أرضٌ واحدةٌ ولُغاتٌ كثيرة

الجزءُ الثّاني مِن رِوايةِ: حِينَ تَوَقَّفَ الوَحْيُ وَبَدَأَ الإِنْسانُ — المُلْحَقُ الثّالِثُ
أَرْضٌ واحِدَةٌ وَلُغاتٌ كَثِيرَةٌ
“وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” — الروم: ٢٢
إِلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى فِي حَقْلٍ،
وَتَلَا فِي جَبَلٍ،
وَدَارَ فِي تَكِيَّةٍ،
وَأَطْعَمَ فِي قَرْيَةٍ،
وَلَمْ يَكْتُبِ اسْمَهُ فِي أَيِّ كِتَابٍ.
قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الرِّوَايَةُ
ثَمَّةَ كُتُبٌ تُكْتَبُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا يَمْلِكُونَ مَا يَقُولُونَهُ.
وَثَمَّةَ كُتُبٌ تُكْتَبُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا اكْتَشَفُوا مَا فَاتَهُمْ سَمَاعُهُ.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْجَبَلُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: مَا تَتْرُكُهُ الثُّلُوجُ حِينَ تَذُوبُ
جِبَالُ الْأَطْلَسِ — الْمَغْرِبُ، سَنَةَ ٤٨٩ هِجْرِيَّةً
فِي تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي تَأَخَّرَ فِيهَا ذَوَبَانُ الثَّلْجِ حَتَّى آخِرِ رَبِيعٍ،
كَانَتْ تَافُكَنْتُ تَطْحَنُ الْحُبُوبَ.
لَمْ يَكُنِ الطَّحْنُ مُجَرَّدَ عَمَلٍ.
بَلْ كَانَ إِيقَاعًا؛ صَوْتُ الْحَجَرِ عَلَى الْحَجَرِ،
الَّذِي تَعَلَّمَتْهُ أُذُنُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْكَلَامَ،
وَرَافَقَهَا مِنْ طُفُولَتِهَا حَتَّى صَارَتِ امْرَأَةً تُعَلِّمُ أَطْفَالَ الْقَرْيَةِ مَا عَلَّمَتْهَا إِيَّاهُ أُمُّهَا.
وَأُمُّهَا تَعَلَّمَتْهُ مِنْ جَدَّتِهَا.
وَجَدَّتُهَا مِنْ جَدَّةٍ قَبْلَهَا،
فِي سِلْسِلَةٍ تَضْرِبُ جُذُورَهَا عَمِيقًا فِي هَذَا الْجَبَلِ؛ حَتَّى يَكَادَ الْمَرْءُ يَظُنُّ أَنَّ النِّسَاءَ وَالْحِجَارَةَ وَالثَّلْجَ صُنِعُوا فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ، مِنْ نَفْسِ الْمَادَّةِ.
الِاسْمُ أَمَازِيغِيٌّ.
وَالصَّوْتُ الَّذِي تَتْلُو بِهِ الْقُرْآنَ فِيهِ أَثَرٌ لِتِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي وُلِدَتْ مِنْهَا؛ كَأَنَّ اللِّسَانَ الَّذِي تَعَلَّمَ الْكَلَامَ بِتَمَازِيغْتَ لَا يَسْتَطِيعُ،
حَتَّى حِينَ يَتْلُو الْعَرَبِيَّةَ،
أَنْ يَنْسَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ.
لَمْ تَذْهَبْ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَلَمْ تَجْلِسْ فِي حَلْقَةِ فِقْهٍ.
وَلَمْ تَقْرَأْ كِتَابًا مَكْتُوبًا.
لَكِنَّهَا، فِي هَذَا الصَّبَاحِ الَّذِي تَشَقَّقَ فِيهِ الثَّلْجُ الْأَخِيرُ عَنْ حِجَارَةِ الْجَبَلِ، وَبَدَتِ الْأَرْضُ تَحْتَهُ دَاكِنَةً كَجِلْدِ حَيَوَانٍ نَائِمٍ،
كَانَتْ تُعَلِّمُ فَاطِمَةَ الصَّغِيرَةَ كَيْفَ تَحْفَظُ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ.
كَانَتْ فَاطِمَةُ فِي السَّابِعَةِ.
وَعَيْنَاهَا تُشْبِهَانِ عَيْنَيْ جَدَّتِهَا؛ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الْعُيُونِ الَّتِي تَبْدُو دَائِمًا وَكَأَنَّهَا تَسْأَلُ سُؤَالًا لَمْ تَنْطِقْ بِهِ بَعْدُ.
— مَرَّةً ثَانِيَةً، قَالَتْ تَافُكَنْتُ.
وَتَلَتْ فَاطِمَةُ،
بِصَوْتٍ فِيهِ رَعْشَةُ الْمُبْتَدِئَةِ وَحَرَارَةُ الْمَحَبَّةِ:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ…»
وَكَانَ فِي النُّطْقِ مَا فِي نُطْقِ تَافُكَنْتَ نَفْسِهَا؛ شَيْءٌ يَجْعَلُ حَرْفَ الضَّادِ أَقْرَبَ إِلَى الظَّاءِ،
وَشَيْءٌ فِي مَطِّ الْحَرَكَاتِ يَخْتَلِفُ عَمَّا يُتْلَى فِي فَاسٍ أَوْ مَرَّاكُشَ.
لَكِنَّ تَافُكَنْتَ لَا تَعْرِفُ هَذَا.
لَا تَعْرِفُ فَاسًا وَلَا مَرَّاكُشَ.
تَعْرِفُ هَذَا الْجَبَلَ،
وَتَعْرِفُ مَا عَلَّمَتْهَا إِيَّاهُ أُمُّهَا،
وَتَعْرِفُ، بِيَقِينٍ لَا تَسْتَطِيعُ إِثْبَاتَهُ لِأَحَدٍ، لَكِنَّهُ يَسْكُنُ فِي صَدْرِهَا كَمَا تَسْكُنُ النَّارُ فِي الْجَمْرِ،
أَنَّ شَيْئًا يَسْمَعُهَا.
أَنْهَتْ فَاطِمَةُ.
وَنَظَرَتْ إِلَى تَافُكَنْتَ تَنْتَظِرُ.
قَالَتْ تَافُكَنْتُ:
— جَيِّدٌ.
مَا فِي قَلْبِكِ جَيِّدٌ.
وَالْبَاقِي يَأْتِي.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ،
كَانَتْ قَرْيَةُ «إِيغِيلْ» — وَهِيَ كَلِمَةٌ تَعْنِي بِاللُّغَةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ:
«النَّسْرَ»؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ رَأَى نَسْرًا يَحُومُ فَوْقَهَا يَوْمَ أُسِّسَتْ — تَتَحَضَّرُ لِاسْتِقْبَالِ زَائِرٍ.
وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ:
طَالِبُ عِلْمٍ مِنْ فَاسٍ،
شَابٌّ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ،
يَحْمِلُ مَعَهُ كُتُبًا وَشَهَادَاتٍ، وَتِلْكَ الْحَمَاسَةَ الَّتِي يَمْلِكُهَا مَنْ تَعَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرِيدُ أَنْ يَرَى الدُّنْيَا مُنَقَّحَةً عَلَى ضَوْءِ مَا تَعَلَّمَ.
لَمْ تَعْرِفْ تَافُكَنْتُ مَاذَا تَفْعَلُ بِهَذَا الْخَبَرِ.
فَعَلَتْ مَا تَفْعَلُهُ دَائِمًا حِينَ لَا تَعْرِفُ:
أَكْمَلَتِ الطَّحْنَ.
وَصَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْفَاسِيُّ عِنْدَ الْعَصْرِ.
كَانَ وُصُولُهُ مُخْتَلِفًا عَنْ أَيِّ شَيْءٍ رَأَتْهُ الْقَرْيَةُ مِنْ قَبْلُ.
لَا مِنْ حَيْثُ شَكْلُهُ — فَهُوَ رَجُلٌ عَادِيٌّ، طَوِيلٌ قَلِيلًا،
لِحْيَتُهُ بَدَأَتْ تَوًّا،
يَرْتَدِي جَلَّابَةً بَيْضَاءَ اتَّسَخَتْ فِي زَوَايَا أَسْفَلِهَا مِنْ وُعُورَةِ الطَّرِيقِ.
وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ طَرِيقَةُ نَظَرِهِ إِلَى الْأَشْيَاءِ.
كَانَ يَنْظُرُ وَكَأَنَّهُ يَقِيسُ.
كَأَنَّ فِي عَقْلِهِ مِيزَانًا لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَلِ.
اسْتَقْبَلَهُ شَيْخُ الْقَرْيَةِ — عُمَرُ أَوْ سِمْعَانُ؛
تَخْتَلِفُ رِوَايَاتُ أَبْنَاءِ الْقَرْيَةِ فِي اسْمِهِ،
وَيَبْدُو أَنَّ الِاخْتِلَافَ نَفْسَهُ جُزْءٌ مِنْ شَخْصِيَّتِهِ.
رَجُلٌ لَا يَهْتَمُّ كَثِيرًا بِأَنْ يُحْفَظَ اسْمُهُ صَحِيحًا.
مَا يَهُمُّهُ أَنْ يُحْفَظَ مَا عَاشَهُ.
— أَهْلًا بِالْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، قَالَ الشَّيْخُ.
نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ.
