ما قاله الله وما فعل الإنسان

اَلْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ: «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
— اَلْمُلْحَقُ الرَّابِعَ عَشَرَ — الْأَخِيرُ —
«مَا قَالَهُ اللهُ وَمَا فَعَلَ الْإِنْسَانُ»
مُقَارَنَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ بَيْنَ الْمَنْهَجِ الْقُرْآنِيِّ وَمَا أَنْتَجَهُ الْإِنْسَانُ بَعْدَ تَوَقُّفِ الْوَحْيِ
«وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ» النَّحْل: ٨٩
— ١ —
اَلصَّوْتُ الْأَوَّلُ
اَلْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ — اَلسَّنَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ لِلْهِجْرَةِ
لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ ثَقِيلًا هَذَا الصَّبَاحَ.
كَانَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ.
وَقَفَتْ سَلْمَى عِنْدَ عَتَبَةِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ تَحْمِلُ جَرَّةً مِنَ الْمَاءِ، وَأَحَسَّتْ بِشَيْءٍ لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ.
لَمْ تَكُنْ قَدْ سَمِعَتْ بَعْدُ بِالْخَبَرِ.
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدْ أَخْبَرَهَا.
لَكِنَّ الْهَوَاءَ كَانَ مُخْتَلِفًا.
ثُمَّ سَمِعَتِ الصَّوْتَ.
لَمْ يَكُنْ بُكَاءً عَادِيًّا؛
كَانَ كَمَا لَوْ أَنَّ الْمَدِينَةَ بِأَسْرِهَا تَشْهَقُ فِي آنٍ وَاحِدٍ،
كَمَا لَوْ أَنَّ النَّخْلَ أَغْمَضَ عُيُونَهُ،
وَالْحِجَارَةَ اخْتَارَتْ أَنْ تَصْمُتَ إِلَى الْأَبَدِ.
أَسْقَطَتِ الْجَرَّةَ.
كَانَتْ تَعْرِفُ.
قَبْلَ سَاعَاتٍ، فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ، كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقِفُ وَسَيْفُهُ فِي يَدِهِ، وَلِسَانُهُ يَقُولُ مَا لَا يُصَدِّقُهُ قَلْبُهُ:
— مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَاتَ فَسَأَضْرِبُهُ بِسَيْفِي هَذَا.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَمْشِي بِبُطْءٍ نَحْوَ الْجَسَدِ، وَيَرْفَعُ الثَّوْبَ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ لَا مِنَ الْخَوْفِ، بَلْ مِنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الْخَوْفِ.
ثُمَّ يَضَعُهُ بِرِفْقٍ، وَيَلْتَفِتُ إِلَى النَّاسِ بِعُيُونٍ كَأَنَّهَا تَحْمِلُ وَدِيعَةً لَا طَاقَةَ لَهَا بِهَا، وَيَقُولُ:
— مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ،
وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ.
جُمْلَةٌ. مُجَرَّدُ جُمْلَةٍ.
لَكِنَّهَا انْقَسَمَتْ بِهَا الدُّنْيَا.
لَمْ تَفْهَمْ سَلْمَى يَوْمَئِذٍ كُلَّ مَا فِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ.
كَانَتْ فِي الثَّامِنَةَ عَشَرَةَ مِنْ عُمْرِهَا، نَشَأَتْ فِي الْمَدِينَةِ، سَمِعَتِ الْوَحْيَ يَنْزِلُ وَسَمِعَتْهُ يَتَوَقَّفُ، وَرَأَتْ كَيْفَ أَنَّ النَّاسَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ إِلَى أَيْنَ يَسِيرُونَ، بَاتُوا فَجْأَةً يَحْمِلُونَ خَارِطَةً بِلَا دَلِيلٍ.
جَلَسَتْ عِنْدَ عَتَبَةِ الْمَسْجِدِ سَاعَةً طَوِيلَةً.
ثُمَّ قَامَتْ.
وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُهَا النَّاسُ حِينَ لَا يُؤَدُّونَ خُطْبَةً:
— الْآنَ يَبْدَأُ الْإِنْسَانُ.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَمْ كَانَتْ مُحِقَّةً.
— ٢ —
مَجْلِسُ أَبِي حَنِيفَةَ
اَلْكُوفَةُ — اَلْقَرْنُ الثَّانِي الْهِجْرِيُّ
كَانَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ يَغْزِلُ الْقُمَاشَ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّالِبُ.
لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ — الَّذِي سَيُعْرَفُ لَاحِقًا بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ — يُحِبُّ أَنْ يُدَرِّسَ جَالِسًا.
كَانَ يُفَضِّلُ أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ مَشْغُولَتَيْنِ.
قَالَ مَرَّةً لِتِلْمِيذِهِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي لَيْلَى: «اَلْعَقْلُ الْمُجَرَّدُ يَسْرَحُ بَعِيدًا؛ اَلْيَدُ الَّتِي تَعْمَلُ تُرَسِّخُهُ فِي الْأَرْضِ.»
قَالَ الطَّالِبُ:
— يَا أَبَا حَنِيفَةَ، لَقَدْ جِئْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ لِأَسْأَلَكَ مَسْأَلَةً أَرَّقَتْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
— اِجْلِسْ.
— رَجُلٌ وَجَدَ فِي الصَّحْرَاءِ مُسَافِرَيْنِ: مُسْلِمًا وَمَسِيحِيًّا، وَكِلَاهُمَا فِي خَطَرِ الْمَوْتِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَهُمَا مَعًا؛ فَمَنْ يُنْقِذُ؟
تَوَقَّفَتْ يَدَا أَبِي حَنِيفَةَ عَنِ الْغَزْلِ.
نَظَرَ إِلَى الطَّالِبِ نَظْرَةً طَوِيلَةً.
— مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ هَذَا سُؤَالٌ فِقْهِيٌّ؟
— أَوَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
— هُوَ سُؤَالٌ إِنْسَانِيٌّ أَوَّلًا، ثُمَّ هُوَ فِقْهِيٌّ.
وَالَّذِي يَبْدَأُ بِالْجَوَابِ الْفِقْهِيِّ قَبْلَ أَنْ يَشْعُرَ بِالثِّقَلِ الْإِنْسَانِيِّ — هُوَ إِنْسَانٌ نَاقِصٌ وَلَوْ كَانَ فَقِيهًا كَامِلًا.
صَمَتَ.
— وَجَوَابِي: أَنْقِذِ الْأَقْرَبَ إِلَيْكَ، وَالْأَضْعَفَ، وَالْأَكْثَرَ حَاجَةً؛ وَالْإِنْسَانِيَّةُ لَا تَسْأَلُ عَنِ الدِّيَانَةِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
— لَكِنَّ الْفِقْهَ…
— اَلْفِقْهُ يَخْدُمُ الْإِنْسَانَ؛ حِينَ يُصْبِحُ الْفِقْهُ عَائِقًا دُونَ إِنْقَاذِ إِنْسَانٍ — فَالْمُشْكِلَةُ فِيمَنْ يُطَبِّقُ الْفِقْهَ، لَا فِي الْفِقْهِ نَفْسِهِ.
تِلْكَ الْمُحَادَثَةَ رَوَاهَا تِلْمِيذُ أَبِي حَنِيفَةَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ.
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ حَدَثَتْ بِالضَّبْطِ هَكَذَا.
لَكِنَّ زُفَرَ قَالَ: «هَذَا جَوْهَرُ مَا عَلَّمَنَا إِيَّاهُ؛ اَلْحُكْمُ يَخْدُمُ الْمَقْصِدَ، وَالْمَقْصِدُ هُوَ الْإِنْسَانُ.»
لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْرِفُ، وَهُوَ يَغْزِلُ قُمَاشَهُ فِي كُوفَتِهِ، أَنَّ تَلَامِيذَهُ سَيَبْنُونَ مَذْهَبًا يُسَمُّونَهُ الْمَذْهَبَ الْحَنَفِيَّ، وَأَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ سَيُطَبَّقُ قُرُونًا فِي الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَأَنَّ مَسَائِلَ بَسِيطَةً كَأُسْلُوبِ الْغَزْلِ وَطَرِيقَةِ الْجُلُوسِ سَيُفَسَّرُ فِيهَا كَلَامٌ لَمْ يَقُلْهُ.
وَأَنَّ صَاحِبَهُ الْعَظِيمَ الَّذِي قَالَ «أَنْقِذِ الْأَقْرَبَ وَالْأَضْعَفَ» سَيُنْسَبُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا خِطَابٌ لَا يَعْرِفُهُ.
هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الزَّمَنُ بِالْأَفْكَارِ:
يَأْخُذُهَا مِنْ أَصْحَابِهَا.
— ٣ —
اِمْرَأَةٌ فِي الْجَامِعِ
اَلْبَصْرَةُ — مُنْتَصَفُ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَوَقَّعُ أَنْ تَقِفَ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ وَتَتَكَلَّمَ.
كَانَتِ الْمَجَالِسُ فِي الْجَوَامِعِ لِلرِّجَالِ فِي مُعْظَمِهَا.
لَيْسَ بِسَبَبِ نَصٍّ يَمْنَعُ النِّسَاءَ مِنَ الْكَلَامِ، بَلْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْأَثْقَلِ مِنَ النُّصُوصِ: اَلْعَادَةُ.
وَالْعَادَةُ كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ الْمَرْأَةَ تَسْمَعُ وَلَا تُفْتِي.
لَكِنَّ رَابِعَةَ لَمْ تَكُنْ تَقْرَأُ الْأَعْرَافَ بِطَرِيقَةِ الْعَادَةِ.
قَالَتْ يَوْمًا لِشَيْخٍ جَلِيلٍ كَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ عَنْ خَوْفِ اللهِ:
— أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَنَا لَا أَعْبُدُ اللهَ خَوْفًا مِنْ نَارِهِ، وَلَا طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ؛ أَعْبُدُهُ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ.
اِلْتَفَتَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ وَمَنْ حَوْلَهُ.
— هَذَا كَلَامُ مَنْ؟
— كَلَامِي أَنَا.
— وَمَنْ أَنْتِ؟
— اِمْرَأَةٌ، وَهَذَا كَافٍ.
