يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 08

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الْفَصْلُ السَّابِعُ: الْأَزْمَةُ الْكُبْرَى — حِينَ جَاءَ الْمَغُولُ وَسَقَطَتْ بَغْدَادُ
“أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا” الْبَقَرَةُ: ٢١٤
أَوَّلاً: بَغْدَادُ — السَّنَةُ سِتُّمِائَةٍ وَسِتٌّ وَخَمْسُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
قَبْلَ الْكارِثَةِ بِأَسابِيعَ.
لَمْ تَكُنِ الْأَخْبَارُ جَدِيدَةً.
كَانَتْ تَأْتِي مُنْذُ أَشْهُرٍ — مِنْ خُرَاسَانَ أَوَّلاً، ثُمَّ مِنْ فَارِسَ، ثُمَّ مِنَ الْأَطْرَافِ الْقَرِيبَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالْأَمْسِ تُسَمِّي نفسَها آمِنةً.
أَخْبَارٌ عَنْ جَيْشٍ لَا يُشْبِهُ الْجُيُوشَ الَّتِي عَرَفَهَا النَّاسُ — لَا يَكْتَفِي بِالْغَلَبَةِ،
وَلا يَقْبَلُ الفِداءَ ثَمَنًا لِأَمانٍ مَعْقُولٍ،
وَلَا يُبْقِي وَرَاءَهُ غَيْرَ الصَّمْتِ.
وَبَغْدَادُ — تِلْكَ الْمَدِينَةُ الَّتِي ظَلَّتْ قَرْنَيْنِ تَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَرْكَزُ الْعَالَمِ لِأَنَّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ فِعْلاً — كَانَتْ تَسْمَعُ وَلَا تُصَدِّقُ.
لَيْسَ لِأَنَّ أَهْلَهَا غَيْرُ أَذْكِيَاءَ.
بَلْ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْعَظِيمَةَ — حِينَ تَقْتَرِبُ نِهَايَتُهَا — تَحْتَاجُ وَقْتاً أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي حَتَّى يُصَدِّقَ أَصْحَابُهَا أَنَّهَا تَنْتَهِي.
هَكَذَا هِيَ طَبِيعَةُ الْعَظَمَةِ — تُوهِمُ صَاحِبَهَا بِأَنَّهَا أَبَدِيَّةٌ،
فِي حِينَ أَنَّ التَّارِيخَ لَا يَمْنَحُ أَبَدِيَّةً لِشَيْءٍ بَنَاهُ بَشَرٌ.
فِي مَكْتَبَةِ بَغْدَادَ الْكُبْرَى — تِلْكَ الَّتِي اتَّسَعَتْ حَتَّى صَارَتْ أَشْبَهَ بِمَدِينَةٍ دَاخِلَ مَدِينَةٍ،
بِأَرْوِقَتِهَا الطَّوِيلَةِ وَرَوَائِحِهَا الْمزِيجَةِ مِنَ الْحِبْرِ وَالْجِلْدِ الْعَتِيقِ وَذَلِكَ الْغُبَارِ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ غُبَارٌ آخَرُ فِي الدُّنْيَا — كَانَ حَارِثٌ يُرَتِّبُ الْكُتُبَ وَيُخْفِي بَعْضَهَا.
حَارِثٌ — لَيْسَ حَارِثَ الْوَرَّاقَ الْقَدِيمَ الَّذِي عَاشَ فِي عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَكَتَبَ فِي هَوَامِشِ الْكُتُبِ مَا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى قَوْلِهِ جَهْراً.
بَلْ حَفِيدُهُ الَّذِي وَرِثَ الِاسْمَ وَالْمِهْنَةَ وَتِلْكَ الْعَادَةَ الَّتِي لَا تُوصَفُ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ سِلَالَةَ الْوَرَّاقِينَ:
“عَادَةُ رُؤْيَةِ مَا لَا يَرَاهُ الْآخَرُونَ”.
وَكَأَنَّ الِاسْمَ كَانَ وَصِيَّةً مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ.
لَمْ يَكُنْ بِوِسْعِهِ إِخْفَاءُ كُلِّ شَيْءٍ.
الْمَكْتَبَةُ كَانَتْ تَضُمُّ لَيْسَ مِائَةَ أَلْفِ مُجَلَّدٍ؛ بَلْ مِئَاتُ الآلافِ مِنَ المُجَلَّداتِ.
لِأَنَّ الْكُتُبَ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ فِي بَغْدَادَ كَمَا تَتَكَاثَرُ الْأَفْكَارُ فِي عَقْلٍ لَا يُوقِفُهُ شَيْءٌ — وَلَا أَحَدَ يَعْرِفُ رَقَمَهَا الْحَقِيقِيَّ،
لِأَنَّ الرَّقَمَ الْحَقِيقِيَّ لِلْمَعْرِفَةِ لَا يُحْصِيهِ أَحَدٌ.
لَكِنَّهُ كَانَ يُخْفِي مَا يَسْتَطِيعُ.
يَضَعُ الْكُتُبَ النَّفِيسَةَ فِي طَيَّاتِ الْجُدْرَانِ وَخَلْفَ الرُّفُوفِ وَتَحْتَ بَلَاطَاتٍ يَعْرِفُهَا هُوَ وَحْدَهُ.
وَكُلَّمَا أَخْفَى كِتَاباً شَعَرَ أَنَّهُ يُصَارِعُ زَمَناً يَجْرِي أَسْرَعَ مِنْهُ.
دَخَلَ عَلَيْهِ يُونُسُ — ذَلِكَ الشَّابُّ الَّذِي يَعْمَلُ مُسَاعِداً فِي الْمَكْتَبَةِ،
وَسَمَّاهُ أَبُوهُ يُونُسَ تَيَمُّناً بِيُونُسَ الْأَعْمَى الَّذِي “رَأَى بِأُذُنَيْهِ” كَمَا كَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ.
قَالَ يُونُسُ،
وَفِي صَوْتِهِ تِلْكَ الْمَرَارَةُ الْخَفِيفَةُ الَّتِي تَتَجَمَّعُ فِي الْإِنْسَانِ حِينَ يَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَتَعَدَّدُ فِيهِ السُّلُطَاتُ وَتَتَقَلَّصُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ:
— الْأَمِيرُ طَلَبَ اجْتِمَاعاً.
