الضِّلْعُ الَّذِي لَمْ يُكْسَر

الجزء الثاني من رواية حين توقف الوحي وبدأ الإنسان – الملحق الأول
الضِّلْعُ الَّذِي لَمْ يُكْسَر
“إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ…”
— الأحزاب: ٣٥ —
“لَا أَسْمَعُ اللهَ يَذْكُرُ النِّسَاءَ فِي الْقُرْآنِ.”
— أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها —
“الْغَائِبُ لَا يَعُودُ.
وَمَا غُيِّبَ — يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ.”
— نور —
قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الرِّوَايَة
فِي كُلِّ زَمَانٍ كَانَتْ هُنَاكَ امْرَأَةٌ تَسْأَلُ.
لَمْ تَكُنْ دَائِمًا تَعْرِفُ أَنَّهَا تَسْأَلُ — أَحْيَانًا كَانَ السُّؤَالُ صَمْتًا مُطَوَّلًا، أَوْ تَأَمُّلًا حِينَ تَغِيبُ عَنْهَا الإِجَابَاتُ الجَاهِزَةُ.
وَأَحْيَانًا كَانَ السُّؤَالُ كَلَامًا يُقَالُ بِصَوْتٍ عَالٍ فَيُغَيِّرُ مَجْرَى التَّارِيخ.
هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ تِلْكَ الأَسْئِلَةِ.
وَعَنِ الأَجْوِبَةِ الَّتِي جَاءَتْ — وَعَنِ الأَجْوِبَةِ الَّتِي لَمْ تَجِئ.
وَعَنِ المَسَافَةِ الشَّاسِعَةِ بَيْنَهُمَا، تِلْكَ المَسَافَةُ الَّتِي سَكَنَتْ فِيهَا حَيَوَاتٌ كَامِلَةٌ، وَتَشَكَّلَتْ فِيهَا حَضَارَاتٌ، وَانْكَسَرَتْ فِيهَا قُلُوبٌ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ اسْمَ أَصْحَابِهَا.
الرِّوَايَةُ تَجْمَعُ خَمْسَ نِسَاءٍ مِنْ خَمْسَةِ أَزْمِنَةٍ — لَيْسَ لِأَنَّ الزَّمَنَ انْكَسَرَ، بَلْ لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يَحْتَوِيَهُ زَمَنٌ وَاحِد.
وَحِينَ يَكُونُ السُّؤَالُ أَكْبَرَ مِنَ الزَّمَنِ — يَجْمَعُ الزَّمَنَ.
وَلَا يَسْتَأْذِن.
الشُّخْصِيَّاتُ:
أُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ — الصَّحَابِيَّةُ الَّتِي سَأَلَتْ فَنَزَلَتِ الآيَة.
المَدِينَةُ المُنَوَّرَة، السَّنَةُ الخَامِسَةُ مِنَ الهِجْرَة.
لَيْلَى الفَقِيهَةُ — طَالِبَةُ عِلْمٍ فِي حَلَقَاتِ بَغْدَاد، القَرْنُ الثَّانِي الهِجْرِيّ.
فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ — الشَّاعِرَةُ الأَنْدَلُسِيَّةُ الَّتِي رَأَتِ الجَمَالَ عِبَادَة، القَرْنُ الخَامِسُ الهِجْرِيّ.
سَارَةُ — الفَقِيهَةُ المُعَاصِرَةُ الَّتِي دَرَسَتْ فِي الأَزْهَرِ وَتُدَرِّسُ فِي الغَرْب.
نُورٌ — البَاحِثَةُ الَّتِي تَعِيشُ بَيْنَ التُّرَاثِ وَالحَاضِرِ، وَتَعْرِفُ ثِقَلَ كُلٍّ مِنْهُمَا.
المَدِينَةُ — حِينَ سَأَلَتِ امْرَأَة
المَدِينَةُ المُنَوَّرَة — السَّنَةُ التَّاسِعَةُ مِنَ الهِجْرَة
كَانَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الغُرُوبِ — ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الغُرُوبِ الَّذِي يُحَوِّلُ الرَّمْلَ إِلَى ذَهَبٍ وَالطِّينَ إِلَى نُحَاسٍ وَيَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ يَبْدُو أَجَلَّ مِمَّا هُو.
كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَجْلِسُ فِي الزَّاوِيَةِ المُفَضَّلَةِ مِنَ الدَّارِ — الزَّاوِيَةُ الَّتِي تَبْلُغُهَا رِيحُ العَصْرِ وَأَصْوَاتُ الأَطْفَالِ مِنَ الزُّقَاقِ وَتَهْرُبُ مِنْهَا عُيُونُ الآخَرِين.
كَانَتْ تُحِبُّ هَذِهِ الزَّاوِيَةَ لِأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ — مُنْذُ أَنْ كَانَتِ امْرَأَةً تَحْمِلُ حَيَاةً بَأَكْمَلِهَا عَلَى ظَهْرِ بَعِيرٍ وَتُهَاجِرُ — أَنَّ المَرْأَةَ تَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَسْمَعُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّم.
فِي يَدِهَا اليُسْرَى مِسْبَحَةٌ مِنَ الخَشَبِ الفَاتِحِ.
وَفِي يَدِهَا اليُمْنَى سُؤَالٌ.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ وَلِيدَ اليَوْمِ.
كَانَ يَنْمُو فِيهَا مُنْذُ أَشْهُرٍ — كَمَا يَنْمُو الوَلَدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ:
بِصَمْتٍ، وَبِإِلْحَاحٍ، وَبِيَقِينٍ مُطْلَقٍ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ.
جَاءَتِ الثَّلَاثُ تَبَاعًا — كَأَنَّ النَّهَارَ دَعَاهُنَّ دُونَ أَنْ يُعْلِنَ.
خَدِيجَةُ الصُّغْرَى جَاءَتْ أَوَّلًا — خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَحِفْظٌ كَامِلٌ لِلقُرْآنِ وَعَيْنَانِ فِيهِمَا بَرِيقُ مَنْ يَحْمِلُ الكَلِمَاتِ فِي قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى لِسَانِه.
تَعَلَّمَتِ القِرَاءَةَ فِي وَقْتٍ كَانَ فِيهِ تَعَلُّمُ المَرْأَةِ لِلقِرَاءَةِ نَادِرًا — لَيْسَ مَمْنُوعًا، لَكِنَّهُ نَادِرٌ كَالمَطَرِ فِي الجَزِيرَة.
جَاءَتْ وَفِي يَدِهَا لَوْحٌ صَغِيرٌ وَقِطْعَةٌ مِنَ الفَحْمِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ دَائِمًا تَكْتُبُ — لَيْسَ لِتَحْفَظَ، بَلْ لِتُفَكِّر.
ثُمَّ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ — الَّتِي أَسْلَمَتْ مُبَكِّرًا وَهَاجَرَتْ إِلَى الحَبَشَةِ ثُمَّ عَادَتْ تَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهَا ذَلِكَ المَزِيجَ النَّادِرَ:
الخِبْرَةُ الَّتِي لَا تُغْلِقُ الأَسْئِلَةَ، وَالإِيمَانُ الَّذِي لَا يَخَافُ الشَّكَّ.
رَأَتْ فِي الحَبَشَةِ مُلُوكًا عَادِلِينَ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، وَرَأَتْ فِي المَدِينَةِ مُسْلِمِينَ ظَالِمِينَ — وَهَذَا الَّذِي رَأَتْهُ عَلَّمَهَا أَنَّ الدِّينَ شَيْءٌ وَالبَشَرَ الَّذِينَ يُمَثِّلُونَهُ شَيْءٌ آخَر.
وَأَخِيرًا نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ — الَّتِي حَمَلَتِ السَّيْفَ فِي أُحُدٍ حِينَ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ وَوَقَفَتْ تَحْمِي النَّبِيَّ بِجَسَدِهَا.
فِي جَسَدِهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ جُرْحًا.
وَفِي كَلَامِهَا لَا جُرْحٌ وَاحِدٌ مِنَ الكَلَامِ الزَّائِدِ الَّذِي يَلِفُّ الحَقِيقَةَ وَيُخَبِّئُهَا.
لَمْ يَكُنِ اجْتِمَاعًا رَسْمِيًّا.