لَمْ تَكُنْ رَابِعَةُ تُؤَسِّسُ مَذْهَبًا؛ كَانَتْ تَعِيشُ سُؤَالًا.
اَلسُّؤَالَ الَّذِي سَيَظَلُّ يُطَارِدُ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ عَلَى مَدَى قُرُونٍ:
هَلِ الدِّينُ مُعَامَلَةٌ — أَدَاءُ شَعَائِرَ مُقَابِلَ ثَوَابٍ، وَتَجَنُّبُ مَعَاصٍ خَشْيَةَ عِقَابٍ — أَمْ هُوَ عَلَاقَةٌ؟
عَلَاقَةٌ بَيْنَ كَائِنٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ نَاقِصٌ وَبَيْنَ مَصْدَرِ كَمَالٍ يُحِبُّهُ ذَلِكَ الْكَائِنُ.
حِينَ سَأَلَهَا تِلْمِيذٌ: «يَا رَابِعَةُ، كَيْفَ نَعْرِفُ أَنَّنَا أَحْبَبْنَا اللهَ حَقًّا؟»
قَالَتْ:
— حِينَ لَا يَعُودُ هُنَاكَ شَيْءٌ تُرِيدُهُ مِنْهُ.
بَعْدَ رَحِيلِهَا، اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تُرَاثِهَا؛
فَبَعْضُهُمْ قَدَّسَهَا حَتَّى كَادَ يَجْعَلَ مِنْهَا وَلِيَّةً فَوْقَ الْبَشَرِ،
وَبَعْضُهُمْ رَفَضَ كَلَامَهَا بِحُجَّةِ أَنَّهُ «خَارِجٌ عَنِ الشَّرِيعَةِ».
وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فَاتَهُ شَيْءٌ:
اَلْأَوَّلُ فَاتَهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ شَيْئًا إِنْسَانِيًّا جِدًّا لَا خَارِقًا؛ كَانَتْ تَقُولُ: أُحِبُّ، كَمَا يُحِبُّ الْإِنْسَانُ.
وَالثَّانِي فَاتَهُ أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي طَرَحَتْهُ لَمْ تَنْهَ عَنْهُ آيَةٌ وَلَا حَدِيثٌ، بَلْ دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ بِكُلِّ صُوَرِهِ.
هَكَذَا يَضِيعُ الْإِنْسَانُ بَيْنَ مَنْ يُقَدِّسُهُ وَمَنْ يَرْفُضُهُ.
وَفِي الْمُنْتَصَفِ: اَلْفِكْرَةُ تَبْقَى، أَقْوَى مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ.
— ٤ —
لَيْلَةُ الْحَرِيقِ
بَغْدَادُ — ٣٠٩ هـ
كَانَ الْحَلَّاجُ يَعْرِفُ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونَهُ.
لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا لِيَتَلَقَّى وَحْيًا بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْوُجُوهَ.
وَكَانَ يَقْرَأُ السِّيَاسَةَ.
وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي بَغْدَادَ الْعَبَّاسِيَّةِ لَهُ ثَمَنٌ — وَالثَّمَنُ يَرْتَفِعُ حِينَ يَتَقَاطَعُ مَعَ مَصَالِحِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُمَرَاءِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَكَلَامُهُ كَانَ يَتَقَاطَعُ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ كَانَ هَرْطِقِيًّا بِالْمَعْنَى الدِّينِيِّ، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ خَطِيرًا بِمَعْنًى آخَرَ:
كَانَ يَقُولُ لِلنَّاسِ إِنَّ اللهَ قَرِيبٌ، قَرِيبٌ جِدًّا، قَرِيبٌ لِدَرَجَةٍ لَا تَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى وَسِيطٍ.
وَهَذَا — فِي نِظَامٍ يَقُومُ عَلَى الْوَسَاطَةِ الدِّينِيَّةِ — كَانَ رِسَالَةً سِيَاسِيَّةً خَطِيرَةً قَبْلَ أَنْ تَكُونَ رِسَالَةً صُوفِيَّةً.
فِي لَيْلَةِ إِعْدَامِهِ، رَوَى مَنْ كَانُوا قَرِيبِينَ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
— أَنَا لَا أَمُوتُ؛ أَنَا أَذْهَبُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَنَّ الذَّهَابَ يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مَكَانًا آخَرَ.
قَالَ أَحَدُهُمْ:
— يَا حَلَّاجُ، تُبْ وَاعْتَذِرْ، وَسَيَعْفُونَ عَنْكَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ.
— اَلتَّوْبَةُ عَنْ مَاذَا؟ عَنْ أَنَّنِي أَحْبَبْتُ؟
لَكِنَّ الصُّورَةَ الَّتِي وَصَلَتْنَا عَنِ الْحَلَّاجِ لَا تَكْتَمِلُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الشِّعْرِيَّةِ وَحْدَهَا.
ثَمَّةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَقَلُّ شَاعِرِيَّةً وَأَكْثَرُ إِنْسَانِيَّةً:
رَجُلٌ عَاشَ فِي عَصْرٍ مُضْطَرِبٍ، يَحْمِلُ أَفْكَارًا تَخْلِطُ الْغُنُوصِيَّةَ بِالتَّصَوُّفِ بِالْفَلْسَفَةِ الْأَفْلَاطُونِيَّةِ بِالْإِسْلَامِ الشَّعْبِيِّ.
رَجُلٌ كَانَ أَحْيَانًا يُغَالِي، وَأَحْيَانًا يُصِيبُ.
وَرَجُلٌ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ مِنَ التَّحَالُفَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَصِرَاعَاتِ الْوُزَرَاءِ وَالْحَسَّاسِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ — لَيْسَ فَقَطْ لِأَنَّ أَفْكَارَهُ كَانَتْ خَطِرَةً، بَلْ لِأَنَّ تَوْقِيتَهَا كَانَ سَيِّئًا.
كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ حَقِيقِيَّةٌ:
اَلرَّجُلُ الَّذِي أَحَبَّ، وَالرَّجُلُ الَّذِي عَلِقَ فِي الشَّبَكَةِ.
وَالتَّارِيخُ فِي مُعْظَمِهِ يَحْفَظُ الصُّورَةَ الْأُولَى وَيُهْمِلُ الثَّانِيَةَ؛
لِأَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى أَجْمَلُ.
وَهَذَا يُعَلِّمُنَا شَيْئًا عَنِ التَّارِيخِ: نَحْنُ نُعِيدُ كِتَابَتَهُ بِمَا يُرِيحُنَا.
— ٥ —
اَلرَّجُلُ الَّذِي الْتَزَمَ الصَّمْتَ
بُخَارَى وَطُوسُ — اَلْقَرْنُ الرَّابِعُ الْهِجْرِيُّ
كَانَ ابْنُ سِينَا فِي الثَّامِنَةَ عَشَرَةَ حِينَ قَرَأَ كِتَابَ «مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ» لِأَرِسْطُو أَرْبَعِينَ مَرَّةً دُونَ أَنْ يَفْهَمَهُ.
ثُمَّ عَثَرَ عَلَى شَرْحِ الْفَارَابِيِّ.
وَفَهِمَ.
تِلْكَ اللَّيْلَةَ — يَرْوِيهَا هُوَ فِي سِيرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ — ذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَّى شُكْرًا.
لَمْ يَكُنْ يَرَى تَعَارُضًا بَيْنَ أَرِسْطُو وَالْإِسْلَامِ؛ كَانَ يَرَى امْتِدَادًا.
كَأَنَّ اللهَ تَرَكَ فِي الْكَوْنِ خَارِطَةً يَسْتَطِيعُ الْعَقْلُ أَنْ يَقْرَأَهَا، وَتَرَكَ فِي الْقُرْآنِ خَارِطَةً أُخْرَى — وَالِاثْنَتَانِ تُؤَدِّيَانِ إِلَى الْمَكَانِ ذَاتِهِ.
لَكِنَّ جِيلَهُ لَمْ يُوَافِقْهُ كُلُّهُ.
فِي مَكَانٍ مَا مِنْ خُرَاسَانَ، كَانَ فَقِيهٌ اسْمُهُ ضِرَارٌ — لَنْ تَجِدَهُ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ الْكُبْرَى لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا بِمَا يَكْفِي لِيُنْسَى وَمُهِمًّا بِمَا يَكْفِي لِيُؤَثِّرَ — يَكْتُبُ رِسَالَةً يَقُولُ فِيهَا إِنَّ «عِلْمَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ».
لَمْ يَكُنْ ضِرَارٌ شَخْصًا سَيِّئًا؛ كَانَ يَخَافُ.
كَانَ يَخَافُ عَلَى إِيمَانِ النَّاسِ الْبُسَطَاءِ مِنْ نَظَرِيَّاتٍ مُعَقَّدَةٍ تَبْدُو مُنَاقِضَةً لِلنَّصِّ.
كَانَ يَخَافُ مِنْ أَنْ يُفْتَحَ بَابٌ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَاذَا يَكُونُ وَرَاءَهُ.
وَخَوْفُهُ كَانَ لَهُ مَنْطِقٌ.
لَكِنَّ ابْنَ سِينَا فِي سِيرَتِهِ لَمْ يَكْتُبْ رَدًّا عَلَى ضِرَارٍ؛ كَتَبَ كِتَابًا أَسْمَاهُ «اَلشِّفَاءُ» — سَبْعَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا فِي الْفَلْسَفَةِ وَالطِّبِّ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَالْمُوسِيقَى وَالْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ.
يَعْنِي: لَمْ يَرُدَّ بِالْجَدَلِ. رَدَّ بِالْبِنَاءِ.
هَذَا هُوَ أَحَدُ الدُّرُوسِ الْكُبْرَى فِي التَّارِيخِ الْفِكْرِيِّ الْإِسْلَامِيِّ:
اَلَّذِينَ رَدُّوا بِالْبِنَاءِ — بَقُوا.
اَلَّذِينَ رَدُّوا بِالْمَنْعِ — أُهْمِلُوا.
لَيْسَ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يُفْلِحْ أَحْيَانًا فِي زَمَنِهِ،
بَلْ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يُكَوِّنُ جِيلًا يَفْهَمُ،
وَالْمَنْعَ يُكَوِّنُ جِيلًا يَخَافُ.