رَفَعَ حَارِثٌ رَأْسَهُ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ يَتَصَفَّحُهُ دُونَ أَنْ يَقْرَأَهُ حَقّاً:
— أَيُّ أَمِيرٍ؟
— مَنْ يَهْتَمُّ؟ كُلُّهُمُ الْآنَ يُرِيدُونَ اجْتِمَاعَاتٍ بَدَلاً مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئاً.
— مَاذَا يُرِيدُ؟
— يُرِيدُ إِخْرَاجَ الْكُتُبِ النَّفِيسَةِ مِنَ الْمَكْتَبَةِ إِلَى الْقَصْرِ. “لِلْحِفْظِ.”
نَظَرَ إِلَيْهِ حَارِثٌ. كَانَ فِي النَّظْرَةِ شَيْءٌ مِنَ التَّعَبِ وَشَيْءٌ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَشَيْءٌ ثَالِثٌ أَعْمَقُ مِنْهُمَا — فَهْمٌ هَادِئٌ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ بِهَا الْخَائِفُ:
— لِلْحِفْظِ.
— هَذَا مَا قَالَ.
— وَهَلْ سَيَحْفَظُهَا حَقّاً؟
صَمَتَ يُونُسُ لَحْظَةً، كَمَنْ يَزِنُ كَلِمَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ:
— لَا أَعْرِفُ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ الْكُتُبَ فِي الْقَصْرِ تَخْتَفِي أَحْياناً بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنِ اخْتِفَائِهَا فِي الْمَكْتَبَةِ.
هُنَاكَ تَضِيعُ بِالزَّمَنِ وَالْإِهْمَالِ.
وَفِي الْقَصْرِ تَضِيعُ بِالتَّعَمُّدِ.
قَالَ حَارِثٌ بِبُطْءٍ وَهُوَ يُكْمِلُ تَرْتِيبَ الرُّفُوفِ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ:
— قُلْ لَهُ إِنَّ الْمَكْتَبَةَ مَفْتُوحَةٌ.
وَإِنَّ مَنْ يُرِيدُ الْكُتُبَ يَأْتِي إِلَيْهَا.
وَالْكُتُبُ لَا تُنْقَلُ.
— سَيَغْضَبُ.
— دَعْهُ يَغْضَبُ.
الْكُتُبُ أَهَمُّ مِنْ مِزَاجِهِ. — ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ تَوَقُّفٍ قَصِيرٍ:
— وَأَهَمُّ مِنْ مِزَاجِي أَنَا أَيْضاً.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَاءَ إِلَى الْمَكْتَبَةِ رَجُلٌ لَمْ يَتَوَقَّعْ حَارِثٌ مَجِيئَهُ.
الرَّجُلُ الصُّوفِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ الَّذِي كَانَ اسْمُهُ يُتَدَاوَلُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالرُّوحِ — شَيْخُ طَرِيقَةٍ بِحَجْمِ جِبَالِ خُرَاسَانَ، وَعَالِمٌ يَجْمَعُ فِي صَدْرِهِ الشَّرِيعَةَ وَالْحَقِيقَةَ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضاً.
وَكَانَ — وَهَذَا مَا يَعْرِفُهُ الْجَمِيعُ — قَدْ قَرَّرَ أَنْ يَبْقَى فِي مَدِينَتِهِ لِيُقُاوِمَ… حِينَ جَاءَ الْمَغُولُ؛ وَلَمْ يَفِرَّ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَارِثاً.
جَاءَ لِأَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ فِي الْمَكْتَبَةِ رَجُلاً يُخْفِي الْكُتُبَ.
وَلِأَنَّ مَنْ يُخَبِّئُ الذَّاكِرَةَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْرَفَ.
قَالَ— وَفِي صَوْتِهِ تِلْكَ الطَّبَقَةُ الَّتِي لَا تُسَمَّى،
الَّتِي تَأْتِي حِينَ يَكُونُ الرَّجُلُ قَدِ انْتَهَى مِنَ الْخَوْفِ وَصَارَ الْخَوْفُ بَالنِّسْبَةِ لَهُ شَيْئاً يَرَاهُ مِنَ الْخَارِجِ:
— سَمِعْتُ أَنَّكَ تُخَبِّئُ.
رَفَعَ حَارِثٌ عَيْنَيْهِ.
— مَنْ أَخْبَرَكَ؟
— الْمَدِينَةُ تَتَكَلَّمُ أَكْثَرَ حِينَ تَخَافُ.
كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَسْمَعَ صَوْتَهَا قَبْلَ أَنْ يَصْمُتَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ حَارِثٌ نَظْرَةً طَوِيلَةً — نَظْرَةَ مَنْ يُقَيِّمُ لَا مَنْ يَسْتَغْرِبُ:
— وَأَنْتَ — لِمَاذَا أَتَيْتَ؟
— لِأَنَّنِي أَيْضاً أُخَبِّئُ.
— مَاذَا تُخَبِّئُ؟
قَالَ بِذَلِكَ الْهُدُوءِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ قَرَّرَ مَسَارَهُ وَانْتَهَى مِنَ التَّرَدُّدِ:
— أُخَبِّئُ طُلَّابِي.
أُرْسِلُهُمْ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ — شَرْقاً وَغَرْباً وَجَنُوباً.
كُلُّ وَاحِدٍ يَحْمِلُ مَا حَفِظَ وَمَا تَعَلَّمَ،
وَيَذْهَبُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ،
وَيَنْثُرُ هُنَاكَ مَا حَمَلَ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي سَيَجِدُهَا.
— وَأَنْتَ؟
— أَنَا أَبْقَى.
جَاءَتِ الْكَلِمَةُ بَسِيطَةً كَالصَّخْرَةِ.
صَمَتَ حَارِثٌ.
— لِمَاذَا تَبْقَى؟
نَظَرَ الرجلُ إِلَى الرُّفُوفِ مِنْ حَوْلِهِ — تِلْكَ الرُّفُوفُ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُ أَثْقَالَ قُرُونٍ مِنَ التَّفْكِيرِ الْبَشَرِيِّ — ثُمَّ قَالَ:
— لِأَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي تُرْسِلُ بُذُورَهَا لَا تَهْرُبُ بِنَفْسِهَا.