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْبَرٌ وَلَا جَدْوَلُ أَعْمَالٍ وَلَا إِذْنٌ مُسْبَقٌ.
كَانَ مَا يَحْدُثُ حِينَ تَجْتَمِعُ نِسَاءٌ يَثِقْنَ بِبَعْضِهِنَّ — ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الاجْتِمَاعِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ لِيَبْدَأَ وَلَا إِلَى قَرَارٍ لِيَنْتَهِيَ، وَفِيهِ وَحْدَهُ يُمْكِنُ لِلكَلَامِ الحَقِيقِيِّ أَنْ يَتَنَفَّس.
—سَمِعْتُنَّ مَا نَزَلَ البَارِحَةَ؟
— فِي المُؤْمِنِينَ؟
“قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ…” وَالآيَاتُ الَّتِي بَعْدَهَا.
كُلُّهَا بِصِيغَةِ المُذَكَّر.
صَمَتَتْ أَسْمَاءُ لَحْظَةً.
لَمْ تَكُنِ الصَّمْتَةَ الَّتِي تَعْنِي غِيَابَ الجَوَابِ.
كَانَتِ الصَّمْتَةَ الَّتِي تَعْنِي أَنَّ الجَوَابَ مَوْجُودٌ — لَكِنَّ صَاحِبَتَهُ تَتَفَحَّصُهُ قَبْلَ أَنْ تُطْلِقَهُ.
— المُذَكَّرُ يَشْمَلُ الجَمِيعَ فِي العَرَبِيَّة.
— أَعْرِفُ مَا يَقُولُون.
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ:
هَلْ يَكْفِي؟
هَلْ تَشْعُرِينَ — أَنْتِ حِينَ تَسْمَعِينَ
“المُؤْمِنُونَ”
— أَنَّهَا تُخَاطِبُكِ بِاسْمِك؟
صَمْتٌ.
مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ السُّؤَالَ وَصَل.
نَظَرَتْ خَدِيجَةُ الصُّغْرَى إِلَى لَوْحِهَا — كَأَنَّهَا تَبْحَثُ فِيهِ عَنْ إِذْنٍ بِالكَلَامِ الصَّادِق.
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَة.
— أَحْيَانًا.
وَأَحْيَانًا لَا.
—وَهَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ مَا نَجْلِسُ عِنْدَه.
قَالَتْ نُسَيْبَةُ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الدَّوَرَانَ حَوْلَ الكَلَامِ:
— أَنَا فِي أُحُدٍ حَمَلْتُ السَّيْفَ.
وَلَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ هَلْ يَجُوز.
المَوْقِفُ أَجَابَ وَالزَّمَنُ أَجَابَ وَالدَّمُ أَجَاب.
لَكِنَّ حِينَ أَتَيْتُ بَعْدَهَا أَسْأَلُ عَنْ مِيرَاثِي — قَالُوا لِي:
نِصْفُ مَا لِلرَّجُل.
— وَهَذَا يُزْعِجُكِ؟
فَكَّرَتْ نُسَيْبَةُ لَحْظَةً — وَكَانَ هَذَا التَّأَمُّلُ نَادِرًا مِنْهَا كَالمَطَرِ فِي الجَزِيرَة.
هِيَ امْرَأَةُ الفِعْلِ لَا التَّأَمُّل.
لَكِنَّ السُّؤَالَ اسْتَدْعَى ذَلِكَ.
— لَا يُزْعِجُنِي الحُكْم.
يُزْعِجُنِي أَنَّنِي لَمْ أُفَهَّمْ لِمَاذَا.
قِيلَ لِي:
هَكَذَا.
وَلَمْ أَسْمَعْ:
لِأَنَّ كَذَا، فِي سِيَاقِ كَذَا، فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ كَذَا.
الفَرْقُ كَبِيرٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ لَكِ “هَكَذَا أُمِرْنَا”
وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ:
“هَذَا مَا فَهِمْنَاهُ — وَقَدْ نَكُونُ مُصِيبِينَ أَوْ مُخْطِئِين.”
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَفِي صَوْتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ القَرَارَ الَّذِي يَسْبِقُ الفِعْل:
— وَأَنَا سَأَسْأَلُهُ.
لِمَاذَا لَا تُذْكَرُ النِّسَاءُ؟
صَمَتَتِ الثَّلَاثُ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ الصَّمْتِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الوَقُودَ — الصَّامِتُ الَّذِي يُبْقِي النَّارَ حَيَّةً دُونَ أَنْ يُطْفِئَهَا وَدُونَ أَنْ يَصِيحَ بِوُجُودِهَا.
السُّؤَالُ الَّذِي أَنْزَلَ آيَة
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي — وَالمَدِينَةُ لَا تَزَالُ تَتَنَشَّقُ ذَلِكَ الهَوَاءَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَهُ حَرَارَةُ النَّهَارِ — ذَهَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِلَى النَّبِيِّ.
لَمْ تَكُنِ المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي تَذْهَبُ فِيهَا إِلَيْهِ بِسُؤَال.
لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ — كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ — أَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ تَحْمِلُ وَزْنًا أَكْبَرَ مِنَ الأَسْئِلَة.
هَذَا السُّؤَالُ كَانَ يَحْمِلُ وَزْنَ نِسَاءٍ لَمْ يَسْأَلْنَ — لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَعْرِفْنَ أَنَّهُنَّ يَسْتَطِعْنَ.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
وَكَانَ فِي نَظْرَتِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي تَعَرَّفَتْ عَلَيْهِ النِّسَاءُ اللَّوَاتِي جَلَسْنَ أَمَامَهُ:
أَنَّهُ يَسْمَعُ.
لَيْسَ يَسْمَعُ انْتِظَارًا لِيُجِيب.
يَسْمَعُ.
— يَا رَسُولَ الله، لَا أَسْمَعُ اللهَ يَذْكُرُ النِّسَاءَ فِي القُرْآن.
لَمْ يَضْحَك من السُّؤَال.
وَلَمْ يَرُدَّهُ.
وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ قَضَايَا النِّسَاءِ لَا تَرْقَى إِلَى مُسْتَوَى الوَحْيِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ مِنَ السَّمَاء.
سَكَتَ.
وَفِي سُكُوتِهِ كَانَ الاسْتِمَاعُ الحَقِيقِيّ.
وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ — فِيمَا بَعْد — نَزَلَتِ الآيَة:
“إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ…”
قَرَأَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ مَرَّتَيْن.
ثُمَّ ثَلَاثًا.
كُلُّ مَرَّةٍ كَانَتِ الكَلِمَاتُ تَرْسَخُ أَكْثَرَ — كَالجَذْرِ الَّذِي يَجِدُ أَخِيرًا تُرْبَةً تُشْبِهُهُ.
سُؤَالٌ.
جَوَابٌ.
آيَةٌ.
لَكِنَّ فِي ذِهْنِهَا — فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ الَّتِي لَا تَنَامُ فِيهَا حَتَّى أَشَدُّ العُقُولِ إِيمَانًا — كَانَ سُؤَالٌ آخَرُ يَنْتَظِر:
هَلْ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَنَا — سَيَفْهَمُونَ هَذَا؟
المَدِينَةُ — مَا قَالَهُ القُرْآنُ وَمَا قِيلَ عَنْه
مَسَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ
حِينَ جَلَسَتِ الأَرْبَعُ مَرَّةً أُخْرَى فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ كَانَ الهَوَاءُ أَبْرَدَ وَالأَسْئِلَةُ أَثْقَل.
كَانَتِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ — وَهَذَا كَانَ جَوَابًا.
لَكِنَّهُ كَانَ أَيْضًا بِدَايَةَ سُؤَالٍ أَعْمَق.
أَمْسَكَتْ خَدِيجَةُ الصُّغْرَى لَوْحَهَا وَبَدَأَتْ تَكْتُب.
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ — بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ:
— دَعُونَا نَتَكَلَّمْ بِصِدْقٍ.
مَاذَا قَالَ القُرْآنُ عَنِ المَرْأَةِ فِعْلًا؟ كُلُّهُ.
الَّذِي يُرِيحُنَا وَالَّذِي يُتْعِبُنَا.
وَاحِدَةً وَاحِدَة، كَأَنَّهَا تَجْمَعُ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّأَمُّلِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَة:
— قَالَ إِنَّ المَرْأَةَ وَالرَّجُلَ خُلِقَا مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة.
