.
وَمَنْ يُقْنَعُ لَمْ يَكُنْ رَفْضُهُ حَقِيقِيًّا — كَانَ مَوْقِفاً يَبْحَثُ عَنْ سَبَبٍ لِلتَّرَاجُعِ.
مَضَى.
وَبَقِيَ الرَّجُلُ وَاقِفاً يَحْمِلُ مُهِمَّةً لَمْ تَنْجَحْ — وَكَانَ هَذَا الْفَشَلُ بِحَدِّ ذَاتِهِ خَبَراً يَسْتَحِقُّ الرِّوَايَةَ.
ثَالِثاً: دُكَّانُ حَارِثٍ — بَعْدَ الظُّهْرِ
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ جَالِساً فِي دُكَّانِ حَارِثٍ.
لَمْ يَكُنْ هَذَا غَرِيباً — كَانَ يَزُورُهُ أَحْيَاناً، لَيْسَ لِشِرَاءِ الْكُتُبِ بَلْ لِقِرَاءَةِ مَا يَصِلُهُ مِنْ مُدُنٍ أُخْرَى.
حَارِثٌ كَانَ يَمْتَلِكُ أَفْضَلَ شَبَكَةِ مَعْلُومَاتٍ فِي بَغْدَادَ — لَيْسَ لأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْهَا، بَلْ لأَنَّ كُلَّ كِتَابٍ يَمُرُّ بِيَدِهِ يَحْمِلُ خَبَراً، وَالْخَبَرُ يَجِدُ صَاحِبَهُ حِينَ يَكُونُ صَاحِبُهُ مَنْ يَعْرِفُ قِيمَتَهُ.
كَانَ مَعَهُمَا يَحْيَى الَّذِي عَادَ لاسْتِلَامِ نُسْخَتِهِ، وَوَجَدَ الْمَجْلِسَ قَائِماً فَجَلَسَ — لأَنَّ مَجَالِسَ كَهَذِهِ لَا يَجِدُهَا كَثِيراً وَلَا يَجِدُ فِيهَا مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حِسَابٍ.
قَالَ حَارِثٌ:
— سَمِعْتُ أَنَّ الْوَالِيَ طَلَبَكَ.
— سَمِعْتَ بِسُرْعَةٍ.
— أَنَا وَرَّاقٌ. أَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ.
هَذِهِ مِهْنَتِي الْحَقِيقِيَّةُ — الْكِتَابَةُ وَاجِهَةٌ، وَالاسْتِمَاعُ جَوْهَرٌ.
— وَرَفَضْتُ.
— أَعْرِفُ.
قَالَ يَحْيَى— بِنَبْرَةِ مَنْ يَسْأَلُ مِهْنِيًّا لَا شَخْصِيًّا:
— لِمَاذَا الرَّفْضُ دَائِماً؟ السُّلْطَةُ تَحْتَاجُ الْفِقْهَ.
وَالْفِقْهُ يَحْتَاجُ السُّلْطَةَ لِيُنَفِّذَ مَا يَقُولُ.
أَلَيْسَتْ هَذِهِ عَلَاقَةً ضَرُورِيَّةً؟
نَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ.
— الْعَلَاقَةُ الضَّرُورِيَّةُ بَيْنَ الطَّبِيبِ وَالْمَرِيضِ لَا تَعْنِي أَنَّ الطَّبِيبَ يَفْعَلُ مَا يَطْلُبُهُ الْمَرِيضُ.
الطَّبِيبُ يَقُولُ مَا تَحْتَاجُهُ الصِّحَّةُ.
وَالْمَرِيضُ يَخْتَارُ.
وَالاثْنَانِ لَا يَتَبَادَلَانِ الأَدْوَارَ.
— لَكِنَّكَ حِينَ تَرْفُضُ الْجُلُوسَ مَعَ السُّلْطَةِ تَتْرُكُ الْمَكَانَ لِمَنْ يَجْلِسُ دُونَ شُرُوطٍ.
