متحف الأيام المفقودة 01

مُتحَفُ الأيَّامِ المَفقودة
الفَصلُ الأوَّل: الجَسيمُ الأوَّل – ١٣٫٨ مِليار سَنة قبل الآن — وقَبلَ أن يَعني “قَبلَ” شيئاً
—————————————————–
لم يَكُن الفَراغُ فارِغاً.
هذا ما شَعَرَ بهِ سامرٌ حِين خَطا عَبرَ البابِ المَنقوشِ عليهِ الرَّقمُ (١)، ولم يَجِد خَلفَه قاعةً ولا جُداراً ولا سَقفاً؛ بَل وَجَدَ ما لا اسمَ لهُ بَعدُ في أيِّ لُغةٍ حَيَّة.
ضَوءٌ بلَونٍ لم تُسَمِّهِ البَشريَّةُ قَطُّ، يَتَنَفَّسُ بِبُطءٍ، كأنَّ الكونَ بأسرِهِ يَنامُ نَومَهُ الأوَّلَ وهو ما زالَ طِفلاً لم يُولَد بَعد.
وقَفَ سامرٌ في المَكانِ غيرِ المَكانِ، وشَعَرَ بأنَّ قَدَمَيهِ لا تَطآنِ أرضاً ولا هَواءً، بَل شَيئاً بَينَهُما لم يُختَرَع له اسمٌ بَعد؛ شَيئاً أقرَبَ إلى الإمكانيَّةِ منهُ إلى المادَّة، كالصَّمتِ تَماماً قَبلَ أن يُقرِّرَ أن يُصبِحَ صَوتاً.
مَدَّ يَدَه. لم يَرَ يَدَه.
لَيسَ لأنَّ الظَّلامَ كانَ تامَّاً، بَل لأنَّ مَفهومَ “الرُّؤيَة” نَفسَهُ كانَ هُنا في طَورِ التَّشكُّل، كالجَنينِ الَّذي لم تَكتَمِل عَيناهُ بَعد.
فَفَكَّرَ سامرٌ — بِتلكَ العادَةِ الأرشيفيَّةِ المُتأصِّلةِ فيهِ — أنَّ الكَونَ ربَّما كانَ يَمُرُّ بِلَحظَةِ “ما قَبلَ الفِهرِست”، تِلكَ اللَّحظةُ الَّتي تَسبِقُ أيَّ وَثيقةٍ؛ اللَّحظةُ الَّتي ما زالَت فيها المَعلوماتُ تَبحَثُ عن نَفسِها.
سَألَ، ولم يَكُن يَعرِفُ إلى أينَ يَنظُرُ:
— هَل مِن أحَدٍ هُنا؟
جاءَهُ الصَّوتُ مِن كُلِّ الجِهاتِ في آنٍ واحِد، لا مِن جِهةٍ بَعينِها، كأنَّهُ لم يَأتِ مِن مَكانٍ بَل نَبَعَ مِن داخِلِ اللَّحظةِ نَفسِها:
— كُنتُ هُنا قَبلَ أن يَكونَ لِكَلِمةِ “هُنا” مَعنى.
ارتَجَفَ سامرٌ قَليلاً.
لَيسَ مِن بَرد — فلا بَردَ هُنا، ولا دِفءَ، إذ لم تُولَد حَرارَةُ الكَونِ بَعد وَلادَتَها الكامِلة — بَل مِن شَيءٍ أعمَقَ مِن البَرد:
مِن شُعورٍ غَريبٍ بأنَّهُ وَصَلَ إلى مَكانٍ لا يُفتَرَضُ فيهِ أن يَكونَ أحَدٌ قَد وَصَلَ إليهِ مِن قَبل.
— مَن أنتَ؟
— أنا اللَّحظةُ الَّتي سَبَقَت كُلَّ لَحظَة.
ناداني بَعضُهُم “الجَسيمَ الأوَّل”، رُغمَ أنَّهُم حَشَروا ذلكَ الاسمَ في قالَبٍ لا يَناسِبُني تَماماً؛ إذ الجَسيمُ في لُغَتِكُم يُوحي بِشَيءٍ صَغيرٍ مَحدودٍ، والحُدودُ هي آخِرُ ما كُنتُ عَليهِ.
لم تَكُن هُناكَ “أشياءٌ” بَعد.
