يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الفصل الثامن: ابن تيمية — حين يكون الإصلاح جُرحًا جديدًا
“وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ” إبراهيم: ٤
أَوَّلًا: دِمَشقُ — السَّنَةُ سِتُّمِئَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسعُونَ مِنَ الهِجرَةِ
دِمَشقُ بَعدَ المَغُولِ لَم تَكُن دِمَشقَ قَبلَهُم.
لَيسَ في الحِجَارَةِ — الحِجَارَةُ بَقِيَت،
وَالجَامِعُ الأُمَوِيُّ وَاقِفٌ كَمَا كَانَ،
وَالأَسوَاقُ تَعُجُّ بِالحَرَكَةِ وَالأَصوَاتِ.
لَكِنَّ الَّذِي تَغَيَّرَ كَانَ أَصعَبَ وَصفًا مِنَ الحِجَارَةِ:
تَغَيَّرَت الطَّرِيقَةُ التي يَنظُرُ بِهَا النَّاسُ إِلى مَا كَانُوا يَظُنُّونَهُ أَبَدِيًّا.
كَأَنَّ السُّقُوطَ الكَبِيرَ — حَتَّى حِينَ لَم يَصِل إِلى مَدِينَتِهِم مُبَاشَرَةً — عَلَّمَهُم أَنَّ مَا بَدَا ثَابِتًا لَيسَ كَذَلِكَ.
وَهَذَا العِلمُ الجَدِيدُ يُغَيِّرُ الإِنسَانَ بِطَرِيقَةٍ لا تُرى لَكِنَّهَا تُحَسُّ في كُلِّ حَدِيثٍ وَكُلِّ نَظرَةٍ وَكُلِّ صَلاةٍ يُصَلِّيهَا رَجُلٌ وَهُوَ يَسأَلُ في سِرِّهِ:
إِلى مَتى؟
في هَذِهِ المَدِينَةِ المَشحُونَةِ بِخَوفٍ خَفِيٍّ وَرَغبَةٍ عَارِمَةٍ في يَقِينٍ يُعَوِّضُ الخَوفَ — وُلِدَ ابنُ تَيمِيَّةَ.
وَفي هَذَا المَنَاخِ نَفسِهِ فَهِمَ العَالَمَ.
وَلَيسَ غَرِيبًا أَن يَكُونَ الإِنسَانُ الَّذِي نَشَأَ في مَنَاخِ الخَوفِ إِنسَانًا يَبحَثُ عَنِ اليَقِينِ — وَأَن يَكُونَ بَحثُهُ أَحيَانًا أَكثَرَ حِدَّةً مِمَّا يَحتَمِلُهُ مَن لَم يَخَف.
كَانَ في السَّابِعَةِ وَالثَّلاثِينَ حِينَ أُلقِيَت عَلَيهِ أُولى الفَتَاوى ضِدَّهُ.
لَم يَكُن قَد بَلَغَ بَعدُ ذَلِكَ الحُضُورَ الكَبِيرَ الَّذِي سَيَملَأُ بِهِ الأُفُقَ لاحِقًا.
لَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ — وَكَلامُهُ كَانَ يَختَرِقُ.
لَيسَ لِأَنَّهُ كَانَ فَصِيحًا فَحَسبُ — وَالفَصَاحَةُ وَحدَهَا لا تَختَرِقُ،
بَل تُطرِبُ — لَكِنَّهُ كَانَ يُسَمِّي الأَشيَاءَ بِأَسمَائِهَا في زَمَانٍ اِعتَادَ النَّاسُ فِيهِ أَن تُلَفَّ الأَشيَاءُ بِالحَرِيرِ قَبلَ أَن تُقَالَ.
وَمَن يَقُولُ الشَّيءَ عَارِيًا في زَمَانِ الحَرِيرِ — يُصدِمُ،
وَالصَّدمَةُ نَوعَانِ:
صَدمَةٌ تُصحِي وَصَدمَةٌ تُؤلِمُ.
وَأَحيَانًا تَكُونُ الصَّدمَةُ الوَاحِدَةُ كِلَيهِمَا مَعًا.
في حَلقَتِهِ كَانَ ذَلِكَ اليَومَ خَمسُونَ رَجُلًا — مُتَعَلِّمُونَ وَعَامَّةٌ،
طُلَّابٌ وَتُجَّارٌ،
مَن جَاءَ يَطلُبُ وَمَن جَاءَ يَختَبِرُ.
كَانَ بَينَهُم جَمَالُ الشَّامِيُّ — تَاجِرٌ في الأَربَعِينَ،
لا يَعرِفُ الفِقهَ عُمقًا لَكِنَّهُ يَعرِفُ السُّوقَ،
وَفي السُّوقِ يَعرِفُ مَتى يَكُونُ الكَلامُ صَادِقًا وَمَتى يَكُونُ بِضَاعَةً مَعرُوضَةً.
وَهَذَا التَّميِيزُ الَّذِي يَملِكُهُ التُّجَّارُ أَحيَانًا أَكثَرَ مِنَ العُلَمَاءِ — لِأَنَّهُ تَميِيزٌ دَفَعُوا ثَمَنَهُ مِن جُيُوبِهِم لا مِن كُتُبِهِم.
وَكَانَ بَينَهُم قَاسِمُ الطَّرشَاءِ — ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي لا حَلقَةَ تَكتَمِلُ بِدُونِهِ وَلا مَجلِسَ يَنتَهِي دُونَ أَن يَكُونَ قَد قَالَ فِيهِ شَيئًا يَجعَلُ الجَالِسِينَ يَنظُرُونَ إِلى بَعضِهِم.
كَانَ يَجلِسُ في الخَلفِ وَيَسمَعُ وَيُعَلِّقُ بِجُملَةٍ وَاحِدَةٍ تَقطَعُ الجِدَالَ كَالسِّكِّينِ — سَوَاءٌ كَانَ في حَلقَةِ فِقهٍ أَو في مَقهًى أَو في قَافِلَةٍ.