” لَا فَضْلَ فِي الأَصْل.
الجَذْرُ وَاحِد.
— وَقَالَ إِنَّ لَهُنَّ مِثْلَ مَا عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوف.
المُعَادَلَةُ صَرِيحَة.
— وَقَالَ إِنَّ الأَجْرَ وَاحِد:
“أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
” الثَّوَابُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ قَلْبٍ وَقَلْب.
— وَقَالَ ” وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوف.”
— نَعَم.
وَ”المَعْرُوفُ” كَلِمَةٌ لَا تُغْلَق — تَتَّسِعُ بِاتِّسَاعِ الزَّمَنِ وَتَعْمُقِ الفَهْم.
كَتَبَتْ خَدِيجَةُ الصُّغْرَى بِبُطْءٍ — وَكَانَتْ يَدُهَا تَتَرَدَّدُ عَلَى اللَّوْح.
ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا:
— لَكِنَّ القُرْآنَ أَيْضًا قَالَ أَشْيَاءَ يَصْعُبُ عَلَيْنَا.
— قُولِيهَا.
لَا فَائِدَةَ مِنَ الجُلُوسِ مَعًا إِنْ لَمْ نَقُلِ الصَّعْب.
أَخَذَتْ خَدِيجَةُ نَفَسًا عَمِيقًا:
— قَالَ “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء.
” وَقَالَ فِي الشَّهَادَةِ “فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَان.”
وَقَالَ فِي المِيرَاثِ “لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن.”
صَمْتٌ أَثْقَلُ مِنَ الأَوَّل.
وَفِيهِ — فِي ذَلِكَ الصَّمْتِ الكَثِيفِ الَّذِي يَمْلَأُ الزَّاوِيَةَ — كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُفَكِّر.
لَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ فِي الجَوَابِ الَّذِي يُرِيح.
كَانَتْ تُفَكِّرُ فِي الجَوَابِ الَّذِي يَصِح.
— نَعَمْ.
قَالَهَا.
وَلَنْ نَتَظَاهَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهَا.
لَكِنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ:
هَلْ قَالَهَا؟
السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ هُوَ:
لِمَاذَا قَالَهَا؟
وَفِي أَيِّ سِيَاقٍ؟
وَمَا الَّذِي كَانَ يُصْلِحُهُ هَذَا الحُكْمُ فِي زَمَنِهِ؟
وَهَلِ السِّيَاقُ جُزْءٌ مِنَ الحُكْمِ أَمِ الحُكْمُ أَبَدِيٌّ مُطْلَقٌ بِمَعْزِلٍ عَنْ كُلِّ سِيَاق؟
نَظَرَتْ أَسْمَاءُ إِلَيْهَا نَظْرَةَ مَنْ يَعْرِفُ أَيْنَ تُفْضِي الأَسْئِلَةُ الكَبِيرَة:
— هَذَا سُؤَالٌ يَكَادُ لَا يُسْأَل.
— أَعْرِف.
لَكِنَّهُ سُؤَالٌ صَادِق.
وَالأَسْئِلَةُ الصَّادِقَةُ لَا تُخِيفُ الدِّين.
تُخِيفُ مَنْ يُرِيدُ الدِّينَ جَامِدًا — لِأَنَّ الجُمُودَ يُرِيحُهُمْ، وَالسُّؤَالَ يُزَعْزِعُ رَاحَتَهُم.
كَتَبَتْ خَدِيجَةُ الصُّغْرَى الكَلِمَاتِ الأَخِيرَةَ عَلَى لَوْحِهَا.
ثُمَّ رَفَعَتِ اللَّوْحَ وَنَظَرَتْ إِلَى مَا كَتَبَت:
“الجُمُودُ يُرِيحُ.
وَالسُّؤَالُ يُزَعْزِع.”
ثُمَّ مَسَحَتِ اللَّوْحَ — لَيْسَ لِأَنَّ الكَلَامَ كَانَ خَاطِئًا، بَلْ لِأَنَّ الكَلَامَ الصَّحِيحَ الَّذِي يُكْتَبُ فِي الوَقْتِ الخَطَأِ مَصِيرُهُ المَسْح.
لَكِنَّهُ كَانَ قَدْ رَسَخَ — هَاهُنَا — فِي مَكَانٍ لَا تَصِلُهُ المِمْحَاة.
بَغْدَادُ — حِينَ تَكَلَّمَ الفُقَهَاء
بَغْدَادُ — القَرْنُ الثَّانِي الهِجْرِيّ
المَسْجِدُ كَانَ يَمْتَلِئُ بِالصَّوْتِ الذُّكُورِيِّ الوَاحِد — أَصْوَاتٌ كَثِيرَةٌ لَكِنَّهَا تَصْدُرُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنَ الجِدَارِ وَمِنْ نِصْفٍ وَاحِدٍ مِنَ البَشَرِيَّة.
كَانَ الشَّيْخُ — رَجُلٌ فِي الخَمْسِين، ذُو عِلْمٍ وَاسِعٍ وَطِيبَةٍ حَقِيقِيَّة، لَكِنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ يَوْمًا أَنْ يَسْأَلَ امْرَأَةً رَأْيَهَا فِي مَسْأَلَةٍ تَخُصُّهَا — يَشْرَحُ وَالطُّلَّابُ يَكْتُبُونَ وَيُؤَمِّنُونَ وَيَحْفَظُونَ، وَلَا يُسْمَعُ فِي القَاعَةِ صَوْتٌ آخَر.
فِي الجَانِبِ الآخَرِ — خَلْفَ السِّتَارِ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ مَنْ يَتَكَلَّمُونَ وَمَنْ يَسْمَعُون — كَانَتْ لَيْلَى الفَقِيهَةُ.
كَانَتْ فِي الثَّلَاثِين.
تَعَلَّمَتِ الفِقْهَ عَلَى يَدِ أَبِيهَا الَّذِي لَمْ يَرَ سَبَبًا لِمَنْعِ ابْنَتِهِ مِنَ العِلْم — لَيْسَ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدُّمِيًّا بِالمَعْنَى الَّذِي نَفْهَمُهُ اليَوْم، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يُحِبُّ العِلْمَ وَيُحِبُّ ابْنَتَهُ وَلَمْ يَجِدْ بَيْنَ الحُبَّيْنِ تَنَاقُضًا.
أَحْيَانًا أَبْسَطُ الأَسْبَابِ يُنْتِجُ أَعْمَقَ النَّتَائِج.
كَانَتْ تَسْمَعُ وَتَكْتُبُ فِي آنٍ وَاحِد.
يَدُهَا عَلَى الوَرَقَةِ وَأُذُنُهَا عَلَى كُلِّ كَلِمَة.
قَالَ الشَّيْخُ:
— الشَّهَادَةُ فِي الحُدُودِ لَا تُقْبَلُ إِلَّا مِنَ الرِّجَال.
لِأَنَّ المَرْأَةَ نَاقِصَةُ عَقْلٍ وَدِين.
رَفَعَ طَالِبٌ شَابٌّ يَدَه — عَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ تَحْمِلَانِ الاسْتِفْهَامَ قَبْلَ أَنْ يُطَفِّئَهُ الاعْتِيَاد:
— مَا دَلِيلُ نُقْصَانِ العَقْل؟
— الحَدِيث:
“مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُن.”
— وَمَا تَفْسِيرُ النُّقْصَان؟
— النَّبِيُّ فَسَّرَهُ بِنَفْسِه:
نُقْصَانُ الدِّينِ لِأَنَّهَا تَمْكُثُ أَيَّامًا لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُوم.
وَنُقْصَانُ العَقْلِ لِأَنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُل.
وَرَاءَ السِّتَار — حَيْثُ لَا يَرَاهَا أَحَد — كَتَبَتْ لَيْلَى فِي هَامِشِ وَرَقَتِهَا بِخَطِّهَا الصَّغِيرِ الدَّقِيق:
“الشَّيْخُ يَسْتَدِلُّ بِالحَدِيثِ عَلَى الحَدِيث.
النُّقْصَانُ دَلِيلُهُ أَنَّ شَهَادَتَيْنِ بِشَهَادَة.
