متحف الأيام المفقودة 02

مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة
الفَصْلُ الثَّانِي: النَّجْمَةُ الْمُحْتَضِرَة – النَّجْمَةُ الْمُحْتَضِرَةُ أُنْثَى — صَوْتٌ — الْمَوْتُ الْكَوْنِيُّ وَوِلَادَةُ الْمَادَّة — قَبْلَ خَمْسَةِ مِلْيَارَاتِ سَنَة – «الْفَنَاءُ شَرْطُ الْوُجُود»
———————————
كَانَ الْبَابُ الثَّانِي أَثْقَلَ مِنَ الأَوَّل.
لَمْ يَكُنْ ثِقَلاً فِي الْخَشَبِ — إِنْ كَانَ مَا يَرَاهُ خَشَباً حَقًّا — بَلْ كَانَ ثِقَلَ شَيْءٍ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ وَزْنَ نَجْمٍ بِأَكْمَلِه.
دَفَعَهُ سَامِرٌ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَدَخَل.
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ نَارٌ تَحْرِق.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ هَوَاءٌ يَلْفَح.
كَانَ ثَمَّةَ حَرَارَةٌ مِنْ نَوْعٍ آخَر، شَيْءٌ يُشْبِهُ الِاحْتِضَانَ الصَّادِرَ عَنْ جَمْرَةٍ عِمْلَاقَةٍ تَبْرُدُ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ دُونَ أَنْ تُطْفِئَ نَفْسَهَا، دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لِنَفْسِهَا بِالنِّهَايَة.
كَانَ الضَّوْءُ فِي الْقَاعَةِ أَحْمَرَ بُرْتُقَالِيًّا، خَافِتًا يَتَلَاشَى فِي أَطْرَافِهِ، مِثْلَ لَوْنِ السَّمَاءِ فِي لَحْظَةٍ لَا هِيَ لَيْلٌ وَلَا هِيَ نَهَار، اللَّحْظَةُ الَّتِي يَتَرَدَّدُ فِيهَا الْعَالَمُ بَيْنَ شَيْئَيْن.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْت.
أُنْثَوِيٌّ وَعَمِيق.
فِيهِ رَنِينٌ مُتْعَب، لَكِنَّ التَّعَبَ فِيهِ لَيْسَ ضَعْفًا.
هُوَ تَعَبُ مَنْ أَعْطَى حَتَّى لَمْ يَتَبَقَّ شَيْءٌ يُعْطِيه.
— «اقْتَرِب.»
تَوَقَّفَ سَامِر.
— «لَنْ أُؤْذِيَكَ.
لَمْ يَعُدْ فِي دَاخِلِي مَا يَكْفِي مِنْ نَفْسِي لِأُؤْذِيَ أَحَدًا.»
مَشَى نَحْوَ الصَّوْتِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّ قَدَمَيْهِ تُدْرِكَانِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ عَقْلُهُ بَعْد.
— «مَنْ أَنْتِ؟» سَأَلَ بِصَوْتٍ خَرَجَ أَهْدَأَ مِمَّا أَرَاد.
— «كُنْتُ نَجْمَة.
كَبِيرَةً، أَكْبَرَ مِنْ شَمْسِكُمْ بِعَشَرَاتِ الْمَرَّات.
أَحْرَقْتُ الْهِيدْرُوجِينَ فِي قَلْبِي لَمَلَايِينِ السِّنِينَ، ثُمَّ الْهِيلِيُوم، ثُمَّ الْكَرْبُون، طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَة، كَأَنَّنِي كُنْتُ أَحْرِقُ نَفْسِي كَيْ أَصْنَعَ نَفْسِي مِنْ جَدِيدٍ فِي كُلِّ مَرَّة.
وَالْآنَ… أَنَا فِي آخِرِ لَحَظَاتِي.»
تَلَعْثَمَ سَامِر:
— «هَلْ… هَلْ تَمُوتِينَ الْآنَ؟
بَيْنَمَا نَتَحَدَّث؟»
— «بِمِقْيَاسِكُمُ الْبَشَرِيِّ، نَعَم.
أَنَا فِي لَحْظَةِ الِانْهِيَار.