كَانَ لِقَاسِمَ تِلكَ المَوهِبَةُ النَّادِرَةُ لِلرُّؤيَةِ مِن مَسَافَةٍ — مَوهِبَةٌ يَملِكُهَا مَن لا يَنتَمِي لِأَحَدٍ وَلا يَطلُبُ مِن أَحَدٍ.
وَكَانَت بَينَهُم لَيلى — لَيسَت لَيلى الفَقِيهَةَ القَدِيمَةَ،
بَل اِمرَأَةٌ تَحمِلُ الاِسمَ ذَاتَهُ وَشَيئًا مِنَ الطَّبِيعَةِ ذَاتِهَا:
حُضُورٌ خَلفَ سِترٍ يُنصِتُ بِمَا يَتَجَاوَزُ حُضُورَ كَثِيرِينَ أَمَامَ المِنبَرِ.
وَهَذَا التَّجَاوُزُ لَم يَكُن مُصَادَفَةً — فَمَن يُنصِتُ مِن وَرَاءِ سِترٍ لا يُرى وَلا يُرَاقَبُ وَلا يَخشى الحُكمَ عَلَيهِ يَسمَعُ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَةٍ تَمَامًا.
كَانَ ابنُ تَيمِيَّةَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
المَسأَلَةُ التي لَم تَهدَأ مُنذُ أَيَّامِ المُعتَزِلَةِ — كَيفَ نَفهَمُ صِفَاتِ اللهِ؟
هَل يُؤخَذُ النَّصُّ عَلى ظَاهِرِهِ؟
هَل يُؤَوَّلُ؟
هَل نَسكُتُ وَنُفَوِّضُ؟
مَسأَلَةٌ تَبدُو لِلوَهلَةِ الأُولى مَسأَلَةً كَلامِيَّةً جَافَّةً — لَكِنَّ مَن يَسمَعُهَا في ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعرِفُ أَنَّهَا لَيسَت كَذَلِكَ.
إِنَّهَا سُؤَالٌ عَن الهُوِيَّةِ ذَاتِهَا:
مَن نَحنُ؟
وَمَا الَّذِي يَربُطُنَا بِمَن كَانُوا قَبلَنَا وَنَحنُ نَرى أَنَّ مَا كَانُوا يَعتَقِدُونَهُ أَبَدِيًّا تَهَاوى؟
قَالَ ابنُ تَيمِيَّةَ :
— السَّلَفُ الصَّالِحُ لَم يَتَكَلَّفُوا التَّأوِيلَ.
قَالُوا:
اللهُ مُستَوٍ عَلى عَرشِهِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلالِهِ.
لَم يَقُولُوا كَيفَ.
وَلَم يُنكِرُوا الصِّفَةَ.
وَالإِنكَارُ بِدعَةٌ،
وَالتَّكيِيفُ بِدعَةٌ.
وَكِلتَاهُمَا خُرُوجٌ عَن المَنهَجِ الَّذِي أَوصَلَهُم إِلى مَا أَوصَلَهُم إِلَيهِ.
قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَمَامِ :
— لَكِنَّ الأَشَاعِرَةَ يُؤَوِّلُونَ خَشيَةَ التَّشبِيهِ.
قَالَ ابنُ تَيمِيَّةَ بِحِدَّةٍ لَم يُحَاوِل إِخفَاءَهَا — وَكَانَ هَذَا مِن طِبَاعِهِ:
لا يَلبَسُ حِدَّتَهُ ثَوبَ الأَدَبِ حِينَ يَرى أَنَّ الأَدَبَ سَيُفقِدُهَا صِدقَهَا :
— خَشيَةُ التَّشبِيهِ المُتَوَهَّمِ أَوقَعَتهُم في التَّعطِيلِ الحَقِيقِيِّ.
اللهُ أَجَلُّ مِن أَن يُشَبَّهَ بِخَلقِهِ — وَهَذَا لَيسَ مَوضِعَ خِلافٍ.
لَكِنَّ هَذَا لا يَعنِي أَن نَنفِيَ مَا أَثبَتَهُ لِنَفسِهِ بِلِسَانِهِ.
أَتُرِيدُنَا أَن نَكُونَ أَعلَمَ بِاللهِ مِنَ اللهِ؟
في الخَلفِ هَمَسَ قَاسِمٌ لِجَمَالٍ بِصَوتٍ يَكَادُ لا يُسمَعُ :
— هُوَ يَقُولُ الحَقَّ.
— وَمَاذَا يَعنِي ذَلِكَ؟ — قَالَ جَمَالٌ.
— يَعنِي أَنَّ مَن سَيَرُدُّ عَلَيهِ سَيَرُدُّ بِالحَقِّ أَيضًا.
وَهَذَا أَصعَبُ مَا في الأَمرِ.
— لِمَاذَا أَصعَبُ؟
— لِأَنَّهُ حِينَ يَتَخَاصَمُ رَجُلانِ كِلاهُمَا مُخطِئٌ — يُمكِنُ الحُكمُ بَينَهُمَا وَإِن كَانَ الحُكمُ صَعبًا.
لَكِن حِينَ يَتَخَاصَمُ رَجُلانِ كِلاهُمَا يَحمِلُ جُزءًا مِنَ الحَقِّ — الحُكمُ بَينَهُمَا يَحتَاجُ مَا هُوَ أَكبَرُ مِنَ المَنطِقِ.
نَظَرَ إِلَيهِ جَمَالٌ :
— وَمَا الأَكبَرُ مِنَ المَنطِقِ؟
فَكَّرَ قَاسِمٌ — وَكَانَ مِن عَاداتِهِ أَن لا يُجِيبَ حَتَّى يَكُونَ قَد فَكَّرَ فِعلًا،
لا أَن يُجِيبَ لِيَبدُوَ أَنَّهُ يَفكِرُ :
— الحِكمَةُ.
وَهِيَ أَندَرُ مِنَ المَنطِقِ بِكَثِيرٍ.