وَشَهَادَتَيْنِ بِشَهَادَةٍ مَبْنِيَّةٌ عَلَى النُّقْصَان.
دَائِرَةٌ مُغْلَقَة.
وَلَا أَحَدَ يَرَى الدَّائِرَةَ مِنَ الدَّاخِل — أَوْ يَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ لَا يَرَاهَا.”
ثُمَّ كَتَبَت:
“وَالنَّبِيُّ حِينَ قَالَ الكَلِمَةَ — قَالَهَا لِنِسَاءٍ بِأَعْيَانِهِنَّ فِي مَوْقِفٍ بِعَيْنِه.
وَالفَقِيهُ جَعَلَهَا قَانُونًا أَبَدِيًّا مُطْلَقًا.
هَلْ هَذَا مَا أَرَادَهُ مَنْ قَالَهَا؟
أَمْ هَذَا مَا أَرَادَهُ مَنْ حَفِظَهَا؟”
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ عَنِ الكِتَابَة.
لَيْسَ لِأَنَّ السُّؤَالَ انْتَهَى.
بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الهَامِش.
وَالأَسْئِلَةُ الأَكْبَرُ مِنْ هَوَامِشِهَا هِيَ الَّتِي تَبْقَى.
مَا رَأَتْهُ لَيْلَى
بَعْدَ الدَّرْس — حِينَ خَرَجَ الطُّلَّابُ وَبَقِيَتْ هِيَ تَجْمَعُ أَوْرَاقَهَا — سَمِعَتِ الشَّيْخَ يَتَكَلَّمُ مَعَ أَحَدِ طُلَّابِهِ عِنْدَ البَاب:
— شَيْخَنَا — إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ نَاقِصَةَ عَقْل، فَلِمَاذَا نَقْبَلُ شَهَادَةَ القَابِلَاتِ فِي إِثْبَاتِ الوِلَادَة؟
وَلِمَاذَا نَثِقُ بِالدَّايَةِ وَحْدَهَا فِي مَسَائِلَ البَكَارَة؟
صَمَتَ الشَّيْخُ لَحْظَة.
ثُمَّ قَال:
— الضَّرُورَةُ تُبِيحُ مَا لَا تُبِيحُهُ الأَصَالَة.
لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ الرِّجَال.
وَمَشَى.
بَقِيَتْ لَيْلَى وَحْدَهَا فِي الغُرْفَةِ الفَارِغَة.
وَكَتَبَتْ فِي الهَامِشِ الأَخِيرِ مِنَ الوَرَقَة:
“إِذَا كَانَ العَقْلُ نَاقِصًا — لِمَاذَا يُقْبَلُ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ وَلَا يُقْبَلُ فِي أُخْرَى؟
الجَوَابُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ فِي العَقْل.
هُوَ فِي العُرْفِ الاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي رَسَّخَهُ الفُقَهَاءُ وَنَسَبُوهُ إِلَى الدِّين.
وَالعُرْفُ حِينَ يَصِيرُ دِينًا — يَصِيرُ أَصْعَبَ مُرَاجَعَةً مِمَّا لَوْ بَقِيَ عُرْفًا.”
الأَنْدَلُسُ — الجَمَالُ عِبَادَة
قُرْطُبَة — القَرْنُ الخَامِسُ الهِجْرِيّ
كَانَتِ الحَدِيقَةُ تَنْضَحُ بِرَائِحَةِ الأَسْفَنْجِ المَبْلُولِ وَالوَرْدِ الأَبْيَضِ وَذَلِكَ الهَوَاءِ الَّذِي يَعْرِفُهُ فَقَطْ مَنْ عَاشَ فِي قُرْطُبَةَ — هَوَاءٌ يَحْمِلُ فِيهِ أَزِيزُ المُؤَذِّنِ وَرَنِينُ الأَجْرَاسِ وَصَوْتُ القِيثَارَةِ فِي آنٍ وَاحِد، كَأَنَّ المَدِينَةَ تَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَط.
كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ تَكْتُبُ عَلَى طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ أَمَامَ النَّافِذَةِ — لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى النُّور.
لَيْسَ نُورَ الشَّمْسِ فَقَط.
نُورَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ تُفَتَّحُ النَّوَافِذُ وَلَا اسْمَ لَه.
كَانَتْ تَكْتُبُ غَزَلًا.
لَيْسَ الغَزَلَ الَّذِي يَطْلُبُهُ أَصْحَابُ المَجَالِس.
كَانَتْ تَكْتُبُ شَيْئًا أَكْثَرَ دِقَّةً وَأَكْثَرَ خَطَرًا — شَيْئًا يَقِفُ عَلَى الحَدِّ بَيْنَ الحُبِّ الإِنْسَانِيِّ وَمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، ذَلِكَ الحَدُّ الَّذِي كَانَ الصُّوفِيُّونَ يَسْكُنُونَهُ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ الأَقْرَبُ إِلَى الله.
طَرَقَ الفَقِيهُ البَابَ.
كَانَ رَجُلًا فِي الأَرْبَعِين، وَجْهُهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ التَّعَبَ الَّذِي يَخُصُّ مَنْ يَعِيشُونَ فِي حَرْبٍ دَائِمَةٍ مَعَ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّيْطَرَةَ عَلَيْه. وَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ السَّيْطَرَةَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأَشْيَاء — وَفِي مُقَدِّمَتِهَا:
مَا كَانَتْ تَكْتُبُهُ هَذِهِ المَرْأَة.
— أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ مَعَكِ عَمَّا تَكْتُبِين.
— تَفَضَّل.
— هَذَا الشِّعْرُ فِيهِ تَنَاقُض.
تَكْتُبِينَ الغَزَلَ وَالزُّهْدَ مَعًا.
لَا يَجْتَمِعَان.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةَ مَنْ يَسْمَعُ سُؤَالًا يَعْرِفُ جَوَابَهُ مُنْذُ زَمَنٍ:
— لِمَاذَا لَا يَجْتَمِعَان؟
— الغَزَلُ فِيهِ شَهْوَة.
وَالزُّهْدُ تَرَكَهَا.
— اللهُ خَلَقَ الجَمَالَ وَأَمَرَنَا بِالتَّأَمُّلِ فِيه.
وَالشِّعْرُ تَأَمُّل.
فَكَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا؟
— المَسْأَلَةُ لَيْسَتْ فِي الشِّعْر.
تَوَقَّفَ.
وَفِي ذَلِكَ التَّوَقُّفِ — بَيْنَ مَا أَرَادَ قَوْلَهُ وَمَا يَجْرُؤُ عَلَى قَوْلِه — كَانَتِ الحَقِيقَةُ الَّتِي تَعْرِفُهَا فَاطِمَةُ وَيَعْرِفُهَا هُوَ.
— المَسْأَلَةُ أَنَّ الَّذِي كَتَبَهُ امْرَأَة.
لَمْ يُجِب.
وَكَانَ عَدَمُ الجَوَابِ جَوَابًا.
حِينَ خَرَجَ — وَبَقِيَتْ هِيَ وَحْدَهَا مَعَ النَّافِذَةِ المَفْتُوحَةِ وَالشِّعْرِ نِصْفِ المَكْتُوب — أَخَذَتْ قَلَمَهَا وَكَتَبَتْ بَيْتًا جَدِيدًا:
“الجَمَالُ عِبَادَةٌ لَمَنْ يُبْصِرُ بِقَلْبِه وَالحُسْنُ آيَةُ رَبٍّ لَا يُرَى بِالعَيْن”
ثُمَّ طَوَتِ الوَرَقَةَ وَوَضَعَتْهَا فِي المَكَانِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ أَحَد.
لَيْسَ خَوْفًا.
بَلْ لِأَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ تَحْتَاجُ أَنْ تَنْضَجَ فِي الظَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يُرَى ضَوْؤُهَا.
المَجْلِسُ الكَبِيرُ — خَمْسَةُ أَصْوَات
مَكَانٌ خَارِجَ الزَّمَنِ — دَاخِلَ الرِّوَاية
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَجْتَمِعُ مَنْ فَرَّقَتْهُمُ القُرُون.
رُبَّمَا يَحْدُثُ هَذَا حِينَ يَكُونُ السُّؤَالُ أَكْبَرَ مِنْ زَمَنٍ وَاحِد.