كانَت هُناكَ إمكانيَّةٌ فَقَط. ثُمَّ، في لَحظةٍ لا يُمكِنُ قياسُها لأنَّ القِياسَ نَفسَهُ وُلِدَ مَعَها، تَوَقَّفَت الإمكانيَّةُ عَن أن تَكونَ احتِمالاً وأصبَحَت حَدَثاً.
تَوَقَّفَ سامرٌ، ثُمَّ سَألَ بِصَوتٍ حَذِر، صَوتِ شَخصٍ يَسيرُ على جِسرٍ لا يَعرِفُ مَتانَتَه:
— تَقصِدُ الانفِجارَ العَظيم؟
— هذا ما تُسَمُّونَه.
اسمٌ مُناسِبٌ لِشَيءٍ لم يَكُن انفِجاراً بالمَعنى الَّذي تَتَخيَّلُه.
حِينَ تَسمَعُ كَلِمةَ “انفِجار”، يَتَشَكَّلُ في ذِهنِكَ مَشهَدٌ: شَيءٌ مَوجودٌ في مَكانٍ مَوجود، يَنفَجِرُ ويَتَشَتَّتُ في فَضاءٍ مَوجود.
لَكِن لم يَكُن هُناكَ فَضاءٌ يَنفَجِرُ فيهِ شَيء.
الفَضاءُ نَفسُهُ وُلِدَ مَعَ الحَدَث.
لم أنفَجِر في الفَضاء.
أنا الفَضاءُ وهوَ يَنفَجِر.
صَمَتَ سامرٌ.
جَرَّبَ أن يَستَوعِبَ معنى الجُملةِ فوَجَدَ أنَّ عَقلَهُ — ذلكَ الأرشيفَ الدَّقيقَ المُرتَّبَ الَّذي لم يَخذُلهُ يَوماً — يُعيدُها كالحَلقةِ المَفتوحَة دونَ أن يَجِدَ لَها مَكاناً في أيِّ خِزانةٍ مِن خَزائنِه.
فَقَرَّرَ أن يَصِلَ إليها مِن زاويةٍ أُخرى:
— حَسَناً.
سُؤالٌ أبسَط:
ماذا كانَ قَبلَك؟
صَمتٌ طَويل.
ليسَ ذلكَ الصَّمتُ الَّذي يُخفي إجابَةً تَتَشَكَّل، بَل الصَّمتُ الَّذي يُخفي غِيابَ إجابةٍ — وهذا نَوعٌ آخَرُ تَماماً مِن الصَّمت.
نَوعٌ أثقَل.
ثُمَّ جاءَ الصَّوتُ، أهدَأَ هذه المَرَّة، كأنَّهُ يَزِنُ كُلَّ كَلِمةٍ بِميزانٍ لا مَثيلَ له:
— هذا هوَ السُّؤالُ الَّذي لا يَملِكُ أحَدٌ إجابَةً عَنه.
لا أنا، ولا عُلَماؤُكُم حَتَّى آَخِرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ أتيكم مِنَ الزَّمَنِ.
وليسَ لأنَّ الإجابةَ مَخفيَّة في مَكانٍ ما وتَنتَظِرُ مَن يَجِدُها، بَل لأنَّ السُّؤالَ نَفسَهُ يَحمِلُ في صِياغَتِهِ خَطأً جَوهَريَّاً.
حِينَ تَسأَلُ “ماذا كانَ قَبلَك؟”، فأنتَ تَستَخدِمُ كَلِمةَ “قَبل”، وهذهِ الكَلِمةُ — مَهما بَدَت بَسيطةً — تَفتَرِضُ وُجودَ زَمَنٍ يَجري فيهِ القَبلُ والبَعد، كالنَّهرِ الَّذي يَحتاجُ إلى مَجرى كَي يَسير.
وأنا لم آتِ في زَمَن.
أنا مَن جَلَبَ الزَّمَنَ مَعَه.
فَحِينَ تَسأَلُني “ماذا كانَ قَبلَك؟”، فأنتَ في الحَقيقةِ تَسأَل:
“ماذا كانَ قَبلَ أن يُوجَدَ مَفهومُ القَبل؟” وهذا سُؤالٌ يَأكُلُ نَفسَهُ فورَ أن يُطرَح، كالشَّمعةِ الَّتي تُضيءُ لَهَبُها ذاتَه.