لِأَنَّ المَنطِقَ يُعَلَّمُ وَالحِكمَةَ تُعَاشُ.
وَلِأَنَّ المَنطِقَ يَعمَلُ مَعَ مَن يُرِيدُ الوُصُولَ إِلى الحَقِّ،
وَالحِكمَةُ تَعمَلُ مَعَ مَن يُرِيدُ الوُصُولَ إِلى الحَقِّ دُونَ أَن يُدَمِّرَ مَن حَولَهُ في الطَّرِيقِ.
ثَانِيًا: المَجلِسُ — لَيلُ دِمَشقَ
بَعدَ الحَلقَةِ دَعَا ابنُ تَيمِيَّةَ بَعضَ طُلَّابِهِ إِلى بَيتِهِ.
لَم يَكُن مَجلِسًا رَسمِيًّا — لَم تَكُن فِيهِ الحِدَّةُ التي يَلبَسُهَا في العَلَنِ وَلا ذَلِكَ الحُضُورُ الَّذِي يَجعَلُ السَّامِعَ يَشعُرُ أَنَّهُ أَمَامَ رَجُلٍ لا يَشُكُّ.
كَانَ جَلسَةً بَينَ مَن يَثِقُ بِهِم — أَو مَن يَختَبِرُ ثِقَتَهُ بِهِم.
كَانَ بَينَهُم شَمسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ — المُحَدِّثُ الدَّقِيقُ الَّذِي كَتَبَ في عِلمِ الرِّجَالِ وَجَرَّحَ وَوَثَّقَ بِتِلكَ المَوضُوعِيَّةِ التي تَجعَلُ كُتُبَهُ مَرجِعًا حَتَّى لِمَن يَختَلِفُ مَعَهُ — وَهَذَا النَّوعُ مِنَ العُلَمَاءِ،
الَّذِي يَستَطِيعُ أَن يُوثِّقَ مَا لا يَرضَاهُ،
نَادِرٌ في كُلِّ زَمَانٍ.
وَكَانَ هُنَاكَ أَيضًا ابنُ القَيِّمِ — الصَّغِيرُ في السِّنِّ لَكِنَّ الكَبِيرَ في الحُضُورِ،
الَّذِي كَانَ يَحمِلُ شَيئًا نَادِرًا في المُقَرَّبِينَ مِنَ العُلَمَاءِ:
يُجَمِّلُ الفِكرَةَ دُونَ أَن يَخُونَهَا،
وَيُلَيِّنُ الحِدَّةَ دُونَ أَن يَمسَحَ المَعنى،
وَيُضِيفُ لِلعِلمِ شَيئًا مِنَ الشِّعرِيَّةِ التي تَجعَلُهُ يَسكُنُ في القَلبِ لا في العَقلِ فَحَسبُ.
قَالَ ابنُ تَيمِيَّةَ — وَكَانَ في هَذِهِ المَجَالِسِ الخَاصَّةِ يَختَلِفُ قَلِيلًا عَمَّا يَكُونُ عَلَيهِ في المِنبَرِ:
أَقَلُّ حِدَّةً وَأَكثَرُ تَسَاؤُلًا،
كَأَنَّ الخُلُوَّ مِنَ الجُمهُورِ يُخَفِّفُ مِنهُ شَيئًا كَانَ يَلبَسُهُ لِلعَلَنِ:
— أَخشى شَيئًا.
نَظَرَ إِلَيهِ الذَّهَبِيُّ.
كَانَ نَادِرًا أَن يَقُولَ ابنُ تَيمِيَّةَ إِنَّهُ يَخَافُ — وَالرَّجُلُ الَّذِي لا يَقُولُ إِنَّهُ يَخَافُ لَيسَ بِالضَّرُورَةِ شُجَاعًا؛
قَد يَكُونُ فَقَطَ لَم يَجِد بَعدُ مَن يَثِقُ بِهِ كِفَايَةً لِيَقُولَ لَهُ.
— مَاذَا تَخشى؟
— أَخشى أَن يُقرَأَ مَا أَقُولُهُ بَعدَ مَوتِي كَمَا قُرِئَ ابنُ حَنبَلٍ مِن بَعدِهِ — يُؤخَذُ المَوقِفُ دُونَ رُوحِهِ.
الصَّلابَةُ دُونَ الوَرَعِ الَّذِي يُرَطِّبُهَا.
الرَّفضُ دُونَ التَّمييزِ الَّذِي يُقَيِّدُهُ.
الكَلِمَةُ دُونَ السِّيَاقِ الَّذِي وَلَدَهَا.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ — وَكَانَ في صَوتِهِ دَائِمًا شَيءٌ يُشبِهُ الرَّغبَةَ في التَّوفِيقِ،
تِلكَ الرَّغبَةُ الَّتي هِيَ أَحيَانًا حِكمَةٌ وَأَحيَانًا هَرَبٌ مِنَ الصِّراعِ :
— لَكِنَّكَ حِينَ تَتَكَلَّمُ — يَسمَعُكَ النَّاسُ وَيَتَأَثَّرُونَ.
— أَعرِفُ. وَهَذَا بِالضَّبطِ مَا يُقلِقُنِي.
— لِمَاذَا؟
قَالَ ابنُ تَيمِيَّةَ بِبُطءٍ — بُطءُ مَن يُفَكِّرُ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ لا بَعدَ أَن يَنتَهِيَ:
— لِأَنَّ التَّأثِيرَ لا يُفَرِّقُ.
يَأخُذُ النَّاسُ كُلَّ شَيءٍ مَعًا — الصَّحِيحَ وَالخَطَأَ،
وَالدَّقِيقَ وَالمُبَالَغَ فِيهِ،
وَمَا قَصَدتُهُ وَمَا لَم أَقصِدهُ.
وَأَنَا لا أَستَطِيعُ أَن أَقِفَ بِجَانِبِ كُلِّ مَن يَقرَأُ وَأَقُولُ لَهُ:
هَذَا مَا قَصَدتُ وَهَذَا لَم أَقصِدهُ.