وَهُمْ سَيَفْعَلُونَ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ — لَكِنَّهُمْ سَيَفْعَلُونَهُ بِاسْمِ الْفِقْهِ.
صَمَتَ أَبُو حَنِيفَةَ.
كَانَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي لَا جَوَابَ عَلَيْهَا سَهْلاً — وَمَنْ لَا جَوَابَ لَهُ عَلَى حُجَّةٍ لَا يَعْنِي أَنَّهُ يَتَرَاجَعُ، يَعْنِي أَنَّهُ يَعِيشُ مَعَ السُّؤَالِ بِدَلاً مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ الإِجَابَةَ.
قَالَ:
— أَعْرِفُ. وَهَذَا مَا يُؤَرِّقُنِي فِي اللَّيْلِ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَرِّقُ الْوَالِيَ.
قَالَ حَارِثٌ — بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَجْعَلُ كَلَامَهُ يَبْدُو مُحَايِداً وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ — كَالسِّكِّينِ الَّتِي تَقْطَعُ بِهُدُوءٍ:
— دَعُونِي أَحْكِي لَكُمْ مَا رَأَيْتُهُ فِي هَذَا الدُّكَّانِ.
نَظَرَا إِلَيْهِ.
— جَاءَنِي فَقِيهٌ يُرِيدُ نُسْخَةً مِنْ كِتَابٍ يَرُدُّ عَلَى فَقِيهٍ آخَرَ.
ثُمَّ جَاءَنِي الْفَقِيهُ الآخَرُ يُرِيدُ نُسْخَةً مِنَ الرَّدِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ.
ثُمَّ جَاءَ مُوَظَّفٌ فِي الدِّيوَانِ يُرِيدُ نُسْخَةً مِنَ الاثْنَيْنِ لِيَعْرِفَ أَيَّهُمَا يَسْتَشْهِدُ بِهِ فِي حُكْمٍ يُرِيدُهُ الْخَلِيفَةُ.
ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ عَادِيٌّ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ عَقْدُهُ مَعَ جَارِهِ صَحِيحٌ أَمْ لَا — وَوَجَدَ أَنَّ الْفَقِيهَ الأَوَّلَ يَقُولُ نَعَمْ وَالثَّانِيَ يَقُولُ لَا وَالدِّيوَانُ صَامِتٌ وَالْخَلِيفَةُ مَشْغُولٌ.
تَوَقَّفَ.
— ذَلِكَ الرَّجُلُ الْعَادِيُّ هُوَ الَّذِي يَدْفَعُ ثَمَنَ كُلِّ هَذَا الْجَدَلِ.
وَهُوَ لَمْ يَطْلُبْ حُضُورَ الْجَدَلِ وَلَمْ يُدْعَ إِلَيْهِ وَلَا يَعْرِفُ مَنِ الَّذِي يَتَجَادَلُ — لَكِنَّ الثَّمَنَ يَخْرُجُ مِنْ جَيْبِهِ.
قَالَ يَحْيَى بِبُطْءٍ — كَرَجُلٍ يَسْمَعُ مَا لَا يُرِيدُ سَمَاعَهُ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ:
— هَذَا صَحِيحٌ.
ثُمَّ أَضَافَ:
— لَكِنَّ الْبَدِيلَ هُوَ الْفَوْضَى.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
— الْبَدِيلُ لَيْسَ الْفَوْضَى.
الْبَدِيلُ أَنْ تُبْنَى الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالسُّلْطَةِ عَلَى أَسَاسٍ مُخْتَلِفٍ.
— أَيِّ أَسَاسٍ؟
— أَنْ يَكُونَ الْفَقِيهُ مُسْتَقِلًّا.
يُشِيرُ وَلَا يَأْمُرُ.
يُقَيِّدُ وَلَا يُضْفِي شَرْعِيَّةً عَلَى مَا لَا شَرْعِيَّةَ لَهُ.
— وَمَنْ يَضْمَنُ اسْتِقْلَالَهُ؟
— ضَمِيرُهُ.