حِينَ يَحْمِلُهُ الزَّمَنُ كُلُّهُ وَلَا يُجِيبُهُ أَيٌّ مِنْهُ.
حِينَ يَصِيرُ السُّؤَالُ نَفْسَهُ — بِثِقَلِهِ وَإِلْحَاحِهِ — جِسْرًا بَيْنَ مَنْ عَاشُوا وَمَنْ يَعِيشُون.
كَانَ المَكَانُ يُشْبِهُ الحَدَائِقَ الأَنْدَلُسِيَّةَ — أَوْ رُبَّمَا يُشْبِهُ صُحُنَ المَدِينَةِ فِي لَيْلَةِ قَمَر.
لَا شَيْءَ مُحَدَّد.
لَا جُدْرَانٌ وَلَا سَقْف.
الضَّوْءُ يَأْتِي مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَلَا يَأْتِي مِنْ أَيِّ مَكَانٍ مُعَيَّن.
اجْتَمَعَتِ الخَمْسُ — الأَرْبَعٌ اللَّوَاتِي نَعْرِفُهُنَّ، وَالخَامِسَة:
سَارَةُ — الفَقِيهَةُ الَّتِي دَرَسَتْ فِي الأَزْهَرِ وَتُدَرِّسُ الآنَ فِي جَامِعَةٍ أُوروبِيَّة.
حَفِظَتِ القُرْآنَ وَقَرَأَتْ كَانْطَ وَابْنَ رُشْد، وَلَمْ تَجِدْ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضًا.
امْرَأَةٌ تَعِيشُ بَيْنَ عَالَمَيْن — لَيْسَ لِأَنَّهُمَا مُتَعَارِضَان، بَلْ لِأَنَّ الجِسْرَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْنِهِ أَحَدٌ بَعْد.
نُورٌ — البَاحِثَةُ الَّتِي اخْتَارَتْ التُّرَاثَ مَوْضُوعًا لِدِرَاسَتِهَا لَيْسَ لِتَهْجُوهُ وَلَا لِتُمَجِّدَه، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ جَدَّتَهَا — وَجَدَّتُهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُفْهَم.
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ — بِنَبْرَةِ مَنْ رَأَتِ البِدَايَةَ وَلَا يُعَلِّمُهَا أَحَدٌ مَا كَان:
— أَنَا رَأَيْتُ الإِسْلَامَ حِينَ نَزَل.
رَأَيْتُ كَيْفَ تَغَيَّرَتْ حَيَاةُ المَرْأَة.
قَبْلَهُ كَانَتِ المَرْأَةُ تُوأَد.
وَتُورَثُ كَمَا يُورَثُ الحِصَان.
وَلَا مَالَ لَهَا وَلَا صَوْتَ وَلَا خِيَار.
جَاءَ الإِسْلَامُ فَأَعْطَاهَا شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَحْلُمُ بِهِ لَا هِيَ وَلَا أُمُّهَا.
قَالَتْ لَيْلَى — بِتِلْكَ المَرَارَةِ الهَادِئَةِ الَّتِي تَخُصُّ مَنْ يُقِرُّ بِالحَقِّ وَلَا يَسْكُتُ عَنِ البَقِيَّة:
— أَعْرِف.
وَلَا أُنْكِرُ هَذَا.
الفَجْرُ كَانَ حَقِيقِيًّا.
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ:
هَلْ مَا أَعْطَى كَانَ سَقْفًا أَمْ كَانَ بِدَايَةَ مَسَار؟
لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهَاءِ أَخَذُوا لَحْظَةَ التَّنْزِيلِ وَجَمَّدُوهَا — فَصَارَ مَا كَانَ إِصْلَاحًا فِي سِيَاقِهِ قَيْدًا فِي سِيَاقٍ آخَر.
— مَا الفَرْقُ بَيْنَ السَّقْفِ وَالبِدَايَة؟
— الفَرْقُ أَنَّ السَّقْفَ يَمْنَعُكَ مِنَ الصُّعُود.
وَالبِدَايَةُ تَدْعُوكَ إِلَيْه.
قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ — وَفِي صَوْتِهَا شَيْءٌ مِنَ الشِّعْرِ حَتَّى حِينَ لَا تَنْظِم:
— أَنَا شَاعِرَة.
وَأَكْتُبُ الغَزَلَ وَالزُّهْدَ فِي آنٍ وَاحِدٍ دُونَ أَنْ أَجِدَ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضًا.
وَقِيلَ لِي إِنَّ هَذَا تَنَاقُض.
— وَأَجَبْتِ؟
— أَجَبْتُ:
اللهُ خَلَقَ الجَمَالَ وَأَمَرَنَا بِالتَّأَمُّلِ فِيه.
وَالشِّعْرُ تَأَمُّل.
فَكَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا؟
لَكِنَّ الحَرَامَ لَمْ يَكُنْ فِي الشِّعْر.
كَانَ فِي أَنَّ الَّذِي كَتَبَهُ امْرَأَة.
قَالَتْ نُورٌ — بِنَبْرَةِ مَنْ وَجَدَتِ الاسْمَ الدَّقِيقَ لِشَيْءٍ كَانَ يَقِفُ أَمَامَهَا بِلَا اسْم:
— وَهَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ مَا نَتَكَلَّمُ عَنْه.
الحُكْمُ لَيْسَ فِي النَّصِّ دَائِمًا.
الحُكْمُ فِي مَنْ يُطَبِّقُ النَّصَّ وَكَيْفَ يَقْرَؤُهُ وَمَاذَا يُرِيدُ مِنْه.
وَحِينَ يَكُونُ كُلُّ مَنْ يُطَبِّقُهُ رَجُلًا — يُطَبَّقُ بِطَرِيقَةٍ تُرِيحُ الرَّجُل.
لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ عَنْ نِيَّةِ إِضْرَار.
بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَرَى مَا لَا يَعِيشُه.
قَالَتْ سَارَةُ — بِنَبْرَةِ الفَقِيهَةِ الَّتِي تَعْرِفُ المَلَفَّاتِ مِنَ الدَّاخِلِ وَلَا تَرْتَاحُ لِلتَّعْمِيم:
— دَعُونِي أَكُونَ دَقِيقَة.
لَيْسَ كُلُّ الفِقْهِ ظُلْمٌ لِلمَرْأَة. وَلَيْسَ كُلُّ مَا قِيلَ عَنِ المَرْأَةِ خَطَأً.
بَعْضُهُ كَانَ عَدْلًا فِي سِيَاقِه.
وَبَعْضُهُ كَانَ قُصُورًا فِي فَهْمِهِ لَا فِي مَصْدَرِه.
— أَعْطِنَا مِثَالًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا.
— عَدْلٌ فِي سِيَاقِه:
حَقُّ المَرْأَةِ فِي المِيرَاثِ فِي مُجْتَمَعٍ كَانَتْ هِيَ نَفْسُهَا تُورَثُ فِيهِ — هَذَا كَانَ ثَوْرَةً حَقِيقِيَّة.
أَمَّا قُصُورٌ فِي الفَهْم:
أَخَذُوا “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء” وَطَبَّقُوهَا عَلَى كُلِّ عَلَاقَةٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ — دُونَ قِرَاءَةِ سِيَاقِ الآيَةِ الكَامِلِ وَلَا سَبَبِ نُزُولِهَا وَلَا شُرُوطِ القَوَامَةِ فِيهَا.
قَالَتْ سَارَةُ — وَكَانَ وَاضِحًا أَنَّهَا تُفَرِّقُ بِدِقَّةٍ بَيْنَ مَا تُحِبُّهُ وَمَا تَرَاه:
— الآيَةُ تَتَكَلَّمُ عَنِ النَّفَقَة:
“بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم.
” القَوَامَةُ مَرْبُوطَةٌ بِالإِنْفَاق — وَحِينَ لَا إِنْفَاقَ تَتَغَيَّرُ المُعَادَلَة.
لَكِنَّ الفُقَهَاءَ أَخَذُوا جُزْءًا مِنَ الآيَةِ وَجَعَلُوهُ كُلَّ الدِّين.
وَالنَّصُّ المَبْتُورُ خَطَرٌ يَفُوقُ أَحْيَانًا النَّصَّ المُزَوَّرَ — لِأَنَّهُ يَحْمِلُ تَوْقِيعَ الحَقِيقَةِ عَلَى حُكْمِ الزَّيْف.