فَإِذَا صَارَ كَلامِي بَعدَ مَوتِي في أَيدِي مَن لا يَفهَمُ الفَرقَ — صَارَ سِلاحًا لَم أَصنَعهُ أَنَا.
نَظَرَ إِلى يَدَيهِ — نَظرَةَ رَجُلٍ يَرى في يَدَيهِ شَيئًا لَم يَتَوَقَّع رُؤيَتَهُ :
— الكَلِمَةُ حِينَ تَخرُجُ تَصِيرُ أَكبَرَ مِن قَائِلِهَا.
وَهَذَا قَد يَكُونُ جَمَالُهَا — وَقَد يَكُونُ خَطَرُهَا.
قَالَ الذَّهَبِيُّ — بِتِلكَ الدِّقَّةِ التي جَعَلَتهُ مُحَدِّثًا لا يُخطِئُ في التَّوثِيقِ وَالتي كَانَت أَحيَانًا أَشَدَّ وَطأَةً مِنَ الخُطَبِ :
— وَلِهَذَا المُحَدِّثُ يُسنِدُ.
لِأَنَّ الإِسنَادَ يُبقِي الكَلِمَةَ في سِيَاقِهَا — يَجعَلُكَ تَعرِفُ مَتى قِيلَت وَلِمَن وَبِأَيِّ سَبَبٍ.
— لَكِنَّ الإِسنَادَ يَحفَظُ اللَّفظَ لا الرُّوحَ.
— وَمَا يَحفَظُ الرُّوحَ؟
صَمَتَ ابنُ تَيمِيَّةَ — وَكَانَ صَمتُهُ في هَذِهِ المَجَالِسِ الخَاصَّةِ مُختَلِفًا عَن صَمتِهِ في العَلَنِ:
لَم يَكُن صَمتَ مَن يَعرِفُ الجَوَابَ وَيَنتَظِرُ اللَّحظَةَ المُنَاسِبَةَ — كَانَ صَمتَ مَن يَبحَثُ حَقًّا.
ثُمَّ قَالَ شَيئًا لَم يَتَوَقَّعهُ أَحَدٌ في الغُرفَةِ — وَالأَشيَاءُ التي لا تُتَوَقَّعُ مِن رَجُلٍ كَابنِ تَيمِيَّةَ تَكُونُ عَادَةً أَصدَقَ كَلامِهِ :
— النَّاسُ الَّذِينَ عَاشُوا مَعَكَ.
هُم الَّذِينَ يَحفَظُونَ الرُّوحَ.
لَيسَ مَن قَرَأَكَ — بَل مَن جَلَسَ مَعَكَ وَرَآكَ تَشُكُّ وَتَتَرَاجَعُ وَتَبكِي وَتَضحَكُ.
وَلِهَذَا أَخشى عَلى مَا بَعدِي أَكثَرَ مِمَّا أَخشى عَلى زَمَنِي — لِأَنَّ مَن بَعدِي سَيَقرَأُنِي وَلَن يَرَانِي.
في الخَارِجِ كَانَ قَاسِمُ الطَّرشَاءِ جَالِسًا عِندَ بَابِ المَجلِسِ — لَم يُدعَ لِلدَّاخِلِ لَكِنَّهُ لَم يَذهَب.
لَم يَكُن مِن عَادَتِهِ أَن يَذهَبَ حِينَ تَكُونُ الأَشيَاءُ الحَقِيقِيَّةُ تَحدُثُ.
سَمِعَ شَيئًا مِنَ الكَلامِ.
قَالَ لِنَفسِهِ بِصَوتٍ لا يَكَادُ يُسمَعُ — وَكَانَ قَاسِمٌ مِن النَّوعِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَ نَفسِهِ لِأَنَّهُ يَرى في ذَلِكَ صِدقًا لا يَجِدُهُ دَائِمًا مَعَ الآخَرِين:
— رَجُلٌ يَخَافُ مِن قُرَّائِهِ.
هَذَا جَدِيدٌ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعدَ صَمتٍ قَصِيرٍ :
— أَو رُبَّمَا هَذَا القَدِيمُ الَّذِي نَسِينَاهُ.
كُلُّ عَاقِلٍ يَجِبُ أَن يَخَافَ مِن قُرَّائِهِ — لِأَنَّ القُرَّاءَ يَصنَعُونَ الكَاتِبَ مِن جَدِيدٍ وَلا يَسأَلُونَهُ إِذَا كَانَ هَذَا مَا أَرَادَ.
ثَالِثًا: المُوَاجَهَةُ مَعَ الصُّوفِيَّةِ
لَم تَكُن مُشكِلَةُ ابنِ تَيمِيَّةَ مَعَ الصُّوفِيَّةِ كَمَا رَوَاهَا كَثِيرُونَ — مُشكِلَةُ رَجُلٍ يَكرَهُ التَّصَوُّفَ.
الكَرَاهِيَةُ الصَّافِيَةُ أَبسَطُ مِمَّا كَانَ عِندَهُ.
كَانَت أَعقَدَ مِن ذَلِكَ — وَالمُعقَّدُ دَائِمًا أَصدَقُ مِنَ البَسِيطِ حِينَ يَتَعَلَّقُ الأَمرُ بِالإِنسَانِ الحَقِيقِيِّ لا الإِنسَانِ الكِتَابِيِّ.
مَوْقِفَهُ مِنَ التَّصَوُّفِ عُمُومًا كانَ مَوْقِفًا نَقْدِيًّا حَتَّى مِنْ بَعْضِ أَشْكالِهِ الأَصِيلَةِ.
مَا يَرفُضُهُ هُوَ التَّصَوُّفُ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلى طُقُوسٍ لا أَصلَ لَهَا،
وَتَبجِيلٌ لِلأَولِيَاءِ يَقتَرِبُ مِنَ التَّشرِيكِ،
وَادِّعَاءَاتٌ بِالكَشفِ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ مَا يُمكِنُ التَّثَبُّتُ مِنهُ.