— وَالضَّمِيرُ يُخْطِئُ.
— نَعَمْ. لَكِنَّهُ يُخْطِئُ مِنْ دَاخِلِهِ لَا مِنْ إِمْلَاءٍ خَارِجِيٍّ.
وَخَطَأُ الضَّمِيرِ أَقَلُّ ضَرَراً مِنْ صَوَابِ الإِمْلَاءِ — لأَنَّ خَطَأَ الضَّمِيرِ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ مَسْؤُولِيَّتَهُ.
وَصَوَابَ الإِمْلَاءِ يُعَلِّمُ صَاحِبَهُ أَنَّ الصَّوَابَ يَأْتِي مِنَ الطَّاعَةِ لَا مِنَ الضَّمِيرِ.
فِي الزَّاوِيَةِ كَانَ حَارِثٌ يَكْتُبُ — لَيْسَ نَسْخاً هَذِهِ الْمَرَّةَ.
كَانَ يَكْتُبُ مَا يَسْمَعُ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَكْتُبُ بِهَا مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا يَسْمَعُهُ الآنَ لَنْ يُسْمَعَ مَرَّةً أُخْرَى بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ.
لَاحَظَ يَحْيَى:
— أَتَكْتُبُ مَا نَقُولُ؟
— أَنْسَخُ مَا يَسْتَحِقُّ النَّسْخَ.
— وَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَحِقُّ؟
— كُلُّ حَدِيثٍ صَادِقٍ يَسْتَحِقُّ.
لأَنَّ الصَّادِقَ نَادِرٌ.
وَالنَّادِرُ يُفْقَدُ حِينَ لَا يُحْفَظُ.
نَظَرَ يَحْيَى إِلَيْهِ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْحَسَدَ الْخَفِيَّ — لَيْسَ حَسَدَ مَنْ يُرِيدُ مَا لِلآخَرِ، بَلْ حَسَدَ مَنْ يَتَذَكَّرُ شَيْئاً يَتَمَنَّى أَنَّهُ اخْتَارَهُ:
— أَنْتَ مَحْظُوظٌ.
— بِمَاذَا؟
— أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ مَا تَقُولُ.
— وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ؟
صَمَتَ يَحْيَى.
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ فِيهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الاعْتِرَافَ النَّادِرَ الَّذِي يَخْرُجُ حِينَ يَكُونُ الإِنْسَانُ بَيْنَ أُنَاسٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَلْعَبَ لَهُمْ دَوْراً:
— أَنَا قَاضٍ. كُلُّ كَلِمَةٍ أَقُولُهَا تُقَاسُ بِمَا تَعْنِيهِ لِمَنْ فَوْقِي قَبْلَ أَنْ تُقَاسَ بِمَا تَعْنِيهِ لِلْحَقِّ.
نَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ التَّفَهُّمَ بِلَا تَبْرِيرٍ — التَّفَهُّمَ الَّذِي لَا يَقُولُ “أَنْتَ مُحِقٌّ” وَلَا يَقُولُ “أَنْتَ مُخْطِئٌ” بَلْ يَقُولُ “أَرَى مَا تَعِيشُهُ”:
— وَهَذَا هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي لَمْ أَقْبَلْ دَفْعَهُ.
رَابِعاً: بَيْتُ أَبِي حَنِيفَةَ — اللَّيْلُ
لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِدُ النَّوْمَ بِسُهُولَةٍ.
هَذَا مَا كَانَ يَعْرِفُهُ عَنْهُ طُلَّابُهُ — لَيْسَ لأَنَّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ لأَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ نَهَاراً لَا يَجِدُ طَرِيقَهُ بِسُهُولَةٍ إِلَى الصَّمْتِ لَيْلاً — كَنَهْرٍ اعْتَادَ الْجَرَيَانَ وَيَصْعُبُ عَلَيْهِ الرُّكُودُ.