إِلَى الْبُيُوتِ الْمَبْنِيَّةِ مِنَ الْحَجَرِ،
وَإِلَى الْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ فِي الشَّارِعِ التُّرَابِيِّ الضَّيِّقِ،
وَإِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تَطْحَنُ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَصِلُ صَوْتُ حَجَرِهَا إِلَى حَيْثُ يَقِفُ.
— اللَّهُ يُبَارِكُ، قَالَ.
وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الرِّضَا، مَشُوبًا بِشَيْءٍ آخَرَ لَمْ يُحَدِّدْهُ بَعْدُ.
فِي الْمَسَاءِ،
حِينَ اجْتَمَعَ الرِّجَالُ فِي بَيْتِ الشَّيْخِ،
سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ الْقُرْآنَ يُتْلَى مِنَ الْبُيُوتِ الْمُجَاوِرَةِ.
صَوْتُ امْرَأَةٍ — رُبَّمَا تَافُكَنْتُ،
وَرُبَّمَا غَيْرُهَا،
لَكِنَّ الصَّوْتَ كَانَ حَقِيقِيًّا وَدَافِئًا كَالْخُبْزِ الْمَخْبُوزِ تَوًّا.
وَفِي الصَّوْتِ ذَلِكَ الْأَثَرُ الَّذِي لَاحَظَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مُنْذُ وَصَلَ:
الْأَمَازِيغِيَّةُ تَسْكُنُ فِي الْعَرَبِيَّةِ.
قَطَّبَ جَبِينَهُ.
لَاحَظَ الشَّيْخُ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي،
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْفَاسِيُّ:
— يَا شَيْخَنَا، النُّطْقُ لَا يَصِحُّ.
قَالَهَا بِأَدَبٍ حَقِيقِيٍّ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِعْلَاءٌ،
أَوْ هَكَذَا ظَنَّ هُوَ.
لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ نَفْسَهَا كَانَتْ تَحْمِلُ شَيْئًا لَا تَسْتَطِيعُ الْأَدَبِيَّةُ إِخْفَاءَهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ — نَظْرَةَ رَجُلٍ فِي السَّبْعِينَ، رَأَى كَثِيرًا، وَتَعَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ وَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ:
— غَيْرُ صَحِيحٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَاذَا؟
— بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّجْوِيدِ،
وَمَخَارِجِ الْحُرُوفِ.
— وَهَلْ يَفْهَمُ اللَّهُ مَا يَقُولُونَ؟
تَوَقَّفَ عَبْدُ اللَّهِ.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ فِي مَتْنِ أَيِّ كِتَابٍ تَعَلَّمَهُ.
لَمْ يَكُنْ فِي الْفِقْهِ، وَلَا فِي عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ، وَلَا فِي أُصُولِ التَّفْسِيرِ.
كَانَ سُؤَالًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ؛ ذَلِكَ النَّوْعُ الَّذِي لَا تَجِدُ لَهُ خَانَةً فِي الْعَقْلِ الْمَدْرَسِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُوضَعَ فِي خَانَةٍ.
قَالَ الشَّيْخُ:
— أَنَا لَا أَقُولُ إِنَّ التَّجْوِيدَ غَيْرُ مُهِمٍّ.
أَقُولُ إِنَّ هَؤُلَاءِ النَّاسَ تَعَبَّدُوا لِلَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا.
وَمَا اسْتَطَاعُوا تَعَلُّمَهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ عَبْرَ أُمَّهَاتِهِمْ وَجَدَّاتِهِمْ.
وَأُمَّهَاتُهُمْ وَجَدَّاتُهُمْ أَسْلَمْنَ فِي جِبَالٍ لَمْ يَصِلْهَا فَقِيهٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ.
تَوَقَّفَ؛ كَأَنَّهُ يُعْطِي الْكَلِمَاتِ مَجَالَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ:
— فَهَلْ تَقُولُ إِنَّ إِسْلَامَهُمْ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النُّطْقَ نَاقِصٌ؟
وَهَلِ اللَّهُ يَرُدُّ مَنْ جَاءَهُ بِقَلْبٍ مَلِيءٍ؛ لِأَنَّ لِسَانَهُ تَعَلَّمَ مِنْ أَقَلَّ مِمَّا تَعَلَّمَ لِسَانُكَ؟
لَمْ يُجِبْ عَبْدُ اللَّهِ فَوْرًا.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ غَادَرَ فَاسًا، شَعَرَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الضِّيقَ.
لَيْسَ مِنَ الشَّيْخِ،
بَلْ مِنْ نَفْسِهِ.
مِنَ الْفَجْوَةِ بَيْنَ مَا يَعْرِفُهُ وَمَا يَشْعُرُ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
وَمِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعْ،
سَمِعَ صَوْتًا.
كَانَتْ تَافُكَنْتُ تَمُرُّ.
لَمْ تَكُنْ تَقْصِدُ الِاقْتِرَابَ.
كَانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الْحَطَبِ وَتَمْشِي فِي طَرِيقِهَا.
لَكِنَّهَا سَمِعَتِ الْكَلَامَ فَتَوَقَّفَتْ — بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ بِهَا مَنْ يَسْمَعُ اسْمَهُ،
لَا بِأُذُنَيْهِ،
بَلْ بِشَيْءٍ أَعْمَقَ.
قَالَتْ — وَكَانَ فِي صَوْتِهَا تِلْكَ الْبَسَاطَةُ الَّتِي لَيْسَتْ سَذَاجَةً،
بَلْ وُضُوحًا:
— يَا فَقِيهُ،
أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا يَقُولُونَهُ فِي فَاسٍ.
لَكِنَّنِي حِينَ أَتْلُو الْقُرْآنَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ.
— مَا هُوَ؟
— أَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا يَسْمَعُنِي.
لَا أُسَمِّيهِ دَائِمًا بِالِاسْمِ الصَّحِيحِ فِي النَّحْوِ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُهُ.
كَمَا يَعْرِفُ الطِّفْلُ صَوْتَ أُمِّهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ اسْمَهَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ.
وَكَانَ فِي نَظْرَتِهِ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ فِيهَا الْعِلْمُ عِنْدَ عَتَبَةٍ لَا يَمْلِكُ لَهَا مِفْتَاحًا.
لِأَنَّ الْمِفْتَاحَ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ.
هُوَ فِي تَجْرِبَةٍ لَا تُنْقَلُ بِالشَّرْحِ.
وَضَعَتْ تَافُكَنْتُ حُزْمَةَ الْحَطَبِ عَلَى الْأَرْضِ.
وَجَلَسَتْ عَلَى الْحَجَرِ الْمُقَابِلِ.
لَا بِاسْتِئْذَانٍ رَسْمِيٍّ، وَلَا بِتَصَنُّعٍ.
جَلَسَتْ كَمَا تَجْلِسُ فِي حَقْلٍ،
فِي وُضُوحٍ طَبِيعِيٍّ لَا يَعْرِفُ التَّكَلُّفَ.
قَالَتْ:
— أَنَا حِينَ كُنْتُ صَغِيرَةً، كَانَتْ أُمِّي تُعَلِّمُنِي.
وَكُنْتُ أَسْأَلُهَا:
هَلِ اللَّهُ يَسْمَعُنَا هُنَا،
فِي الْجَبَلِ؟
قَالَتْ:
“يَا ابْنَتِي،
اللَّهُ خَلَقَ هَذَا الْجَبَلَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ أَيَّ مَسْجِدٍ فِي الْمَدِينَةِ.
فَكَيْفَ لَا يَسْمَعُ مَنْ فِيهِ؟”
صَمَتَتْ لَحْظَةً.
ثُمَّ أَضَافَتْ:
— وَأَنَا لَمْ أَجِدْ رَدًّا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَلَا أَظُنُّ أَنَّ كُتُبَكَ تَمْلِكُ رَدًّا أَحْسَنَ.
لَكِنْ — إِنْ مَلَكَتْ — فَعَلِّمْنِي.
لَمْ يَرُدَّ عَبْدُ اللَّهِ الْفَاسِيُّ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
مَكَثَ فِي الْقَرْيَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى.
وَفِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ،
قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ،
جَاءَ إِلَى تَافُكَنْتَ وَقَالَ:
— أَنَا سَأُعَلِّمُكِ التَّجْوِيدَ، إِنْ أَرَدْتِ.
— وَأَنْتَ؟
— وَأَنَا سَأَتَعَلَّمُ مِنْكِ شَيْئًا لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ.
وَكَانَ هَذَا — مِنْ رَجُلٍ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ،
تَعَلَّمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ يُعَلِّمُ دَائِمًا —شَجَاعَةً مِنْ نَوْعٍ قَلِيلٍ فِي الْكُتُبِ، كَثِيرٍ فِي الْحَيَاةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: النَّهْرُ
الْفَصْلُ الثَّانِي: مَا لَا يَغْرَقُ فِي الْمَاءِ
السِّنِغَالُ — عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ السِّنِغَالِ، سَنَةَ ٩٧٨ هِجْرِيَّةً
لِلنَّهْرِ طَرِيقَةٌ فِي الْمَشْيِ لَا تُشْبِهُ الْإِنْسَانَ.
الْإِنْسَانُ يَمْشِي وَعَيْنُهُ عَلَى الْوِجْهَةِ.
وَالنَّهْرُ يَمْشِي وَعَيْنُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ؛ عَلَى الضِّفَّتَيْنِ،
وَالسَّمَاءِ،
وَالْحِجَارَةِ فِي الْقَاعِ،
وَالطُّيُورِ الَّتِي تُحَلِّقُ فَوْقَهُ.