وَالْجِيلُ الَّذِي يَفْهَمُ يَبْقَى بَعْدَ زَمَنِهِ.
وَالْجِيلُ الَّذِي يَخَافُ يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى مَنْ يُجَدِّدُ خَوْفَهُ.
— ٦ —
طَرِيقُ الْحَرِيرِ وَالسُّؤَالُ
مِنْ سَمَرْقَنْدَ إِلَى قُرْطُبَةَ — اَلْقَرْنُ الْخَامِسُ الْهِجْرِيُّ
قَبْلَ أَنْ نَصِلَ إِلَى الْغَزَالِيِّ — وَسَنَصِلُ — لَا بُدَّ أَنْ نَقِفَ لَحْظَةً عِنْدَ الْحَارِثِ.
اَلْحَارِثُ الْوَرَّاقُ.
لَمْ تَكْتُبْهُ كُتُبُ التَّارِيخِ.
لَكِنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا؛ رَجُلٌ مِنْ سَمَرْقَنْدَ كَانَ يَبِيعُ الْكُتُبَ فِي الْأَسْوَاقِ.
كَانَ يَقْرَأُ مَا يَبِيعُهُ — وَهَذِهِ عَادَةٌ نَادِرَةٌ حَتَّى بَيْنَ الْوَرَّاقِينَ.
وَكَانَ يُعَلِّقُ؛ لَيْسَ فِي كِتَابٍ، بَلْ فِي مُحَادَثَاتٍ.
مُحَادَثَاتٌ مَعَ مَنْ؟
مَعَ زَبَائِنِهِ، وَمَعَ أَصْحَابِ الْمَقَاهِي وَالدَّكَاكِينِ، وَمَعَ الطُّلَّابِ الَّذِينَ يَمُرُّونَ صَبَاحًا وَمَسَاءً.
قَالَ مَرَّةً لِطَالِبٍ يَبْحَثُ عَنْ كِتَابٍ فِي الْفِقْهِ:
— مَاذَا تَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ؟
— اَلْجَوَابُ الصَّحِيحُ.
— وَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ مُخْتَلِفًا عَمَّا تُرِيدُ سَمَاعَهُ؟
— أُرِيدُ الْجَوَابَ الصَّحِيحَ.
— هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ؟
تَوَقَّفَ الطَّالِبُ.
— أَنْتَ تَشُكُّ فِي نِيَّتِي.
— لَا، أَنَا أَشُكُّ فِي طَبِيعَةِ السُّؤَالِ؛
لِأَنَّ مُعْظَمَ النَّاسِ حِينَ يَقُولُونَ «أُرِيدُ الْجَوَابَ الصَّحِيحَ» — يَعْنُونَ «أُرِيدُ تَأْكِيدًا لِمَا أَعْتَقِدُهُ أَصْلًا».
اَلْحَارِثُ الْوَرَّاقُ — هَذَا الشَّخْصُ الْمَجْهُولُ الَّذِي رُبَّمَا لَمْ يُوجَدْ بِهَذَا الِاسْمِ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا بِلَا شَكٍّ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ وَكُلِّ حِقْبَةٍ — كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ:
كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ السُّؤَالِ الْحَقِيقِيِّ وَالسُّؤَالِ الْمُزَيَّفِ.
اَلسُّؤَالُ الْمُزَيَّفُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ بِإِجَابَةٍ وَيَبْحَثُ عَنْ دَلِيلٍ.
اَلسُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ مُسْبَقًا أَيْنَ سَيَنْتَهِي.
وَفِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الذَّهَبِيَّةِ مِنَ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ — مِنْ سَمَرْقَنْدَ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ إِلَى قُرْطُبَةَ — كَانَتِ الْأَسْوَاقُ مَلِيئَةً بِالنَّوْعَيْنِ.
اَلْأَسْئِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَنْتَجَتِ ابْنَ سِينَا وَالْبِيرُونِيَّ وَالْخَوَارِزْمِيَّ.
اَلْأَسْئِلَةُ الْمُزَيَّفَةُ أَنْتَجَتْ حُرُوبًا كَلَامِيَّةً لَمْ يُغَيِّرْ أَيٌّ مِنْهَا شَيْئًا فِي الْوَاقِعِ.
وَكِلَاهُمَا كَانَ يُسَمَّى «عِلْمًا».
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا — كَمَا كَانَ يَقُولُ الْحَارِثُ الْوَرَّاقُ — فِي النِّيَّةِ.
— ٧ —
إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ وَأَزْمَةُ الْعَقْلِ
طُوسُ — اَلْقَرْنُ الْخَامِسُ الْهِجْرِيُّ
كَانَ الْغَزَالِيُّ فِي الثَّلَاثِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ — فِي أَوْجِ مَجْدِهِ الْأَكَادِيمِيِّ، فِي قَلْبِ بَغْدَادَ الْعِلْمِيَّةِ، مُحَاطًا بِالتَّلَامِيذِ وَالْأُمَرَاءِ — حِينَ ضَرَبَهُ التَّشْكِيكُ.
لَمْ يَكُنْ تَشْكِيكًا فَلْسَفِيًّا مُرِيحًا بِالْمَعْنَى الْأَكَادِيمِيِّ؛ كَانَ تَشْكِيكًا وُجُودِيًّا.
يَرْوِي هُوَ فِي «اَلْمُنْقِذِ مِنَ الضَّلَالِ»:
«ثُمَّ فَتَّشْتُ عَنْ عُلُومِي، فَإِذَا مَا وَجَدْتُ عِلْمًا لَا مِرْيَةَ فِيهِ… فَكُنْتُ إِذَا تَخَيَّلْتُ إِنْسَانًا يُرِيدُ ضَرْبًا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ الثِّقَةَ بِالْحَوَاسِّ لَا تَصِحُّ — قَدَرْتُ عَلَى ذَلِكَ.»
يَعْنِي: كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّ مَا أَرَاهُ حَقِيقِيٌّ؟
وَتَوَسَّعَ السُّؤَالُ: كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّ مَا أَعْتَقِدُهُ حَقِيقِيٌّ؟
وَتَوَسَّعَ أَكْثَرَ: كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّ مَا عَلَّمَنِي إِيَّاهُ أَسَاتِذَتِي حَقِيقِيٌّ؟
الَّذِي فَعَلَهُ الْغَزَالِيُّ لَمْ يَكُنِ التَّشْكِيكَ مِنْ أَجْلِ التَّشْكِيكِ؛ كَانَ التَّشْكِيكَ مِنْ أَجْلِ الْيَقِينِ.
كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ عَلَى مَاذَا يَقِفُ؛ لَا أَنْ يَقِفَ عَلَى مَا وَرِثَهُ بِغَيْرِ اخْتِبَارٍ.
لَكِنَّ التَّارِيخَ حَكَى الْقِصَّةَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ:
بَعْضُهُمْ قَالَ: اَلْغَزَالِيُّ أَغْلَقَ بَابَ الْفَلْسَفَةِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَبَعْضُهُمْ قَالَ: اَلْغَزَالِيُّ فَتَحَ بَابَ الرُّوحِ فِي مُوَاجَهَةِ الذِّهْنِ الْجَافِّ.
وَالْحَقِيقَةُ — كَمَا هِيَ دَائِمًا — أَكْثَرُ تَعْقِيدًا:
اَلْغَزَالِيُّ كَتَبَ «تَهَافُتَ الْفَلَاسِفَةِ» — وَهُوَ نَقْدٌ فَلْسَفِيٌّ لِلْفَلَاسِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، لَيْسَ رَفْضًا لِلْعَقْلِ، بَلْ رَفْضًا لِادِّعَاءِ الْعَقْلِ أَنَّهُ يَعْرِفُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ مَعْرِفَتَهُ.
لَكِنَّهُ كَتَبَ أَيْضًا «إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ» — وَهُوَ بِنَاءٌ هَائِلٌ لِلْعِلْمِ الذَّاتِيِّ:
عِلْمُ أَنْ تَعْرِفَ نَفْسَكَ وَدَوَافِعَكَ وَرِيَاءَكَ وَصِدْقَكَ.
اَلْمُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنِ الْغَزَالِيَّ؛ اَلْمُشْكِلَةُ كَانَتْ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ.
جَاءَ مَنْ قَرَأَ «تَهَافُتَ الْفَلَاسِفَةِ» وَنَسِيَ «إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ».
وَجَاءَ مَنْ أَكْمَلَ نَقْدَ الْفَلَاسِفَةِ لِيُبَرِّرَ تَعْطِيلَ الْعَقْلِ بِالْكَامِلِ.
وَجَاءَ مَنِ اسْتَخْدَمَ الْغَزَالِيَّ ذَرِيعَةً لِإِغْلَاقِ بَابٍ لَمْ يَقْصِدِ الْغَزَالِيُّ نَفْسُهُ إِغْلَاقَهُ.
هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الْأَتْبَاعُ أَحْيَانًا بِالْأَسْلَافِ:
يَأْخُذُونَ جُزْءًا وَيَتْرُكُونَ الْجُزْءَ الْآخَرَ،
ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
— ٨ —
حِوَارٌ فِي قُرْطُبَةَ
اَلْأَنْدَلُسُ — اَلْقَرْنُ السَّادِسُ الْهِجْرِيُّ
فِي مَكْتَبَةٍ لَا تَزَالُ قَائِمَةً فِي قُرْطُبَةَ — وَإِنْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ مُحْتَوَاهَا عَبْرَ الْقُرُونِ — كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَكْتُبُ وَابْنُ طُفَيْلٍ يَقْرَأُ.
لَمْ يَكُونَا يَتَّفِقَانِ دَائِمًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ ذَاتَ مَسَاءٍ:
— يَا أَبَا بَكْرٍ، اَلْخِلَافُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْغَزَالِيِّ لَيْسَ فِي الْإِيمَانِ؛ اَلْخِلَافُ فِي مَنْهَجِ الْيَقِينِ.
— وَضِّحْ.
— اَلْغَزَالِيُّ يَقُولُ: اَلْعَقْلُ يُخْطِئُ فَلَيْسَ مَصْدَرًا لِلْيَقِينِ الدِّينِيِّ.