تَبْقَى وَتُثَبِّتُ الْأَرْضَ حَتَّى تَنْبُتَ الْبُذُورُ فِي مَكَانٍ آخَرَ.
وَلَوْ هَرَبَتِ الشَّجَرَةُ أَيْضاً — بِمَاذَا تُثَبَّتُ التُّرْبَةُ؟
وَأَيْنَ تَحْفَظُ الذَّاكِرَةَ أَنَّ هُنَا كَانَتْ شَجَرَةٌ؟
جَلَسَا.
فِي الْخَارِجِ كَانَتْ بَغْدَادُ تَنَامُ نَوْمَ مَنْ لَمْ يُقَرِّرْ بَعْدُ إِنْ كَانَ مُسْتَيْقِظاً — ذَلِكَ النَّوْمُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الرَّجُلُ وَاعِياً لِكُلِّ شَيْءٍ لَكِنَّهُ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ أَثْقَلُ مِنَ الِانْتِظَارِ.
قَالَ حَارِثٌ:
— أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ إِخْفَاءَ كُلِّ شَيْءٍ.
الْمَكْتَبَةُ كَبِيرَةٌ جِدّاً وَالْوَقْتُ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ يَسَعَهَا.
— أَعْرِفُ.
— فَمَا الْحَلُّ؟
قَالَ الرجلُ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ — كَمَنْ لَا يُجِيبُ مِنَ الرَّأْسِ بَلْ مِنَ التَّجْرِبَةِ:
— لَا تُفَكِّرْ فِي إِنْقَاذِ كُلِّ شَيْءٍ. هَذَا يُشلُّكَ وَيُوقِفُكَ فِي مَنْتَصَفِ الطَّرِيقِ.
فَكِّرْ فِي مَا لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ إِذَا ضَاعَ. وَابْدَأْ بِهِ.
— وَكَيْفَ أَعْرِفُ مَا لَا يُعَوَّضُ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ بِعَيْنَيْنِ فِيهِمَا ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الضَّوْءِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ يَكُونُ الْإِنْسَانُ قَدْ وَضَعَ الْخَوْفَ فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ وَصَارَ يَرَى بِوُضُوحٍ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ مِنَ الرُّؤْيَةِ:
— اسْأَلْ نَفْسَكَ:
أَيُّ هَذِهِ الْكُتُبِ — لَوْ ضَاعَ — ضَاعَ مَعَهُ سُؤَالٌ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ غَيْرَهُ؟
ذَلِكَ هُوَ الَّذِي لَا يُعَوَّضُ.
لَيْسَ أَغْلَاهَا ثَمَناً،
وَلَا أَكْثَرُهَا أَوْرَاقاً — بل الكتابُ الذي يحمل سؤالاً لا يسكنُ ذلك السؤالُ في سواه.
صَمَتَ حَارِثٌ طَوِيلاً.
ثُمَّ قَامَ وَبَدَأَ مِنْ جَدِيدٍ — لَكِنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ يَعْرِفُ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ.
ثَانِياً: يَوْمُ السُّقُوطِ — صَفَرٌ، سِتُّمِائَةٍ وَسِتٌّ وَخَمْسُونَ
وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ يَوْمٌ يُؤَرَّخُ بِهِ فَهُوَ… سُقُوطُ بَغْدادَ ……..
كانَ مُرْتَبِطًا ارْتِباطًا لا يُفْصَلُ بِاسْتِسْلامِ الخَلِيفَةِ المُسْتَعْصِمِ بِاللهِ، ثُمَّ مَصْرَعِهِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ يَوْمٌ وَاحِدٌ.
كَانَتْ أَيَّاماً مُتَدَاخِلَةً كَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ كَانَ يَتَعَثَّرُ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَمْشِي.
لَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي لَا يَنْسَاهُ مَنْ عَاشَهُ — أَوْ مَنْ رَوَى عَمَّنْ عَاشَهُ،
جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ حَتَّى صَارَتِ الرِّوَايَةُ أَصْدَقَ مِنَ التَّارِيخِ الْمَكْتُوبِ — كَانَ الْيَوْمَ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ الْجَيْشُ إِلَى قَلْبِ الْمَدِينَةِ.
إِلَى قَلْبِهَا الْحَقِيقِيِّ — لَيْسَ الْقَصْرَ،
وَلَا الْجِسْرَ،
وَلَا السُّوقَ — بَلِ الْمَكَانُ الَّذِي حِينَ يَصِلُهُ الْعَدُوُّ يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُقَاتَلُ مِنْ أَجْلِهِ.
كَانَ حَارِثٌ فِي الْمَكْتَبَةِ.
لَمْ يَفِرَّ.
لَمْ يُقَرِّرْ ذَلِكَ بِشَجَاعَةٍ خَاصَّةٍ وَلَا بِبطُولَةٍ مَحْسُوبَةٍ — بَلْ لِأَنَّ الْكُتُبَ كَانَتْ هُنَاكَ،
وَتَرْكَهَا يَعْنِي شَيْئاً لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَخَيَّلَهُ.
كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْكُتُبِ مَا يُمَثِّلُ عَقُولاً لَا تَنْسَخُهَا عُقُولٌ أُخْرَى — أَسْئِلَةً لَا تَعُودُ تُطْرَحُ حِينَ تُطْمَرُ.
جَاءَهُ يُونُسُ مُسْرِعاً — وَجْهُهُ أَبْيَضُ بِطَرِيقَةٍ لَا تُشْبِهُ الْخَوْفَ الْعَادِيَّ.
كَانَ الْخَوْفُ الْعَادِيُّ يُحَمِّرُ الْوُجُوهَ وَيُدْخِلُ الصُّرَاخَ فِيهَا — أَمَّا هَذَا الْبَيَاضُ فَكَانَ خَوْفاً آخَرَ:
خَوْفُ مَنْ رَأَى مَا لَمْ يَكُنْ يُصَدِّقُ أَنَّهُ مُمْكِنٌ.
قَالَ:
— يُحْرِقُونَ.
لَمْ يَسْأَلْ حَارِثٌ:
مَاذَا؟
لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ.
وَلِأَنَّ السُّؤَالَ فِي بَعْضِ اللَّحَظَاتِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَرُّبِ مِنَ الْجَوَابِ.