الأَسْئِلَةُ الكُبْرَى
بِصِدْقٍ — وَبِلَا مُدَارَاة
قَالَتْ نُورٌ — بِشَجَاعَةِ مَنْ تَعَلَّمَتْ أَنَّ السُّؤَالَ الصَّادِقَ أَشْرَفُ مِنَ الجَوَابِ المُرِيح:
— أُرِيدُ أَنْ نَطْرَحَ الأَسْئِلَةَ بِلَا مُدَارَاة.
— اطْرَحِي.
— السُّؤَالُ الأَوَّل:
هَلِ الإِسْلَامُ — كَمَا وَصَلَ إِلَيْنَا عَبْرَ الفِقْهِ التَّارِيخِيِّ — دِينٌ ذُكُورِيٌّ؟
صَمْتٌ طَوِيل.
صَمْتٌ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي المَجْلِسِ يَعْرِفُ أَنَّ الجَوَابَ السَّهْلَ لَنْ يَكْفِي.
قَالَتْ سَارَةُ — وَهِيَ تُفَرِّقُ بِدِقَّةٍ بَيْنَ مَا تُحِبُّهُ وَمَا تَرَاه:
— الإِسْلَامُ كَمَا فِي النَّصِّ القُرْآنِيِّ — لَا.
الخِطَابُ يُسَاوِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ فِي التَّكْلِيفِ وَالثَّوَابِ وَالكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّة.
هَذَا لَا خِلَافَ فِيه.
— لَكِنَّ الإِسْلَامَ كَمَا بُنِيَ فِقْهِيًّا؟
تَوَقَّفَتْ سَارَةُ لَحْظَةً — تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَتَأَكَّدُ فِيهَا المُفَكِّرُ مِنْ كَلِمَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا:
— نَعَم.
الفِقْهُ التَّارِيخِيُّ يَحْمِلُ بَصْمَةً ذُكُورِيَّةً وَاضِحَة.
لَيْسَ لِأَنَّ عُلَمَاءَهُ كَانُوا أَشْرَارًا — بَلْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَبْنَاءَ مُجْتَمَعَاتِهِم.
وَفِي كُلِّ تِلْكَ المُجْتَمَعَاتِ كَانَتِ المَرْأَةُ خَارِجَ دَائِرَةِ صُنْعِ القَرَارِ الدِّينِيِّ — وَالشَّخْصُ الَّذِي يُقَرِّرُ وَحْدَهُ لَا يَرَى مَا يَفُوتُ المُقَرِّر.
قَالَتْ لَيْلَى — وَفِي صَوْتِهَا تِلْكَ المَرَارَةُ الهَادِئَةُ الَّتِي تَخُصُّ مَنْ يَعْرِفُ الحَقِيقَةَ وَلَا يَسْتَطِيعُ إِثْبَاتَهَا:
— أَنَا جَلَسْتُ فِي حَلَقَاتِ العِلْمِ عِشْرِينَ سَنَة.
وَسَمِعْتُ.
وَكَتَبْتُ.
وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَدٌ رَأْيِي.
لَمْ أُسْتَشَرْ فِي فِقْهِ الطَّلَاقِ الَّذِي يَخُصُّنِي.
وَلَا فِي فِقْهِ الحَضَانَة.
وَلَا فِي فِقْهِ النَّفَقَة.
رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ عَنْ حَيَاتِي وَأَنَا خَلْفَ السِّتَار.
— وَهَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ مَا قَالُوهُ خَاطِئٌ؟
أَجَابَتْ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا تَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ مِيزَانًا دَقِيقًا:
— يَعْنِي أَنَّهُ نَاقِص.
وَالنَّاقِصُ — حِينَ يُقَدَّمُ كَامِلًا — يُصْبِحُ نَوْعًا مِنَ الخَطَأ.
لِأَنَّهُ يَسُدُّ الطَّرِيقَ أَمَامَ مَا يُكْمِلُه.
قَالَتْ فَاطِمَة:
— السُّؤَالُ الَّذِي يُؤَرِّقُنِي لَيْسَ الفِقْه.
الفِقْهُ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُه.
السُّؤَالُ الَّذِي يُؤَرِّقُنِي:
لِمَاذَا لَمْ تَسْأَلِ النِّسَاءُ مِنَ البِدَايَةِ بِالصَّوْتِ العَالِي؟
لِمَاذَا قَبِلَ كَثِيرَاتٌ مِنْهُنَّ؟
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ — وَفِي كَلَامِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الشَّهَادَةَ الشَّخْصِيَّة:
— بَعْضُهُنَّ لَمْ يَقْبَلْن.
أَنَا سَأَلْت.
وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ جَادَلَت.
وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ كَانَ رَأْيُهَا يُحْسَب.
تَوَقَّفَت.
وَفِي ذَلِكَ التَّوَقُّفِ بَيْتٌ كَامِلٌ مِنَ الحُزْن.
— لَكِنَّ حِينَ مَاتَ جِيلُنَا — مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَخَذَ الفِقْهَ دُونَ الرُّوحِ الَّتِي أَنْتَجَتْه.
أَخَذَ الحُكْمَ دُونَ الحِوَارِ الَّذِي سَبَقَه.
وَالحُكْمُ بِلَا حِوَارٍ هُوَ قَفَصٌ يُشْبِهُ الشَّرِيعَةَ مِنَ الخَارِجِ وَيَخْنُقُهَا مِنَ الدَّاخِل.
الصَّوْتُ الآخَر
الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيم
كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الفَصْلِ صَوْتٌ يُمَثِّلُ المَوْقِفَ التَّقْلِيدِيَّ بِأَمَانَة — لِأَنَّ الصِّدْقَ يَقْتَضِي أَنْ يُسْمَعَ كُلُّ صَوْتٍ لَا أَنْ تُسْكَتَ الأَصْوَاتُ الَّتِي نَخْتَلِفُ مَعَهَا.
الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ — رَجُلٌ فِي الخَمْسِين، عِلْمُهُ وَاسِعٌ وَإِخْلَاصُهُ حَقِيقِيٌّ وَطِيبَتُهُ تَشْهَدُ بِهَا عَيْنَاه.
رَجُلٌ آمَنَ بِمَا تَعَلَّمَهُ — وَهَذَا لَيْسَ عَيْبًا.
عَيْبُهُ الوَحِيدُ — إِنْ كَانَ عَيْبًا — أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ يَوْمًا إِنْ كَانَ مَا تَعَلَّمَهُ هُوَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ تَعَلُّمُه.
جَلَسَ فِي المَجْلِسِ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَكُونُ وَحِيدًا فِيهِ — وَلَمْ يُهَرِّب.
هَذَا وَحْدَهُ كَانَ يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ جَيِّدٍ فِيه.
— أَنَا أَسْمَعُ مَا قُلْتُنَّ.
وَأُجِيبُ بِمَا أَعْتَقِدُ — لَا بِمَا يُرْضِي.
وَكَانَ فِي هَذِهِ العِبَارَةِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الاعْتِرَافَ بِأَنَّ الإِرْضَاءَ وَالصِّدْقَ لَيْسَا دَائِمًا فِي الاتِّجَاهِ نَفْسِه.
— أَوَّلًا:
الإِسْلَامُ أَعْطَى المَرْأَةَ حُقُوقًا لَمْ تَكُنْ لَهَا فِي أَيِّ حَضَارَةٍ مُعَاصِرَةٍ لَه.
وَالمِيزَانُ التَّارِيخِيُّ يَجِبُ أَنْ يُقْرَأَ بِسِيَاقِهِ — لَا بِعُيُونِ مَنْ يَقِفُ فِي قَرْنٍ مُخْتَلِفٍ وَيُحَاكِمُ مَاضِيًا بِمَعَايِيرِ حَاضِرٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا.
— ثَانِيًا:
التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِي بَعْضِ الأَحْكَامِ لَيْسَ تَقْلِيلًا — هُوَ إِقْرَارٌ بِالاخْتِلَاف.
وَالاخْتِلَافُ لَا يَعْنِي التَّفَاوُت.
— ثَالِثًا:
القَوَامَةُ لَيْسَتْ سَيْطَرَة.