وَأَنَا أَقُولُ: اَلْعَقْلُ هُوَ الْأَدَاةُ الَّتِي أَعْطَاهَا اللهُ لِلْإِنْسَانِ لِيَعْرِفَ بِهَا اللهَ نَفْسَهُ.
أَنْ تَقُولَ إِنَّ الْعَقْلَ يُخْطِئُ — لَا يَعْنِي أَنَّكَ تَتْرُكُهُ؛ يَعْنِي أَنَّكَ تُصَحِّحُ أَخْطَاءَهُ بِالْعَقْلِ نَفْسِهِ.
— وَإِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّصُّ؟
— لَا يَتَعَارَضَانِ حَقِيقَةً؛ اَلتَّعَارُضُ الْحَقِيقِيُّ يَعْنِي أَنَّ أَحَدَهُمَا مَفْهُومٌ خَطَأً.
إِمَّا أَنَّ قِرَاءَتِي لِلنَّصِّ خَاطِئَةٌ، أَوْ أَنَّ اسْتِنْتَاجِيَ الْعَقْلِيَّ خَاطِئٌ.
وَالْمَهَمَّةُ أَنْ تَجِدَ أَيْنَ الْخَطَأُ — لَا أَنْ تُلْغِيَ أَحَدَهُمَا.
خَرَجَ ابْنُ طُفَيْلٍ إِلَى الشُّرْفَةِ وَنَظَرَ إِلَى الْوَادِي.
— تَعْرِفُ مَا الَّذِي أَخْشَاهُ؟
— قُلْ.
— أَخْشَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كُلَّهُ — هَذَا الْكَلَامَ الْجَمِيلَ عَنِ التَّوَافُقِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالدِّينِ — سَيُفْهَمُ فِي الْقَرْنِ الْقَادِمِ عَلَى أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْكُفْرِ.
لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْأَزَمَاتِ لَا يُرِيدُونَ التَّعْقِيدَ، يُرِيدُونَ الْيَقِينَ. وَيُرِيدُ مَنْ يَحْكُمُهُمْ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْيَقِينَ.
وَالْيَقِينُ الْمُزَيَّفُ أَسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْيَقِينِ الْحَقِيقِيِّ.
صَمَتَ ابْنُ رُشْدٍ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَهَذَا هُوَ الْخَطَرُ الْحَقِيقِيُّ؛ لَيْسَ خَطَأَ الْأَفْكَارِ، بَلْ كَيْفَ تُوَظَّفُ الْأَفْكَارُ حِينَ يَحْتَاجُهَا الْخَوْفُ.
بَعْدَ ابْنِ رُشْدٍ بِعُقُودٍ، أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ فِي قُرْطُبَةَ نَفْسِهَا.
ثُمَّ نُسِخَتْ فِي أُورُوبَّا.
وَصَارَتِ الْأَسَاسَ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ النَّهْضَةُ الْأُورُوبِّيَّةُ.
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَاذَا كَانَ شُعُورُ ابْنِ رُشْدٍ لَوْ عَلِمَ.
رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ يَسْتَغْرِبُ؛ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْأَفْكَارَ الْجَيِّدَةَ لَا تَمُوتُ، إِنَّهَا فَقَطْ تَجِدُ طَرِيقَهَا مِنْ نَافِذَةٍ أُخْرَى.
— ٩ —
اِمْرَأَتَانِ فِي قَصْرٍ وَاحِدٍ
اَلْقَاهِرَةُ وَالْقُدْسُ — اَلْقَرْنُ السَّابِعُ الْهِجْرِيُّ
اِلْتَقَتَا مَرَّةً وَاحِدَةً.
أَمِينَةُ بِنْتُ يُوسُفَ، اَلْفَقِيهَةُ الْمِصْرِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُدَرِّسُ فِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فِي زَمَنٍ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُدَرِّسُ أَحْيَانًا خَلْفَ حِجَابٍ وَأَحْيَانًا فِي حَضْرَةِ الرِّجَالِ — اعْتِمَادًا عَلَى الْعَهْدِ وَالْحَاكِمِ وَالْمِزَاجِ الْعَامِّ.
وَخَدِيجَةُ الْإِدْرِيسِيَّةُ، اَلْقَادِمَةُ مِنْ فَاسٍ، الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ عِلْمَ الْأَنْسَابِ وَالتَّارِيخِ وَالْحَدِيثِ.
جَلَسَتَا فِي مَنْزِلِ صَدِيقَةٍ مُشْتَرَكَةٍ.
قَالَتْ أَمِينَةُ:
— يُقَالُ إِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَّمَتِ الصَّحَابَةَ الْأَجِلَّاءَ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لِتَلَامِيذِهِ:
«اِذْهَبُوا إِلَيْهَا.»
كَيْفَ صِرْنَا مِنْ تِلْكَ الْبِدَايَةِ إِلَى هُنَا؟
قَالَتْ خَدِيجَةُ:
— اَلسُّلْطَةُ؛ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْقَصِيرُ. حِينَ صَارَتِ الْمُؤَسَّسَةُ الدِّينِيَّةُ مُؤَسَّسَةً تَتَّصِلُ بِالسُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ — صَارَ دُخُولُهَا مَشْرُوطًا بِمَنْ تَقْبَلُهُ السُّلْطَةُ.
وَالسُّلْطَةُ فِي مُعْظَمِ الْأَزْمِنَةِ لَمْ تَقْبَلِ الْمَرْأَةَ.
— وَالدِّينُ؟
— اَلدِّينُ لَا يَمْنَعُ، وَالنَّصُّ لَا يَمْنَعُ.
مَا يَمْنَعُ هُوَ التَّفْسِيرُ.
وَالتَّفْسِيرُ يَكْتُبُهُ الْأَقْوَى.
صَمَتَتَا.
قَالَتْ أَمِينَةُ بِهُدُوءٍ:
— وَمَا الْحَلُّ؟
— أَنْ نَكْتُبَ نَحْنُ؛ أَنْ نَقْرَأَ وَنُعَلِّمَ وَنَكْتُبَ.
أَنْ نُنْتِجَ التَّفْسِيرَ.
لِأَنَّ التَّفْسِيرَ لَا يَنْتَظِرُ أَحَدًا؛ مَنْ يَعْمَلُ يُنْتِجُهُ.
هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ — وَآلَافُ أَمْثَالِهِمَا مِمَّنْ لَمْ تُدَوَّنْ أَسْمَاؤُهُنَّ فِي السِّجَلَّاتِ الْكُبْرَى — كُنَّ يَفْعَلْنَ بِالضَّبْطِ مَا قَالَتْهُ خَدِيجَةُ:
يَقْرَأْنَ وَيُعَلِّمْنَ وَيَحْضُرْنَ.
حُضُورُهُنَّ لَمْ يَتَوَقَّفْ.
لَكِنَّهُ أُهْمِلَ فِي الرِّوَايَةِ الرَّسْمِيَّةِ لِلتَّارِيخِ؛ اَلرِّوَايَةِ الَّتِي يَكْتُبُهَا عَادَةً مَنْ يَمْلِكُ الْحِبْرَ وَالْجُدْرَانَ.
وَهَذَا — فِي ذَاتِهِ — دَرْسٌ فِي كَيْفِيَّةِ سَرْدِ التَّارِيخِ:
نَحْنُ لَا نَرَى مَا لَمْ نُقَرِّرْ رُؤْيَتَهُ.
— ١٠ —
أَوَائِلُ الظَّلَامِ
بَغْدَادُ — ٦٥٦ هـ / ١٢٥٨ م
لَمْ يَكُنْ هُولَاكُو خَانْ يَعْرِفُ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ الَّتِي يُحْرِقُهَا.
لَكِنَّ الَّذِينَ يَحْتَرِقُونَ كَانُوا يَعْرِفُونَ.
يَرْوِي الْمُؤَرِّخُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ — وَرِوَايَتُهُ كَمَا كُلُّ رِوَايَاتِ الْمُنْهَزِمِينَ مُثِيرَةٌ لِلْجَدَلِ — أَنَّ الْفُرَاتَ تَحَوَّلَ لَوْنُهُ إِلَى الْأَسْوَدِ أَيَّامًا مِنْ حِبْرِ الْكُتُبِ الْمُلْقَاةِ فِيهِ.
هَلْ هَذَا حَقِيقِيٌّ حَرْفِيًّا؟ رُبَّمَا.
وَرُبَّمَا هُوَ صُورَةٌ بَلَاغِيَّةٌ تَنْقُلُ ثِقَلًا أَعْمَقَ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْحَرْفِيَّةِ.
لَيْلَةَ سُقُوطِ بَغْدَادَ ذَاتَهَا، فِي مَكَانٍ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كَانَ الْفَيْلَسُوفُ الشَّابُّ يُونُسُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَحْمِلُ مَخْطُوطَةً لَمْ يُكْمِلْهَا بَعْدُ.
لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ سَيْفًا.
لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ طَعَامًا.
حَمَلَ الْمَخْطُوطَةَ.
فَرَّ إِلَى الشَّمَالِ؛ إِلَى الْأَنَاضُولِ.
مَشْيًا فِي الْغَالِبِ.
ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.
حِينَ وَصَلَ إِلَى مَدِينَةٍ آمِنَةٍ وَجَلَسَ أَخِيرًا لِيُكْمِلَ الْكِتَابَةَ — وَجَدَ أَنَّهُ نَسِيَ مَاذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ نَسِيَ، بَلْ لِأَنَّ مَا مَرَّ بِهِ غَيَّرَ السُّؤَالَ.
كَانَ يَكْتُبُ عَنِ «الْفَضَائِلِ الْفَلْسَفِيَّةِ».
وَالْآنَ — بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ عَلَى الطَّرِيقِ — رَأَى الْفَضِيلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي وَجْهِ اِمْرَأَةٍ أَطْعَمَتْهُ فِي قَرْيَةٍ بِلَا اسْمٍ، وَلَمْ تَسْأَلْهُ عَنْ دِينِهِ وَلَا فَلْسَفَتِهِ.