قَالَ:
— أَيْنَ الْآنَ؟
— فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ.
لَكِنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ. — تَوَقَّفَ. — بَغْدَادُ لَيْسَتْ كَبِيرَةً بِمَا يَكْفِي لِإِيقَافِهِمْ.
وَقَفَ حَارِثٌ.
نَظَرَ إِلَى الرُّفُوفِ — تِلْكَ الرُّفُوفُ الَّتِي كَرَّسَ عُمُرَهُ لَهَا.
كُلُّ كِتَابٍ كَانَ فِيهِ مَكَانُهُ كَمَا كَانَ لِكُلِّ نَجْمٍ مَكَانُهُ فِي السَّمَاءِ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ بِشَكْلٍ مُثِيرٍ لِلْقَلَقِ:
— خُذْ هَذِهِ. — وَأَشَارَ إِلَى مَجْمُوعَةٍ مُحَدَّدَةٍ — كُتُبُ الْحِكْمَةِ النَّادِرَةِ،
وَدَوَاوِينُ الشِّعْرِ الَّتِي لَا نُسْخَةَ لَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ،
وَتِلْكَ الرَّسَائِلُ الطَّبِيَّةُ الَّتِي كَتَبَهَا أَطِبَّاءٌ لَمْ يَعْرِفْهُمُ التَّارِيخُ الرَّسْمِيُّ. — وَهَذِهِ. وَهَذِهِ.
— أَيْنَ أَذْهَبُ بِهَا؟
— لَا يُهِمُّ أَيْنَ.
اذْهَبْ بَعِيداً.
إِلَى أَيِّ بَيْتٍ.
أَيِّ خَانٍ.
أَيِّ مَكَانٍ فِيهِ جُدْرَانٌ تَسْتُرُ مَا بَيْنَهَا.
— وَأَنْتَ؟
— أَنَا أَبْقَى.
نَظَرَ إِلَيْهِ يُونُسُ نَظْرَةً فِيهَا كُلُّ مَا يَعْجَزُ الْكَلَامُ عَنِ احْتِوَائِهِ:
— لِمَاذَا تَبْقَى؟
قَالَ حَارِثٌ — وَفِي صَوْتِهِ صَدَى جُمْلَةٍ قَالَهَا الشيخُ قَبْلَ أَيَّامٍ،
كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُ إِلَّا هَذِهِ اللَّحْظَةَ لِكَيْ تُولَدَ مِنْ جَدِيدٍ عَلَى لِسَانِهِ:
— لِأَنَّ الشَّجَرَةَ تَبْقَى.
خَرَجَ يُونُسُ يَحْمِلُ مَا يَسْتَطِيعُ.
وَبَقِيَ حَارِثٌ.
لَمْ يَكُنْ بَطَلاً فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ — وَهَذَا هُوَ الصِّدْقُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْقَارِئُ.
كَانَ خَائِفاً بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْإِنْسَانُ خَائِفاً حِينَ يَعْرِفُ مَا يَقْتَرِبُ وَلَا يَسْتَطِيعُ مَنْعَهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَيْضاً الِابْتِعَادَ عَنْهُ. الْخَوْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَخْرَجٌ إِلَّا الثَّبَاتُ.
لَكِنَّهُ بَقِيَ.
جَلَسَ وَسْطَ الْكُتُبِ — كَمَنْ يَجْلِسُ وَسْطَ أَصدِقَاءَ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَهُمْ جَمِيعاً وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِمْ — وَفَتَحَ مُجَلَّداً لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُهُ عَادَةً:
دِيوَانٌ شِعْرِيٌّ صَغِيرٌ لِشَاعِرٍ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ كَبِيراً.
شَاعِرٌ كَتَبَ لِأَنَّ الشِّعْرَ كَانَ الطَّرِيقَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي وَجَدَهَا لِيَقُولَ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ الْنَّثْرُ.
وَبَدَأَ يَقْرَأُ.
لَيْسَ لِأَنَّ الْوَقْتَ كَانَ مُنَاسِباً لِلْقِرَاءَةِ.
بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَاذَا يَفْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ الشِّعْرَ — فِي تِلْكَ اللَّحْظَاتِ الَّتِي تَنْهَارُ فِيهَا الدُّنْيَا — يَصِيرُ أَقْرَبَ شَيْءٍ إِلَى الصَّلَاةِ.
مِنْ بَعِيدٍ كَانَ يَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ.
لَا يَصِفُهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا.
لَيْسَتْ فَقَطْ أَصْوَاتُ الْهَدْمِ وَالنَّارِ — فَفِي تِلْكَ أَلِفَ الْإِنْسَانُ الْعَرَبِيُّ مَوَاسِمَ مِنَ التَّأَلُّمِ وَالتَّعَافِي.
فِيهَا شَيْءٌ آخَرُ — الصَّوْتُ الَّذِي يَصْدُرُ حِينَ تَنْتَهِي حَيَاةٌ كَامِلَةٌ لَمْ تَعِشْ فِي جِسْمٍ وَاحِدٍ بَلْ فِي نَسِيجٍ مِنَ الْبَشَرِ وَالْأَفْكَارِ وَالْمُحَادَثَاتِ.
الصَّوْتُ الَّذِي يَصْدُرُ حِينَ تُعْلِنُ الْمَدِينَةُ أَنَّهَا لَنْ تَعُودَ إلى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ — فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ بَغْدَادَ،
بَعِيداً عَنِ الْمَكْتَبَةِ بِمَسَافَةِ أَسْوَاقٍ وَأَزِقَّةٍ وَصِرَاخٍ — كَانَتْ أَمِينَةُ الْخَبَّازَةُ تَجْمَعُ مَا تَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ وَتَمْشِي.
أَمِينَةُ — حَفِيدَةُ أَمِينَةَ الْقَاهِرَةِ الْقَدِيمَةِ،
نَفْسُ الِاسْمِ وَنَفْسُ الْمِهْنَةِ وَنَفْسُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ فِي رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ الْبَسِيطَةِ بِعُيُونٍ لَا تَتَعَقَّدُ — كَانَتْ تَحْمِلُ عَجِينَهَا وَأَدَوَاتِهَا الصَّغِيرَةَ وَدَقِيقاً يَكْفِي لِأَيَّامٍ.