كَانَ يَرى أَنَّهُ يُدَافِعُ عَنِ التَّصَوُّفِ الحَقِيقِيِّ مِن دَاخِلِهِ — لَكِنَّ النَّاسَ لا يَسمَعُونَ هَذَا الفَارِقَ دَائِمًا.
وَمَن لا يُسمَعُ فَارِقُهُ يَجِدُ أَن كَلامَهُ يَنقَلِبُ إِلى نَقِيضِ مَا أَرَادَ.
في أَحَدِ مَجَالِسِهِ الكُبرى قَامَ رَجُلٌ مِنَ الحُضُورِ.
كَانَ اسمُهُ نُورُ الدِّينِ الرَّسَّامُ — ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي رَأى اللهَ في الأَقوَاسِ وَالقِبَابِ،
وَالَّذِي كَانَ يَجلِسُ في مَجَالِسِ ابنِ تَيمِيَّةَ لا لِيَتَّفِقَ بَل لِيَفهَمَ — وَالفَارِقُ بَينَ مَن يَجلِسُ لِيَتَّفِقَ وَمَن يَجلِسُ لِيَفهَمَ فَارِقٌ كَبِيرٌ يَظهَرُ حِينَ يَتَكَلَّمُ كُلٌّ مِنهُمَا.
قَالَ:
— يَا شَيخُ.
أَنتَ تَنتَقِدُ زِيَارَةَ الأَضرِحَةِ.
— نَعَم. حِينَ تَكُونُ عَلى وَجهٍ يُشبِهُ العِبَادَةَ.
— وَلَكِنَّ النَّاسَ الَّذِينَ يَزُورُونَهَا — لا يَعبُدُونَ.
يَتَوَسَّلُونَ.
وَالتَّوَسُّلُ عِندَهُم لَيسَ عِبَادَةً — هُوَ حَاجَةٌ إِلى القُربِ.
— وَالتَّوَسُّلُ بِالمَيِّتِ مَسأَلَةٌ خِلافِيَّةٌ كَبِيرَةٌ وَالأَقرَبُ لِلدَّلِيلِ عِندِي المَنعُ.
قَالَ نُورُ الدِّينِ بِهُدُوءٍ فِيهِ إِصرَارٌ — هُدُوءُ رَجُلٍ لَيسَ عِندَهُ مَا يَخسَرُهُ لِأَنَّهُ لا يَطلُبُ شَيئًا:
— لَكِنَّكَ حِينَ تَمنَعُ — تَأخُذُ مِنَ النَّاسِ شَيئًا.
— مَاذَا آخُذُ؟
— تَأخُذُ مِنهُم الطَّرِيقَةَ التي يَشعُرُونَ بِهَا بِالقُربِ مِنَ اللهِ.
وَالشُّعُورُ بِالقُربِ لَيسَ وَهمًا — هُوَ بِدَايَةُ الطَّرِيقِ.
وَإِذَا أَخَذتَ البِدَايَةَ قَبلَ أَن تُعطِيَ بِدَايَةً أُخرى — وَقَفَ النَّاسُ في مَوضِعِهِم لا يَعرِفُونَ أَينَ يَذهَبُونَ.
وَقَفَ ابنُ تَيمِيَّةَ.
— القُربُ مِنَ اللهِ لا يَحتَاجُ وَسِيطًا.
— أَعرِفُ. وَأَنتَ مُحِقٌّ في هَذَا — عَقلِيًّا.
لَكِنَّ الإِنسَانَ الضَّعِيفَ الَّذِي يَحتَاجُ أَن يَضَعَ يَدَهُ عَلى شَيءٍ مَلمُوسٍ وَهُوَ يَدعُو — هَذَا الإِنسَانُ حِينَ يَفقِدُ المَلمُوسَ قَبلَ أَن يَجِدَ مَا يُعَوِّضُهُ — لا يَرتَفِعُ إِلى حَيثُ تَدعُوهُ.
يَقَعُ في الفَرَاغِ.
وَالفَرَاغُ يَسُدُّهُ أَيُّ شَيءٍ — وَلَيسَ بِالضَّرُورَةِ الشَّيءُ الأَفضَلُ.
صَمَتَ ابنُ تَيمِيَّةَ لَحظَةً — وَكَانَ هَذَا الصَّمتُ، حِينَ يَحدُثُ، أَهَمَّ مِن كَثِيرٍ مِن كَلامِهِ.
لِأَنَّهُ كَانَ يَعنِي أَنَّهُ سَمِعَ — وَالسَّمَاعُ الحَقِيقِيُّ مِن رَجُلٍ مِثلِهِ كَانَ أَثمَنَ مِن تَوَافُقٍ ودِّيٍّ مِن رَجُلٍ آخَرَ.
قَالَ أَخِيرًا:
— هَذَا اِعتِرَاضٌ لَهُ ثِقلٌ.
وَأَنَا لَم أَجِد لَهُ جَوَابًا كَامِلًا.
نَظَرَ إِلَيهِ نُورُ الدِّينِ:
— وَهَل هَذَا يُغَيِّرُ مَوقِفَكَ؟
— لا. لَكِنَّهُ يَجعَلُنِي أَتَكَلَّمُ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَةٍ — بِطَرِيقَةٍ فِيهَا مَكَانٌ لِمَن يَقَعُ في الفَرَاغِ.
لِأَنَّ المَوقِفَ بِلا رَحمَةٍ لِلضَّعفِ لَيسَ مَوقِفًا كَامِلًا وَإِن كَانَ صَحِيحًا.
بَعدَ المَجلِسِ وَجَدَ ابنُ تَيمِيَّةَ نُورَ الدِّينِ في الخَارِجِ.
قَالَ لَهُ :
— مَا قُلتَهُ دَاخِلًا — لَم يَقُلهُ لِي أَحَدٌ بِهَذَا الوُضُوحِ.
قَالَ نُورُ الدِّينِ :
— لِأَنَّ أَكثَرَ مَن يَجلِسُ مَعَكَ يُرِيدُ أَن يَتَعَلَّمَ.