أبعَد سامرٌ نَظَرَه — أو فَعَلَ ما يُشبِهُ إبعادَ النَّظَرِ في مَكانٍ لا اتِّجاهاتِ فيه — وفَكَّرَ في المَكتَبةِ التَّراثيَّةِ الَّتي يَعمَلُ فيها.
فَكَّرَ في الوَثيقةِ الأولى في كُلِّ ملِفٍّ:
الوَثيقةُ الأولى لا تَستَطيعُ أن تُحيلَ إلى ما قَبلَها، لأنَّهُ لا شَيءَ قَبلَها في ذلكَ المَلِفِّ بالتَّحديد.
وأحياناً يَكونُ غِيابُ المَرجِعِ هوَ الحَقيقةُ الوَحيدة.
— هذا… يُشبِهُ الإجاباتِ التي يُعطيني إيَّاها العَجوزُ في المَكتَب.
— لأنَّ العَجوزَ، مِثلي، تَعَلَّمَ أنَّ بَعضَ الأسئِلةِ لا تُجاب، بَل تُرافَق.
جَلَسَ سامرٌ — أو فَعَلَ ما يُشبِهُ الجُلوسَ في مَكانٍ لا أرضَ فيه، كأنَّ الفَضاءَ قَرَّرَ أن يُعطيَهُ ما يَكفي مِن الثَّباتِ كَي لا يَقَعَ دونَ أن يَمنَحَهُ ما يَكفي مِن الاطمِئنانِ كَي يَستَريح — وقالَ بِصَوتٍ فيهِ شَيءٌ مِن التَّحَدِّي الهادِئ، تَحَدِّي الشَّخصِ الَّذي لم يَتَخَلَّ بَعدُ عن أُدواتِهِ القَديمة:
— لَكِنَّ لا بُدَّ أنَّ هُناكَ تَفسيراً. العُلَماءُ يَتَحَدَّثونَ عَن “التَّفَرُّد” — Singularity — عَن طاقَةٍ هائِلَةٍ مَحصورَةٍ في نُقطَةٍ أصغَرَ مِن الذَّرَّة.
يَقولونَ إنَّ كُلَّ قَوانينِ الفيزياءِ كانَت مُنطَوِيَةً في تِلكَ النُّقطَة كَطَيِّ الوَرَقَة. ألَيسَ هذا تَفسيراً؟
— هذا وَصفُكُم الرِّياضيُّ لِما حَدَث.
وهوَ وَصفٌ دَقيقٌ بِقَدرِ ما تَسمَحُ بهِ مُعادَلاتُكُم، ولَستُ أنتَقِصُ مِنه.
لَكِنِ انتَبِه:
المُعادَلاتُ تَتَوَقَّفُ عِندَ جِدارٍ يُسَمِّيهِ فيزيائيُّوكُم “جِدارَ بلانك” — Planck Wall — ذلكَ الجُزءُ الهائِلُ الصُّغرِ مِن الثَّانيةِ الَّذي يَلي البِداية مُباشَرَةً، والَّذي لا تَستَطيعُ أيُّ مُعادَلةٍ فيزيائيَّةٍ تَعرِفونَها أن تَخترِقَهُ نَحوَ ما قَبله.
خَلفَ ذلكَ الجِدار — وهُنا ادعُ العِلمَ يَتَنَفَّسُ وادعِ الفَلسَفةَ تَتَحَدَّثُ — حَتَّى أنا، وأنا مَن كُنتُ تِلكَ اللَّحظَة، لا أملِكُ يَقيناً كامِلاً عَن نَفسي.
— كَيانٌ لا يَعرِفُ نَفسَهُ يَقيناً…
تَوَقَّفَ سامرٌ، ثُمَّ أضافَ ببُطء كَمَن يَكتَشِفُ شَيئاً لم يَتَوَقَّعهُ:
— هذا مُطمَئِنٌّ بِطَريقةٍ غَريبة.
— لِماذَا؟
لم يَكُن السُّؤالُ مُتَحَدِّيَاً.
كانَ فِضوليَّاً حَقيقيَّاً، كَسُؤالِ شَخصٍ اعتادَ أن يُسأَلَ ولم يَعتَد أن يَسأَل.