يَمْشِي الْإِنْسَانُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَيْنَ يَذْهَبُ.
وَيَمْشِي النَّهْرُ وَلَا يَسْأَلُ.
قَرْيَةُ «كِيلَافَا» — وَهِيَ كَلِمَةٌ تَعْنِي فِي لُغَةِ الْوُولُوفِ:
«الْمَكَانَ الَّذِي تَسْتَرِيحُ فِيهِ الطُّيُورُ» — كَانَتْ تَسْتَعِدُّ لِمَرَاسِمِ الْخِتَانِ.
لَمْ تَكُنِ الْمَرَاسِمُ مُجَرَّدَ طَقْسٍ دِينِيٍّ.
بَلْ كَانَتْ أَيْضًا — وَبِصِدْقٍ — طَقْسًا أَفْرِيقِيًّا.
فِيهَا أَغَانٍ تَتَنَقَّلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، مُحَمَّلَةً بِذَاكِرَةِ الْأَجْدَادِ.
وَفِيهَا رَقَصَاتٌ وَأَلْوَانٌ وَطَعَامٌ وَاجْتِمَاعُ الْأَرْوَاحِ.
وَفِيهَا، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ،
آيَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ وَدُعَاءٌ وَذِكْرٌ؛ كَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَأْتِ لِيَهْدِمَ هَذَا الْبَيْتَ،
بَلْ لِيُضِيفَ إِلَيْهِ طَابِقًا جَدِيدًا مَبْنِيًّا عَلَى نَفْسِ الْأَسَاسِ.
كَانَ مُوسَى الْخَيَّاطُ — الرَّجُلُ الَّذِي يُصْلِحُ الثِّيَابَ،
وَيَعْرِفُ كَيْفَ يُصْلِحُ الْكَلَامَ أَيْضًا — يُشْرِفُ عَلَى الِاسْتِعْدَادَاتِ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ شَيْخُ الْقَرْيَةِ.
فَالشَّيْخُ هُوَ عَلِيٌّ.
لَكِنَّ مُوسَى هُوَ مَنْ تَثِقُ بِهِ النِّسَاءُ حِينَ يَحْتَجْنَ إِلَى مَنْ يُنَظِّمُ مَا لَا يَنْتَظِمُ.
وَيَعْرِفُ الرِّجَالُ أَنَّ ثِقَةَ النِّسَاءِ لَيْسَتْ هِبَةً تُعْطَى لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا.
كَانَ عَلِيٌّ — شَيْخُ الْقَرْيَةِ — رَجُلًا فِي السِّتِّينَ.
طَوِيلًا،
نَحِيفًا، بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُهُ يَبْدُو كَأَنَّهُ صُنِعَ لِيُوَفِّرَ الْمَسَاحَةَ لِلْآخَرِينَ.
وَعَيْنَاهُ لَا تَتْرُكَانِكَ مَرَّةً تَتَكَلَّمُ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ مَا لَمْ تَقُلْهُ أَيْضًا.
جَاءَ الْفَقِيهُ مِنْ مَدِينَةِ سَانْتْ لُوِيسَ فِي الْجَنُوبِ.
اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ الْمِصْرِيُّ — لَقَبٌ أُلْصِقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَرَسَ فِي الْقَاهِرَةِ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ،
وَعَادَ بِكُلِّ مَا تَعَلَّمَهُ،
وَعَادَ بِمَا تَعَلَّمَهُ دُونَ أَنْ يَعُودَ بِمَا فَاتَهُ.
كَانَ شَابًّا.
لَيْسَ شَابًّا بِالسِّنِّ فَقَطْ.
بَلْ شَابٌّ بِطَرِيقَةِ حَمْلِهِ لِلْحَقِيقَةِ؛ كَمَنْ يُمْسِكُ شَيْئًا ثَمِينًا، وَيَخْشَى أَنْ يُسْقِطَهُ، فَيُمْسِكُهُ بِقُوَّةٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ.
نَظَرَ إِلَى مَرَاسِمِ الْخِتَانِ بِعَيْنَيْ مَنْ تَعَلَّمَ كَيْفَ يُمَيِّزُ الصَّحِيحَ مِنَ الْخَطَإِ.
وَلَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يَسْمَعُ مَا وَرَاءَ مَا يَرَاهُ.
— هَذَا لَا يَجُوزُ.
قَالَهَا فِي الْمَسَاءِ،
حِينَ جَلَسَ مَعَ عَلِيٍّ عِنْدَ النَّارِ الَّتِي أَضَاءَتْ وُجُوهَهُمْ، وَوَحَّدَتْ ظِلَالَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ.
قَالَ عَلِيٌّ — بِالْهُدُوءِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ لِيُسْمَعَ:
— مَا الَّذِي لَا يَجُوزُ بِالتَّحْدِيدِ؟
— الرَّقْصُ، وَالْغِنَاءُ فِي مَرَاسِمَ دِينِيَّةٍ.
— أَخْبِرْنِي: حِينَ جَاءَ الْإِسْلَامُ إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، كَيْفَ جَاءَ؟
تَوَقَّفَ إِبْرَاهِيمُ.
لَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يُجَابَ بِسُؤَالٍ.
— جَاءَ مَعَ التُّجَّارِ.
مَعَ مَنْ حَمَلُوهُ فِي تَعَامُلِهِمْ.
— صَحِيحٌ.
وَمَتَى جَاءَ؟
— قَبْلَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، تَقْرِيبًا.
— وَمَنْ عَلَّمَكُمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُرْمَى كُلُّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ الْمِئَةُ وَالْخَمْسُونَ فِي النَّهْرِ؟
صَمَتَ إِبْرَاهِيمُ.
وَفِي صَمْتِهِ كَانَ شَيْءٌ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانِهِ.
قَالَ عَلِيٌّ:
— نَحْنُ في هٰذِهِ القَرْيَةِ مُسْلِمُونَ مُنْذُ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
قَبِلْنَا الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِحُرِّيَّةٍ وَعَدْلٍ.
وَلَمْ يَقُلْ لَنَا أَنْ نَتْرُكَ كُلَّ مَا كُنَّا عَلَيْهِ.
— لَكِنَّ بَعْضَ مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ…
— بَعْضُهُ ذَهَبَ.
وَالَّذِي ذَهَبَ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَذْهَبَ؛ كَانَ فِيهِ ظُلْمٌ أَوْ شِرْكٌ أَوْ أَذًى لِلنَّاسِ.
وَالَّذِي بَقِيَ، نَحْنُ نَرَى فِيهِ خَيْرًا لَا شَرًّا.
تَوَقَّفَ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ صَبْرُ مَنْ شَرَحَ هَذَا كَثِيرًا، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ الشَّرْحِ:
— الْأُغْنِيَةُ الَّتِي تَسْمَعُهَا الْآنَ فِيهَا مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَالْإِيقَاعُ الَّذِي تَرَاهُ هُوَ مَا يَجْعَلُ الْقُلُوبَ تَنْفَتِحُ هُنَا.
وَمَا يَفْتَحُ الْقُلُوبَ لِلذِّكْرِ لَيْسَ حَرَامًا فِي دِينِنَا.
وَلَوْ كَانَ الذِّكْرُ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ حَرَامًا؟
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ،
جَلَسَ إِبْرَاهِيمُ وَحْدَهُ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ.
سَمِعَ الْمُوسِيقَى تَأْتِي مِنَ الْقَرْيَةِ.
طُبُولٌ ذَاتُ صَوْتٍ يُشْبِهُ نَبَضَاتِ قَلْبٍ كَبِيرٍ،
وَأَصْوَاتٌ نِسَائِيَّةٌ تَتَشَابَكُ فِي أَنْمَاطٍ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ قَبْلُ.
وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَصْوَاتِ شَيْءٌ يَفْعَلُ فِي صَدْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
لَيْسَ الِانْزِعَاجَ الَّذِي هَيَّأَ نَفْسَهُ لَهُ،
بَلْ شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى مَا يَشْعُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ حِينَ يَرَى مَنْظَرًا لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ،
وَيَعْجِزُ عَنْ تَصْنِيفِهِ فِيمَا يَعْرِفُهُ عَنِ الْجَمَالِ.
جَاءَ مُوسَى الْخَيَّاطُ وَجَلَسَ بِجَانِبِهِ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا فِي الْبِدَايَةِ.
جَلَسَا مَعًا يَنْظُرَانِ إِلَى النَّهْرِ.
ثُمَّ قَالَ مُوسَى:
— أَنْتَ لَا تَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ.
تَنْظُرُ إِلَى مَا فِي رَأْسِكَ.
— وَمَنْ قَالَ لَكَ؟
— الْمَاءُ يَعْكِسُ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ.
وَالَّذِي يَنْظُرُ إِلَى مَا فِي رَأْسِهِ لَا يَرَى انْعِكَاسَهُ.
يَرَى الْمَاءَ فَقَطْ.
تَوَقَّفَ مُوسَى.
ثُمَّ قَالَ:
— مَاذَا تَسْمَعُ مِنَ الْمُوسِيقَى؟
— أَسْمَعُ طَبْلًا وَأَصْوَاتًا.
— أَنَا حِينَ أَسْمَعُهَا، أَسْمَعُ أَسْمَاءَ الْأَجْدَادِ.