هِيَ مَسْؤُولِيَّة.
وَالمَسْؤُولُ يَتَحَمَّلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ — وَإِنْ كَانَ التَّارِيخُ لَمْ يَكُنْ دَائِمًا أَمِينًا لِهَذَا المَعْنَى.
— رَابِعًا:
كَثِيرٌ مِمَّا يُنْسَبُ إِلَى الإِسْلَامِ هُوَ عَادَاتٌ ثَقَافِيَّةٌ لَا أَحْكَامٌ دِينِيَّة.
وَالخَلْطُ بَيْنَهُمَا ظُلْمٌ لِلدِّينِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ظُلْمًا لِلمَرْأَة.
قَالَتْ سَارَةُ — بِلَا عَدَائِيَّة، بِنَبْرَةِ مَنْ يُحَاوِرُ لَا مَنْ يُحَارِب:
— أَتَّفِقُ مَعَ بَعْضِ مَا قُلْت.
وَأَخْتَلِفُ مَعَ بَعْضِهِ الآخَر.
أَتَّفِقُ أَنَّ السِّيَاقَ التَّارِيخِيَّ ضَرُورِيّ.
وَأَتَّفِقُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ المَشْكِلَاتِ ثَقَافِيَّةٌ لَا دِينِيَّة.
لَكِنَّنِي أَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ وَاحِد:
حِينَ تَقُولُ الاخْتِلَافُ لَا يَعْنِي التَّفَاوُتَ — هَذَا صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ المَبْدَأ.
لَكِنَّ فِي التَّطْبِيقِ الفِعْلِيِّ عَبْرَ التَّارِيخِ — صَارَ التَّفْرِيقُ تَفَاوُتًا عَمَلِيًّا.
وَالنِّيَّةُ الحَسَنَةُ لَا تُلْغِي الأَثَرَ السَّيِّئ.
الأَثَرُ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ — لَا النِّيَّة.
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيم — وَكَانَ فِي وَجْهِهِ شَيْءٌ يَتَحَرَّك، شَيْءٌ يُشْبِهُ أَوَّلَ خُطْوَةٍ نَحْوَ الشَّكِّ — ذَلِكَ الشَّكُّ الَّذِي لَيْسَ هَدْمًا بَلْ هُوَ أَوَّلُ خُطْوَةٍ نَحْوَ بِنَاءٍ أَمْتَن:
— وَهَذَا يُقْبَل.
النَّقْدُ لِلتَّطْبِيقِ مَشْرُوع.
النَّقْدُ لِلأَصْلِ — هُنَا نَخْتَلِف.
— وَهَذَا الاخْتِلَافُ مَشْرُوعٌ أَيْضًا.
المَشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الاخْتِلَاف.
فِي الصَّمْتِ الَّذِي يَتَظَاهَرُ بِالاتِّفَاق.
وَبَيْنَهُمَا — فِي المَسَافَةِ بَيْنَ “هُنَا نَخْتَلِف” وَ”الاخْتِلَافُ مَشْرُوع” — كَانَ مَا يُشْبِهُ البَابَ الَّذِي يَفْتَحُهُ الاحْتِرَامُ حِينَ يَكُونُ الخِلَافُ حَقِيقِيًّا وَلَا يَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك.
لِمَاذَا؟ — الجَوَابُ الصَّادِق
خَمْسَةُ أَجْوِبَةٍ لِسُؤَالٍ وَاحِد
قَالَتْ سَارَةُ:
— أُرِيدُ أَنْ أُجِيبَ عَلَى سُؤَالِ الفَصْلِ بِصِدْق:
لِمَاذَا صَارَ الإِسْلَامُ الفِقْهِيُّ يَحْمِلُ هَذِهِ البَصْمَةَ الذُّكُورِيَّة؟
لَيْسَ جَوَابٌ وَاحِد.
أَجْوِبَة.
وَتَكَلَّمَتْ سَارَةُ — وَالأَرْبَعُ يَسْمَعْنَ بِتَأَمُّلٍ يَشْبِهُ الصَّلَاة:
أَوَّلًا — الفُقَهَاءُ كَانُوا رِجَالًا:
جَمِيعُهُمْ تَقْرِيبًا.
وَالإِنْسَانُ — مَهْمَا كَانَ مُخْلِصًا — يَرَى العَالَمَ مِنْ مَوْقِعِهِ لَا مِنْ مَوْقِعِ غَيْرِه.
وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُرْضِعْ وَلَمْ يُحْتَجَزْ فِي البَيْتِ — لَا يَرَى مَا تَرَاهُ مَنْ عَاشَتْ كُلَّ هَذَا.
هَذَا لَيْسَ اتِّهَامًا.
هُوَ حَقِيقَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ حُكْمًا أَخْلَاقِيًّا.
ثَانِيًا — المُجْتَمَعُ كَانَ يُرْضِي الفَقِيه:
الفَقِيهُ يَعِيشُ فِي مُجْتَمَع.
وَالمُجْتَمَعُ فِي مُعْظَمِ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ كَانَ ذُكُورِيًّا.
وَحِينَ يُفْتِي الفَقِيهُ بِمَا يُرِيحُ المُجْتَمَعَ — يُحَبُّ وَيُتَّبَع.
وَحِينَ يُفْتِي بِمَا يُزَعْزِعُهُ — يُعَادَى.
لَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِالبَاطِلِ عَمْدًا.
يَعْنِي أَنَّ العَوَامِلَ الاجْتِمَاعِيَّةَ تَدْخُلُ فِي الفَتْوَى دُونَ أَنْ يُدْرِكَ الفَقِيهُ دَائِمًا كَمَ دَخَلَتْ وَأَيْنَ أَثَّرَت.
ثَالِثًا — غِيَابُ الصَّوْتِ الآخَر:
حِينَ يَتَكَلَّمُ طَرَفٌ وَاحِدٌ فِي حِوَارٍ — يَمِيلُ الحِوَارُ إِلَيْهِ لَا لِأَنَّهُ أَصَحُّ بَلْ لِأَنَّهُ الوَحِيد.
المَرْأَةُ غَابَتْ مِنْ صُنْعِ الفِقْه.
فَاحْتَاجَ الفَقِيهُ إِلَى أَنْ يَتَخَيَّلَ حَاجَتَهَا.
وَالمُتَخَيَّلُ — مَهْمَا كَانَ الخَيَالُ حَسَنَ النِّيَّةِ — دَائِمًا أَقَلُّ مِنَ المَعِيش.
رَابِعًا — تَوْظِيفُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَة:
فِي مَكْتَبَةِ الحَدِيثِ — وَهِيَ ضَخْمَةٌ وَمُعَقَّدَةٌ وَثَرِيَّة — تُوجَدُ أَحَادِيثُ بِدَرَجَاتِ صِحَّةٍ مُخْتَلِفَة.
وَبَعْضُ الأَحَادِيثِ الَّتِي تُقَلِّلُ مِنَ المَرْأَةِ أَوْ تُقَيِّدُهَا كَانَتْ ضَعِيفَةَ الإِسْنَاد.
لَكِنَّهَا دَخَلَتِ الفِقْهَ لِأَنَّهَا وَافَقَتِ العُرْفَ — وَالعُرْفُ كَانَ أَقْوَى مُحَرِّكًا مِنَ الصِّحَّةِ الإِسْنَادِيَّةِ فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَة.
خَامِسًا — القِرَاءَةُ الانْتِقَائِيَّةُ لِلنَّصِّ:
القُرْآنُ نَفْسُهُ مُتَوَازِنٌ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَدَّم.
لَكِنَّ القِرَاءَةَ الانْتِقَائِيَّةَ — أَنْ تَأْخُذَ مَا يُرِيحُ وَتَدَعَ مَا يُتْعِبُ — مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وَالنَّصُّ الَّذِي يُقْرَأُ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ يُعْطِي نِصْفَ الحَقِيقَةِ — وَنِصْفُ الحَقِيقَةِ قَدْ يَكُونُ أَخْطَرَ مِنَ البَاطِلِ الكَامِلِ لِأَنَّهُ أَصْعَبُ دَحْضًا.
