يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 14

“وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً” — الإسراء: ٨٥
الْفَصْلُ الْثالث عشر: الْأَصْوَاتُ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ
ثُمَّ — فِي لَحْظَةٍ لَمْ يُعْلِنْ عَنْهَا أَحَدٌ وَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى إِعْلَانٍ — تَكَلَّمَتِ الْأَصْوَاتُ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ.
لَيْسَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ.
بَلْ كَخُيُوطِ ضَوْءٍ تَأْتِي مِنِ اتِّجَاهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَتَلْتَقِي فِي نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَقَعُ فِي الْجُغْرَافِيَا.
قَالَتْ لَيْلَى الْفَقِيهَةُ الَّتِي كَتَبَتْ بِخَطٍّ صَغِيرٍ فِي الْهَوَامِشِ — وَالْهَامِشُ أَحْيَاناً أَصْدَقُ مِنَ الْمَتْنِ:
— الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَرَى نِصْفَ الْبَشَرِ لَا يَرَى نِصْفَ الْحَقِيقَةِ.
وَهَذَا النِّصْفُ لَمْ يَضِعْ — بَقِيَ حَيًّا فِي ذَاكِرَةِ النِّسَاءِ وَتَضْحِيَاتِهِنَّ وَحِكْمَتِهِنَّ الَّتِي لَمْ يَسْأَلْهَا أَحَدٌ لِأَنَّ أَحَداً لَمْ يَشْعُرْ بِالْحَاجَةِ إِلَى سُؤَالِهِ.
لَكِنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ.
وَمَا لَمْ يُكْتَبْ لَا يَدْخُلُ التَّارِيخَ الرَّسْمِيَّ.
وَالتَّارِيخُ الرَّسْمِيُّ نَاقِصٌ بِهَذَا الْمِقْدَارِ — وَهُوَ مِقْدَارٌ كَبِيرٌ.
قَالَ رَشِيدٌ الْحَدَّادُ بِصَوْتِهِ الَّذِي اعْتَادَ قَرْعَ الْحَدِيدِ وَصَارَ يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يَصْمُدُ وَمَا يَنْكَسِرُ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ الْفِقْهَ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ مَنْ يُكْرَهُ عَلَى قَوْلِ مَا لَا يُؤْمِنُ بِهِ — يَتَشَقَّقُ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَالْإِنْسَانُ الْمُتَشَقِّقُ مِنَ الدَّاخِلِ لَا يَبْنِي.
يَهْدِمُ — وَأَحْيَاناً لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ يَهْدِمُ وَهَذَا أَخْطَرُ.
وَكُلُّ بِنَاءٍ يُبَاتُ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْإِكْرَاهِ — يُصَدَّعُ مِنَ الدَّاخِلِ قَبْلَ أَنْ يُصَدَّعَ مِنَ الْخَارِجِ.
قَالَتْ أَمِينَةُ الْخَبَّازَةُ الَّتِي دَائِماً كَانَتْ تَرَى الْأَشْيَاءَ الْبَسِيطَةَ بِعُيُونٍ لَا تَتَعَقَّدُ — وَهَذَا وَحْدَهُ نَوْعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي لَا تُدَرَّسُ:
— النَّاسُ يَحْتَاجُونَ خُبْزاً وَدِفْئاً وَأَنْ يُسْمَعُوا.
وَكُلُّ دِينٍ لَا يُطْعِمُ وَلَا يُدَفِّئُ وَلَا يَسْمَعُ — لَيْسَ دِيناً.
هُوَ طَقْسٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ هُوَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْإِنْسَانِ الَّذِي يُصَلِّي — تِلْكَ الْمَسَافَةُ الَّتِي حِينَ تَتَّسِعُ تَنْتَهِي الصَّلَاةُ وَيَبْقَى الشَّكْلُ.