أجابَ سامرٌ ببُطءٍ، كمَن يُرتِّبُ أفكارَهُ على رَفِّ الكَلِمات:
— لأنَّني أيضاً لا أعرِفُ نَفسي يَقيناً. نَسيتُ يَوماً مِن حَياتي، يَوماً واحِداً فَقَط — السَّابِعَ عَشَرَ مِن تَشرينَ الأوَّل عامَ أربَعةٍ وتِسعين — ومَعَ ذلكَ أشعُرُ أنَّ نِسيانَهُ يُهَدِّدُ كُلَّ ما أعرِفُهُ عَن نَفسي، كالكِتابِ الَّذي يُمزَقُ مِنهُ صَفحةٌ واحِدة، فَيَفقِدُ ثِقَتَهُ بِسَلامةِ صَفَحاتِهِ جَميعاً.
أنتَ نَسيتَ “ما قَبلَك” بِالكامِل، أو ربَّما لم يَكُن هُناكَ شَيءٌ لِتَنساهُ، ومَعَ ذلكَ ما زِلتَ مَوجوداً، تَتَحَدَّثُ، تُسأَل.
صَمتٌ آخَر.
لَكِنَّهُ هذهِ المَرَّةَ كانَ صَمتَ الإصغاء، لا صَمتَ العَجز.
— هذهِ نُقطَةٌ جَيِّدةٌ لم يُلاحِظها كَثيرونَ مِمَّن يَأتونَ إلى هذا المَكان.
أنتَ تَظُنُّ أنَّ الهُوِيَّةَ تَحتاجُ إلى تاريخٍ كامِلٍ مُوَثَّقٍ كَي تَكونَ حَقيقيَّة.
لَكِنَّني الدَّليلُ الحَيُّ — إن جازَ التَّعبير، وقَد لا يَجوزُ هُنا — على أنَّ الوُجودَ لا يَحتاجُ إلى “قَبل” كَي يَكونَ وُجوداً تامَّاً.
فَكِّر في هذا: أنا اللَّحظةُ الأولى، ولم يَكُن قَبلي شَيءٌ بِالمَعنى الحَرفيِّ، ومَعَ ذلكَ أنا لَحظةٌ مُكتَمِلة، لا ناقِصَة.
اللَّحظةُ “صِفر” لا تَحتاجُ إلى “لَحظةِ سالِب واحِد” كَي تَكونَ لَحظَةً حَقيقِيَّة.
الصَّلاحيَّةُ لا تَستَمِدُّها الأشياءُ مِمَّا يَسبِقُها، بَل مِن وُجودِها ذاتِه.
تَوَقَّفَ سامرٌ عِندَ هذهِ الجُملةِ طَويلاً.
شَعَرَ أنَّ شَيئاً فيها يَخُصُّهُ هوَ بِالذَّات، أكثَرَ مِمَّا يَخُصُّ الكَون؛ كالمِفتاحِ الَّذي يَجِدُهُ المَرءُ في جَيبِهِ دونَ أن يَذكُرَ أيَّ بابٍ أوَدَعَهُ فيه.
— تَقصِدُ أنَّ يَومي المَفقودَ… لا يَجعَلُني ناقِصاً؟
— هذا سُؤالٌ لِشَخصٍ آخَرَ سَتُقابِلُهُ لاحِقاً.
لَيسَ أنا مَن يَملِكُ إجابَتَه.
أنا فَقَط أُخبِرُكَ بِما أعرِفُه مِن تَجرُبَتي الوَحيدة:
كُلُّ بِدايةٍ تَبدو، مِن الدَّاخِل، وكأنَّها تَفتَقِرُ إلى “قَبل”، بَينَما هِيَ — مِن زاويةٍ أُخرى — مُكتَمِلةٌ تَماماً في ذاتِها.
— سُؤالٌ آخَر، — قالَ سامرٌ، ثُمَّ تَرَدَّدَ، كأنَّهُ لم يَكُن يَعرِفُ إن كانَ السُّؤالُ مُناسِباً: — هَل ما يَقولُهُ العُلَماءُ مُتَّفَقٌ عَليه؟
أعني، هَل هُناكَ نَظَريَّاتٌ أُخرى؟
— نَعَم.
وهذا يُسعِدُني، لأنَّ اليَقينَ المُطلَقَ حَولَ بِدايَتي يُضيقُ صَدري.