حِينَ انْتَهَتْ سَارَةُ كَانَ الصَّمْتُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ الكَلَامِ الَّذِي يُصِيبُ — لَيْسَ الصَّمْتَ الَّذِي يَعْنِي الرَّفْضَ، بَلِ الصَّمْتَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ الكَلِمَاتِ تَجِدُ طَرِيقَهَا إِلَى المَكَانِ الصَّحِيحِ.
قَالَتْ نُور:
— وَهَذَا مَا يُسَمِّيهِ البَاحِثُونَ “أَسْلَمَةَ العُرْف” — حِينَ يُصْبِحُ العُرْفُ الاجْتِمَاعِيُّ دِينًا.
وَأَخْطَرُ مَا فِي هَذَا لَيْسَ التَّقْيِيدَ — بَلْ أَنَّ المُقَيَّدَ يَبْدَأُ هُوَ نَفْسُهُ يَرَى قَيْدَهُ فَرِيضَة.
الكَلِمَةُ الأَخِيرَة
مَاذَا قُلْنَ فِي النِّهَايَة
فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ المَجْلِسِ — فِي ذَلِكَ المَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ الَّذِي جَمَعَ مَنْ فَرَّقَتْهُمُ القُرُونُ — قَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ كَلِمَتَهَا الأَخِيرَة. وَالكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ — دَائِمًا — هِيَ الَّتِي تَبْقَى.
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَة:
— أَنَا رَأَيْتُ الفَجْر.
رَأَيْتُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَمَا جَاءَ بَعْدَه.
وَالفَجْرُ كَانَ حَقِيقِيًّا — لَا أَحَدَ يَسْرِقُهُ مِنَّا.
لَكِنَّ الفَجْرَ لَا يَعْنِي أَنَّ النَّهَارَ لَا يَحْتَاجُ عَمَلًا.
جَاءَ الإِسْلَامُ بِفَجْرٍ لِلمَرْأَة.
وَكُلُّ جِيلٍ مَسْؤُولٌ عَنْ أَنْ يُكْمِلَ النَّهَارَ — لَا أَنْ يَنَامَ عَلَى ضَوْءِ الفَجْرِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ الظَّهِيرَة.
قَالَتْ لَيْلَى الفَقِيهَة:
— أَنَا كَتَبْتُ فِي الهَوَامِشِ كُلَّ حَيَاتِي.
وَأَتَمَنَّى لَوْ كُتِبْتُ فِي المَتْن.
لَكِنَّنِي لَا أَيْأَسُ — لِأَنَّ مَا كُتِبَ فِي الهَوَامِشِ يَبْقَى أَحْيَانًا أَطْوَلَ مِمَّا كُتِبَ فِي المَتْن.
لِأَنَّهُ أَصْدَق.
وَالصِّدْقُ لَا يَحْتَاجُ مِسَاحَةً وَاسِعَةً — يَحْتَاجُ وَقْتًا كَافِيًا.
قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَف:
— الجَمَالُ عِبَادَة.
وَأَنَا أَعْبُد.
وَلَا فَتْوَى تَأْخُذُ مِنِّي مَا وَضَعَهُ اللهُ فِيَّ.
قَالَتْ سَارَة:
— الفِقْهُ القَدِيمُ أَجَابَ عَلَى أَسْئِلَةِ زَمَانِه.
وَزَمَانُنَا يَطْرَحُ أَسْئِلَةً لَمْ تَخْطُرْ لِلقُدَامَى.
وَهَذَا لَيْسَ فَشَلَهُمْ — هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَيَاةَ تُكَمِّلُ مَا بَدَأَهُ العِلْم.
قَالَتْ نُور — وَفِي صَوْتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الإِعْلَان:
— المَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ غَائِبَةً مِنَ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيّ.
أُغِيِّبَتْ.
وَالفَرْقُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْء.
لِأَنَّ الغَائِبَ لَا يَعُود.
وَمَا أُغِيِّبَ — يُمْكِنُ أَنْ يَعُود. وَهَذَا هُوَ الاخْتِلَافُ بَيْنَ اليَأْسِ وَالعَمَل.
وَبَعْدَ أَنْ قَالَتِ الخَمْسُ كَلِمَاتِهِنَّ — بَقِيَ الصَّمْتُ لَحْظَةً.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ — الصَّوْتُ الوَحِيدُ الذُّكُورِيُّ فِي المَجْلِسِ، وَكَانَ يَقُولُهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ لِلآخَرِين:
— رُبَّمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ المَجَالِسُ دَائِمَة.
لَيْسَ لِنَخْرُجَ مِنْهَا بِاتِّفَاقٍ — بَلْ لِنَخْرُجَ مِنْهَا بِفَهْمٍ أَوْسَع.
الضِّلْعُ الَّذِي لَمْ يُكْسَر
خَاتِمَة — وَلَيْسَتْ نِهَايَة
وَفِي مَكَانٍ مَا مِنَ التَّارِيخِ كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَسْأَلُ فَتُجَاب.
وَكَانَتْ لَيْلَى تَكْتُبُ فَلَا تُسْمَع.
وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تُغَنِّي لِلهِ بِلُغَةِ الجَمَالِ وَلَا تَحْتَاجُ إِذْنًا مِنْ أَحَد.
وَكَانَتْ سَارَةُ تَبْنِي جِسْرًا بَيْنَ عَالَمَيْن.
وَكَانَتْ نُورٌ تَبْحَثُ كَيْ تُرْجِعَ مَا غُيِّب.
وَبَيْنَهُنَّ — عَبْرَ قُرُونٍ مُتَرَاكِمَة — كَانَتِ المَسَافَةُ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالجَوَابِ هِيَ التَّارِيخَ كُلَّه.
وَبَيْنَهُنَّ أَيْضًا — فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ كُلِّ جِيلٍ — كَانَتِ امْرَأَةٌ تَعِيشُ حَيَاتَهَا بِلَا فَقِيهٍ وَلَا بَاحِثَةٍ وَلَا مَجْلِس:
تُرَبِّي وَتُصَلِّي وَتُحِبُّ وَتَتَأَلَّمُ وَتَسْأَلُ وَتَجِدُ — فِي أَعْمَاقِ مَا أُعْطِيَتْ — شَيْئًا يَكْفِيهَا.
لَيْسَ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَمْ يَكُن.
بَلْ لِأَنَّ مَا فِي القَلْبِ أَحْيَانًا أَكْبَرُ مِنَ الظُّلْم.
وَأَكْبَرُ مِنَ الفِقْه.
وَأَكْبَرُ مِنَ التَّارِيخ.
وَهَذَا — فِي حَدِّ ذَاتِهِ — مِنْ أَعْمَقِ مَا قَالَهُ الإِسْلَامُ عَنِ المَرْأَة:
أَنَّهَا تَصِلُ إِلَى اللهِ بِلَا وَسَاطَة.
مُبَاشَرَة.
كَالرَّجُلِ تَمَامًا.
بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا إِذْنٍ مِنْ أَحَد.
وَكَانَ هَذَا — وَسَيَبْقَى — هُوَ الضِّلْعُ الَّذِي لَمْ يُكْسَر.
مُلَاحَظَةُ الكَاتِب
أُمُّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَنُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ شَخْصِيَّاتٌ تَارِيخِيَّةٌ حَقِيقِيَّة.
الحِوَارُ المُسَرِّحُ لَهُنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ إِعَادَةُ بِنَاءٍ رِوَائِيٍّ يَنْطَلِقُ مِنَ الوَقَائِعِ المُوَثَّقَةِ وَيَمْلَأُ الفَرَاغَاتِ التَّي تَرَكَهَا التَّارِيخُ بِإِخْلَاصٍ لِرُوحِ تِلْكَ الشَّخْصِيَّاتِ كَمَا تَكْشِفُهَا المَصَادِر.
لَيْلَى الفَقِيهَةُ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ وَسَارَةُ وَنُورٌ شَخْصِيَّاتٌ رِوَائِيَّة.
غَيْرَ أَنَّ نِسَاءً كَثِيرَاتٍ مِنْ أَمْثَالِهِنَّ وُجِدْنَ — وَبَعْضُهُنَّ مُوَثَّقٌ فِي التَّارِيخِ مَطْوِيًّا فِي هَوَامِشِهِ.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ مُحَاوَلَةٌ لِفَتْحِ الهَوَامِشِ وَقِرَاءَتِهَا بِالصَّوْتِ العَالِي.

الدم الذي لم يجفّ