كُلُّ إِيقَاعٍ فِيهَا هُوَ اسْمٌ لَمْ يُكْتَبْ.
حِينَ ضُرِبَ الطَّبْلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، كَانَ رَجُلٌ يُخْبِرُ ابْنَهُ أَنَّ الْحَيَاةَ اسْتَمَرَّتْ.
وَحِينَ أَدْخَلْنَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ بَيْنَ الْإِيقَاعَاتِ، أَضَفْنَا اسْمًا جَدِيدًا إِلَى الْأَسْمَاءِ الْقَدِيمَةِ.
لَمْ نَحْذِفِ الْقَدِيمَ.
أَضَفْنَا الْجَدِيدَ فَوْقَهُ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ مُحَاوَلَةَ الْفَهْمِ لَا الْمُجَادَلَةَ:
— لَكِنَّ الْفِقْهَ يَقُولُ…
— الْفِقْهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ إِنْسَانٍ عَامٍّ.
وَأَنَا إِنْسَانٌ هُنَا، عَلَى هَذَا النَّهْرِ،
فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ،
مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَجْدَادِ الَّذِينَ أَحْمِلُهُمْ فِي ذَاكِرَتِي.
وَالْفِقْهُ الْعَامُّ وَالْإِنْسَانُ الْخَاصُّ،
بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لَا يَطْوِي بَعْضَهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ كِلَيْهِمَا.
فِي الصَّبَاحِ،
حَضَرَ إِبْرَاهِيمُ مَرَاسِمَ الْخِتَانِ.
جَلَسَ فِي الْخَلْفِ.
لَمْ يَتَكَلَّمْ.
سَمِعَ.
وَحِينَ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ — بِإِيقَاعَاتِ الطَّبْلِ خَلْفَهَا — شَعَرَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِهِ اسْمٌ لَهُ.
رَآهُ عَلِيٌّ.
فَابْتَسَمَ — ابْتِسَامَةً لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ سَبَقَ أَنْ جَلَسَ فِي ذَلِكَ الْخَلْفِ بِنَفْسِهِ.
بَعْدَ الْمَرَاسِمِ،
قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِعَلِيٍّ:
— أَنَا لَمْ أَرَ إِسْلَامًا هَكَذَا مِنْ قَبْلُ.
— لِأَنَّكَ رَأَيْتَ إِسْلَامَ الْمُدُنِ.
وَنَحْنُ إِسْلَامُ الْغَابَةِ وَالنَّهْرِ.
— وَهَلْ هُمَا نَفْسُ الشَّيْءِ؟
فَكَّرَ عَلِيٌّ.
وَكَانَ مَنْ يَعْرِفُهُ يَعْلَمُ أَنَّ تَفْكِيرَهُ ثَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَادِرُ بِالتَّفْكِيرِ إِلَّا حِينَ يَسْتَحِقُّ السُّؤَالُ.
— الْجَذْرُ وَاحِدٌ.
وَالْأَوْرَاقُ مُخْتَلِفَةٌ.
وَاللَّهُ خَلَقَ الشَّجَرَةَ بِجَذْرِهَا وَأَوْرَاقِهَا مَعًا.
وَلَمْ يَطْلُبْ مِنَّا أَنْ نُقَدِّمَ لَهُ الْجَذْرَ وَحْدَهُ، وَنَحْذِفَ الْأَوْرَاقَ.
— لَكِنَّ بَعْضَ الْأَوْرَاقِ قَدْ تَكُونُ مَرِيضَةً.
قَالَ عَلِيٌّ — وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الِاعْتِرَافَ الَّذِي يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الدِّفَاعِ:
— وَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ أَوْرَاقِ غَيْرِهَا.
وَالطَّبِيبُ الَّذِي يُشَخِّصُ مِنْ بَعِيدٍ يُخْطِئُ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَجْلِسُ وَيَفْحَصُ.
وَالْمِيزَانُ — حَتَّى يَعْمَلَ — يَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَزِنُهُ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ.
غَادَرَ إِبْرَاهِيمُ الْمِصْرِيُّ الْقَرْيَةَ بَعْدَ أُسْبُوعٍ.
وَحَمَلَ مَعَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِهِ.
لَيْسَ حُكْمًا جَدِيدًا،
بَلْ سُؤَالًا جَدِيدًا.
وَكُلُّ مَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يُبَدِّلَ حُكْمًا بِسُؤَالٍ،
خَطَا خُطْوَةً فِي الِاتِّجَاهِ الصَّحِيحِ.
________________________________________
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْأُرُزُّ
________________________________________
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: مَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْسِمِ
جَاوَةُ — قَرْيَةُ «سِيدُوَارْجُو»، سَنَةَ ٨٤١ هِجْرِيَّةً
الْخُضْرَةُ هُنَا لَا تَنْتَهِي.
هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ مَنْ يَأْتِي مِنَ الصَّحْرَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْ مِنَ الْجَبَلِ الْمَغْرِبِيِّ.
الْخُضْرَةُ الَّتِي تَمْلَأُ الْأُفُقَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، حَتَّى يَكَادُ يَظُنُّ أَنَّ الْأَرْضَ نَفْسَهَا تَتَنَفَّسُ،
وَأَنَّ هَذَا التَّنَفُّسَ هُوَ الَّذِي يُبْقِيهَا خَضْرَاءَ.
كَانَتْ «سِيدُوَارْجُو» قَرْيَةً فِي حُقُولِ الْأُرُزِّ.
لَا فَصْلَ وَاضِحًا فِيهَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
كِلَاهُمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
فِي الْمَاءِ الَّذِي يَعْكِسُ السَّمَاءَ دَاخِلَ حُقُولِ الْأُرُزِّ.
وَفِي الضَّبَابِ الصَّبَاحِيِّ الَّذِي يَجْعَلُ الْجِبَالَ الْبَعِيدَةَ تَبْدُو كَأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ فِي الْهَوَاءِ.
وَفِي تِلْكَ الْحُمْرَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي تَصْبُغُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ مَعًا حِينَ يَغْرُبُ الْقَمَرُ وَيَأْتِي الْفَجْرُ.
كَانَ سُوكَارْنُو — الْفَلَّاحُ الْعَادِيُّ،
سُوكارْنُو الفَلّاحُ — والاسمُ يَتَوارَثُ هُنا كَما تَتَوارَثُ الأَرْضُ، لا عَلاقَةَ لَهُ بِأَحَدٍ في كُتُبِ التَّارِيخِ — كانَ يُعِدُّ لِمَراسِمِ السَّلاماتانِ.
الْوَلِيمَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الْجِيرَانَ عِنْدَ كُلِّ مُنَاسَبَةٍ:
وِلَادَةٍ،
وَوَفَاةٍ،
وَبِدَايَةِ حَصَادٍ،
وَانْتِقَالِ بَيْتٍ.
وَفِيهَا تِلَاوَةٌ قُرْآنِيَّةٌ.
وَفِيهَا أَيْضًا طُقُوسٌ جَاوِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، عُمْرُهَا أَطْوَلُ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ.
لَيْسَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فَشِلَ فِي مَحْوِهَا.
بَلْ لِأَنَّهُ اخْتَارَ — أَوِ اخْتَارَتْ قُلُوبُ النَّاسِ — أَنْ تُضَمَّ، لَا أَنْ تُمْحَى.
جَاءَ الدَّاعِيَةُ مِنْ سُورَابَايَا.
اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
تَعَلَّمَ فِي مَكَّةَ سِتَّ سَنَوَاتٍ.
يَرَى مَا تَعَلَّمَ أَنْ يَرَاهُ.
لَمْ تَكُنِ الْمُوَاجَهَةُ صَاخِبَةً.
الْمُوَاجَهَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ نَادِرًا مَا تَكُونُ كَذَلِكَ.
فَالصَّاخِبُ مِنْهَا هُوَ الَّذِي لَا يَصِلُ.
وَالْهَادِئُ هُوَ الَّذِي يَتْرُكُ أَثَرًا.
جَلَسَا فِي الصَّبَاحِ.
وَبِجَانِبِهِمَا هَاشِمٌ — الرَّجُلُ الَّذِي حَجَّ إِلَى مَكَّةَ، وَعَادَ وَلَمْ يَعُدْ يَرَى نَفْسَهُ كَمَا كَانَ يَرَاهَا.
غَيَّرَتْهُ مَكَّةُ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَمْحُ مَنْ كَانَ قَبْلَهَا.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
— «السَّلَامَاتَانْ» فِيهَا عَنَاصِرُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ الْجَاوِيَّةِ.
يَجِبُ أَنْ تُنَقَّى.
نَظَرَ إِلَيْهِ سُوكَارْنُو بِهُدُوءِ رَجُلٍ وَجَدَ أَنَّ الْهُدُوءَ أَقْوَى مِنَ الِانْفِعَالِ.
وَلَعَلَّ الْأَرْضَ الَّتِي يَزْرَعُهَا كُلَّ يَوْمٍ عَلَّمَتْهُ هَذَا.
— مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تُنَقِّيَ؟
— الطُّقُوسَ غَيْرَ الْإِسْلَامِيَّةِ.
— وَمَا الطُّقُوسُ الْإِسْلَامِيَّةُ الصَّافِيَةُ؟
— مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ سُوكَارْنُو:
— الْقُرْآنُ يَأْمُرُ بِالتَّعَاوُنِ وَالْكَرَمِ وَالذِّكْرِ.