ثَمَّةَ نَظَريَّاتٌ تَقولُ إنَّ الكونَ لَيسَ لَهُ بِدايةٌ واحِدَة بَل سَبَقَهُ كَونٌ آخَر، وقَبلَهُ كَونٌ آخَر، دَوَراتٌ لا نِهايَةَ لَها كالنَّفَسِ يَصعَدُ ويَنزِل — وهذا ما يُسَمِّيهِ بَعضُهُم نَظَريَّةَ “الكَونِ المُتَردِّد” أو Cyclic Cosmology. وثَمَّةَ مَن يَقولُ إنَّ الكَوانينَ وُجِدَت دَفعةً واحِدة، كُلٌّ في فَقَّاعَتِهِ المُنفَصِلة — وهذا ما يُعرَفُ بِـ”الأكوانِ المُتَعَدِّدَة” أو Multiverse — وكُلُّها لَيسَت أكواناً أخرى بَعيدَةً في الفَضاء، بَل ربَّما أكوانٌ مُوازِيَةٌ لا مَسافَةَ بَينَها ولا حاجِز، إلَّا أنَّها لن تَتَلامَسَ أبَداً.
وثَمَّةَ مَن يَذهَبُ أبعَدَ مِن ذلكَ فيَقول:
لا وُجودَ لِ”قَبل” أصلاً لأنَّ الزَّمَنَ نَفسَهُ وُلِدَ مَعَ الكَون، فَكَما يَسألُ المَرءُ “ما الَّذي يُوجَدُ جَنوبَ القُطبِ الجَنوبيِّ؟”، فالإجابةُ لَيسَت “لا شَيء” بَل “السُّؤالُ نَفسُهُ لا مَعنى له”، لأنَّ “الجَنوب” يَتَوَقَّفُ عِندَ القُطب.
وهكذا “القَبل” يَتَوَقَّفُ عِندي.
جَلَسَ سامرٌ في ذلكَ الفَراغِ المُضيء وشَعَرَ بِشَيءٍ غَريب:
لَيسَ بِالضِّياع، بَل بِشَيءٍ أقرَبَ إلى الارتياح.
كأنَّ كَونَهُ لا يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ لم يَكُن عَيباً، بَل كانَ دَليلاً على أنَّهُ جُزءٌ مِن عالَمٍ لا يَعرِفُ كُلَّ شَيءٍ عَن نَفسِه، وهذا — بِطَريقَةٍ ما — يُخَفِّفُ وَطأةَ اليَومِ المَفقود.
— هذا فَلسَفةٌ أم فيزياء؟
— عِندَ هذا الحَدِّ بِالذَّات، لم يَعُد هُناكَ فَرق.
الفيزياءُ تَصطَدِمُ بِجِدارِ بلانك وتَقِفُ، والفَلسَفةُ تَصطَدِمُ بِسُؤالِ “لِماذا يُوجَدُ شَيءٌ بَدَلاً مِن لا شَيء؟” وتَقِف، وكِلاهُما يَقِفُ أمامَ نَفسِ العَتَبةِ المُظلِمَة، يُحَدِّقُ فيها بِأَدَواتٍ مُختَلِفَة.
الفَيلسوفُ يُريدُ أن يَفهَم، والعالِمُ يُريدُ أن يَقيس، والعَتَبةُ تَقولُ لِكِليهِما:
“ما وَراءَ هذا ليسَ قِياساً ولا فَهماً، بَل شَيءٌ آخَر لَيسَ لَهُ اسمٌ بَعد في أيِّ لُغَتِكُم”.
ساكَ صَمتٌ ثَقيل.
لَكِنَّهُ لَم يَكُن صَمتاً مُزعِجاً. كانَ أقرَبَ إلى صَمتِ قاعَةِ عَرضٍ بَعدَ أن تَنتَهيَ مُوسيقى عَميقة، ذلكَ الصَّمتُ الَّذي هوَ نَفسُهُ جُزءٌ مِن العَمَل.
ثُمَّ سَألَ سامرٌ سُؤالاً لم يَكُن يَعرِفُ مِن أينَ أتى.