كَانَ جَالِساً فِي حُجْرَتِهِ، أَمَامَهُ سِرَاجٌ صَغِيرٌ وَأَوْرَاقٌ لَمْ يَكْتُبْ فِيهَا شَيْئاً.
طُرِقَ الْبَابُ.
— مَنْ؟
— أَنَا. لَيْلَى.
صَمَتَ.
كَانَ يَعْرِفُهَا.
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا تَحْضُرُ حَلْقَتَهُ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ.
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا تَكْتُبُ.
وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّ عِلْمَهَا — لَوْ أُتِيحَ لَهُ مَكَانٌ — سَيَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ عِلْمِ نِصْفِ طُلَّابِهِ — وَكَانَ هَذَا يُؤَلِمُهُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَجِدْ لَهَا جَوَاباً فِقْهِيًّا لأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ مُشْكِلَةً فِقْهِيَّةً — كَانَتْ مُشْكِلَةَ عَصْرٍ لَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ اسْماً بَعْدُ.
قَالَ:
— تَفَضَّلِي.
دَخَلَتْ.
كَانَتْ تَحْمِلُ أَوْرَاقاً.
قَالَتْ دُونَ مُقَدِّمَةٍ — كَمَنْ حَسَمَتْ أَمْرَهَا فِي الطَّرِيقِ وَلَا وَقْتَ لِلتَّمَهُّلِ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالاً لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ فِي الْحَلْقَةِ.
— اسْأَلِي.
— قُلْتَ الْيَوْمَ إِنَّ الْمَصْلَحَةَ أَسَاسٌ.
وَقُلْتَ إِنَّ الْفَقِيهَ يُحَدِّدُ الْمَصْلَحَةَ.
— نَعَمْ.
— فِقْهُ الْمَرْأَةِ — مَنْ حَدَّدَهُ؟
صَمَتَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَكَانَ فِي هَذَا الصَّمْتِ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ عَنِ الصَّمْتِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّفْكِيرِ — كَانَ صَمْتَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ أَمَامَ سُؤَالٍ يُحَاصِرُهُ مِنْ كُلِّ الاتِّجَاهَاتِ.
— لَمْ تَسْأَلِينِي عَنْ مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ بِعَيْنِهَا.
— لَا. سَأَلْتُكَ عَنِ الْمَنْهَجِ.
مَنِ الَّذِي جَلَسَ وَفَكَّرَ فِي مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ؟
— الْعُلَمَاءُ.
— كُلُّهُمْ رِجَالٌ.
صَمْتٌ ثَانٍ. أَطْوَلُ.
— وَرَجُلٌ يُفَكِّرُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ — مَهْمَا كَانَ صَادِقاً — يُفَكِّرُ مِنْ خَارِجِ تَجْرِبَتِهَا.
كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْرِفَ بِالضَّبْطِ أَيْنَ يُؤْلِمُ الْمَرِيضَ — مَهْمَا كَانَ طَبِيباً مَاهِراً وَمُتَعَاطِفاً.
نَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو حَنِيفَةَ نَظْرَةً طَوِيلَةً — نَظْرَةَ مَنْ يُدْرِكُ أَنَّهُ أَمَامَ حَقِيقَةٍ أَكْبَرُ مِنْ قُدْرَتِهِ الفَرْدِيَّةِ عَلَى مُعَالَجَتِهَا.
قَالَ أَخِيراً:
— هَذَا سُؤَالٌ لَا أَمْلِكُ لَهُ جَوَاباً كَامِلاً.
— أَعْرِفُ. لِهَذَا جِئْتُ.
لِأَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الإِجَابَةَ الْكَامِلَةَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْأَلَ.
وَمَنْ لَا يَمْلِكُهَا قَدْ يَبْحَثُ عَنْهَا حِينَ يُسْأَلُ.
— وَمَاذَا تُرِيدِينَ؟
— أُرِيدُ إِذْنَكَ أَنْ أَكْتُبَ مَا أَسْمَعُ.
وَأَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ مَا لَا تَسْمَعُونَهُ أَنْتُمْ — مَا تَعِيشُهُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَجِدُ أَنَّ أَحَداً سَأَلَهَا عَنْهُ.
تَوَقَّفَ.
فِي هَذَا الطَّلَبِ كَانَ شَيْءٌ أَكْبَرُ مِنَ الْكِتَابَةِ.
كَانَ طَلَباً بِأَنْ يُعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَلْقَةَ نَاقِصَةٌ دُونَ صَوْتِهَا — وَهَذَا الاعْتِرَافُ كَانَ مُكْلِفاً لِمَنْ عَاشَ فِي عَصْرٍ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ يُسَمِّي هَذَا الثَّمَنَ.
قَالَ بِبُطْءٍ — كَرَجُلٍ يَفْتَحُ بَاباً لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ أَنَّهُ مُوصَدٌ:
— اكْتُبِي.
ثُمَّ أَضَافَ:
— لَكِنِ اعْرِفِي أَنَّ مَا تَكْتُبِينَهُ لَنْ يُقْرَأَ فِي زَمَانِكِ.
رُبَّمَا فِي زَمَانِ مَنْ بَعْدَنَا.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ لَا مَرَارَةَ فِيهِ — هُدُوءُ مَنِ اخْتَارَ طَرِيقاً يَعْرِفُ أَنَّهُ طَوِيلٌ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى الطُّولِ:
— الْحَقُّ لَا يَعْرِفُ التَّوْقِيتَ.
يَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّهُ حَقٌّ. وَهَذَا يَكْفِي لِمَنْ يَكْتُبُهُ.
خَامِساً: السُّوقُ — الْيَوْمُ التَّالِي
فِي سُوقِ الْكُتُبِيِّينَ كَانَتِ الْحَيَاةُ تَمْضِي كَمَا تَمْضِي دَائِماً فِي الأَسْوَاقِ — بِضَجِيجٍ يَبْدُو عَشْوَائِيًّا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ نِظَامُهُ الْخَفِيُّ، كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ يَبْحَثُ عَمَّنْ يَعْرِفُ مَكَانَهُ.
كَانَ حَارِثٌ قَدْ فَتَحَ دُكَّانَهُ مُبَكِّراً.
جَاءَهُ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ رَجُلٌ لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ.
وَجْهُهُ يَحْمِلُ عَلَامَاتِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ — غُبَارٌ فِي الثِّيَابِ وَإِرْهَاقٌ فِي الْعُيُونِ وَذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الْيَقَظَةِ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ مَنْ قَطَعَ مَسَافَاتٍ طَوِيلَةً وَتَعَلَّمَ أَنَّ كُلَّ مَكَانٍ جَدِيدٍ يَحْتَاجُ يَقَظَةً جَدِيدَةً.
قَالَ:
— جِئْتُ مِنْ خُرَاسَانَ.
سَمِعْتُ أَنَّ هُنَا نُسَخاً مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
— نَعَمْ. مِنْ أَيِّ مَدْرَسَةٍ تُرِيدُ؟
— كُلَّ الْمَدَارِسِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ حَارِثٌ:
— كُلَّ الْمَدَارِسِ؟
— أُرِيدُ أَنْ أُقَارِنَ.
— لِمَاذَا؟
— لأَنَّ فِي بَلَدِنَا يَقُولُونَ إِنَّ مَذْهَباً وَاحِداً هُوَ الصَّحِيحُ وَالْبَاقِي ضَلَالٌ.
وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ بِنَفْسِي.
ابْتَسَمَ حَارِثٌ — ابْتِسَامَةً حَقِيقِيَّةً لَا تَجَامُلَ فِيهَا.
— اجْلِسْ.
جَلَسَ الرَّجُلُ.
— اسْمُكَ؟
— إِبْرَاهِيمُ. مِنْ خُرَاسَانَ.