وَ«السَّلَامَاتَانْ» فِيهَا تَعَاوُنٌ.
الْجِيرَانُ يَأْتُونَ وَيُسَاعِدُونَ بِلَا طَلَبٍ.
وَفِيهَا كَرَمٌ.
نُطْعِمُ مَنْ لَا يَجِدُ.
وَفِيهَا ذِكْرٌ.
نَتْلُو الْقُرْآنَ وَنُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ:
— مَا هُوَ بِالضَّبْطِ الَّذِي تُرِيدُ إِزَالَتَهُ؟
أَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى أَشْيَاءَ:
طَرِيقَةِ وَضْعِ الْأَطْبَاقِ،
وَبَعْضِ الْأَقْوَالِ الْمَأْثُورَةِ الْجَاوِيَّةِ،
وَبَعْضِ الْإِيمَاءَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ.
قَالَ سُوكَارْنُو:
— هَذِهِ عَادَاتٌ، لَا عِبَادَةٌ.
وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُهَا — لَوْ وُجِدَ — فَقَدْ أَخْطَأَ.
لَكِنَّ التَّوَارُثَ الثَّقَافِيَّ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ عِبَادَةً.
أَنْتَ تَتَعَلَّمُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَعَلَّمْتَهَا.
وَهَذَا أَيْضًا تَوَارُثٌ.
الْفَرْقُ لَيْسَ فِي أَنَّ شَيْئًا يُتَوَارَثُ.
الْفَرْقُ فِيمَا يَعْنِيهِ التَّوَارُثُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَحْمِلُونَهُ.
قَالَ هَاشِمٌ — بِالصَّوْتِ الْهَادِئِ لِمَنْ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ قَبْلَ الْآخَرِ:
— أَنَا رَأَيْتُ مَكَّةَ.
وَأَحْبَبْتُ إِسْلَامَهَا — وَلَا أَكْذِبُ.
لَكِنَّنِي حِينَ عُدْتُ، أَحْبَبْتُ إِسْلَامَنَا هُنَا أَيْضًا.
لَيْسَ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
بَلْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعِيشُ فِي أَرْضِهِ وَزَمَانِهِ.
وَالَّذِي يَعِيشُ فِي أَرْضِهِ وَزَمَانِهِ لَيْسَ أَقَلَّ حَقِيقِيَّةً مِمَّنْ يَعِيشُ فِي أَرْضٍ أُخْرَى.
— لَكِنَّ الْإِسْلَامَ وَاحِدٌ.
— الْإِيمَانُ وَاحِدٌ.
وَالشَّعَائِرُ الْأَسَاسِيَّةُ وَاحِدَةٌ.
وَاللَّهُ وَاحِدٌ.
لَكِنَّ طَرِيقَةَ الْإِنْسَانِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذَا الْوَاحِدِ تَتَشَكَّلُ بِمَا حَوْلَهُ.
بِلُغَتِهِ.
وَبِأَرْضِهِ.
وَبِتَارِيخِ قَلْبِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ ضَعْفًا فِي الْإِيمَانِ.
هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَدْخُلُ الْقُلُوبَ كَمَا هِيَ، لَا كَمَا يُرِيدُ مَنْ يُبَلِّغُهُ.
صَمَتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَكَانَ فِي صَمْتِهِ ذَلِكَ الِاضْطِرَابُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يُرَى عَلَى الْوَجْهِ، لَكِنَّهُ يُحَسُّ فِي الْهَوَاءِ.
اضْطِرَابُ مَنْ لَا يَجِدُ رَدًّا؛ لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ، بَلْ لِأَنَّ مَا يَعْرِفُهُ لَا يَكْفِي لِهَذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ.
وَفِي النِّهَايَةِ قَالَ:
— سَأُفَكِّرُ فِي مَا قُلْتُمُوهُ.
قَالَ سُوكَارْنُو — وَكَانَ فِي كَلَامِهِ ذَلِكَ التَّوَاضُعُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الِاسْتِسْلَامَ:
— وَأَنَا سَأَسْمَعُ مَا سَتَقُولُهُ.
لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّ فِي مَا تَعَلَّمْتَهُ أَشْيَاءَ لَا أَعْرِفُهَا.
الْفَرْقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ لَيْسَ أَنَّ أَحَدَنَا يَعْرِفُ وَالْآخَرُ لَا يَعْرِفُ.
الْفَرْقُ أَنَّ مَا أَعْرِفُهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ.
وَمَا تَعْرِفُهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ.
وَنَحْنُ نَحْتَاجُ إِلَى الِاثْنَيْنِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الدَّوَرَانُ
________________________________________
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: مَا يَبْقَى حِينَ يَتَوَقَّفُ كُلُّ شَيْءٍ
قُونِيَةُ — الْأَنَاضُولُ، الْقَرْنُ التَّاسِعُ الْهِجْرِيُّ- بَعْدَ قُرُونٍ مِنْ رُومِيٍّ
قُونِيَةُ مَدِينَةٌ تَعِيشُ فِي الزَّمَنِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ بَقِيَّةِ الْمُدُنِ.
فِي الْمُدُنِ الْعَادِيَّةِ، يَمْضِي الزَّمَنُ أُفُقِيًّا — مِنْ حَدَثٍ إِلَى حَدَثٍ، وَمِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ.
أَمَّا فِي قُونِيَةَ — أَوْ هَكَذَا يَشْعُرُ مَنْ يَجْلِسُ فِي التَّكِيَّةِ حِينَ يَبْدَأُ الدَّرَاوِيشُ بِالدَّوَرَانِ — فَإِنَّ الزَّمَنَ يَمْضِي عَمُودِيًّا.
يَذْهَبُ نَحْوَ الْأَعْلَى أَوْ نَحْوَ الْأَعْمَقِ.
لَكِنَّهُ لَا يَمْضِي إِلَى الْأَمَامِ.
يَذْهَبُ إِلَى دَاخِلِ الشَّيْءِ، لَا إِلَى مَا بَعْدَهُ.
كَانَ نُعْمَانُ الدَّرْوِيشُ — رَجُلًا فِي الْخَمْسِينَ، لِحْيَتُهُ بَيْضَاءُ، ابْيِضَاضًا نَظِيفًا لَا شَيْخُوخَةَ فِيهِ،
يَدُورُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً — يُعِدُّ لِحَفْلَةِ السَّمَاعِ.
وَجَاءَ الْفَقِيهُ مِنْ إِسْطَنْبُولَ.
اسْمُهُ يُوسُفُ.
لَيْسَ قَاسِيًا وَلَا مُتَشَدِّدًا.
بَلْ هُوَ رَجُلٌ يَطْرَحُ أَسْئِلَةً حَقِيقِيَّةً بِطَرِيقَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ نَادِرَةٌ.
فِي الْفِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ لِلتَّكِيَّةِ، حَيْثُ الْأَرْضُ مَفْرُوشَةٌ بِالْحَصِيرِ الْأَصْفَرِ، وَالْجُدْرَانُ مُزَيَّنَةٌ بِخَطٍّ عَرَبِيٍّ يَبْدُو كَأَنَّهُ نَهْرٌ مُتَجَمِّدٌ، جَلَسَا.
— مَا الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ حِينَ تَدُورُ؟
تَوَقَّفَ نُعْمَانُ.
وَكَانَ هَذَا التَّوَقُّفُ نَفْسُهُ إِجَابَةً.
لِأَنَّ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَنِ الدَّوَرَانِ لِيُجِيبَ يَعْنِي أَنَّ السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ التَّوَقُّفَ.
— أَشْعُرُ أَنَّنِي أَصْغَرُ مِنْ نَفْسِي.
— مَاذَا تَعْنِي؟
— أَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا أَحْمِلُهُ مِنْ أَفْكَارٍ، وَأَحْكَامٍ، وَخَوْفٍ، وَغُرُورٍ، يَذْهَبُ.
وَيَبْقَى شَيْءٌ.
لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ.
لَكِنَّهُ يُشْبِهُ مَا قَبْلَ الْكَلَامِ.
تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْقَلْبُ حَاضِرًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْكَلَامُ لِيَصِفَهُ وَيُضَيِّقَهُ.
— وَهَلْ هَذَا إِسْلَامٌ؟
قَالَ نُعْمَانُ:
— الْإِسْلَامُ يَعْنِي الِاسْتِسْلَامَ.
وَحِينَ تَدُورُ، لَا تَسْتَطِيعُ إِلَّا الِاسْتِسْلَامَ:
لِلدَّوَرَانِ،
وَلِلْجَاذِبِيَّةِ،
وَلِلْمُوسِيقَى.
وَفِي النِّهَايَةِ،
لِشَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْكَ، كَانَ هُنَاكَ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ.
— الِاسْتِسْلَامُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا.
— بِالتَّأْكِيدِ.
وَهَذَا لَيْسَ بَدَلًا مِنَ الصَّلَاةِ.
هُوَ لُغَةٌ أُخْرَى لِنَفْسِ الْمَعْنَى.
وَاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ اللُّغَاتِ لَمْ يَقُلْ إِنَّ لُغَةً وَاحِدَةً تَكْفِيهِ، وَمَا عَدَاهَا يَضِيعُ فِي الْهَوَاءِ.
كَانَ يُوسُفُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ:
«لَكِنَّ الْفِقْهَ…»
وَيُوقِفُهُ كُلَّ مَرَّةٍ شَيْءٌ لَيْسَ جُبْنًا، بَلْ حَذَرًا.