لَمْ تَحْمِلْ كَثِيراً مِنَ الذَّهَبِ لِأَنَّ الذَّهَبَ — كَمَا كَانَ يَقُولُ جَدُّهَا — يُغْرِي السَّارِقَ،
أَمَّا الدَّقِيقُ فَلَا يَسْرِقُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ أَجْوَعُ مِنْكَ،
وَذَلِكَ الشَّخْصُ يَسْتَحِقُّهُ.
مَرَّتْ بِهَا جَارَتُهَا — امْرَأَةٌ فِي السِّتِّينَ اسْمُهَا سَمِيرَةُ،
كَانَتْ عَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ شَفَتَاهَا قَوْلَهُ.
قَالَتْ سَمِيرَةُ:
— إِلَى أَيْنَ؟
— لَا أَعْرِفُ. بَعِيداً.
— كُلُّ الْجِهَاتِ الْآنَ سَوَاءٌ.
كَأَنَّ الْعَالَمَ صَارَ مُغْلَقاً.
وَقَفَتْ أَمِينَةُ.
لَمْ تُفَكِّرْ طَوِيلاً — الْخَبَّازُ لَا يُفَكِّرُ طَوِيلاً حِينَ يَعْلَمُ أَنَّ الْعَجِينَ لَا يَنْتَظِرُ.
قَالَتْ:
— لَا. لَيْسَتْ سَوَاءً.
هُنَاكَ دَائِماً اتِّجَاهٌ يَكُونُ فِيهِ أُنَاسٌ يَحْتَاجُونَ خُبْزاً.
وَالْخُبْزُ يَعْرِفُ أَيْنَ يَذْهَبُ حِينَ يَحْمِلُهُ مَنْ يَفْهَمُهُ.
نَظَرَتْ إِلَيْهَا سَمِيرَةُ بِشَيْءٍ بَيْنَ الدَّهْشَةِ وَالْإِعْجَابِ وَشَيْءٍ يُشْبِهُ الْحَسْرَةَ — حَسْرَةُ مَنْ يَرَى بَساطَةً يَتَمَنَّاها وَلا يَسْتَطِيعُها:
— أَنْتِ تُفَكِّرِينَ فِي الْخُبْزِ الْآنَ؟
— أُفَكِّرُ فِيمَا أَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ.
الْخُبْزُ أَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ.
مَنْعُ الْمَغُولِ لَا أَسْتَطِيعُ. — ثُمَّ بَعْدَ لَحْظَةٍ: — وَمَنْ يَأْكُلُ لَا يَمُوتُ قَبْلَ أَوَانِهِ.
وَمَنْ يَبْقَى حَيّاً يَبْنِي الْغَدَ.
وَالْغَدُ — حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْدَ خَرَابٍ — يَحْتَاجُ مَنْ بَنَاهُ.
فِي مَكَانٍ ثَالِثٍ مِنَ الْمَدِينَةِ — فِي زَاوِيَةٍ صَغِيرَةٍ قُرْبَ النَّهْرِ،
حَيْثُ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي بِلَا مُبَالَاةٍ بِمَا يَجْرِي فَوْقَهُ — كَانَ جَالِساً.
طُلَّابُهُ ذَهَبُوا.
الْبُذُورُ انْتَشَرَتْ فِي أَرْجَاءِ الدُّنْيَا.
هُوَ بَقِيَ.
كَانَ حَوْلَهُ بَعْضُ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا طَرِيقاً لِلْخُرُوجِ أَوْ لَمْ يُرِيدُوا الْخُرُوجَ — وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ أَحْياناً لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ تَسْمِيَتَهُ.
كَانُوا يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ لَيْسَ لِأَنَّهُ يَسْتَطِيعُ حِمَايَتَهُمْ — بَلْ لِأَنَّ حُضُورَهُ كَانَ يَجْعَلُ الْخَوْفَ أَقَلَّ وَحْدَةً.
وَالخَوْفُ، حِينَ يُشارَكُ،
يَكُونُ أَخَفَّ ثِقْلًا مِمَّا يَكُونُ حِينَ يُعاشُ وَحِيدًا..
قَالَ لَهُمْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَتَصَنَّعُ الْهُدُوءَ بَلْ يَكُونُهُ:
— لَا تَظُنُّوا أَنَّ مَا يَحْدُثُ نِهَايَةُ الْإِسْلَامِ.
الْإِسْلَامُ أَكْبَرُ مِنْ بَغْدَادَ.
وَبَغْدَادُ أَكْبَرُ مِنْ حِجَارَتِهَا.
وَمَا فِي الْحِجَارَةِ لَيْسَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَنْتَهِي.
قَالَ رَجُلٌ بِجَانِبِهِ — وَكَانَ صَوْتُهُ يَرْتَجِفُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَرْتَجِفُ بِهَا صَوْتُ مَنْ فَقَدَ شَيْئاً وَلَمْ يَعْرِفْ بَعْدُ كُلَّ مَا فَقَدَ:
— لَكِنَّ بَغْدَادَ…
— بَغْدَادُ مَدِينَةٌ. وَالْمُدُنُ تَسْقُطُ. وَسَقَطَتْ قَبْلَهَا مدنٌ كثيرةٌ.
وَسَتَقُومُ بَعْدَهَا مُدُنٌ لَمْ نَسْمَعْ أَسْمَاءَهَا بَعْدُ.
الَّذِي لَا يَسْقُطُ لَيْسَ فِي الْحِجَارَةِ.
— وَأَيْنَ هُوَ؟
أَشَارَ الشيخُ بِيَدِهِ — لَيْسَ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْخُطَبَاءُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ إِخْتِصَارَ الْمَسَافَةِ.
بَلْ إِلَى صَدْرِهِ.
وَإِلَى صُدُورِ مَنْ حَوْلَهُ.
وَاحِداً وَاحِداً — كَأَنَّهُ يُعِيدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئاً كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ ضَاعَ.
ثَالِثاً: بَعْدَ السُّقُوطِ
لَا تُرْوَى الْكَوَارِثُ الْكُبْرَى فِي لَحْظَتِهَا.
تُرْوَى بَعْدَهَا — حِينَ يَبْقَى مَنْ يَرْوِي.