قَالَ قَاسِمٌ الطَّرْشَاءُ — الشَّاهِدُ الَّذِي رَأَى كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْهَامِشِ وَعَرَفَ أَنَّ الْهَامِشَ أَحْيَاناً أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمَرْكَزِ:
— فِي كُلِّ الْمَجَالِسِ الَّتِي جَلَسْتُ فِيهَا — مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى دِمَشْقَ — لَاحَظْتُ شَيْئاً. حِينَ يَتَكَلَّمُ النَّاسُ عَنِ اللَّهِ بِغَضَبٍ — يَتَكَلَّمُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَحِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَنْهُ بِحُبٍّ — يَتَكَلَّمُونَ عَنْهُ. وَهَذَا التَّمْيِيزُ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ الْفِقْهِ — لِأَنَّ الْفِقْهَ يُجِيبُ عَلَى سُؤَالِ:
مَاذَا أَفْعَلُ؟
وَهَذَا التَّمْيِيزُ يُجِيبُ عَلَى سُؤَالٍ أَسْبَقَ:
مَنْ أَنَا حِينَ أَتَكَلَّمُ؟
قَالَتْ سُبَيْعَةُ الزَّاهِدَةُ بِصَوْتٍ لَا يَعْلُو وَلَا يَنْخَفِضُ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ شَيْئاً مِنْ أَحَدٍ:
— الْهُدُوءُ لَيْسَ غِيَابَ السُّؤَالِ.
الْهُدُوءُ هُوَ حِينَ يُصْبِحُ السُّؤَالُ بَيْتاً لَا سِجْناً.
حِينَ تَأْنَسُ بِهِ لَا أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ وَلَا أَنْ يُفِرَّكَ مِنْكَ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْهِنْدِيُّ الَّذِي رَأَى الْإِسْلَامَ مِنَ الْخَارِجِ بِعُيُونِ مَنْ اخْتَارَهُ لَا مَنْ وُلِدَ فِيهِ:
— رَأَيْتُ الْإِسْلَامَ فِي مَكَانَيْنِ:
فِي الْكُتُبِ — وَاسِعٌ.
وَفِي بَعْضِ مَنْ يُطَبِّقُونَهُ — ضَيِّقٌ.
وَالْفَجْوَةُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ لَيْسَتْ مُشْكِلَةَ الْإِسْلَامِ — هِيَ مُشْكِلَةُ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَحْمِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ امْتِلَاكَهُ.
وَمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْإِنْسَانِ لَا يُمْتَلَكُ — يُعَاشُ.
قَالَ يُوسُفُ الْيَهُودِيُّ الَّذِي أَخْفَى الْكُتُبَ لِمَنْ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ:
— أَنَا لَسْتُ مُسْلِماً.
لَكِنَّنِي أَخْفَيْتُ كُتُبَكُمْ لِأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي يُحْرَقُ بِسَبَبِ مَا فِيهِ مِنْ فِكْرٍ صَادِقٍ — هُوَ كِتَابِي أَيْضاً.
لِأَنَّ الْفِكْرَ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ.
وَاللَّهُ — فِي ظَنِّي وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِظَنِّي — يُحِبُّ الْفِكْرَ الصَّادِقَ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ جَاءَ.
لِأَنَّ الصِّدْقَ لَا دِينَ لَهُ — الدِّينُ يَحْمِلُهُ لَا يَحُدُّهُ.
قَالَ عُمَرُ الشَّاهِدُ الَّذِي كَانَ دَائِماً هُنَاكَ بِصَوْتِ مَنْ رَأَى كَثِيراً حَتَّى صَارَتِ الْكَثْرَةُ تُعَلِّمُهُ الرَّحْمَةَ:
— أَنَا حَفَرْتُ قُبُوراً كَثِيرَةً.
وَرَأَيْتُ مَوْتَى كَثِيرِينَ مِنْ كُلِّ الطَّوَائِفِ وَالْمَذَاهِبِ.
وَتَعَلَّمْتُ شَيْئاً لَا يُعَلَّمُ فِي الْمَدَارِسِ:
أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ مُهِمٌّ.
وَبَعْضُهُمْ كَانَ مُحِقًّا وَبَعْضُهُمْ كَانَ مُخْطِئاً.
لَكِنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمْ جَمِيعاً — أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَاوِلُونَ.