حَذَرُ مَنْ يَحِسُّ أَنَّهُ عَلَى حَافَّةِ فَهْمٍ جَدِيدٍ، وَيَخْشَى أَنْ يُسْرِعَ فَيَسْقُطَ.
قَالَ أَخِيرًا:
— أَنَا لَا أَفْهَمُ هَذَا تَمَامًا.
قَالَ نُعْمَانُ:
— وَأَنَا لَا أَفْهَمُ كَيْفَ تُنَظَّمُ الصَّلَاةُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ الدَّقِيقِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ.
لَكِنَّنِي أَرَى فِيهَا جَمَالًا لَا أُنْكِرُهُ.
وَإِذَا أَنْكَرْتَ أَنْتَ مَا أَفْعَلُهُ، فَرُبَّمَا كَانَ السَّبَبُ أَنَّنَا نَصِلُ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِلَى نَفْسِ الِاتِّجَاهِ.
وَالِاتِّجَاهُ يَجْمَعُنَا،
حَتَّى حِينَ يَخْتَلِفُ الطَّرِيقُ.
ثُمَّ، بَعْدَ صَمْتٍ:
— هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَدُورَ؟
— أَنَا؟
— نَعَمْ.
مَرَّةً وَاحِدَةً.
لَا لِتُصْبِحَ دَرْوِيشًا.
بَلْ لِتَفْهَمَ مَا أَعْجِزُ عَنْ شَرْحِهِ.
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى الْفِنَاءِ الْفَارِغِ.
ثُمَّ إِلَى نُعْمَانَ.
فَقَامَ.
وَجَرَّبَ.
لَمْ يَكُنِ الدَّوَرَانُ كَمَا تَخَيَّلَ.
لَمْ يَكُنْ فِيهِ خُشُوعٌ فَوْرِيٌّ، وَلَا إِضَاءَةٌ رُوحِيَّةٌ.
كَانَ فِي الْبِدَايَةِ مُجَرَّدَ دُوَارٍ، وَخَوْفٍ مِنَ السُّقُوطِ.
لَكِنْ، فِي لَحْظَةٍ مَا، بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي كَيْفَ يَدُورُ، وَبَدَأَ فَقَطْ يَدُورُ، حَدَثَ شَيْءٌ.
لَمْ يَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ.
وَحِينَ تَوَقَّفَ، وَنَظَرَ إِلَى نُعْمَانَ الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُهُ بِصَمْتٍ، قَالَ يُوسُفُ:
— الْآنَ فَهِمْتُ أَنَّنِي لَا أَفْهَمُ.
وَهَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ أَفْهَمُ فِيهَا ذَلِكَ بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ.
ابْتَسَمَ نُعْمَانُ.
— هَذَا، يَا صَدِيقِي، هُوَ بِدَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: الطِّينُ
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَقْدَمُ مِنَ السَّجَّادَةِ
مِصْرُ — الرِّيفُ الْمِصْرِيُّ، الْقَرْنُ الثَّانِي عَشَرَ الْهِجْرِيُّ
الشَّمْسُ فِي مِصْرَ الرِّيفِيَّةِ لَا تُشْبِهُ شَمْسَ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ.
لَيْسَتْ فَقَطْ حَارَّةً أَوْ سَاطِعَةً.
هِيَ ثَقِيلَةٌ — ثِقْلٌ لَا يُحَسُّ إِلَّا حِينَ تَقِفُ تَحْتَهَا فِي الْحَقْلِ،
وَتَشْعُرُ أَنَّهَا تَضْغَطُ عَلَيْكَ بِكُلِّ وَزْنِهَا، كَمَا تَضْغَطُ الْأَرْضُ عَلَى الْبَذْرَةِ.
لَكِنَّهَا، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ،
ذَهَبِيَّةٌ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ الْحَقْلَ يَبْدُو كَأَنَّهُ صُنِعَ لِلنَّظَرِ، لَا لِلْحَصَادِ.
كَانَ حَمُّودُ الْفَلَّاحُ — وَالِاسْمُ يُتَوَارَثُ كَمَا تُتَوَارَثُ الْأَرْضُ،
كَأَنَّ الِاسْمَ وَالْأَرْضَ شَيْءٌ وَاحِدٌ تُوَرِّثُهُ كُلُّ أُمٍّ لِابْنِهَا — يَحْصُدُ قَمْحَهُ.
وَحِينَ جَاءَ وَقْتُ الْعَصْرِ، تَوَقَّفَ.
وَضَعَ الْمِنْجَلَ — بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَقُّفَ لَيْسَ انْقِطَاعًا،
بَلِ اسْتِكْمَالٌ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى.
وَاتَّجَهَ نَحْوَ الشَّمَالِ.
لَمْ تَكُنْ مَعَهُ سَجَّادَةٌ.
وَلَا مَاءٌ لِلْوُضُوءِ.
فَتَيَمَّمَ — بِضَرْبَتَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ الْجَافَّةِ — لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ،
وَأَنَّ الدِّينَ لَمْ يَأْتِ لِيُعَسِّرَ، بَلْ لِيُيَسِّرَ.
صَلَّى.
رَكَعَ فِي الطِّينِ.
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَطَأً.
وَلَمْ يَكُنْ تَقْصِيرًا.
بَلْ كَانَ إِنْسَانًا يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ الْمُتَاحِ بِمَا هُوَ مُتَاحٌ.
مَرَّ بِهِ ابْنُ أَخِيهِ — طَالِبُ عِلْمٍ عَادَ لِتَوِّهِ مِنَ الْأَزْهَرِ،
يَحْمِلُ شَهَادَاتِهِ، وَيَحْمِلُ مَعَهَا تِلْكَ الرَّغْبَةَ الصَّادِقَةَ فِي تَصْحِيحِ مَا يَرَاهُ خَطَأً.
اسْمُهُ أَحْمَدُ.
عُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
عَيْنَاهُ فِيهِمَا ذَلِكَ الْبَرِيقُ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ يَعْرِفُ أَشْيَاءَ وَيُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَهَا أَنْتَ أَيْضًا.
— يَا عَمِّي، الصَّلَاةُ فِي الطِّينِ…
قَالَ حَمُّودُ — دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الْحَصَادِ:
— الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ.
هَذَا مَا عَلَّمَتْنِي إِيَّاهُ أُمِّي.
وَأُمُّهَا عَلَّمَتْهَا.
وَمَا تَعَلَّمْتَهُ فِي الْأَزْهَرِ يُوَافِقُ هَذَا؟
تَرَدَّدَ الشَّابُّ.
— يُوَافِقُ.
لَكِنَّ هُنَاكَ آدَابًا…
— لَكِنَّ؟
— لَكِنَّ هُنَاكَ آدَابًا يَنْبَغِي…
قَالَ حَمُّودٌ، وَهُوَ يُوَاصِلُ الْحَصَادَ:
— الْأَدَبُ أَنْ تُصَلِّيَ حِينَ يُنَادَى.
وَأَنْ تُكْمِلَ مَا بَدَأْتَ.
وَاللَّهُ يَعْرِفُ قَلْبِي أَكْثَرَ مِمَّا أَعْرِفُهُ أَنَا.
فَإِذَا كَانَ فِي قَلْبِي خَيْرٌ، فَسَتُقْبَلُ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ، فَلَنْ تُنْقِذَنِيَ السَّجَّادَةُ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ:
— اذْهَبْ إِلَى الْأَزْهَرِ وَتَعَلَّمِ الْآدَابَ.
وَلَا تَنْسَ أَنَّ الْأَدَبَ الْأَوَّلَ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ مَتَى تَتَكَلَّمُ، وَمَتَى تَسْمَعُ.
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ،
جَلَسَ أَحْمَدُ مَعَ شَيْخٍ مُسِنٍّ فِي الْقَرْيَةِ — عَمِّهِ الْآخَرِ، مَحْمُودٍ،
الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْأَزْهَرِ قَطُّ، لَكِنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إِلَيْهِ حِينَ يَحْتَاجُونَ حُكْمًا.
قَالَ أَحْمَدُ:
— أَنَا تَعَلَّمْتُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً.
لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْرَحَ لِعَمِّي حَمُّودٍ لِمَاذَا مَا تَعَلَّمْتُهُ أَهَمُّ مِمَّا يَعْرِفُهُ هُوَ.
قَالَ الشَّيْخُ مَحْمُودٌ:
— لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهَمَّ.
هُوَ مُخْتَلِفٌ.
وَلِلِاخْتِلَافِ اسْتِخْدَامَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ.
— مَاذَا تَعْنِي؟
— مَا تَعَلَّمْتَهُ أَنْتَ فِي الْأَزْهَرِ هُوَ لِمَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِمَنْ يُعَلِّمُ، وَلِمَنْ يُفْتِي.
أَمَّا مَا يَعْرِفُهُ حَمُّودٌ فَهُوَ لِمَنْ يَعِيشُ.
وَالْأَوَّلُ بِغَيْرِ الثَّانِي عِلْمٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ.
وَالثَّانِي بِغَيْرِ الْأَوَّلِ حَيَاةٌ بِلَا بُوصَلَةٍ.
لَكِنَّ الْخَطَأَ لَيْسَ فِي الِاثْنَيْنِ.
الْخَطَأُ فِي مَنْ يَظُنُّ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكْفِي وَحْدَهُ.