وَالرِّوَايَةُ نَفْسُهَا ضَرْبٌ مِنَ الِانْتِقَامِ الْهَادِئِ مِنَ الْخَرَابِ — لِأَنَّ مَا يُرْوَى لَا يُطْمَرُ تَمَاماً.
بَقِيَ حَارِثٌ.
لَا يَعْرِفُ هُوَ نَفْسُهُ كَيْفَ.
الْكُتُبُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمَكْتَبَةِ أُخِذَ كَثِيرُهَا وَأُحْرِقَ بَعْضُهَا — وَكَانَ فِي رَائِحَةِ الْوَرَقِ الْمُحْتَرِقِ شَيْءٌ لَا يُوصَفُ،
شَيْءٌ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يُدْرِكُ فَجْأَةً كَمْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَوْرَاقُ حَيَّةً.
وَضَاعَ بَعْضُهَا فِي فَوْضَى لَا تُحْصَى.
لَكِنَّ بَعْضَهَا بَقِيَ — مُخَبَّأٌ فِي جُدْرَانٍ أَوْ فِي أَمَاكِنَ لَمْ يَصِلْهَا الْجَيْشُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ عَنْهَا.
وَمَا أَخَذَهُ يُونُسُ — نَجَا فِي بَيْتٍ بَعِيدٍ.
جَلَسَ حَارِثٌ فِي الْمَكْتَبَةِ الْمَنْهُوبَةِ.
الرُّفُوفُ كَانَتْ شِبْهَ فَارِغَةٍ.
الْمَكَانُ نَفْسُهُ— الْجُدْرَانُ،
الْأَعْمِدَةُ،
ذَلِكَ الضَّوْءُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ النَّوَافِذِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ.
لَكِنَّ الْمَكَانَ لَمْ يَكُنْ نَفْسَهُ. كَانَ مِثْلَ وَجْهٍ عَرَفْتَهُ فَرَأَيْتَهُ بَعْدَ مِحْنَةٍ — نَفْسُ الْمَلَامِحِ،
لَكِنَّ شَيْئاً فِي الدَّاخِلِ تَحَوَّلَ وَلَا يَعُودُ.
جَاءَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ.
كَانَ سَعْدُ بْنُ النَّاظِرِ — كَاتِبٌ فِي الدِّيوَانِ نَجَا مِنَ الْكَارِثَةِ بِطَرِيقَةٍ يُرَجِّحُ أَنَّ الصُّدْفَةَ كَانَ لَهَا دَوْرٌ فِيهَا أَكْبَرُ مِنَ الذَّكَاءِ،
لَكِنَّهُ — وَهَذَا مَا يَمِيزُهُ — لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ.
كَانَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُسَجِّلُ بِعَيْنٍ تَرَى لَا بِعَيْنٍ تَبْكِي فَقَطْ — وَلَا بِعَيْنٍ لَا تَبْكِي.
بِعَيْنَيْنِ تَفْعَلَانِ كِلَيْهِمَا مَعاً.
جَاءَ إِلَى الْمَكْتَبَةِ وَنَظَرَ إِلَى الرُّفُوفِ الْفَارِغَةِ طَوِيلاً — نَظْرَةَ مَنْ لَا يُرِيدُ الْإِسْرَاعَ فِي الْكَلَامِ.
قَالَ:
— كَمْ ضَاعَ؟
قَالَ حَارِثٌ:
— لَا أَعْرِفُ.
لَا يُمْكِنُ حِسَابُ مَا لَا تَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ.
هَذَا هُوَ الثَّمَنُ الْأَكْبَرُ لِلْخَرَابِ — لَيْسَ ما تَعْرِفُ أَنَّهُ ضاعَ،
بَلْ ما ضاعَ وَأَنْتَ لا تَعْلَمُ أَنَّهُ كانَ.
— وَمَا بَقِيَ؟
— بَعْضٌ.
لَكِنَّ الْأَهَمَّ لَيْسَ مَا بَقِيَ مِنَ الْوَرَقِ.
— وَمَا هُوَ الْأَهَمُّ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ حَارِثٌ نَظْرَةً كَأَنَّهُ يَخْتَبِرُ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَسْتَطِيعُ احْتِمَالَ الْجَوَابِ الْحَقِيقِيَّ:
— مَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ.
الكِتابُ يُسْتَأْنَفُ كِتابَتُهُ — بِثَمَنٍ باهِظٍ وَبِفَقْدِ ما لا يُسْتَعادُ،
لٰكِنَّهُ يُولَدُ مِنْ جَديدٍ.
أَمَّا الْعَقْلُ الَّذِي لَا يُكْتَبُ — الَّذِي يُفَكِّرُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يُكْتَبْ لَهَا كِتَابٌ — إِذَا ضَاعَ ضَاعَ مَعَهُ سُؤَالٌ لَا يَعُودُ.
قَالَ سَعْدٌ:
— وَهَلْ بَقِيَ مِنَ الْعُقُولِ مَا يَكْفِي؟
قَالَ حَارِثٌ بِبُطْءٍ — كَرَجُلٍ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ فَكَّرَ فِيهِ كَثِيراً لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدِ الْجَوَابَ إِلَّا حِينَ سُئِلَ:
— أَرْسَلَ الشيخُ طُلَّابَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْقَى هُوَ.
وَأَخَذَ يُونُسُ مَا أَخَذَ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ.
وَفِي مَكَانٍ مَا أَمِينَةُ تَصْنَعُ الْخُبْزَ لِمَنْ بَقِيَ.
وَفِي مَكَانٍ مَا شَاعِرٌ يَحْفَظُ مَا حَفِظَ وَسَيَقُولُهُ حِينَ يَجِدُ مَنْ يَسْمَعُ.
وَفِي مَكَانٍ مَا طِفْلٌ يَسْأَلُ أَسْئِلَةً لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْأَلُ مِنْذُ قُرُونٍ وَلَا يَزَالُ لَهَا جَوَابٌ يَنْتَظِرُ مَنْ يَجِدُهُ.
تَوَقَّفَ.
نَظَرَ إِلَى الرُّفُوفِ وَإِلَى مَا تَبَقَّى عَلَيْهَا.
— هَذَا يَكْفِي لِأَنْ يَبْدَأَ الشَّيْءُ مِنْ جَدِيدٍ.
لَيْسَ مِنْ نَفْسِ الْمَكَانِ. لَيْسَ بِنَفْسِ السُّرْعَةِ.