وَأَنَا جِئتُ أُجَادِلُ.
— وَهَل الجِدَالُ أَفيَدُ مِنَ التَّعَلُّمِ؟
— أَحيَانًا.
التَّعَلُّمُ يَأخُذُ مَا يُعطَى وَيَقُولُ شُكرًا.
وَالجِدَالُ يَكشِفُ مَا لَم يُعطَ — وَمَا لَم يُعطَ أَحيَانًا أَهَمُّ مِمَّا أُعطِيَ.
نَظَرَ إِلَيهِ ابنُ تَيمِيَّةَ بِشَيءٍ يُشبِهُ الاِحتِرَامَ الَّذِي يَصعُبُ عَلى رَجُلٍ مِثلِهِ إِظهَارُهُ — لِأَنَّ إِظهَارَ الاِحتِرَامِ عِندَ بَعضِ النَّاسِ يَبدُو تَرَاجُعًا وَهُوَ لَيسَ كَذَلِكَ:
— أَنتَ رَسَّامٌ.
— نَعَم.
— وَالرَّسَّامُ يَرى الفَرَاغَ وَالاِمتِلاءَ مَعًا — لِأَنَّهُ يَعرِفُ أَنَّ الفَرَاغَ جُزءٌ مِنَ اللَّوحَةِ لا نَقصٌ فِيهَا.
— نَعَم.
— هَذَا مَا يَنقُصُ كَثِيرًا مِنَ العُلَمَاءِ.
نَرى الاِمتِلاءَ وَلا نَرى الفَرَاغَ الَّذِي يَمنَحُهُ مَعنَاهُ.
رَابِعًا: السِّجنُ — القَاهِرَةُ
جَاءَ السِّجنُ لَيسَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
جَاءَ مَرَّاتٍ — كَأَنَّهُ كَانَ جُزءًا مِن قَدَرِ هَذَا الرَّجُلِ لا مُجَرَّدَ حَادِثَةٍ عَارِضَةٍ.
المَرَّةُ الأُولى في الإِسكَندَرِيَّةِ.
ثُمَّ في قَلعَةِ القَاهِرَةِ.
ثُمَّ في قَلعَةِ دِمَشقَ — الأَخِيرَةُ التي لَم يَخرُج مِنهَا.
في كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ ابنُ تَيمِيَّةَ يَخرُجُ وَيَعُودُ — إِلى الكِتَابَةِ،
إِلى الحَلقَةِ،
إِلى المُوَاجَهَةِ.
كَأَنَّ السِّجنَ لَم يَكُن لِيُغَيِّرَ شَيئًا فِيهِ — أَو رُبَّمَا غَيَّرَ شَيئًا لَم يَعرِفهُ هُوَ نَفسُهُ.
في السِّجنِ الأَخِيرِ في قَلعَةِ دِمَشقَ — حِينَ أُخِذَت مِنهُ الأَورَاقُ وَالأَقلامُ؛ كَتَبَ بالجِيرِ (الطَّبَاشِيرِ (عَلى الجُدرَانِ — كَتَبَ لِأَنَّهُ لَم يَستَطِع أَلَّا يَكتُبَ.
وَهَذَا النَّوعُ مِنَ الكِتَابَةِ — الكِتَابَةُ التي تَكُونُ لِأَنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ آخَرُ — هِيَ الكِتَابَةُ الأَكثَرُ صِدقًا في حَيَاةِ أَيِّ إِنسَانٍ.
وَصَلَتهُ في السِّجنِ رِسَالَةٌ مِنَ الذَّهَبِيِّ.
لَم تَكُن رِسَالَةَ تَشجِيعٍ — وَكَانَ الذَّهَبِيُّ يَعرِفُ أَنَّهُ يَملِكُ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا يَكفِي لِأَن لا يُشَجِّعَ حِينَ لا يَعتَقِدُ أَنَّ التَّشجِيعَ يَخدُمُ الحَقِيقَةَ.
كَانَت رِسَالَةَ نَقدٍ — مِن تِلمِيذٍ يَحتَرِمُ أُستَاذَهُ بِمَا يَكفِي لِأَن يَقُولَ لَهُ مَا لا يَقُولُهُ غَيرُهُ.
وَهَذَا النَّوعُ مِنَ الاِحتِرَامِ أَصعَبُ مِنَ الاِحتِرَامِ الَّذِي يَصمُتُ.
كَتَبَ الذَّهَبِيُّ— وَأَخفَى الرِّسَالَةَ في حَيَاتِهِ لَكِنَّهَا وَصَلَت لاحِقًا إِلى النَّاسِ،
كَمَا تَصِلُ الحَقَائِقُ الكَبِيرَةُ دَائِمًا مَتَأَخِّرَةً:
“يَا شَيخُ… كَم مِن عَالِمٍ يُبغِضُكَ؟
وَكَم مِن مُحِبٍّ لَكَ يُقَاسِي مِن حِدَّتِكَ؟
لَو كُنتَ رَفِيقًا لَيِّنًا بِعِلمِكَ الوَاسِعِ لَكَانَت كَلِمَتُكَ أَنفَذَ وَأَقبَلَ… وَقَد آذَيتَ كَثِيرًا مِنَ الأَخيَارِ وَأَوحَشتَهُم…
وَأَنَا أَدعُو لَكَ بِالعَافِيَةِ.”
قَرَأَ ابنُ تَيمِيَّةَ الرِّسَالَةَ.
لَم يُعرَف جَوَابُهُ الكَامِلُ — أَو رُبَّمَا لَم يَكتُبهُ.
وَهَذَا الصَّمتُ عَن الجَوَابِ قَد يَكُونُ هُوَ نَفسُهُ الجَوَابُ.
لَكِنَّ مَن زَارَهُ في السِّجنِ رَوى أَنَّهُ صَمَتَ طَوِيلًا بَعدَ قِرَاءَتِهَا — صَمتُ مَن يُوَازِنُ شَيئًا ثَقِيلًا لا يَجِدُ لَهُ كَفَّةً مُنَاسِبَةً.
ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً:
— صَدَقَ.
وَكَلِمَةُ “صَدَقَ” مِن رَجُلٍ كَابنِ تَيمِيَّةَ في أَصعَبِ أَيَّامِهِ لَيسَت كَلِمَةً صَغِيرَةً — هِيَ جَبَلٌ يَتَحَرَّكُ في صَمتٍ.
في السِّجنِ كَتَبَ ابنُ تَيمِيَّةَ — مَا أُتِيحَ لَهُ مِنَ الكِتَابَةِ — رَسَائِلَ وَفَتَاوى.
لَكِنَّهُ كَتَبَ أَيضًا شَيئًا مُختَلِفًا:
كَتَبَ عَنِ التَّوبَةِ،
وَعَن مُرَاجَعَةِ النَّفسِ،
وَعَن الفَرقِ بَينَ الحَقِّ وَالأُسلُوبِ — وَهَذَا الفَرقُ كَانَ الدَّرسَ الَّذِي أَعطَاهُ إِيَّاهُ السِّجنُ وَلَم يَجِد لَهُ مَكَانًا في حَلَقَاتِ المَنبَرِ.
كَأَنَّ السِّجنَ أَعطَاهُ مَا لَم يُعطِهِ المِنبَرُ — الوَقتَ لِلجُلُوسِ مَعَ نَفسِهِ دُونَ جُمهُورٍ.
وَالجُمهُورُ — حَتَّى حِينَ يُحِبُّكَ — يَأخُذُ مِنكَ شَيئًا أَنتَ تَحتَاجُهُ لِنَفسِكَ.
جَاءَهُ في أَحَدِ أَيَّامِ السِّجنِ رَجُلٌ لَم يَكُن مِن طُلَّابِهِ وَلا مِن خُصُومِهِ.
كَانَ عُمَرَ الشَّاهِدَ — الَّذِي كَانَ دَائِمًا يَظهَرُ حَيثُ تَحدُثُ الأَشيَاءُ الحَقِيقِيَّةُ،
كَأَنَّهُ يَحمِلُ بُوصَلَةً لا تُشِيرُ إِلى الشَّمَالِ بَل إِلى الصِّدقِ.
قَالَ لَهُ حِينَ رَآهُ :
— كَيفَ وَصَلتَ إِلى هُنَا؟
— طَرَقتُ البَابَ وَقُلتُ إِنَّنِي مِن زُوَّارِ الشَّيخِ فَأَذِنُوا لِي.
— وَهَل تَعرِفُنِي؟
— أَعرِفُ مَن أَنتَ.
لَكِنَّنِي لَم أَجلِس في حَلقَتِكَ.
— وَلِمَاذَا جِئتَ؟
قَالَ عُمَرُ بِبَسَاطَةِ مَن لا يَملِكُ مَا يَستَحِقُّ إِخفَاءَهُ :
— لِأَرى كَيفَ يَكُونُ رَجُلٌ كَبِيرٌ حِينَ يُسجَنُ.
لِأَنَّ السِّجنَ يَكشِفُ مَا لا يَكشِفُهُ الجُمهُورُ.
نَظَرَ إِلَيهِ ابنُ تَيمِيَّةَ بِشَيءٍ بَينَ الدَّهشَةِ وَالإِعجَابِ — إِعجَابُ رَجُلٍ لا يَتَوَقَّعُ أَن يُفَاجَأَ بَعدَ كُلِّ هَذَا العُمرِ :
— وَمَاذَا تَرى؟
نَظَرَ إِلَيهِ عُمَرُ نَظرَةً طَوِيلَةً صَادِقَةً — النَّظرَةُ التي تَكُونُ حِينَ لا يَكُونُ المَرءُ مُهتَمًّا بِالأَثَرِ الَّذِي يَتَرُكُهُ بَل بِالشَّيءِ الَّذِي أَمَامَهُ.
ثُمَّ قَالَ :
— أَرى رَجُلًا يَكتُبُ. هَذَا جَيِّدٌ.
— وَلِمَاذَا جَيِّدٌ؟
— لِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَكتُبُ في السِّجنِ لا يَزَالُ يُؤمِنُ بِأَنَّ هُنَاكَ مَن سَيَقرَأُ.
وَمَن يُؤمِنُ بِذَلِكَ لَم يُهزَم — حَتَّى وَإِن كَانَ مَحبُوسًا.
الهَزِيمَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ حِينَ تَتَوَقَّفُ عَن الكِتَابَةِ لِأَنَّكَ لَم تَعُد تَرى أَحَدًا يَستَحِقُّ أَن تَكتُبَ لَهُ.
خَامِسًا: المَوتُ في السِّجنِ
مَاتَ ابنُ تَيمِيَّةَ في السِّجنِ.
لَم يُفرَج عَنهُ في مَرَضِهِ الأَخِيرِ — وَهَذَا التَّفصِيلُ الصَّغِيرُ يَقُولُ أَشيَاءَ كَثِيرَةً عَن الزَّمَانِ وَعَن الَّذِينَ يَخَافُونَ مِنَ الرَّجُلِ حَتَّى وَهُوَ يَحتَضِرُ.
قِيلَ إِنَّهُ حِينَ جَاءَهُ المَوتُ كَانَ يَقرَأُ القُرآنَ.
وَقِيلَ إِنَّ وَجهَهُ كَانَ يَحمِلُ شَيئًا يُشبِهُ الرَّاحَةَ — وَالرَّاحَةُ عَلى وَجهِ رَجُلٍ مَاتَ في سِجنٍ لَيسَت هَزِيمَةً،
هِيَ نَوعٌ مِنَ الانتِصَارِ لا لَفظَ يُحِيطُ بِهِ في كُتُبِ التَّارِيخِ.
حِينَ عَلِمَ ابنُ القَيِّمِ — كَانَ في دِمَشقَ.