كَتَبَ بَدَلًا مِنْ كِتَابِهِ الْقَدِيمِ رِسَالَةً صَغِيرَةً، عُنْوَانُهَا:
«فِي أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَعَلَّمُ مِنَ الْكُتُبِ بِقَدْرِ مَا يَتَعَلَّمُ مِنَ الطَّرِيقِ.»
لَمْ يَنْشُرْهَا؛ وَضَعَهَا فِي الْحَقِيبَةِ ذَاتِهَا الَّتِي فِيهَا الْمَخْطُوطَةُ النَّاقِصَةُ.
وَرُبَّمَا — مُجَرَّدُ رُبَّمَا — هَذِهِ الرِّسَالَةُ أَهَمُّ مِمَّا كَانَ سَيَكْتُبُهُ فِي الْمَخْطُوطَةِ.
— ١١ —
اَلشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ
دِمَشْقُ — اَلْقَرْنُ الثَّامِنُ الْهِجْرِيُّ
كَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ عَطَاءِ اللهِ الْإِسْكَنْدَرِيُّ فِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ تَقْرِيبًا — لَكِنَّهُمَا كَانَا يَعِيشَانِ فِي عَالَمَيْنِ.
لَيْسَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَافِرٌ وَالْآخَرَ مُؤْمِنٌ؛ كِلَاهُمَا كَانَ يُعْلِنُ إِسْلَامَهُ بِكُلِّ صِدْقٍ.
بَلْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَرَى مُشْكِلَةً مُخْتَلِفَةً.
اِبْنُ تَيْمِيَّةَ كَانَ يَرَى مُشْكِلَةً:
اَلْإِسْلَامُ يَتَشَرَّبُ تَقَالِيدَ غَرِيبَةً عَنْهُ؛ اَلْبِدَعُ تَتَسَلَّلُ، وَالْأَضْرِحَةُ تُعْبَدُ، وَالْأَتْرَاكُ وَالْمَغُولُ الَّذِينَ دَخَلُوا الْإِسْلَامَ جَلَبُوا مَعَهُمْ عَادَاتٍ لَيْسَتْ مِنْهُ.
اَلْخَطَرُ خَارِجِيٌّ وَدَاخِلِيٌّ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
جَوَابُهُ:
اَلْعَوْدَةُ إِلَى النَّصِّ الصَّارِمَةُ، بِلَا وَسِيطٍ وَلَا تَأْوِيلٍ مُسْرِفٍ.
اِبْنُ عَطَاءِ اللهِ كَانَ يَرَى مُشْكِلَةً مُخْتَلِفَةً:
اَلْإِسْلَامُ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَرِيعَةٍ جَافَّةٍ بِلَا رُوحٍ؛ اَلنَّاسُ يُؤَدُّونَ الشَّعَائِرَ بِلَا وَعْيٍ، وَالْقَلْبُ فَارِغٌ وَالظَّاهِرُ مُمْتَلِئٌ.
وَالْعُبُودِيَّةُ صَارَتْ عَقْدًا تِجَارِيًّا بَدَلًا مِنْ مَحَبَّةٍ.
جَوَابُهُ:
اَلتَّرْبِيَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالْبَاطِنُ وَالْمُرَاقَبَةُ الدَّاخِلِيَّةُ.
اَلَّذِي فَاتَهُمَا مَعًا — بِتَقْدِيرٍ نَقُولُهُ بِكُلِّ احْتِرَامٍ لِعُمْقِهِمَا وَإِخْلَاصِهِمَا — هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَرَى نِصْفَ الْمُشْكِلَةِ.
اَلْمُشْكِلَةُ الْكَامِلَةُ كَانَتْ:
كَيْفَ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُخْلِصًا فِي بَاطِنِهِ مُحَافِظًا عَلَى دِينِهِ فِي ظَاهِرِهِ، مَفْتُوحًا لِلتَّجْدِيدِ دُونَ أَنْ يُضَيِّعَ الْأَصْلَ، صَارِمًا فِي الْقِيَمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ قَاسِيًا فِي التَّطْبِيقِ؟
هَذَا السُّؤَالُ — اَلْجَمْعُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالنَّصِّ، بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالْمُرُونَةِ، بَيْنَ الصَّرَامَةِ وَالرَّحْمَةِ — هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي ظَلَّ يُطَارِدُ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ حَتَّى الْيَوْمِ.
وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ عَطَاءِ اللهِ لَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْإِجَابَةِ فَقَطْ؛ بَلِ اخْتَلَفَا فِي تَشْخِيصِ الدَّاءِ.
وَحِينَ يَخْتَلِفُ الْأَطِبَّاءُ فِي التَّشْخِيصِ — يُعْطُونَ دَوَاءً مُخْتَلِفًا لِلْمَرِيضِ الْوَاحِدِ.
وَيَتَأَلَّمُ الْمَرِيضُ مَرَّتَيْنِ.
— ١٢ —
اَلْمُؤَرِّخُ يُسَائِلُ نَفْسَهُ
تُونُسُ — اَلْقَرْنُ الثَّامِنُ الْهِجْرِيُّ
لَمْ يَكُنِ ابْنُ خَلْدُونَ يَكْتُبُ «الْمُقَدِّمَةَ» فِي غُرْفَةٍ هَادِئَةٍ.
كَانَ يَكْتُبُهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْوِزَارَةِ وَالسِّجْنِ وَالْمَنْفَى وَالْعَوْدَةِ.
بَعْدَ أَنْ رَأَى دُوَلًا تَقُومُ وَدُوَلًا تَسْقُطُ.
بَعْدَ أَنْ خَدَمَ أُمَرَاءَ مُتَعَارِضِينَ وَوَقَفَ بَيْنَ رِجَالٍ عِظَامٍ انْتَهَوْا بِشَكْلٍ مُحْزِنٍ.
اَلشَّاهِدُ الَّذِي كَتَبَ «اَلْمُقَدِّمَةَ» لَمْ يَكُنْ فَيْلَسُوفًا مُنْفَصِلًا عَنِ الْوَاقِعِ؛ كَانَ شَاهِدًا جَرَحَهُ الْوَاقِعُ.
فِي فَصْلٍ مِنْ «اَلْمُقَدِّمَةِ» — لَا يَقْتَبِسُهُ الْكَثِيرُونَ — كَتَبَ ابْنُ خَلْدُونَ:
«اَلظُّلْمُ مُؤْذِنٌ بِخَرَابِ الْعُمْرَانِ.»
لَيْسَ الشِّرْكُ، وَلَيْسَ الْكُفْرُ، وَلَيْسَ الِابْتِدَاعُ.
اَلظُّلْمُ.
قَالَ:
حِينَ يَظْلِمُ الْحَاكِمُ — أَيُّ حَاكِمٍ — تَضْعُفُ قُدْرَةُ النَّاسِ عَلَى الْعَمَلِ وَالْإِنْتَاجِ.
وَحِينَ تَضْعُفُ قُدْرَتُهُمْ تَنْهَارُ الدَّوْلَةُ.
لَيْسَ عِقَابًا إِلَهِيًّا مُبَاشِرًا بِالْمَعْنَى الْمُعْجِزِيِّ، بَلْ بِسَبَبِ قَانُونٍ اجْتِمَاعِيٍّ صَارِمٍ:
اَلظُّلْمُ يُدَمِّرُ الْعُمْرَانَ، دَائِمًا، فِي كُلِّ زَمَانٍ.
هَذِهِ رُؤْيَةٌ لَا دِينِيَّةٌ وَلَا لَادِينِيَّةٌ؛ هِيَ رُؤْيَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ شَامِلَةٌ.
قَرَأَ ابْنُ خَلْدُونَ كِتَابَ اللهِ، وَدَرَسَ التَّارِيخَ، وَعَاشَ فِي السِّيَاسَةِ، وَكَتَبَ بَعْدَهَا.
وَالَّذِي كَتَبَهُ يَقُولُ:
يَا مَنْ تَحْكُمُ، وَيَا مَنْ تُحْكَمُ — اَللهُ لَمْ يَعِدْ بِحِمَايَةِ مَنْ يَظْلِمُ.
وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الِانْتِمَاءَ الدِّينِيَّ يَحْمِي مِنْ عَوَاقِبِ الْأَفْعَالِ.
قَوَانِينُ الْعُمْرَانِ تَسْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَسْرِي عَلَى سِوَاهُمْ.
هَذِهِ الْفِكْرَةُ — فِي زَمَنِهِ — كَانَتْ ثَوْرِيَّةً.
وَهِيَ — فِي زَمَنِنَا — لَا تَزَالُ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُعِيدُ قِرَاءَتَهَا.
— ١٣ —
صَوْتٌ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ
اَلْإِمْبِرَاطُورِيَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ — اَلْقَرْنُ الْعَاشِرُ الْهِجْرِيُّ
لَمْ يُكْتَبِ اسْمُهُ فِي السِّجَلَّاتِ.
كَانَ يُدْعَى — فِي الرِّوَايَةِ الشَّفَهِيَّةِ الَّتِي تَنَاقَلَتْهَا بَعْضُ الْعَائِلَاتِ فِي الْأَنَاضُولِ — «اَلْحَارِسَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ.»
ضِرَارُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ حَارِسٌ فِي مَكْتَبَةِ السُّلْطَانِ، فِي إِسْطَنْبُولَ، فِي أَوْجِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ.
كَانَتْ مَهَمَّتُهُ أَنْ يَحْفَظَ الْكُتُبَ، لَا أَنْ يَقْرَأَهَا.
لَكِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا.
قَالَ مَرَّةً لِكَاتِبٍ مِنْ كُتَّابِ الدِّيوَانِ كَانَ يَزُورُ الْمَكْتَبَةَ:
— هَلْ رَأَيْتَ هَذَا الْكِتَابَ؟
— مَا هُوَ؟
— «إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ» لِلْغَزَالِيِّ.
— قَرَأْتُ عَنْهُ؛ لَمْ أَقْرَأْهُ.
— أَخْبِرْنِي بِمَا قَرَأْتَ عَنْهُ.
— قِيلَ إِنَّهُ كِتَابٌ صُوفِيٌّ.
— وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لَكَ؟
— أَنَّهُ عَنِ الرُّوحِ، عَنِ الْبَاطِنِ.