وَالْمُحَاوَلَةُ — حَتَّى حِينَ تُخْطِئُ — لَيْسَتْ بَاطِلَةً.
وَلَعَلَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَرَى فِينَا مَنْ يُحَاوِلُ.
سَادِساً: أَنَسٌ يَسْأَلُ
قَالَ أَنَسٌ — الطِّفْلُ الَّذِي بَقِيَ فِي الْعَاشِرَةِ،
الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يَخَافُ السُّؤَالَ:
— أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ.
— اسْأَلْ.
— كُلُّ هَذَا — كُلُّ هَذَا الْجِدَالِ وَالْفِقْهِ وَالْمِحَنِ وَالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ وَالسُّؤَالِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ — هَلْ كَانَ يَسْتَحِقُّ؟
صَمَتَ الْمَكَانُ.
لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ مِنَ الْإِحْرَاجِ وَلَا مِنَ الِارْتِبَاكِ.
كَانَ مِنِ احْتِرَامِ السُّؤَالِ — ذَلِكَ الِاحْتِرَامُ الَّذِي لَا يُبَادِرُ بِإِجَابَةٍ جَاهِزَةٍ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ الْجَاهِزَةَ لَسُؤَالٍ مِنْ هَذَا الْعُمْقِ هِيَ إِهَانَةٌ مُؤَدَّبَةٌ.
ثُمَّ قَالَتْ سَلْمَى:
— لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ كَلِمَةُ “يَسْتَحِقُّ” الْكَلِمَةَ الصَّحِيحَةَ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ ضَرُورِيًّا.
الضَّرُورَةُ لَيْسَتِ الِاسْتِحْقَاقَ — الضَّرُورَةُ هِيَ أَنَّ هَذَا مَا يَحْدُثُ حِينَ يُخْلَقُ كَائِنٌ حُرٌّ.
— لِمَاذَا ضَرُورِيٌّ؟
— لِأَنَّ الْإِنْسَانَ — هَذَا الْكَائِنَ الَّذِي خُلِقَ حُرًّا وَحُمِّلَ أَمَانَةً رَفَضَهَا ممَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ — لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْطَى الْحَقِيقَةَ جَاهِزَةً. يَجِبُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا.
وَالْوُصُولُ يَعْنِي الطَّرِيقَ.
وَالطَّرِيقُ فِيهِ كُلُّ مَا رَأَيْنَاهُ — الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَالْكَشْفُ وَالضَّيَاعُ وَالرُّجُوعُ بَعْدَ الضَّيَاعِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ طَوِيلاً وَصَعْباً لَمَا كَانَ وُصُولٌ حَقِيقِيٌّ — كَانَ يَكُونُ إِيصَالاً.
ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ لَحْظَةٍ — وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي قَبْلَ الْجُمْلَةِ كَانَ وَزْنُ الْكَلَامِ يَتَجَمَّعُ:
— اللَّهُ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبْقِيَ الْوَحْيَ إِلَى الْأَبَدِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
وَأَنَا لَا أَعْرِفُ كُلَّ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ — لَا أَدَّعِي مَعْرِفَةَ مَا لَمْ يُبَحْ لِي.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ مَا جَاءَ بَعْدَهُ — كُلَّ هَذَا الَّذِي رَأَيْنَاهُ — لَمْ يَكُنْ خَطَأً.
كَانَ الْإِنْسَانَ يُؤَدِّي مَا يُؤَدِّيهِ.
وَمَا يُؤَدِّيهِ الْإِنْسَانُ — حِينَ يَكُونُ صَادِقاً — لَيْسَ عَبَثاً حَتَّى حِينَ يَخْطِئُ.
قَالَ أَنَسٌ بَعْدَ لَحْظَةٍ صَمَتَ فِيهَا بِطَرِيقَةِ مَنْ يَسْتَوْعِبُ لَا مَنْ يَتَأَدَّبُ:
— وَهَلِ اللَّهُ رَاضٍ؟
صَمْتٌ أَطْوَلُ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
الصَّمْتُ الَّذِي لَا يَعْنِي غِيَابَ الْجَوَابِ — يَعْنِي أَنَّ الْجَوَابَ لَا يَأْتِي مِنَ الْعِلْمِ بَلْ مِنَ الصِّدْقِ.