خَرَجَ إِلى الشَّارِعِ لا يَعرِفُ إِلى أَينَ يَمشِي — وَهَذِهِ اللَّحظَةُ،
حِينَ يَعرِفُ الإِنسَانُ قَدَمَيهِ وَلا يَعرِفُ وِجهَتَهُ،
هِيَ لَحظَةُ الحُزنِ الحَقِيقِيِّ.
مَشى طَوِيلًا.
ثُمَّ وَجَدَ نَفسَهُ أَمَامَ المَكتَبَةِ الصَّغِيرَةِ التي كَانَ يَزُورُهَا أَحيَانًا — كَأَنَّ الحُزنَ يَقُودُنَا أَحيَانًا إِلى الأَمَاكِنِ التي نَتَنَفَّسُ فِيهَا لا إِلى الأَمَاكِنِ التي نَنسَاهَا فِيهَا.
دَخَلَ.
كَانَ حَارِثٌ الصَّغِيرُ — ذَلِكَ النَّسلُ الَّذِي لا يَنتَهِي،
سِلالَةُ الوَرَّاقِينَ الَّذِينَ يَعرِفُونَ أَنَّ الكُتُبَ لا تَكفِيهَا الرُّفُوفُ — يُرَتِّبُ الكُتُبَ بِتِلكَ الطُّمَأنِينَةِ التي يَملِكُهَا مَن يَعرِفُ أَنَّ الكِتَابَ لا يَهرُبُ.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ دُونَ مُقَدِّمَةٍ :
— مَاتَ.
لَم يَسأَل حَارِثٌ عَمَّن.
فَهِمَ — لِأَنَّ بَعضَ الأَخبَارِ تَحمِلُ ثِقلَهَا في الطَّرِيقَةِ التي تُقَالُ بِهَا.
قَالَ :
— كَيفَ؟
— في السِّجنِ. يَقرَأُ.
صَمَتَ.
ثُمَّ قَالَ حَارِثٌ بِبُطءٍ — بُطءِ مَن يُفَكِّرُ لا بُطءِ مَن يَبحَثُ عَن الكَلِمَاتِ المُنَاسِبَةِ :
— الكُتُبُ التي كَتَبَهَا — هَل هِيَ بِأَمَانٍ؟
نَظَرَ إِلَيهِ ابنُ القَيِّمِ بِشَيءٍ يُشبِهُ الدَّهشَةَ المُؤلِمَةَ — دَهشَةُ مَن يَرى شَيئًا لَم يَتَوَقَّعهُ في لَحظَةٍ لَيسَت لَحظَةَ التَّفكِيرِ :
— أُستَاذِي مَاتَ. وَأَنتَ تَسأَلُ عَنِ الكُتُبِ؟
قَالَ حَارِثٌ بِبَسَاطَةِ رَجُلٍ يَعرِفُ مَا قَالَهُ وَلا يَعتَذِرُ عَنهُ :
— أَنَا أَسأَلُ عَنِ الكُتُبِ لِأَنَّ أُستَاذَكَ الَّذِي مَاتَ عَاشَ مِن أَجلِ مَا فِيهَا.
وَمَا يَعِيشُ مِن أَجلِهِ الإِنسَانُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَن يَبقى — لِأَنَّهُ الجُزءُ الَّذِي لا يَمُوتُ مَعَهُ.
إِذَا كَانَت الكُتُبُ بِأَمَانٍ فَشَيءٌ مِن أُستَاذِكَ بِأَمَانٍ.
صَمَتَ ابنُ القَيِّمِ طَوِيلًا.
ثُمَّ جَلَسَ.
وَبَكى — لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ سَمِعَ الخَبَرَ.
وَكَانَ البُكَاءُ مِن ذَلِكَ النَّوعِ الَّذِي يَأتِي حِينَ يَقُولُ لَكَ أَحَدٌ بِكَلِمَاتٍ بَسِيطَةٍ مَا كَانَ يَعتَصِرُكَ وَلَم تَجِد لَهُ اسمًا.
وَالشَّيءُ الَّذِي لا يَرِوِيهِ التَّارِيخُ كَثِيرًا:
أَنَّ ابنَ تَيمِيَّةَ في آخِرِ أَيَّامِهِ كَتَبَ — في رِسَالَةٍ لَم تَصِل إِلَّا إِلى قَلِيلِينَ،
كَمَا تَصِلُ أَهَمُّ الرَّسَائِلِ دَائِمًا إِلى أَقَلِّ النَّاسِ — كَتَبَ أَنَّهُ يَرجُو أَلَّا يُقَلِّدَهُ أَحَدٌ بِعَينِهِ.
قَالَ : — “وَهٰذِهِ صِياغَةٌ مُسْتَلْهَمَةٌ، لا مَنْقُولَةٌ”.
“إِنَّمَا العَالِمُ مَن يُعَلِّمُكَ كَيفَ تُفَكِّرُ.
لا مَن يُعطِيكَ مَا تُفَكِّرُ فِيهِ.”
حِينَ كَانَ وَحدَهُ مَعَ نَفسِهِ وَلا جُمهُورَ يَستَمِعُ — لَم تُكتَب في مُقَدِّمَةِ كُتُبِهِ.
وَلَم تُنقَش فَوقَ بَابِهِ.
وَلَم يَحفَظهَا مَن حَمَلُوا رَايَتَهُ.
وَهَذَا بِالضَّبطِ هُوَ الجُرحُ الجَدِيدُ الَّذِي يَصنَعُهُ كُلُّ مُصلِحٍ بِلا قَصدٍ — أَن رُوحَهُ تَسبِقُ أَتبَاعَهُ وَلا تَستَطِيعُ اِنتِظَارَهُم.
وَأَنَّ أَعمَقَ مَا قَالَهُ يَبقى في رَسَائِلَ لا يَصِلُهَا إِلَّا القَلِيلُونَ،
بَينَمَا أَبسَطُ مَا قَالَهُ يَملَأُ الدُّنيَا بِأَصدَاءٍ لَم يَختَرهَا.