صَمَتَ أَحْمَدُ.
ثُمَّ قَالَ:
— أَنَا ذَهَبْتُ لِأُعَلِّمَ.
وَيَبْدُو أَنَّنِي عُدْتُ لِأَتَعَلَّمَ.
— هَذَا، يَا ابْنَ أَخِي، هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ: الْمَجْلِسُ
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي مَكَانٍ لَا تَعْرِفُهُ خَرِيطَةٌ
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَا فِي مَدِينَةٍ تَجِدُهُ عَلَى خَرِيطَةٍ.
فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مَنْ فَرَّقَهُمُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ حِينَ يَسْتَدْعِيهِمْ سُؤَالٌ وَاحِدٌ كَبِيرٌ.
اجْتَمَعُوا.
تَافُكَنْتُ الْبَرْبَرِيَّةُ الَّتِي حَفِظَتِ الْقُرْآنَ بِلَهْجَتِهَا.
وَعَلِيٌّ شَيْخُ الْقَرْيَةِ السَّنْغَالِيَّةِ.
وَسُوكَارْنُو الْفَلَّاحُ الْجَاوِيُّ.
وَنُعْمَانُ الدَّرْوِيشُ الْأَنَاضُولِيُّ.
وَحَمُّودُ الْفَلَّاحُ الْمِصْرِيُّ.
وَأَمِينَةُ الْخَبَّازَةُ الَّتِي خَبَزَتْ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَلَمْ تَسْأَلْ أَحَدًا عَنْ مَذْهَبِهِ.
وَضِرَارُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْحَارِسُ الْقَدِيمُ الَّذِي كَانَ يَعِيشُ الْإِسْلَامَ فِي خُطُوَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ.
وَبِجَانِبِهِمْ — لِلْمَرَّةِ الْأُولَى — الْعُلَمَاءُ يَسْتَمِعُونَ لَا يَتَكَلَّمُونَ.
وَفِي الزَّاوِيَةِ — مُسْتَمِعًا لَا مُتَكَلِّمًا — أَبُو حَنِيفَةَ.
قَالَتْ تَافُكَنْتُ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا قَرَأَهُ الْعُلَمَاءُ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ أُمِّي.
— مَا هُوَ؟
— اللَّهُ قَرِيبٌ.
لَا يَحْتَاجُ إِلَى وَسِيطٍ.
وَهَذَا مَا عَلَّمَنَاهُ الْإِسْلَامُ حِينَ جَاءَنَا.
الْقُرْبُ كَانَ الرِّسَالَةَ.
وَمَا بَقِيَ مِنَ الرِّسَالَةِ فِي قُلُوبِنَا هُوَ هَذَا الْقُرْبُ.
قَالَ عَلِيٌّ:
— وَعِنْدَنَا فِي السَّنْغَالِ قُلْنَا دَائِمًا:
الْإِسْلَامُ جَاءَ يُكَمِّلُ لَا يُلْغِي.
أَكْمَلَ مَا كَانَ صَحِيحًا فِي حَيَاتِنَا، وَغَيَّرَ مَا كَانَ خَطَأً.
وَالَّذِي يُكَمِّلُ أَقْوَى مِمَّنْ يَهْدِمُ.
لِأَنَّ الْهَادِمَ يُخَلِّفُ أَنْقَاضًا، وَالْمُكَمِّلَ يُخَلِّفُ بِنَاءً.
قَالَ سُوكَارْنُو:
— وَعِنْدَنَا فِي جَاوَةَ — الْإِسْلَامُ جَاءَ مَعَ التُّجَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِعَدْلٍ.
فَدَخَلَ الْقُلُوبَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ الْجُيُوشُ.
وَلِهَذَا جُذُورُهُ مُخْتَلِفَةٌ.
جُذُورُ مَا دَخَلَ بِالثِّقَةِ تَضْرِبُ أَعْمَقَ مِمَّا دَخَلَ بِالْقُوَّةِ.
قَالَ نُعْمَانُ الدَّرْوِيشُ:
— وَعِنْدَنَا فِي الْأَنَاضُولِ — الْإِسْلَامُ كَانَ دَائِمًا أَكْبَرَ مِنَ الْفِقْهِ.
الْفِقْهُ جُزْءٌ مِنْهُ.
وَالْمُوسِيقَى جُزْءٌ.
وَالشِّعْرُ جُزْءٌ.
وَالدَّوَرَانُ جُزْءٌ.
وَكُلُّ مَا يُقَرِّبُ الْقَلْبَ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ.
وَمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْجُزْءَ الْوَحِيدَ يَمْلِكُ بَعْضَ الصُّورَةِ لَا كُلَّهَا.
قَالَ حَمُّودُ:
— وَعِنْدَنَا فِي الرِّيفِ — الْإِسْلَامُ هُوَ مَا نَعِيشُهُ.
الصُّبْحُ وَالْمَسَاءُ،
وَالْحَصَادُ وَالْمَطَرُ.
لَيْسَ فَقَطْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
وَلَا فَقَطْ حِينَ يَحْضُرُ الْفَقِيهُ.
اللَّهُ حَاضِرٌ فِي الطِّينِ كَمَا هُوَ حَاضِرٌ فِي الْمَسْجِدِ.
وَمَنْ لَا يَرَاهُ هُنَاكَ أَشُكُّ أَنَّهُ يَرَاهُ هُنَا.
قَالَتْ أَمِينَةُ الْخَبَّازَةُ:
— أَنَا خَبَزْتُ فِي كُلِّ عَصْرٍ.
وَفِي كُلِّ عَصْرٍ كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ جِيَاعًا.
وَحِينَ أَطْعَمْتُهُمْ لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ عَنْ مَذْهَبِي.
وَأَنَا لَمْ أَسْأَلْ أَحَدًا.
ثُمَّ:
— وَكُنْتُ دَائِمًا أُفَكُرُ: هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي أَعْرِفُهُ.
إِطْعَامُ الْجَائِعِ.
هَذَا فِي الْقُرْآنِ.
وَأَنَا أَفْعَلُهُ.
وَبَيْنَ النَّصِّ وَالْفِعْلِ لَمْ أَحْتَجْ وَسِيطًا.
قَالَ ضِرَارُ بْنُ الْأَسْوَدِ:
— أَنَا كُنْتُ حَارِسًا.
وَحِينَ كُنْتُ أَحْرُسُ الْمَسْجِدَ كُنْتُ أَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ.
الْفُقَهَاءُ يَتَجَادَلُونَ، وَالْعَامَّةُ يَتَعَبَّدُونَ.
وَالْعَامَّةُ — فِي رَأْيِي — كَانُوا أَحْيَانًا أَقْرَبَ.
— لِمَاذَا؟
— لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ مَا يُثْبِتُونَهُ.
الْفَقِيهُ أَحْيَانًا يَتَكَلَّمُ لِيُثْبِتَ أَنَّهُ يَعْلَمُ.
وَالْفَلَّاحُ يَتَكَلَّمُ مَعَ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ.
وَالْحَاجَةُ أَصْدَقُ مِنَ الْإِثْبَاتِ.
لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكْذِبَ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ — الَّذِي كَانَ يَسْتَمِعُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَكَلَّمُ:
— أَنَا بَنَيْتُ الْفِقْهَ لِلنَّاسِ.
وَأَظُنُّ أَنَّنِي فَهِمْتُ ذَلِكَ.
لَكِنِّي أَرَى الْآنَ أَنَّ بَعْضَ مَا بَنَيْتُهُ…
تَوَقَّفَ:
— لَمْ يَصِلْهُمْ.
وَصَلَتِ الْأَحْكَامُ.
لَكِنَّ الرُّوحَ الَّتِي بُنِيَتْ بِهَا تِلْكَ الْأَحْكَامُ — رُوحُ الْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْوَاقِعِيَّةِ — ضَاعَتْ أَحْيَانًا فِي الطَّرِيقِ.
وَمَا ضَاعَ فِي الطَّرِيقِ هُوَ بِالضَّبْطِ مَا كَانَ يَجْعَلُ الْأَحْكَامَ حَيَّةً.
قَالَتْ تَافُكَنْتُ:
— وَلَمْ تَضِعْ عِنْدَنَا.
لِأَنَّنَا لَمْ نَأْخُذْهَا مِنَ الْكُتُبِ.
أَخَذْنَاهَا مِنَ الْحَيَاةِ.
وَالْحَيَاةُ لَا تُضِيعُ رُوحَ مَا تَحْمِلُهُ.
تُضِيعُ أَحْيَانًا الشَّكْلَ، وَتَحْفَظُ الْجَوْهَرَ.
قَالَتْ سَارَةُ — الْفَقِيهَةُ الْمُعَاصِرَةُ — وَكَانَتْ تَجْلِسُ فِي مَوْضِعِ الْمُسْتَمِعَةِ لَا الْمُتَكَلِّمَةِ:
— هَذَا الْمَجْلِسُ يَطْرَحُ عَلَيْنَا سُؤَالًا صَعْبًا:
“مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ تَعْرِيفِ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ؟
الْعَالِمُ الَّذِي دَرَسَ عِشْرِينَ سَنَةً؟
أَمِ الْفَلَّاحُ الَّذِي عَاشَهُ عِشْرِينَ جِيلًا؟”
صَمْتٌ.
ثُمَّ:
— الْجَوَابُ الصَّادِقُ: لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ وَحْدَهُ.