— وَهَلْ سَتَجِدُ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ فِي الْكُتُبِ؟
— لَا أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي قَرَّرْتُ أَنْ أَبْدَأَ مِنَ الْكُتُبِ لأَنَّ النَّاسَ — كُلَّ النَّاسِ — يُضِيفُونَ إِلَى مَا قَرَؤُوهُ.
وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ مَا الَّذِي قِيلَ أَصْلاً قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ مَا الَّذِي أُضِيفَ.
قَالَ حَارِثٌ:
— هَذَا أَذْكَى كَلَامٍ سَمِعْتُهُ هَذَا الصَّبَاحَ.
ثُمَّ أَضَافَ وَهُوَ يَقُومُ لِيَأْتِيَ بِالْكُتُبِ:
— لَكِنَّ تَحْذِيراً وَاحِداً.
— مَا هُوَ؟
— الأَصْلُ نَفْسُهُ كَتَبَهُ إِنْسَانٌ.
وَالإِنْسَانُ — مَهْمَا كَانَ عَالِماً — أَضَافَ بَعْضَ نَفْسِهِ.
فَلَا تَقْرَأْ بَحْثاً عَنِ الْيَقِينِ الْمُطْلَقِ.
اقْرَأْ بَحْثاً عَنْ فَهْمٍ أَوْسَعَ — وَالْفَهْمُ الأَوْسَعُ لَا يُلْغِي مَا كَانَ، يُضِيفُ إِلَيْهِ.
وَقَفَ إِبْرَاهِيمُ.
— وَأَيْنَ الْيَقِينُ الْمُطْلَقُ إِذاً؟
قَالَ حَارِثٌ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ أَوَّلَ كِتَابٍ مِنَ الرَّفِّ:
— هَذَا سُؤَالٌ لَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ الْكُتُبِيُّونَ.
اسْأَلْهُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَإِذَا لَمْ تَجِدِ الإِجَابَةَ هُنَاكَ أَيْضاً — فَاعْرِفْ أَنَّ السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ مَرَّ أَمَامَ الدُّكَّانِ النُّعْمَانُ بْنُ زِيَادٍ — الآنَ فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ، يَمْشِي بِبُطْءِ رَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَحْمِلُ وَزْنَهَا وَلَا تُسْتَعَادُ.
رَآهُ حَارِثٌ.
قَالَ لَهُ:
— يَا نُعْمَانُ. هَذَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ خُرَاسَانَ. يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ الْمَذَاهِبِ.
تَوَقَّفَ النُّعْمَانُ.
نَظَرَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ — نَظْرَةً فِيهَا مَا يَكُونُ عِنْدَ مَنْ قَضَى عُمُرَهُ يَبْحَثُ وَوَصَلَ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
قَالَ بِصَوْتِ رَجُلٍ لَا يَبْقَى لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْوَقْتِ وَيَعْرِفُ ذَلِكَ فَلَا يُبَذِّرُ الْكَلِمَاتِ:
— قَرَأْتُ فِي شَبَابِي وَسَافَرْتُ وَسَأَلْتُ وَنَاقَشْتُ.
وَكَبِرْتُ. وَفِي النِّهَايَةِ وَصَلْتُ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ.
— مَا هُوَ؟
— أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ جَدَلاً فِي الْفِقْهِ هُمْ أَقَلُّهُمْ قُرْباً مِنَ الَّذِي نَزَلَ الْفِقْهُ لأَجْلِهِ — الإِنْسَانُ الَّذِي يَسْأَلُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ، لَا لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَصِرَ.
صَمَتَ إِبْرَاهِيمُ.
— وَمَا الْحَلُّ؟
— لَا أَعْرِفُ الْحَلَّ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ الْبِدَايَةَ.
ابْدَأْ بِالسُّؤَالِ عَنِ الإِنْسَانِ الَّذِي أَمَامَكَ قَبْلَ السُّؤَالِ عَنِ الْحُكْمِ الَّذِي يُنَاسِبُهُ.
لأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَأْتِي قَبْلَ مَعْرِفَةِ الإِنْسَانِ لَيْسَ فِقْهاً — هُوَ تَصْنِيفٌ.
مَضَى النُّعْمَانُ.
وَبَقِيَ إِبْرَاهِيمُ وَحَارِثٌ.
قَالَ حَارِثٌ وَهُوَ يَضَعُ أَمَامَهُ مَجْمُوعَةً مِنَ الْكُتُبِ:
— خُذْ هَذِهِ. وَحِينَ تَنْتَهِي تَعَالَ.
— وَإِذَا وَجَدْتُ فِيهَا تَنَاقُضَاتٍ؟
— سَتَجِدُ.
— وَمَاذَا أَفْعَلُ؟
— تَكْتُبُ أَسْئِلَتَكَ. كُلُّ سُؤَالٍ لَا تَجِدُ لَهُ جَوَاباً اكْتُبْهُ.
— وَلِمَاذَا؟
قَالَ حَارِثٌ بِنَبْرَةِ رَجُلٍ يُلَخِّصُ فِي جُمْلَةٍ — تِلْكَ الْجُمَلُ الَّتِي تَأْتِي فَقَطْ حِينَ يَكُونُ الإِنْسَانُ قَدْ عَاشَ مَا يَقُولُهُ:
— لأَنَّ الأَسْئِلَةَ الَّتِي لَا تَجِدُ أَجْوِبَتَهَا فِي الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ هِيَ الْكُتُبُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُكْتَبَ.
خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ يَحْمِلُ الْكُتُبَ.
وَبَقِيَ حَارِثٌ فِي دُكَّانِهِ.
نَظَرَ إِلَى الْكُتُبِ عَلَى الرُّفُوفِ — كُلِّ تِلْكَ الْكُتُبِ الَّتِي نَسَخَهَا وَمَسَّهَا وَقَرَأَهَا.
فَكَّرَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالنُّعْمَانِ وَلَيْلَى وَابْنِ أَكْثَمَ.
فَكَّرَ فِي كُلِّ مَنْ مَرَّ بِدُكَّانِهِ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ.
وَتَسَاءَلَ — كَمَا يَتَسَاءَلُ أَحْيَاناً فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي يَصِيرُ فِيهَا الْوَرَّاقُ شَيْئاً آخَرَ — شَيْئاً لَا اسْمَ لَهُ بَعْدُ:
هَلِ الْكِتَابُ الَّذِي يَحْمِلُ الْجَوَابَ الْكَامِلَ مَوْجُودٌ؟
أَمْ أَنَّ الْجَوَابَ الْكَامِلَ لَا يُكْتَبُ — لأَنَّهُ يَعِيشُ فَقَطْ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَلْتَقِي فِيهَا إِنْسَانٌ بِإِنْسَانٍ آخَرَ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ وَكِلَاهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْهَمَ لَا أَنْ يَنْتَصِرَ؟
لَمْ يُجِبْ.
وَكَتَبَ السُّؤَالَ.
فِي هَامِشِ وَرَقَةٍ بَيْضَاءَ.
بِخَطِّهِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَقْرَؤُهُ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ أَهَمَّ الأَشْيَاءِ تُكْتَبُ فِي الْهَوَامِشِ — لأَنَّ الْهَوَامِشَ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي لَا يَدَّعِي أَحَدٌ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ.
وَبَغْدَادُ مِنْ حَوْلِهِمْ كَانَتْ تَدُورُ.
دَائِرَةُ الْمَنْصُورِ الْكَامِلَةُ.
الْمَرْكَزُ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ.
وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْسَى أَنَّهُ يُرَى. وَفِي الْهَوَامِشِ — دَائِماً فِي الْهَوَامِشِ — كَانَتِ الأَسْئِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَنْتَظِرُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ وَيَجِدُهَا وَيُدْرِكُ أَنَّهَا كَانَتْ هُنَاكَ دَائِماً.