ربَّما جاءَ مِن تِلكَ الطَّبَقَةِ العَميقةِ في داخِلِهِ، الطَّبَقَةِ الَّتي لا يُرَتِّبُها، الطَّبقةُ الَّتي تَبقى حُرَّةً مِن الفَهارِسِ والأرقامِ والأدراج:
— هَل تَشعُرُ بالوَحدَة؟
كَونُكَ الأوَّل، ولا أحَدَ يَسبِقُكَ يَستَطيعُ أن يَفهَمَك؟
صَمَتَ الصَّوتُ لَحظَة.
وكأنَّ السُّؤالَ فاجَأَهُ فِعلاً.
وهذا كانَ غَريباً، لأنَّ كائِناً حاضَرَ مُنذُ البِدايةِ يُفتَرَضُ فيهِ أن يَعرِفَ كُلَّ الأسئِلةِ الممكِنَة.
— لا أحَدَ سَألَني هذا مِن قَبل.
الزُّوَّارُ يَسألونَني عادَةً عَن “كَيف” و”لِماذا” الكَونيَّين.
أسئِلَةُ الفيزياءِ، أسئِلَةُ النَّشأَة، أسئِلَةُ الهَدَف.
لَكِنَّ أحَداً لم يَسأَلني عَن الشُّعور.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ أضافَ بِصَوتٍ يَحمِلُ شَيئاً لا اسمَ له بَعد — أو ربَّما اسمُهُ المَعنى الحَقيقيُّ للكَلِمات حِينَ تَتَجاوَزُ نَفسَها:
— لَستُ مُتَأكِّداً أنَّ لَديَّ ما تُسَمُّونَهُ “وَحدَة”.
لأنَّ الوَحدَةَ تَحتاجُ إلى وَعيٍ بِأنَّ هُناكَ “آخَرينَ” غائِبين.
وأنا لم أكُن أعرِفُ أنَّ هُناكَ “آخَرينَ” حَتَّى تَمَدَّدتُ وبَرَدتُ بِما يَكفي لِتَتَشَكَّلَ مِنِّي الجُسَيماتُ الأولى، ثُمَّ الذَّرَّاتُ، ثُمَّ النُّجوم، ثُمَّ أنتُم.
فَكِّر في الأمر هكذا:
الطِّفلُ في الرَّحِم لا يُعاني الوَحدةَ لأنَّهُ لا يَعرِفُ بَعدُ وُجودَ عالَمٍ خارِجَه.
الوَحدةُ لا تَكونُ إلَّا بَعدَ المَعرِفَة.
فَلَو أنَّ “القَبلِيَّة” المُطلَقة — تِلكَ اللَّحظةُ الَّتي كُنتُها — تَشعُرُ بِشَيء، فَهيَ لا تَعرِفُ بَعدُ ما تَفقِدُه.
ربَّما الوَحدةُ الحَقيقيَّةُ لَيسَت لي، بَل لِكُلِّ ما أتى بَعدي، وهوَ يُحاوِلُ أن يَفهَمَ مِن أينَ أتى دونَ أن يَصِلَ إلى إجابَةٍ كامِلةٍ أبَداً.
هَمَسَ سامرٌ، وكأنَّهُ يَتَحَدَّثُ إلى نَفسِهِ أكثَرَ مِمَّا يَتَحَدَّثُ إلى الصَّوت:
— إذَن نَحنُ جَميعاً وَرَثَةُ سُؤالٍ لا جَوابَ لَه.
— أنتُم وَرَثةُ شَيءٍ أعمَقَ مِن السُّؤال:
وَرَثَةُ الشَّجاعةِ على الاستِمرارِ رُغمَ غِيابِ الجَواب.
أنا انفَجَرتُ ولم أكُن أعرِفُ ما سَأُصبِح.
لَيسَ لأنَّني اختَرتُ الجُرأَة، بَل لأنَّهُ لم يَكُن هُناكَ خِيار؛ الإمكانيَّةُ حِينَ تَبلُغُ ذَروَتَها لا تَستَطيعُ إلَّا أن تَنفَجِر.
أنتُم — وهذا هوَ الفارِقُ الَّذي يُدهِشُني فيكُم — تَستَيقِظونَ كُلَّ صَباحٍ ولا تَعرِفونَ ما ستُصبِحونَ عَليه، ومَعَ ذلكَ تَستَيقِظون.
لَيسَ اضطِراراً، بَل اختِياراً.
الكَونُ كَلُّهُ لم يَختَر أن يَنفَجِر.