ثُمَّ — وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَقَّعاً — لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوِ الْفَلَاسِفَةِ أَوِ الصُّوفِيَّةِ أَوِ الشُّعَرَاءِ.
أَجَابَ طَارِقٌ — الرَّجُلُ الَّذِي يَبْنِي الْمَبَانِيَ وَيَضَعُ يَدَيْهِ فِي الطِّينِ وَلَا يَعْرِفُ الْفِقْهَ وَلَا الْكَلَامَ وَلَا يَدَّعِي أَنَّهُ يَعْرِفُ مَا لَا يَعْرِفُ.
قَالَ:
— لَا أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئاً.
— مَاذَا؟
— أَنَّنِي حِينَ أُصَلِّي — أَشْعُرُ أَنَّ شَيْئاً مَا يَسْمَعُ.
وَهَذَا الشُّعُورُ لَمْ يَكْذِبْ عَلَيَّ.
وَالشَّيْءُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ عَلَيْكَ طَوَالَ عُمُرِكَ — يَسْتَحِقُّ أَنْ تَثِقَ بِهِ.
سَابِعاً: التَّصَالُحُ — الَّذِي لَمْ يُعْلَنْ
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِعْلَانٌ رَسْمِيٌّ.
وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ وَيَقُلْ:
تَوَصَّلْنَا إِلَى اتِّفَاقٍ.
لَمْ تُحَلَّ الْخِلَافَاتُ.
لَمْ تُمْحَ الِاخْتِلَافَاتُ — لِأَنَّهَا لَيْسَتْ خَطَأً يَجِبُ مَحْوُهُ،
بَلْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا عَقْلٌ وَاحِدٌ.
أَبُو حَنِيفَةَ مَا زَالَ يَرَى الرَّأْيَ ضَرُورَةً وَالِاجْتِهَادَ رَحْمَةً.
وَأَحْمَدُ مَا زَالَ يَرَى الْحَدِيثَ أَصْلاً وَالصَّمْتَ أَمَامَ مَا لَا يَعْلَمُ فَضِيلَةً.
وَالشَّافِعِيُّ مَا زَالَ يَرَى الْمَنْهَجَ شَرْطاً وَالضَّابِطَ نِعْمَةً.
وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مَا زَالَ يَرَى الصَّلَابَةَ فَضِيلَةً حِينَ تَكُونُ صَلَابَةَ الْحَقِّ لَا صَلَابَةَ الْكِبْرِيَاءِ.
وَابْنُ رُشْدٍ مَا زَالَ يَرَى الْعَقْلَ طَرِيقاً لَا نِهَايَةً.
وَالْغَزَالِيُّ مَا زَالَ يَرَى مَا بَعْدَ الْعَقْلِ أَعْمَقَ مِنْهُ وَأَكْثَرُ حَيَاةً.
وَرَابِعَةُ مَا زَالَتْ تَرَى الْحُبَّ أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ — وَإِنِ اخْتَلَفَ كَيْفَ تُفَسِّرُ الْحُبَّ،
فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّفْسِيرِ لَا يَنْفِي الشَّيْءَ الْمُفَسَّرَ.
لَكِنَّ الَّذِي تَغَيَّرَ — وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ — هُوَ أَنَّهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ مَوْقِفَهُ هُوَ الْمَوْقِفُ الْوَحِيدُ.
لَا تَنَازُلاً عَنِ الْقَنَاعَةِ — بَلِ اكْتِشَافاً أَنَّ الْقَنَاعَةَ الصَّادِقَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِلْغَاءِ الْآخَرِ لِكَيْ تَصِحَّ.
لِأَنَّ هَذَا الْمَكَانَ — هَذَا الْفَضَاءَ خَارِجَ الزَّمَنِ الَّذِي جَمَعَهُمْ — كَانَ يُرِيهِمْ شَيْئاً لَا يُرَى مِنْ دَاخِلِ الزَّمَنِ:
أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يَرَى جُزْءًا مِنْ حَقِيقَةٍ أَكْبَرَ مِنْهُمْ جَمِيعاً.
وَأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ — الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ بِمُفْرَدِهِ — كَانَتْ تَحْتَاجُهُمْ جَمِيعاً لِتُرَى.
وَلَوْ رَأَى كُلٌّ مِنْهُمْ جُزْءَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ الْكُلُّ — ضَاعَ الْكُلُّ. وَقَدْ ضَاعَ أَحْيَاناً.
وَهَذَا مَا الرِّوَايَةُ تُسَمِّيهِ التَّارِيخَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ التَّعَبُ الْجَمِيلُ لِمَنْ وَصَلَ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ وَأُبِيحَ لَهُ أَخِيراً أَنْ يَجْلِسَ وَلَا يَتَكَلَّفَ:
— أَنَا كَتَبْتُ “تَهَافُتَ الْفَلَاسِفَةِ”.
ثُمَّ كَتَبْتُ “إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ”.
وَبَعْدَ كِلَيْهِمَا كَتَبْتُ عَنِ الشَّكِّ الَّذِي لَا يَهْدَأُ.
وَكُلُّ كِتَابٍ كَانَ يَظُنُّهُ الْقُرَّاءُ جَوَاباً وَكَانَ هُوَ عِنْدِي سُؤَالاً جَدِيداً. وَفِي النِّهَايَةِ — مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ يَقِيناً مُرِيحاً يُسَكِّتُ الشَّكَّ. كَانَ شَيْئاً أَعْمَقَ وَأَصْعَبَ.
— مَاذَا؟
— وَصَلْتُ إِلَى أَنَّنِي لَا أَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَأَنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ لَا شَيْءَ يُعْرَفُ — وَهَذِا الِاسْتِنْتَاجُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْمُتَسَرِّعُونَ.
يَعْنِي فَقَطْ أَنَّ مَا يُعْرَفُ حَقًّا يُعْرَفُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنِ الْمَعْرِفَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَحْدَهَا — طَرِيقَةٌ تَمُرُّ بِالْعَقْلِ وَتَتَجَاوَزُهُ،
لَا أَنَّهَا تَرْفُضُهُ.
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ قَالَ بِمَا يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ الَّتِي لَا تَزُولُ حَتَّى بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّأَمُّلِ:
— وَوَصَلْتُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ — مِنْ رَحْمَتِهِ — لَمْ يَجْعَلْ وُصُولَهُ مَشْرُوطاً بِأَنْ أَحُلَّ كُلَّ الْأَسْئِلَةِ.
لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَصَلَ أَحَدٌ — لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ لَا تَنْتَهِي.
جَعَلَهُ مَشْرُوطاً بِشَيْءٍ أَبْسَطَ وَأَصْعَبَ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
الصِّدْقُ.
الصِّدْقُ مَعَ النَّفْسِ قَبْلَ الصِّدْقِ مَعَ أَيِّ أَحَدٍ آخَرَ.
ثَامِناً: سَلْمَى تَتَكَلَّمُ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ
نَهَضَتْ سَلْمَى.
بِبُطْءٍ.
بِذَلِكَ الثَّبَاتِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ عَاشَ طَوِيلاً وَخَسِرَ كَثِيراً وَمَا زَالَ يَقِفُ — لَيْسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْعَبْ بَلْ لِأَنَّ التَّعَبَ صَارَ جُزْءًا مِنِ الثَّبَاتِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِمْ جَمِيعاً.
مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى طَارِقٍ.
مِنْ رَابِعَةَ إِلَى نُورٍ.
مِنْ أَحْمَدَ الَّذِي جُلِدَ إِلَى أَنَسٍ الَّذِي يَسْأَلُ.
مِنَ الْحَلَّاجِ الَّذِي تَجَاوَزَ اللُّغَةَ إِلَى أَمِينَةَ الَّتِي تَخْبِزُ.
مِنِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ إِلَى حَارِثٍ الَّذِي أَعَادَ تَرْتِيبَ الرُّفُوفِ.