— فَمَنْ؟
— الْحِوَارُ بَيْنَهُمَا.
الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَسْمَعُ الْحَيَاةَ يَصِيرُ جَافًّا.
يَصِيرُ كِتَابًا مَكْتُوبًا بِلَا أَحَدٍ يَقْرَؤُهُ.
وَالْحَيَاةُ الَّتِي لَا تَسْمَعُ الْعِلْمَ قَدْ تَضِلُّ.
تَصِيرُ نِيَّةً حَسَنَةً بِلَا بُوصَلَةٍ.
لَكِنْ حِينَ يَتَكَلَّمَانِ مَعًا — يُصَحِّحُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ.
وَالدِّينُ الَّذِي يَتَحَمَّلُ هَذَا التَّصْحِيحَ الْمُتَبَادَلَ — دِينٌ حَيٌّ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ: الْبِذْرَةُ
الْفَصْلُ السَّابِعُ: مَا تَتْرُكُهُ الْأَرْضُ فِي مَنْ يَزْرَعُهَا
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ،
تَكَلَّمَ حَمُّودُ الْفَلَّاحُ — وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا طَوِيلًا.
مَنْ يَعِيشُ فِي الصَّمْتِ كَثِيرًا، حِينَ يَتَكَلَّمُ، يَكُونُ كَلَامُهُ مِنَ الَّذِي رَسَّبَهُ الزَّمَنُ لَا مِنَ الَّذِي تَحْمِلُهُ الرِّيحُ.
— أَنَا رَجُلٌ بَسِيطٌ.
مَا أَعْرِفُهُ قَلِيلٌ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا أَثِقُ بِهِ.
— مَا هُوَ؟
— أَعْرِفُ مَتَى تَكُونُ الْأَرْضُ جَيِّدَةً وَتَسْتَحِقُّ الْبَذْرَ.
وَأَعْرِفُ مَتَى تَكُونُ جَافَّةً لَا تُنْبِتُ.
ثُمَّ:
— وَالإِسْلَامُ مِثْلُ الماءِ وَ الضَّوْءِ.
تَجِدهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ، لَكِنَّ الْكَيْفِيَّةَ تَخْتَلِفُ.
فِي الطِّينِ تَخْتَلِفُ عَنِ الرَّمْلِ.
وَفِي الْجَبَلِ تَخْتَلِفُ عَنِ السَّهْلِ.
وَالْمُهِمُّ أَنَّهُ مَوجُودٌ.
كَمَا لَيْسَ الْمُهِمُّ أَنْ تَتَشَابَهَ الثِّمَارُ فِي كُلِّ أَرْضٍ.
التَّطَابُقُ لَيْسَ صِحَّةً — أَحْيَانًا يَعْنِي أَنَّ شَيْئًا صَنَعَتْهُ الْيَدُ لَا الطَّبِيعَةُ.
نَظَرَ إِلَى الْفُقَهَاءِ:
— وَأَنْتُمْ — بِعِلْمِكُمْ — مُهِمَّتُكُمْ أَنْ تَتَأَكَّدُوا أَنَّ مَا يُنْبِتُ قَمْحٌ لَا شَوْكٌ.
لَا أَنْ تُقَرِّرُوا كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ تَبْدُوَ حَبَّةُ الْقَمْحِ فِي كُلِّ أَرْضٍ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الِاعْتِرَافَ الْهَادِئَ:
— هَذَا الْكَلَامُ أَحْكَمُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَتَبْتُهُ.
قَالَ حَمُّودٌ:
— لِأَنَّهُ مِنَ الْأَرْضِ.
وَالْأَرْضُ لَا تَكْذِبُ.
وَمَا لَا يَكْذِبُ لَا يَحْتَاجُ زُخْرُفَةً.
وَفِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ، جَلَسَ الْعَالِمُ الْأَزْهَرِيُّ مَعَ الْفَلَّاحِ الْمِصْرِيِّ.
وَجَلَسَ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ مَعَ الدَّرْوِيشِ الْأَنَاضُولِيِّ.
وَجَلَسُوا مَعًا مَعَ الْبَرْبَرِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ الْقُرْآنَ بِلَهْجَتِهَا،
وَمَعَ السَّنْغَالِيِّ الَّذِي يُصَلِّي بِإِيقَاعَاتٍ أَفْرِيقِيَّةٍ،
وَمَعَ الْجَاوِيِّ الَّذِي يَرَى فِي “سِيدُوَارْجُو” إِسْلَامًا وَجَاوَةً مَعًا.
لَمْ يُلْغِ أَحَدٌ أَحَدًا.
لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّهُ يَمْلِكُ الصُّورَةَ كَامِلَةً.
لَكِنَّهُمْ رَأَوْا مَعًا شَيْئًا:
“أَنَّ الْإِسْلَامَ — حِينَ يَصِلُ إِلَى قَلْبٍ بَشَرِيٍّ — يَأْخُذُ لَوْنَ ذَلِكَ الْقَلْبِ قَلِيلًا، وَلُغَةَ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ،
وَإِيقَاعَ أَرْضِهِ.
وَهَذَا لَا يُفْسِدُهُ، بَلْ يُثْرِيهِ”.
لِأَنَّ اللَّهَ — حِينَ خَلَقَ النَّاسَ مُخْتَلِفِينَ — لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يُلْغُوا اخْتِلَافَهُمْ لِيَصِلُوا إِلَيْهِ.
كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: صِلُوا إِلَيَّ كَمَا أَنْتُمْ.
وَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَسْمَعُ كُلَّ لُغَةٍ.
الْخَاتِمَةُ: رِسَالَةٌ لَمْ تُكْتَبْ
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: مَا تَتْرُكُهُ الْحَيَاةُ فِي مَنْ يَعِيشُهَا
مَكَانٌ لَا اسْمَ لَهُ — خَارِجُ الزَّمَنِ.
فِي النِّهَايَةِ، حِينَ انْتَهَى الْكَلَامُ وَجَاءَ ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَكُونُ أَعْمَقَ مِنَ الْكَلَامِ — كَتَبَتْ سَارَةُ الْفَقِيهَةُ الْمُعَاصِرَةُ مَا سَمِعَتْهُ.
لَمْ تَكْتُبْهُ فِي كِتَابِ فِقْهٍ.
كَتَبَتْهُ فِي رِسَالَةٍ إِلَى نَفْسِهَا.
قَالَتْ:
“ذَهَبْتُ أَبْحَثُ عَنِ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ فِي الْكُتُبِ.
وَوَجَدْتُ أَنَّ الْكُتُبَ تَصِفُ الْإِسْلَامَ،
لَكِنَّهَا لَا تَحْمِلُهُ.
الْحَامِلُ هُوَ الْإِنْسَانُ.
وَالْإِنْسَانُ فِي كُلِّ أَرْضٍ يَحْمِلُهُ بِطَرِيقَتِهِ.
وَمَا تَعَلَّمْتُهُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَضَعَهُ فِي فَتْوَى — لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الْفَتْوَى.
وَلَا فِي كِتَابٍ — لِأَنَّهُ أَوْسَعُ مِنْ مَا تَسَعُهُ الصَّفْحَةُ.
مَا تَعَلَّمْتُهُ هُوَ هَذَا:
“أَنَّ الْحَقِيقَةَ حِينَ تُعَاشُ لَا تَحْتَاجُ مَنْ يُثْبِتُهَا.”
وَ”أَنَّ الْإِيمَانَ حِينَ يَدْخُلُ الْقَلْبَ بِإِقْنَاعٍ لَا يَحْتَاجُ مَنْ يَحْرُسُهُ.”
وَ”أَنَّ الدِّينَ الَّذِي يُلَقَّنُ بِالْقُوَّةِ يُفْقَدُ بِزَوَالِ الْقُوَّةِ”.
وَ”الدِّينَ الَّذِي يَدْخُلُ بِالْحَيَاةِ يَبْقَى مَعَ الْحَيَاةِ.”
وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ لَا تَارِيخَ لَهُ، قَرَأَتْ تَافُكَنْتُ الْفَاتِحَةَ.
بِلَهْجَتِهَا الْأَمَازِيغِيَّةِ، بِحَرَارَةِ قَلْبٍ تَعَلَّمَ مِنْ أُمِّهِ.
وَفِي السَّنْغَالِ، أَنْشَدَ عَلِيٌّ الْمَدِيحَ النَّبَوِيَّ بِإِيقَاعَاتِ الطُّبُولِ.
وَفِي جَاوَةَ، أَعَدَّ سُوكَارْنُو “السِّيدُوَارْجُو”.
وَفِي قُونِيَةَ، دَارَ نُعْمَانُ.
وَفِي الْحَقْلِ الْمِصْرِيِّ، رَكَعَ حَمُّودٌ فِي الطِّينِ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ — بِطَرِيقَتِهِ،
فِي أَرْضِهِ،
بِلُغَةِ قَلْبِهِ — كَانَ يَقُولُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ مَسْمُوعًا.
“لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ” — الْمَائِدَةُ: ٤٨
انْتَهَتِ الرِّوَايَةُ
مُلَاحَظَةُ الْكَاتِبِ:
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ تُكْتَبْ لِتُثْبِتَ شَيْئًا.
كُتِبَتْ لِتَسْأَلَ.
وَكُلُّ قَارِئٍ يَجِدُ فِيهَا جَوَابًا مُخْتَلِفًا — هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَرَادَتْ.

الجَارُ الَّذِي لَمْ نَرَهُ