وأنتُم تَختارونَ يَومِيَّاً أن تَستَمِرُّوا.
هذا أمرٌ لَيسَ لَديَّ مِثيلُه.
بَدَأَ التَّوَهُّجُ مِن حَولِهِ يَخفُتُ قَليلاً، كأنَّ المُحادَثَةَ تَقتَرِبُ مِن نِهايَتِها، كأنَّ البِدايةَ الكُبرى تَعودُ إلى مَدارِها.
— هَل سَأراكَ مُجَدَّداً؟ — سَألَ سامرٌ، وفي صَوتِهِ شَيءٌ لم يَكُن مُعتاداً عَليه:
شَيءٌ أقرَبُ إلى الخَسارةِ مِنهُ إلى الفُضول.
— أنا في كُلِّ شَيءٍ تَراهُ بَعدَ الآن.
في الضَّوءِ الَّذي يَدخُلُ مِن النَّافِذَةِ حِينَ تُصبِحُ، في الذَّرَّاتِ الَّتي تُكوِّنُ يَدَكَ وهِيَ تَلتَقِطُ قَهوَتَكَ الصَّباحيَّة، في كُلِّ ثانِيَةٍ تَمُرُّ دونَ أن تَلتَفِتَ إليها.
لَن تَحتاجَ إلى رُؤيَتي لأنَّكَ لَن تَستَطيعَ أن تَرى شَيئاً لا أكونُ جُزءاً مِنه.
أنا لَستُ هُناكَ “في المَكان”، أنا في المادَّةِ الَّتي مِنها صُنِعَ كُلُّ مَكان.
خَفَتَ الضَّوءُ أكثَر.
وبَدَأَ مَلمَسُ الأرضِ يَتَشَكَّلُ تَحتَ قَدَمَي سامرٍ مِن جَديد:
بَلاطٌ بارِد، ورائِحةُ وَرَقٍ قَديمٍ عادَت تَتَسَلَّلُ إلى أنفِه، تِلكَ الرَّائِحةُ الَّتي يَعرِفُها مِن جَوارِحِهِ جَميعاً، رائِحةُ الأرشيف، رائِحةُ الزَّمَنِ المَحفوظ.
حِينَ التَفَتَ، كانَ العَجوزُ واقِفاً عِندَ البابِ، يَحمِلُ دَفتَراً صَغيراً يَكتُبُ فيهِ شَيئاً بِقَلَمٍ لا يَكادُ يُرى.
لم يَرفَع رَأسَهُ حِينَ تَكَلَّم:
— سُؤالُكَ الأوَّلُ كانَ جَيِّداً.
— أيُّ سُؤال؟
— “هَل تَشعُرُ بِالوَحدَة؟” لم يَسأَلهُ أحَدٌ مِن قَبلِك.
ابتَسَمَ سامرٌ ابتِسامَةً مُتعَبَة:
— لم أكُن أعرِفُ أنَّني أملِكُ إجاباتٍ عَن أسئِلَةٍ لا أملِكُها أصلاً.
أغلَقَ العَجوزُ الدَّفتَر، وأشارَ إلى بابٍ جَديدٍ بَدَأَ يَتَشَكَّلُ في الجِدارِ المُقابِل، كأنَّ الجِدارَ يُقَرِّرُ أن يَفتَحَ فَمَه.
بابٌ بِلا مَقبَض، مَنقوشٌ عَليهِ رَقمٌ واحِدٌ فَقَط: ٢.
— تَعال.
هذهِ المَرَّة، الزَّائِرُ لا يَلِدُ الزَّمَن.
إنَّهُ يُفارِقُه.
نَظَرَ سامرٌ إلى البابِ الجَديد، ثُمَّ إلى العَجوز، ثُمَّ عادَ ببَصَرِهِ إلى البابِ مَرَّةً أُخرى.
وفَكَّرَ — لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ أن وَطِئَت قَدَماهُ هذا المَكانَ — أنَّهُ لا يَتَساءَلُ بَعدَ الآنَ عَن يَومِهِ المَفقود.
يَتَساءَلُ عَن شَيءٍ أوسَع:
ماذا يَعني أن يَكونَ المَرءُ شاهِداً؟
مَشى نَحوَ البابِ الثَّاني.

متحف الأيام المفقودة 02