مِنَ الصَّوْتِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ إِلَى الصَّوْتِ الَّذِي لَمْ يَنْسَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِمْ جَمِيعاً كَأَنَّهَا تَرَى فِي كُلِّ وَجْهٍ شَيْئاً تَعْرِفُهُ مِنْ بَعِيدٍ.
وَقَالَتْ:
— أَنَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَقُولُ وَدَاعاً لِمَنْ يُحِبُّ.
صَمَتَ الْمَكَانُ.
— وَهَلْ تَمَسَّكْنَا؟
— بَعْضُنَا.
وَبَعْضُنَا أَخْطَأَ.
وَبَعْضُنَا ضَلَّ ثُمَّ وَجَدَ طَرِيقَهُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا. وَبَعْضُنَا مَا زَالَ يَبْحَثُ — وَالْبَحْثُ لَيْسَ ضَلَالاً.
— وَهَذَا كَافٍ؟
قَالَتْهَا بِتِلْكَ الْبَسَاطَةِ الَّتِي تَمْلِكُهَا فَقَطْ مَنْ عَاشُوا مَعَ الْحَقِيقَةِ طَوِيلاً حَتَّى صَارَتْ جُزْءاً مِنْ أَنْفَاسِهِمْ — لَا فَخْراً وَلَا مَشَقَّةً،
بَلْ طَبِيعَةً:
— اللَّهُ لَمْ يَطْلُبِ الْكَمَالَ.
طَلَبَ الصِّدْقَ.
وَطَلَبَ الْمُحَاوَلَةَ.
وَطَلَبَ أَنْ لَا نَيْأَسَ مِنْ رَحْمَتِهِ — وَفِي هَذَا الطَّلَبِ الثَّالِثِ كُلُّ شَيْءٍ،
لِأَنَّ مَنْ لَا يَيْأَسُ مِنَ الرَّحْمَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ الْمُحَاوَلَةِ.
تَوَقَّفَتْ.
— وَالْحِسَابُ — كَمَا قُلْتُ مِنَ الْبِدَايَةِ وَكَمَا أَقُولُ الْآنَ وَكَمَا سَأَبْقَى أَقُولُهُ — لَيْسَ هُنَا.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ.
ثُمَّ جَلَسَتْ.
وَكَانَ فِي جُلُوسِهَا مَا يُشْبِهُ الْخَتْمَ — لَا الْإِغْلَاقَ بَلِ الِاكْتِمَالَ.
الِاكْتِمَالُ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ بَلْ يَمْنَحُهُ أَرْضاً يَقِفُ عَلَيْهَا.
تَاسِعاً: الطِّفْلُ الَّذِي بَقِيَ فِي الْعَاشِرَةِ
فِي آخِرِ لَحْظَةٍ — حِينَ بَدَأَ الْمَكَانُ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ كَمَا يَتَلَاشَى الْفَجْرُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى نَهَارٍ كَامِلٍ،
قَالَ أَنَسٌ:
— سُؤَالٌ أَخِيرٌ.
— اسْأَلْ.
— إِذَا قَابَلْنَا اللَّهَ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ — مَاذَا نَقُولُ لَهُ؟
صَمْتٌ طَوِيلٌ — ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي لَا يَعْنِي أَنَّ أَحَداً لَا يَعْرِفُ بَلْ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَنْظُرُ دَاخِلَهُ يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَتِهِ الصَّادِقَةِ هُوَ — لَا كَلِمَةَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ:
قَالَ طَارِقٌ — الرَّجُلُ الَّذِي يَضَعُ يَدَيْهِ فِي الطِّينِ:
— أَقُولُ: حَاوَلْتُ.
وَقَالَتْ نُورٌ — الْبَاحِثَةُ الَّتِي تَعِيشُ بَيْنَ التُّرَاثِ وَالْحَاضِرِ:
— أَقُولُ: سَأَلْتُ.