لَكِنْ مِنْ جَدِيدٍ — وَرُبَّمَا أَعْمَقَ مِمَّا كَانَ،
لِأَنَّ مَنْ يَبْنِي بَعْدَ الْخَرَابِ يَبْنِي بِيَدَيْهِ وَلَيْسَ بِالِاعْتِيَادِ.
رَابِعاً: الدَّرْسُ فِي الْخَرَابِ
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ بَدَأَ حَارِثٌ يَجْمَعُ مَنْ تَبَقَّى مِنْ طُلَّابِ الْمَكْتَبَةِ وَمِمَّنْ كَانُوا يَرْتَادُونَهَا.
لَمْ يَكُنْ مَجْلِساً رَسْمِيّاً.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كُرْسِيٌّ أَوْ مِنْبَرٌ أَوْ حَلْقَةٌ مُرَتَّبَةٌ — وَكَانَ هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الصَّحِيحُ،
أَنْ تَبْدَأَ الْأَشْيَاءُ بِلَا مَنَابِرَ بَعْدَ أَنْ سَقَطَ كُلُّ شَيْءٍ.
كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الرُّفُوفِ الْفَارِغَةِ — يَجْلِسُونَ بَيْنَ الْغِيَابِ وَيَتَكَلَّمُونَ.
قَالَ حَارِثٌ فِي أُولَى الْجَلَسَاتِ — وَكَانَ صَوْتُهُ أَهْدَأَ مِمَّا يَنْبَغِي،
بِذلْكَ الْهُدُوءِ الَّذي يَأْتِي بَعْدَ أَنْ يَخُوضَ الْإِنْسَانُ شَيْئاً وَيَخْرُجَ مِنْهُ وَلَا يَزَالُ يَتَسَاءَلُ كَيْفَ خَرَجَ:
— سَأُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ فِي بَرْنَامَجِ الْمَكْتَبَةِ.
— مَاذَا؟
— سَأُعَلِّمُكُمْ كَيْفَ تَقْرَؤُونَ كِتَاباً لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ.
نَظَرُوا إِلَيْهِ بِعُيُونٍ فِيهَا الشَّيْءُ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الْكَارِثَةِ — لَيْسَ الْأَمَلَ،
لَيْسَ الْيَأْسَ،
بَلْ شَيْءٌ بَيْنَهُمَا:
الِاسْتِعْدَادُ.
قَالَ:
— الْكُتُبُ الَّتِي أُحْرِقَتْ — لَا نَسْتَطِيعُ اسْتِعَادَتَهَا بِالْحُزْنِ.
الْحُزْنُ حَقٌّ وَلَهُ وَقْتُهُ.
لَكِنَّ الِاسْتِعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ بِالسُّؤَالِ.
كُلُّ كِتَابٍ كَانَ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ.
إِذَا عَرَفْنَا السُّؤَالَ — يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَ إِجَابَةً جَدِيدَةً.
لَيْسَتِ الْإِجَابَةَ الْقَدِيمَةَ ذَاتَهَا — فَتِلْكَ لَهَا ثَمَنُهَا وَقِيمَتُهَا وَلَا يُهَانُ غِيَابُهَا بِالِاسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بِجَوَابٍ رَخِيصٍ.
لَكِنَّهَا إِجَابَةٌ حَيَّةٌ لَا مَيِّتَةٌ،
تَنْبُتُ مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ.
قَالَ أَحَدُ الطُّلَّابِ — وَكَانَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضَ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْحُزْنِ لَا مِنَ الرَّفْضِ:
— لَكِنَّ الْإِجَابَةَ الْقَدِيمَةَ كَانَتْ خُلَاصَةَ قُرُونٍ مِنَ التَّفْكِيرِ.
أَجْيَالٌ تَرَاكَمَتْ.
كَيْفَ نُعَوِّضُ ذَلِكَ؟
— نَعَمْ.
وَهَذَا ثَمَنٌ بَاهِظٌ جِدّاً وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَهِينَ بِهِ.
لَكِنَّ الْبَدِيلَ — أَنْ نَجْلِسَ أَمَامَ الْفَرَاغِ وَنَبْكِي فَقَطْ — لَا يُعِيدُ شَيْئاً.
وَالَّذِينَ كَتَبُوا تِلْكَ الْكُتُبَ لَمْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ هُمُ الْآخَرُونَ خُلَاصَةَ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُمْ دَائِماً — أَحْياناً كَتَبُوا فِي خَرَابٍ مِثْلِنَا.
قَالَ آخَرُ:
— كَيْفَ نَعْرِفُ السُّؤَالَ الَّذِي كَانَ يُجِيبُ عَنْهُ الْكِتَابُ إِذَا لَمْ نَقْرَأِ الْكِتَابَ؟
ابْتَسَمَ حَارِثٌ — تِلْكَ الِابْتِسَامَةُ الَّتِي وَصَفَهَا النَّاسُ بِأَنَّهَا ابْتِسَامَةُ رَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّ السُّؤَالَ الصَّحِيحَ يَسْتَحِقُّ وَقْفَةً قَبْلَ الْجَوَابِ:
— هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الصَّحِيحُ بِالضَّبْطِ.
وَجَوَابُهُ:
مِنَ النَّاسِ.
الْكِتَابُ يُكْتَبُ لِأَنَّ النَّاسَ يَسْأَلُونَ — وَلَيْسَ الْعَكْسُ.
النَّاسُ لَا يَسْأَلُونَ لِأَنَّ الْكِتَابَ قَالَ لَهُمُ اسْأَلُوا.
إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى النَّاسِ وَسَمِعْتُمْ مَا يَسْأَلُونَ — وَمَا يَسْأَلُونَهُ لِأَنَّ الْحَيَاةَ تَضْغَطُ عَلَيْهِمْ بِهِ،
لَا لِأَنَّ الدَّرْسَ أَمَرَهُمْ — سَتَعْرِفُونَ مَا ضَاعَ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُكْتَبَ مِنْ جَدِيدٍ.
خَامِساً:
— الْخَاتِمَةُ
وَجَدُوا الرجل الصوفي بَيْنَ مَنْ سَقَطُوا.
لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ.