— وَهَذَا يَعْنِي…؟
— أَنَّهُ مُهِمٌّ… لَكِنَّهُ لَيْسَ لِلْحُكْمِ وَالسِّيَاسَةِ.
وَضَعَ ضِرَارٌ الْكِتَابَ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
— غَلَطٌ؛ هُوَ لِلْحُكْمِ وَالسِّيَاسَةِ تَحْدِيدًا.
لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنِ الصِّدْقِ.
وَالصِّدْقُ هُوَ أَخْطَرُ شَيْءٍ فِي الْحُكْمِ.
لِأَنَّ الْحَاكِمَ الصَّادِقَ مَعَ نَفْسِهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَظْلِمَ بِسُهُولَةٍ.
وَحِينَ تُعَطِّلُ الصِّدْقَ الْبَاطِنِيَّ تَجِدُ نَفْسَكَ قَادِرًا عَلَى تَبْرِيرِ كُلِّ شَيْءٍ.
ضِرَارٌ الْحَارِسُ لَمْ يُكْتَبْ فِي السِّجَلَّاتِ.
لَكِنَّ أَمْثَالَهُ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي كُلِّ دَوْلَةٍ وَكُلِّ زَمَانٍ:
اَلَّذِينَ يَقْرَؤُونَ دُونَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ.
اَلَّذِينَ يُفَكِّرُونَ فِي مَكَانٍ يُفْتَرَضُ أَنَّهُمْ فِيهِ لِلْحِرَاسَةِ فَقَطْ.
اَلَّذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى الْفِكْرَةِ لَيْسَ لِأَنَّ أَحَدًا أَوْكَلَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ — بَلْ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ الْفِكْرَةَ إِذَا ضَاعَتْ ضَاعَ شَيْءٌ لَا يُعَوَّضُ.
هَؤُلَاءِ هُمُ الْحُرَّاسُ الْحَقِيقِيُّونَ لِلْحَضَارَةِ.
— ١٤ —
حِينَ وَصَلَ الْجَيْشُ
مِصْرُ — ١٢١٣ هـ / ١٧٩٨ م
نَزَلَ نَابُلْيُونُ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأَصْدَرَ بَيَانًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ فِيهِ إِنَّهُ يَحْتَرِمُ الْإِسْلَامَ، وَإِنَّهُ جَاءَ لِيُحَرِّرَ مِصْرَ مِنَ الْمَمَالِيكِ.
كَذَبَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي.
وَكَانَ صَادِقًا — بِمَعْنًى مَا — فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ.
أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُقَاتِلَ الدِّينَ.
لَكِنَّ الَّذِي جَاءَ مَعَ جَيْشِهِ كَانَ أَخْطَرَ مِنَ الْجَيْشِ:
جَاءَتِ الْمَطْبَعَةُ.
جَلَسَ الشَّيْخُ حَسَنُ الْعَطَّارُ — أَحَدُ عُلَمَاءِ الْأَزْهَرِ الشَّبَابِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ — أَمَامَ آلَةِ الطِّبَاعَةِ وَهُوَ يُفَكِّرُ.
لَمْ يَكُنْ خَائِفًا مِنْهَا؛ كَانَ فَضُولِيًّا.
تَحَدَّثَ مَعَ الْعُلَمَاءِ الْفَرَنْسِيِّينَ الَّذِينَ جَاؤُوا مَعَ الْحَمْلَةِ، وَقَرَأَ مَا اسْتَطَاعَ.
وَكَتَبَ لَاحِقًا — بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ رَحِيلِ الْفَرَنْسِيِّينَ — جُمْلَةً يُعْرَفُ بِهَا:
«إِنَّ بِلَادَنَا لَا بُدَّ أَنْ تَتَغَيَّرَ أَحْوَالُهَا وَتَتَجَدَّدَ مَعَارِفُهَا.»
لَيْسَ رَفْضًا لِلدِّينِ، وَلَيْسَ رِدَّةً.
كَانَ رَجُلَ دِينٍ يَقُولُ:
اَلْأَدَاةُ تَتَطَوَّرُ، وَالْأَدَاةُ الْمُتَطَوِّرَةُ تَخْدُمُ الْحَقِيقَةَ.
لَكِنَّ ثَمَّةَ مَشْهَدًا آخَرَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ التَّارِيخِيَّةِ لَا يُرْوَى كَثِيرًا.
فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ فِي دَلْتَا النِّيلِ، اجْتَمَعَ الرِّجَالُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَرَّرَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ أَنَّ مَا يَحْدُثُ فِي الْقَاهِرَةِ لَا يَعْنِيهِمْ.
— سَتَجِيءُ هَذِهِ الْجُيُوشُ وَتَذْهَبُ، كَمَا جَاءَتْ مِنْ قَبْلِهَا وَذَهَبَتْ.
كَانَ مُحِقًّا فِي بَعْضِهِ:
اَلْجَيْشُ الْفَرَنْسِيُّ ذَهَبَ.
لَكِنَّ الْمَطْبَعَةَ بَقِيَتْ.
وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَقْرَأُ التَّارِيخَ عَلَى مُسْتَوَى السِّلَاحِ وَمَنْ يَقْرَأُهُ عَلَى مُسْتَوَى الْأَدَاةِ.
اَلْأَسْلِحَةُ تَتَحَارَبُ وَتُحْسَمُ.
وَالْأَدَوَاتُ تَتَرَاكَمُ وَتُغَيِّرُ.
— ١٥ —
اَلْمِرْآةُ الْأُورُوبِّيَّةُ
بَارِيسُ وَبَرْلِينُ — اَلْقَرْنُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْمِيلَادِيُّ
حِينَ وَصَلَ رِفَاعَةُ الطَّهْطَاوِيُّ إِلَى بَارِيسَ عَامَ ١٢٤٢ هـ / ١٨٢٦ م — كَانَ مُتَوَقَّعًا مِنْهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِلْبَعْثَةِ:
أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيُصَلِّيَ بِالطُّلَّابِ وَيُحَافِظَ عَلَى هُوِيَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ فِي بَلَدٍ غَرِيبٍ.
فَعَلَ ذَلِكَ.
وَفَعَلَ أَكْثَرَ.
كَتَبَ «تَخْلِيصَ الْإِبْرِيزِ فِي تَلْخِيصِ بَارِيزَ» — كِتَابٌ يَصِفُ فِيهِ مَا رَآهُ فِي بَارِيسَ بِعَيْنَيْ مُسْلِمٍ مُتَأَمِّلٍ.
مَاذَا قَالَ؟
قَالَ إِنَّ الْفَرَنْسِيِّينَ يُطَبِّقُونَ قِيَمًا تَتَقَاطَعُ مَعَ الْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي جَوَانِبَ كَثِيرَةٍ — دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
قَالَ إِنَّ مَفْهُومَ «اَلْوَطَنِيَّةِ» عِنْدَهُمْ يُشْبِهُ مَفْهُومَ «اَلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ» فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ.
وَقَالَ إِنَّ الْعَدْلَ الَّذِي تُطَالِبُ بِهِ الثَّوْرَةُ الْفَرَنْسِيَّةُ هُوَ الْعَدْلُ ذَاتُهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ الْقُرْآنُ.
لَمْ يَكُنِ الطَّهْطَاوِيُّ سَاذَجًا؛ كَانَ يَعْرِفُ الْفَوَارِقَ وَكَتَبَ عَنْهَا.
لَكِنَّهُ كَانَ يُؤْمِنُ بِشَيْءٍ:
أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَتَغَيَّرُ بِالْوِعَاءِ.
اَلْحَقُّ هُوَ الْحَقُّ سَوَاءٌ قَالَهُ مُسْلِمٌ أَوْ فَرَنْسِيٌّ.
وَالْعَدْلُ هُوَ الْعَدْلُ.
وَالْعَقْلُ هُوَ الْعَقْلُ.
لَكِنَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَخْطَأَ خَطَأَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ:
اَلْأَوَّلُ قَالَ:
كُلُّ مَا فِي أُورُوبَّا حَقٌّ.
فَخَسِرَ هُوِيَّتَهُ.
وَالثَّانِي قَالَ:
كُلُّ مَا فِي أُورُوبَّا بَاطِلٌ.
فَخَسِرَ الْحَقَّ.
وَالطَّهْطَاوِيُّ لَمْ يَقُلْ أَيًّا مِنْهُمَا؛ قَالَ: اُنْظُرْ. ثُمَّ فَرِّقْ. ثُمَّ خُذْ مَا يُعِينُكَ. وَدَعْ مَا لَا يُعِينُكَ.
وَهَذَا — اَلْبَسِيطُ الصَّعْبُ — هُوَ الَّذِي ظَلَّ يُتَنَازَعُ عَلَيْهِ حَتَّى الْيَوْمِ.
— ١٦ —
اَلْجِيلُ الْمَشْقُوقُ
اَلْقَاهِرَةُ وَبَيْرُوتُ — أَوَائِلُ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ
كَانَتْ طَاوِلَةٌ وَاحِدَةٌ فِي مَقْهًى بِالْقَاهِرَةِ عَامَ ١٩١٩.
جَلَسَ إِلَيْهَا أَرْبَعَةٌ:
أَوَّلُهُمْ: مُحَمَّدٌ، طَالِبٌ فِي الْأَزْهَرِ، حَفِظَ الْقُرْآنَ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا.
ثَانِيهِمْ: جَمِيلٌ، خِرِّيجُ مَدْرَسَةٍ حَدِيثَةٍ، تَعَلَّمَ الْفَرَنْسِيَّةَ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ صَحَفِيًّا.
ثَالِثَتُهُمْ: سَارَةُ — وَكَانَ وُجُودُ امْرَأَةٍ فِي مَقَاهِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ نَادِرًا لَكِنْ لَيْسَ غَائِبًا — مُعَلِّمَةٌ فِي مَدْرَسَةٍ لِلْبَنَاتِ.
رَابِعُهُمْ: أَنَسٌ، طَبِيبٌ شَابٌّ عَادَ مِنْ دِرَاسَتِهِ فِي لَنْدَنَ.
كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ ثَوْرَةِ ١٩١٩، عَنْ مِصْرَ وَعَنِ الْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: — اَلْحَلُّ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ.