وَقَالَتْ رَابِعَةُ — الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ لِأَنَّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ تَغْيِيراً:
— أَقُولُ: أَحْبَبْتُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ — الَّذِي جُلِدَ وَلَمْ يَتَرَاجَعْ:
— أَقُولُ: صَبَرْتُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ — الَّذِي تَرَكَ الْكُرْسِيَّ الْأَرْفَعَ لِيَجِدَ مَا هُوَ أَرْفَعُ:
— أَقُولُ: بَحَثْتُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ — الَّذِي أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ وَكَتَبَ مِنْ جَدِيدٍ:
— أَقُولُ: لَمْ أَتَوَقَّفْ.
وَقَالَ الْحَلَّاجُ — الَّذِي قَالَ مَا تَجَاوَزَ اللُّغَةَ وَدَفَعَ ثَمَنَ تَجَاوُزِهِ:
— أَقُولُ: أَحْبَبْتُ حَتَّى ذُبْتُ.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ — الَّذِي مَاتَ فِي السِّجْنِ يَقْرَأُ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ:
— أَقُولُ: لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا عَلِمْتُ.
وَقَالَتْ سَلْمَى — الَّتِي كَانَتْ فِي الْبِدَايَةِ وَسَتَكُونُ فِي النِّهَايَةِ لِأَنَّ مَنْ رَأَى يَكُونُ دَائِماً فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ:
— أَقُولُ: رَأَيْتُكَ فِيهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ خَلْدُونٍ: فَهِمْتُ
وَصَمَتَ أَنَسٌ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَأَنَا؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الْجَمِيعُ — بِتِلْكَ النَّظَرَةِ الَّتِي فِيهَا كُلُّ مَا مَرُّوا بِهِ وَكُلُّ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْقُلُوهُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعِيشَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ.
قَالَ بِصَوْتِ الطِّفْلِ الَّذِي يَسْأَلُ مَا لَا يَجْرُؤُ الْكِبَارُ عَلَى سُؤَالِهِ لِأَنَّهُمْ تَعَلَّمُوا أَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ تُحْرِجُ — وَالطِّفْلُ لَمْ يَتَعَلَّمِ الْإِحْرَاجَ بَعْدُ:
— أَنَا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئاً بَعْدُ.
تَوَقَّفَ.
وَفِي التَّوَقُّفِ شَيْءٌ يُشْبِهُ لَحْظَةَ مَا قَبْلَ الْقَرَارِ.
ثُمَّ قَالَ:
— لَكِنَّنِي سَأَسْأَلُ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّنِي سَأَبْدَأُ.
وَهُنَا — فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ هَذَا الطِّفْلِ الَّذِي بَقِيَ فِي الْعَاشِرَةِ لِأَنَّ الْعَاشِرَةَ هِيَ سِنُّ الْبُدَاءَاتِ — كَانَتِ الرِّوَايَةُ كُلُّهَا.
لِأَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تَكُنْ عَمَّنْ أَجَابَ.
كَانَتْ عَمَّنْ بَدَأَ.
وَعَمَّنِ اسْتَمَرَّ بَعْدَ أَنْ أَجَابَ وَوَجَدَ أَنَّ إِجَابَتَهُ وَلَدَتْ سُؤَالاً جَدِيداً.
وَعَمَّنْ رَجَعَ بَعْدَ كُلِّ ضَيَاعٍ — لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَضِعْ بَلْ لِأَنَّهُ أَبَى أَنْ يَبْقَى ضَائِعاً.
وَكُلُّ جِيلٍ يَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ.
لَيْسَ مِنَ الصِّفْرِ — بَلْ مِنْ حَيْثُ وَصَلَ مَنْ سَبَقَهُ.
حَامِلاً مَا بَنَاهُ وَمُتَسَائِلاً عَمَّا لَمْ يُسْأَلْ بَعْدُ وَعَائِداً — بَعْدَ كُلِّ ضَيَاعٍ — إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي وَصَفَهُ كُلُّ مَنْ مَرَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِكَلِمَةٍ مُخْتَلِفَةٍ:
سَلْمَى قَالَتْ:
رَأَيْتُهُ فِيهِمْ.
رَابِعَةُ قَالَتْ:
الْحُبُّ.
أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ:
الْمَصْلَحَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
أَحْمَدُ قَالَ: الصَّبْرُ عَلَى الْحَقِّ.