كَانَ مَعَهُ بَعْضُ مَنْ بَقُوا حَوْلَهُ حَتَّى النِّهَايَةِ — أُنَاسٌ لَمْ يَجِدُوا مَكَاناً يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ أَوِ اخْتَارُوا أَلَّا يَبْتَعِدُوا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي جَعَلَ الْمَوْتَ أَهْوَنَ بِحُضُورِهِ.
حِينَ أَخْبَرُوا حَارِثاً صَمَتَ وَقْتاً أَطْوَلَ مِمَّا يَصْمُتُ الْإِنْسَانُ عَادَةً حِينَ يَسْمَعُ خَبَراً لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ سَمَاعَهُ وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَسْمَعُهُ.
ثُمَّ قَالَ:
— استُشهد وهو يقاتل.
قَالَ يُونُسُ الَّذِي عَادَ بَعْدَ أَنْ أَوْصَلَ الْكُتُبَ وَتَأَكَّدَ مِنْ سَلَامَتِهَا:
— هَلْ هَذَا صَوَابٌ؟
أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْتَ بَدَلاً مِنَ الْفِرَارِ؟
فَكَّرَ حَارِثٌ طَوِيلاً — وَكَانَ تَفْكِيرُهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ يَبْقَى دَاخِلَهُ.
ثُمَّ قَالَ:
— أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْكُمَ.
وَلَا يَنْبَغِي لِي ذَلِكَ.
لَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ مَا رَأَيْتُهُ:
رَأَيْتُ رَجُلاً قَرَّرَ أَيْنَ يَقِفُ.
وَلَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْ قَرَارِهِ حِينَ جَاءَ مَا يُحَرِّكُ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الثَّبَاتِ — مَهْمَا اخْتَلَفْنَا فِي صَوَابِهِ أَوْ خَطَئِهِ — يَفْعَلُ فِي الْأَرْوَاحِ شَيْئاً لَا تَفْعَلُهُ الْكُتُبُ.
— مَا هُوَ؟
— أَنَّهُ يَجْعَلُ مَنْ رَآهُ أَوْ سَمِعَ عَنْهُ يَسْأَلُ:
أَنَا — أَيْنَ أَقِفُ؟
وَهَلْ أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِأَنْ أَبْقَى فِي وُقُوفِي حِينَ يَصِيرُ الثَّبَاتُ ثَمَناً لَا تَبَاهِياً؟
صَمَتَ يُونُسُ وَقْتاً طَوِيلاً.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
— وَأَنْتَ — أَيْنَ تَقِفُ؟
نَظَرَ حَارِثٌ إِلَى الرُّفُوفِ الْفَارِغَةِ.
وَإِلَى الْكُتُبِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ كَشُهُودٍ صَامِتِينَ.
وَإِلَى الطُّلَّابِ الْجَالِسِينَ فِي تِلْكَ الْمَسَاحَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالْأَمْسِ مَمْلُوءَةً وَاللَّيْلَةَ تَنْتَظِرُ مَنْ يَمْلَأُهَا مِنْ جَدِيدٍ.
قَالَ:
— أَنَا أَقِفُ هُنَا.
فِي الْأُسْبُوعَيْنِ التَّالِيَيْنِ بَدَأَتْ بَغْدَادُ — بِبُطْءٍ شَدِيدٍ يُشْبِهُ بُطْءَ النَّهَارِ حِينَ يُوَاجِهُ لَيْلاً طَوِيلاً — تَتَذَكَّرُ أَنَّهَا مَدِينَةٌ.
لَيْسَتْ نَفْسَ الْمَدِينَةِ.
لَا يُمْكِنُ لِشَيْءٍ أَنْ يَعُودَ نَفْسَهُ بَعْدَ كَارِثَةٍ كَهَذِهِ — وَمَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ إِمَّا أَنَّهُ لَمْ يعِشْ مَا حَدَثَ أَوْ أَنَّهُ يُوَهِّمُ نَفْسَهُ بِمَا يُسَكِّتُ الْأَلَمَ. لَكِنَّهَا مَدِينَةٌ — وَالْمَدِينَةُ حَتَّى لَوْ جُرِّحَتْ فَإِنَّهَا لَا تَزَالُ مَدِينَةً مَا دَامَ فِيهَا مَنْ يَسْأَلُ.
وَفِي الْمَكْتَبَةِ الْمَنْهُوبَةِ كَانَ حَارِثٌ يُعِيدُ تَرْتِيبَ مَا بَقِيَ مِنَ الْكُتُبِ.
رَفٌّ بَعْدَ رَفٍّ.
بِبُطْءٍ.
دُونَ اسْتِعْجَالٍ.
لِأَنَّ مَنْ يَبْنِي يَعْرِفُ أَنَّ الْبِنَاءَ لَا يُسْتَعْجَلُ.
وَالْكِتَابَ الَّذِي يُكْتَبُ بِيَقَظَةٍ بَعْدَ خَرَابٍ أَصْدَقُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي يُكْتَبُ بِالِاعْتِيَادِ فِي الرَّخَاءِ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يُطْرَحُ مِنْ وَسَطِ الْخَسَارَةِ أَعْمَقُ جَذْراً مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي يُطْرَحُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ.
لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مَكَانٍ لَا يَمْلِكُ تَرَفَ الْإِجَابَاتِ الْجَاهِزَةِ.
وَفِي مَكَانٍ مَا مِنَ الْعَالَمِ — فِي سَمَرْقَنْدَ أَوِ الشَّامِ أَوْ مِصْرَ أَوْ فِي مَكَانٍ لَا اسْمَ لَهُ بَعْدُ فِي خَرِيطَةِ أَحَدٍ — كَانَتِ الْبُذُورُ الَّتِي أَرْسَلَهَا الشيحُ تَبْدَأُ فِي الْإِنْبَاتِ.
بِبُطْءٍ.
فِي تُرْبَةٍ لَمْ تَخْتَرْهَا.
لَكِنَّهَا تَنْبُتُ.
لِأَنَّ الْبَذْرَةَ لَا تَسْأَلُ عَنْ جَوْدَةِ التُّرْبَةِ وَلَا عَنِ اسْمِ الْمَدِينَةِ الَّتِي سَقَطَتْ.
تَسْأَلُ فَقَطْ عَنْ وُجُودِ الضَّوْءِ.

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 09