قَالَ جَمِيلٌ: — اَلْحَلُّ فِي الدُّسْتُورِ وَالْقَانُونِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ.
قَالَتْ سَارَةُ: — اَلْحَلُّ فِي التَّعْلِيمِ؛ كُلُّ شَيْءٍ يَبْدَأُ مِنَ التَّعْلِيمِ.
قَالَ أَنَسٌ: — اَلْحَلُّ فِي الصِّحَّةِ وَالْعِلْمِ التَّطْبِيقِيِّ؛ اَلْأُمَمُ الْجَائِعَةُ الْمَرِيضَةُ لَا تُفَكِّرُ، مَهْمَا كَانَتْ أَفْكَارُهَا.
مَنْ كَانَ عَلَى حَقٍّ؟
كُلُّهُمْ.
وَكُلٌّ مِنْهُمْ كَانَ يَنْظُرُ مِنْ نَافِذَتِهِ.
اَلْمُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ مُخْطِئٌ؛ اَلْمُشْكِلَةُ كَانَتْ أَنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ كَأَنَّ الْإِجَابَاتِ مُتَنَافِسَةٌ — بَيْنَمَا هِيَ مُتَكَامِلَةٌ.
أَوْ أَشَدُّ دِقَّةً: كُلُّ إِجَابَةٍ مِنْهُمْ كَانَتْ ضَرُورِيَّةً وَغَيْرَ كَافِيَةٍ.
وَبَعْدَ مِئَةِ عَامٍ — فِي أَحْفَادٍ أَشْبَهَ بِهِمْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ — لَا يَزَالُ الْحِوَارُ ذَاتُهُ يَدُورُ عَلَى طَاوِلَاتٍ مُشَابِهَةٍ.
لِأَنَّ السُّؤَالَ الْحَقِيقِيَّ لَمْ يُطْرَحْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
اَلسُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ كَانَ: كَيْفَ نَجْمَعُ؟
— ١٧ —
اَلصَّوْتُ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ
لَا مَكَانَ مُحَدَّدٌ — اَلْقَرْنُ الْعِشْرُونَ
كَانَ يُسَمَّى دَاخِلِيًّا «اَلْمُلْحِدَ الْمُسْلِمَ الْأَصْلَ.»
لَمْ يَكُنْ هَذَا لَقَبًا؛ كَانَ وَصْفًا لِجِيلٍ كَامِلٍ.
جِيلٌ وُلِدَ فِي عَائِلَاتٍ مُسْلِمَةٍ، وَتَعَلَّمَ فِي مَدَارِسَ حَدِيثَةٍ، وَقَرَأَ دَارْوِينَ وَفْرُويدَ وَنِيتْشِهْ.
وَفِي مَرْحَلَةٍ مَا — وَبِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ — خَسِرَ الْإِيمَانَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ.
لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلِنْ ذَلِكَ.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ جَبَانًا، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَعِيشُ فِي مُجْتَمَعَاتٍ يَعْنِي فِيهَا الْإِعْلَانُ كُلْفَةً قَدْ تَصِلُ إِلَى الْجَسَدِ — بَلْ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ إِلَى الرُّوحِ الْقَانُونِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ مَعًا.
نُورٌ. اِسْمٌ مُخْتَارٌ لِشَخْصٍ لَا اسْمَ لَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَدَّتِ الْحَصْرَ.
كَانَتْ أُسْتَاذَةً فِي جَامِعَةٍ بِالْقَاهِرَةِ، تُدَرِّسُ الْأَدَبَ الْمُقَارَنَ.
وَكَانَتْ تَعِيشُ فِي مَكَانَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
فِي الْخَارِجِ: مُسْلِمَةٌ مُحْتَشِمَةٌ.
فِي الدَّاخِلِ: اِمْرَأَةٌ تَتَسَاءَلُ.
لَمْ تَكُنْ تَتَسَاءَلُ فِي الْكُفْرِ؛ كَانَتْ تَتَسَاءَلُ فِي الْإِيمَانِ نَفْسِهِ:
مَاذَا يَعْنِي أَنْ تُؤْمِنِي؟ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ وَالتَّقْلِيدِ؟
وَهَذَا السُّؤَالُ — بِالضَّبْطِ هَذَا السُّؤَالُ — لَمْ يَكُنْ لَدَيْهَا مَكَانٌ تَطْرَحُهُ.
لِأَنَّهُ فِي الْمَجْلِسِ الدِّينِيِّ كَانَ يُعَدُّ كُفْرًا.
وَفِي الْوَسَطِ الْأَكَادِيمِيِّ الْعِلْمَانِيِّ كَانَ يُعَدُّ تَخَلُّفًا.
كَانَتْ وَحِيدَةً فِي مَكَانٍ بِلَا اسْمٍ.
هَذَا الْوَحِيدُ — اَلْمُسْلِمُ الْمُتَسَائِلُ الَّذِي لَا يَتَنَاسَبُ مَعَ خَانَةٍ جَاهِزَةٍ — هُوَ صَاحِبُ أَكْثَرِ الْأَسْئِلَةِ عُمْقًا فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ الْمُعَاصِرِ.
لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ مِنْ مَوْقِعِ الْعَدَاءِ؛ يَسْأَلُ مِنْ مَوْقِعِ الْحَيْرَةِ.
وَالْحَيْرَةُ الصَّادِقَةُ — كَمَا كَانَ يَقُولُ الْغَزَالِيُّ بِطَرِيقَتِهِ — هِيَ بِدَايَةُ الطَّرِيقِ الْحَقِيقِيِّ.
— ١٨ —
بَرْلِينُ — مَسْجِدٌ فِي الشَّمَالِ
أَلْمَانْيَا — اَلْقَرْنُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ
كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا.
لَيْسَ كَالْمَسَاجِدِ الَّتِي يَتَخَيَّلُهَا مَنْ لَمْ يَرَ مُسْلِمِي أُورُوبَّا:
لَمْ يَكُنْ لَهُ مِئْذَنَةٌ.
كَانَ فِي الطَّابِقِ الْأَرْضِيِّ مِنْ مَبْنًى سَكَنِيٍّ، فِي حَيٍّ تُرْكِيٍّ-عَرَبِيٍّ-كُرْدِيٍّ-أَفْغَانِيٍّ مُتَعَدِّدٍ لَا يَسْهُلُ وَصْفُهُ.
جَلَسَ فِيهِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ:
تُرْكِيٌّ مِنْ طَرَابْزُونَ، وَمَغْرِبِيٌّ مِنَ الدَّارِ الْبَيْضَاءِ، وَسُورِيٌّ مِنْ حَلَبَ، وَإِنْدُونِيسِيٌّ مِنْ جَاكَرْتَا، وَأَلْمَانِيٌّ اعْتَنَقَ الْإِسْلَامَ مِنْ هَامْبُورْغَ.
كَانُوا يُصَلُّونَ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ، وَيَقْرَؤُونَ نَصًّا وَاحِدًا.
وَخَارِجَ الْمَسْجِدِ — فِي الشَّارِعِ — كَانُوا خَمْسَةَ أَشْخَاصٍ مُخْتَلِفِينَ يَتَكَلَّمُونَ لُغَاتٍ مُخْتَلِفَةً، بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ حَمَلَتْهُمْ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ.
بَعْدَ الصَّلَاةِ، جَلَسُوا يَشْرَبُونَ الشَّايَ.
قَالَ الْأَلْمَانِيُّ — وَاسْمُهُ مَارْكُوسُ، صَارَ اسْمُهُ يُوسُفَ — بِعَرَبِيَّةٍ مُتَلَعْثِمَةٍ:
— أَنَا أُصَلِّي مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ وَلَا أَزَالُ لَا أَشْعُرُ بِمَا تَصِفُونَهُ.
— بِمَاذَا تَشْعُرُ؟ — سَأَلَهُ السُّورِيُّ.
— أَشْعُرُ بِالْهُدُوءِ، لَكِنْ لَيْسَ بِالْقُرْبِ.
قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: — اَلْهُدُوءُ هُوَ الْقُرْبُ؛ أَنْتَ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مُخْتَلِفٍ.
قَالَ الْإِنْدُونِيسِيُّ: — فِي بَلَدِي يَقُولُونَ إِنَّ الصَّلَاةَ مِثْلُ الْمَاءِ؛ تَحْمِلُ الصَّابُونَ لَكِنَّهَا لَا تَغْسِلُ وَحْدَهَا؛ اَلْإِنْسَانُ يَغْسِلُ.
هَذَا الْمَجْلِسُ الصَّغِيرُ فِي بَرْلِينَ كَانَ — فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَانِي — أَكْثَرَ تَعْقِيدًا مِنْ مَجْلِسِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْكُوفَةِ.
لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ رِجَالٍ يَتَشَارَكُونَ عَالَمًا وَاحِدًا.
وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ كَانُوا يُحَاوِلُونَ أَنْ يَبْنُوا عَالَمًا مُشْتَرَكًا — وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ خَارِطَةٌ مُخْتَلِفَةٌ.
وَهَذَا هُوَ التَّحَدِّي الْجَدِيدُ.
لَيْسَ: كَيْفَ نُفَسِّرُ النَّصَّ؟
بَلْ: كَيْفَ نُفَسِّرُ النَّصَّ مَعًا — حِينَ «مَعًا» تَعْنِي خَمْسَةَ عَوَالِمَ فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ؟
— ١٩ —
اَلذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ يَسْأَلُ
فِي كُلِّ مَكَانٍ — الْآنَ
فِي مَكَانٍ مَا، يَسْأَلُ شَابٌّ فِلَسْطِينِيٌّ آلَةً:
— مَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ الْحَرْبِ؟
وَتُجِيبُ الْآلَةُ بِفِقْهٍ صَحِيحٍ.
لَكِنَّ الشَّابَّ لَمْ يَسْأَلْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ فِقْهًا؛ سَأَلَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قُتِلَ قَبْلَ سَاعَتَيْنِ.
وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ: هَلْ لَا يَزَالُ لِهَذَا كُلِّهِ مَعْنًى؟
وَالْآلَةُ لَا تَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ.