الْغَزَالِيُّ قَالَ: الصِّدْقُ مَعَ النَّفْسِ.
ابْنُ رُشْدٍ قَالَ: الْعَقْلُ الْمَفْتُوحُ.
أَمِينَةُ قَالَتْ: الْخُبْزُ وَالسَّمْعُ.
طَارِقٌ قَالَ: الْحُضُورُ.
أَنَسٌ قَالَ: السُّؤَالُ.
وَكُلُّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ.
كُلٌّ بِلُغَتِهِ.
كُلٌّ مِنْ بَابِ تَجْرِبَتِهِ.
وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ — ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ وَحْياً وَتَوَقَّفَ ثُمَّ بَقِيَ فِي كُلِّ مَنْ حَمَلَهُ بِصِدْقٍ —
لَمْ يَتَوَقَّفْ.
يَوْمَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ — بَدَأَ الْإِنْسَانُ.
وَالْإِنْسَانُ — حِينَ يَكُونُ صَادِقاً — يَسْتَمِرُّ الْوَحْيُ فِيهِ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى:
فِي كُلِّ قَلْبٍ يَسْأَلُ.
فِي كُلِّ قَلْبٍ يَسْأَلُ،
وَفِي كُلِّ يَدٍ تَبْنِي،
وَفِي كُلِّ رُوحٍ تُحِبُّ،
وَفِي كُلِّ عَقْلٍ يَبْحَثُ،
وَفِي كُلِّ طِفْلٍ يَقُولُ: سَأَبْدَأُ.
وَالْحِسَابُ — دَائِماً الْحِسَابُ — لَيْسَ هُنَا.
تَمَّتِ الرِّوَايَةُ
مُلَاحَظَةٌ خِتَامِيَّةٌ
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ تَحْكُمْ عَلَى أَحَدٍ.
وَلَيْسَتْ غَايَتُهَا إِجْرَاءَ أَيِّ مُحَاكَمَةٍ
لِأَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ لِلرِّوَايَةِ — وَلَيْسَ لِلْكَاتِبِ — وَلَيْسَ لِلْقَارِئِ وَهُوَ يَقْرَأُ.
كُلُّ شَخْصِيَّةٍ فِيهَا كَانَتْ حُرَّةً فِي زَمَانِهَا.
وَحُرِّيَّتُهَا كَانَتْ أَمَانَةً.
وَأَمَانَتُهَا كَانَتِ اخْتِبَارَهَا.
وَاخْتِبَارُهَا لَيْسَ مِنْ حَقِّ الرِّوَايَةِ — وَلَا مِنْ حَقِّ الْقَارِئِ — أَنْ يَحْسِمَهُ.
مَا فَعَلَتْهُ الرِّوَايَةُ — وَمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تَفْعَلَهُ فَقَطْ — هُوَ أَنْ تَقُولَ:
هَؤُلَاءِ كَانُوا هُنَا.
وَسَأَلُوا.
وَأَجَابُوا بِمَا اسْتَطَاعُوا.
وَأَحْسَنُوا بِمَا أَحْسَنُوا.
وَأَخْطَئُوا بِمَا أَخْطَئُوا.
وَكَانُوا بَشَراً — وَهَذَا لَيْسَ تَقْلِيلاً بَلْ هُوَ أَعْمَقُ مَا يُقَالُ.
وَفِي الْآخِرَةِ — حَيْثُ تَكْتَمِلُ الْحَقِيقَةُ وَيُرْفَعُ الْغِطَاءُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَرَى كُلٌّ مَا كَانَ يَجْهَلُهُ — سَيَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا،
مَا كَانَ يَجْهَلُهُ.
وَحَتَّى ذَلِكَ الْيَوْمِ:
نَسْأَلُ.
وَنَبْنِي.
وَنَرْجِعُ.
وَنُحَاوِلُ.
وَهَذَا — فَقَطْ هَذَا — هُوَ مَا طُلِبَ مِنَّا.

نُعْمَـــانَ الْبَـرْبَـرِيِّ
مدينـــة دومـــــا – محافظــــة ريـف دمشــــق – 2001/08/15