فِي مَكَانٍ آخَرَ، تَكْتُبُ فَتَاةٌ مَالِيزِيَّةٌ:
— كَيْفَ أَتَعَامَلُ مَعَ أَهْلِي الَّذِينَ يَرْفُضُونَ زَوَاجِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ دِينٍ مُخْتَلِفٍ؟
تُجِيبُ الْآلَةُ بِأَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ.
لَكِنَّ الْفَتَاةَ أَرَادَتْ أَنْ تَسْأَلَ:
هَلِ الْحُبُّ الَّذِي أَشْعُرُ بِهِ بَاطِلٌ؟ وَهَلِ الْأَلَمُ الَّذِي أُحِسُّهُ يَعْنِي أَنَّنِي أَخْطَأْتُ؟
وَالْآلَةُ تُعْطِي فِقْهًا.
وَالْفَتَاةُ تَحْتَاجُ حِكْمَةً.
هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْلُومَةِ وَالْحِكْمَةِ.
اَلْمَعْلُومَةُ هِيَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ لِلسُّؤَالِ الْمَطْرُوحِ.
اَلْحِكْمَةُ هِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَيِّ السُّؤَالِ هُوَ السُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ.
وَهَذَا الْفَرْقُ — قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الْآلَةُ — كَانَ يَضِيعُ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى الْبَشَرِيَّةِ.
اَلْفَقِيهُ الَّذِي يُجِيبُ عَلَى مَا قِيلَ — لَا عَلَى مَا يُعَاشُ — هُوَ آلَةٌ بِطَرِيقَةٍ مَا.
وَالْإِنْسَانُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ يَسْمَعُ الْأَلَمَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ السُّؤَالَ.
لَكِنَّ الْآلَةَ أَتَتْ بِشَيْءٍ جَدِيدٍ حَقًّا: دِيمُقْرَاطِيَّةُ الْمَعْرِفَةِ.
اَلطِّفْلُ فِي النِّيجَرِ يَسْأَلُ الْيَوْمَ السُّؤَالَ ذَاتَهُ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُهُ طُلَّابُ الْأَزْهَرِ قَبْلَ أَلْفِ عَامٍ، وَيَحْصُلُ عَلَى جَوَابٍ فَوْرِيٍّ.
هَلْ هَذَا جَيِّدٌ؟
نَعَمْ، وَخَطِرٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
جَيِّدٌ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَمْ تَعُدْ حِكْرًا عَلَى مَنْ يَمْلِكُ الْوُصُولَ إِلَى مَكْتَبَةٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ.
وَخَطِرٌ لِأَنَّ الْجَوَابَ الْفَوْرِيَّ يُوهِمُ بِأَنَّ الْفَهْمَ فَوْرِيٌّ أَيْضًا.
وَالْفَهْمُ لَيْسَ فَوْرِيًّا.
اَلْفَهْمُ يَحْتَاجُ زَمَنًا.
— ٢٠ —
اَلْمَجْلِسُ الْأَخِيرُ – خَارِجَ الزَّمَنِ
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي لَا تُسَمِّيهِ الْجُغْرَافِيَا — اِجْتَمَعُوا.
سَلْمَى الَّتِي وَقَفَتْ عِنْدَ عَتَبَةِ الْمَسْجِدِ يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ بِيَدِهِ الْخَيْطُ وَالْمِغْزَلُ.
وَرَابِعَةُ الَّتِي قَالَتْ إِنَّهَا تَعْبُدُ مَنْ تُحِبُّ.
وَالْحَلَّاجُ الَّذِي رَفَضَ الِاعْتِذَارَ عَنِ الْمَحَبَّةِ.
وَابْنُ سِينَا الَّذِي صَلَّى شُكْرًا حِينَ فَهِمَ أَرِسْطُو.
وَابْنُ رُشْدٍ الَّذِي كَتَبَتْ كُتُبُهُ النَّهْضَةَ الْأُورُوبِّيَّةَ بَعْدَهُ بِقَرْنَيْنِ.
وَابْنُ خَلْدُونَ الَّذِي قَالَ: اَلظُّلْمُ يُخَرِّبُ الْعُمْرَانَ.
وَأَمِينَةُ الْفَقِيهَةُ وَخَدِيجَةُ الْإِدْرِيسِيَّةُ اللَّتَانِ جَلَسَتَا تَتَحَدَّثَانِ عَنِ الْحِبْرِ وَالْجُدْرَانِ.
وَرِفَاعَةُ الطَّهْطَاوِيُّ الَّذِي جَلَسَ أَمَامَ الْمَطْبَعَةِ بِفُضُولٍ.
وَنُورٌ الْأُسْتَاذَةُ الَّتِي سَأَلَتْ فِي مَكَانٍ لَا اسْمَ لَهُ.
وَيُوسُفُ — مَارْكُوسُ — الْأَلْمَانِيُّ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الْقُرْبِ.
وَأَنَسٌ الطِّفْلُ — لَمْ يَعُدْ طِفْلًا — يَحْمِلُ قَلَمًا.
قَالَ الرَّاوِي الْمَجْهُولُ:
— جَمِيعُكُمْ سَمِعَ مَا قَالَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ.
وَسَمِعَ مَا فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ.
اَلْمَسَافَةُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ — لَيْسَتْ مَسَافَةَ كُفْرٍ وَإِيمَانٍ.
هِيَ مَسَافَةٌ بَشَرِيَّةٌ؛ أَنْتَجَهَا الزَّمَنُ وَالْمَصْلَحَةُ وَالْخَوْفُ وَالنِّسْيَانُ وَالتَّقْلِيدُ وَالسِّيَاسَةُ.
وَهَذِهِ الْمَسَافَةُ قَابِلَةٌ لِلْقَطْعِ.
قَالَتْ سَلْمَى:
— أَنَا رَأَيْتُ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ؛ اَلْيَوْمَ الَّذِي تَوَقَّفَ فِيهِ الْوَحْيُ.
وَكُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّهُ نِهَايَةٌ.
صَمَتَتْ.
— وَالَّذِي فَهِمْتُهُ بَعْدَ كُلِّ هَذَا: لَمْ يَكُنْ نِهَايَةً.
كَانَ بِدَايَةً.
بِدَايَةَ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَحْمِلُ كَلَامَ اللهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُمْلِي عَلَيْهِ كُلَّ كَلِمَةٍ.
وَهَذِهِ — بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ ثِقَلٍ — هِيَ أَعْظَمُ أَمَانَةٍ وُكِّلَتْ لِإِنْسَانٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: — وَالْأَمَانَةُ لَا تُؤَدَّى بِغَيْرِ الْعَقْلِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: — وَلَا بِغَيْرِ الْقَلْبِ.
قَالَتْ رَابِعَةُ: — وَلَا بِغَيْرِ الْحُبِّ.
قَالَ ابْنُ خَلْدُونَ: — وَلَا بِغَيْرِ الصِّدْقِ مَعَ الْوَاقِعِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: — وَلَا بِغَيْرِ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ الْفِكْرَ الَّذِي لَا يَخْدُمُ الْإِنْسَانَ — هُوَ فِكْرٌ فِي الْهَوَاءِ.
نَظَرَ أَنَسٌ — الَّذِي لَمْ يَعُدْ طِفْلًا — إِلَى مَا كَتَبَهُ.
كَانَتْ أَمَامَهُ صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ.
قَالَ: — مَاذَا أَكْتُبُ الْآنَ؟
قَالَتْ سَلْمَى بِابْتِسَامَتِهَا الَّتِي تَحْمِلُ كُلَّ الْأَزْمِنَةِ: — اُكْتُبْ سُؤَالَكَ الْحَقِيقِيَّ.
— وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ صَعْبًا؟
— اَلسُّؤَالُ الصَّعْبُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْكِتَابَةَ.
— وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ؟
قَالَ الْغَزَالِيُّ: — اَلسُّؤَالُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ جَوَابٌ جَاهِزٌ — هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يُغَيِّرُ مَنْ يَسْأَلُهُ.
وَكَانَ الصَّمْتُ مَرَّةً أُخْرَى.
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَمْتَ الِانْتِهَاءِ.
كَانَ صَمْتَ مَنْ يَجْلِسُ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ.
لِأَنَّ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْكِتَابِ كُلِّهِ — قِيلَ لِيُقْرَأَ، وَيُتَأَمَّلَ، وَيُحَاوَرَ، وَيُعَادَ قِرَاءَتُهُ.
لِأَنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ الَّذِي بَدَأَتْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَانْتَهَتْ بِهِ — لَمْ يَقُلْ لِلْإِنْسَانِ: هَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْجَاهِزُ.
قَالَ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
دَعْوَةٌ. لَا إِجَابَةٌ.
مِفْتَاحٌ. لَا قَفَصٌ.
بِدَايَةٌ. لَا نِهَايَةٌ.
وَهَذَا — فِي حَدِّ ذَاتِهِ — هُوَ أَعْظَمُ مَا فِي الْمَنْهَجِ الْقُرْآنِيِّ:
أَنَّهُ يُعْطِي الْإِنْسَانَ الْأَدَوَاتِ وَيَتْرُكُهُ حُرًّا فِي الْبِنَاءِ.
لِأَنَّ اللهَ — الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ حُرًّا — لَمْ يُرِدْ لَهُ كِتَابًا يُلْغِي حُرِّيَّتَهُ.
أَرَادَ لَهُ كِتَابًا يُعِينُهُ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا.
وَبَيْنَ هَذَيْنِ — بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَوْنِ —اَلْحَيَاةُ كُلُّهَا.
«اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» اَلْمَائِدَةُ: ٣
اِكْتَمَلَ الْوَحْيُ.
وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ.
وَالْقِصَّةُ — قِصَّةُ مَا بَيْنَ الِاكْتِمَالِ وَالْبِدَايَةِ — لَمْ تَنْتَهِ.
هِيَ قِصَّتُكَ أَنْتَ.
حِينَ تُغْلِقُ هَذَا الْكِتَابَ.
وَتَفْتَحُ الْكِتَابَ الْآخَرَ.

 _ نعمـان البربـري _
_ باكنانغ – المانيـا _

حُرِّر يوم الثلاثاء،

التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1443 للهجرة،

الموافق للأول من شهر شباط (فبراير) سنة 2022 للميلاد.