لَكِنَّ هَذِهِ اللَّحْظَة، الَّتِي تَسْتَغْرِقُ ثَوَانِيَ مَعْدُودَةً بِمِقْيَاسِكُم، تَبْدُو لِي أَطْوَلَ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ بَعْدَ مَلَايِينِ السِّنِينَ مِنَ الْبُطْءِ الْهَادِئ.
كُلُّ شَيْءٍ فِيَّ يَنْهَارُ نَحْوَ مَرْكَزِي الْآن، بِسُرْعَةٍ لَا تَتَخَيَّلُهَا.»
جَلَسَ سَامِرٌ — أَوْ تَرَنَّحَ حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا يُشْبِهُ صَخْرَةً دَافِئَة.
شَعَرَ بِرَهْبَةٍ لَا تُشْبِهُ الْخَوْف.
كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى الْحُزْن.
الْحُزْنِ الْغَرِيبِ الَّذِي يُصِيبُكَ حِينَ تَقِفُ أَمَامَ شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْكَ بِمَا لَا يُقَاس، وَتُدْرِكُ أَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَمْنَعَهُ وَلَا أَنْ تُشَارِكَه.
— «أَلَا تَخَافِين؟»
صَمْتٌ قَصِير.
ثُمَّ:
— «كُنْتُ سَأَخَاف، لَوْ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَا سَيَحْدُثُ بَعْد.
لَكِنَّنِي أَعْرِف.
وَهَذَا يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْء.»
— «وَمَاذَا سَيَحْدُث؟»
— «حِينَ أَنْهَار، سَأَنْفَجِرُ فِيمَا تُسَمُّونَهُ الْمُسْتَعِرَ الأَعْظَم.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، فِي تِلْكَ الثَّوَانِي الْقَلِيلَة، سَأَصْنَعُ عَنَاصِرَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً مِنْ قَبْلُ فِي الْكَوْنِ كُلِّه: الذَّهَب، وَالْفِضَّة، وَالْيُود، وَالْحَدِيدَ الَّذِي يَجْرِي فِي دَمِكَ الْآن.
الْكَالْسِيُومَ فِي عِظَامِك.
كُلُّ ذَرَّةٍ ثَقِيلَةٍ فِي جَسَدِكَ وُلِدَتْ فِي قَلْبِ نَجْمَةٍ مَاتَتْ مِثْلِي — أَوْ فِي اصْطِدَامِ نَجْمَيْنِ مَيِّتَيْن.»
تَوَقَّفَ سَامِر.
نَظَرَ إِلَى يَدِهِ دُونَ أَنْ يَقْصِد، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُفَرِّقَ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ بَيْنَ مَا هُوَ هُو، وَمَا هُوَ بَقَايَا نَجْمَةٍ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ كَوْكَبُه.
— «تَقْصِدِينَ… أَنَا مَصْنُوعٌ مِنْ نُجُومٍ مَيِّتَة؟»
— «كُلُّكُمْ كَذَلِك.
كُلُّ إِنْسَان، كُلُّ حَجَر، كُلُّ قَطْرَةِ مَاءٍ عَلَى كَوْكَبِكُم، صُنِعَتْ مِنْ بَقَايَا نُجُومٍ احْتَرَقَتْ وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَشَكَّلَ شَمْسُكُمْ أَصْلاً.
أَنْتُمْ لَسْتُمْ نَسْلَ آدَمَ وَحَوَّاءَ فَقَط، يَا سَامِر.
أَنْتُمْ نَسْلُ نُجُومٍ مُحْتَضِرَة، تَكَرَّمَتْ بِالْمَوْتِ كَيْ تُوجَدُوا.»
أَخَذَ سَامِرٌ نَفَسًا عَمِيقًا.
— «هَذَا… ثَقِيلٌ جِدًّا عَلَى أَنْ أَسْتَوْعِبَه.
أَنْ يَكُونَ مَوْتُكِ شَرْطَ وُجُودِي.»
— «وَلِمَاذَا تَظُنُّ ذَلِكَ ثَقِيلًا؟
أَلَيْسَ هَذَا أَجْمَلَ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُث؟
مَوْتِي لَمْ يَكُنْ عَبَثًا.
لَمْ يَكُنْ نِهَايَةً فَارِغَة.
كَانَ زَرْعًا.
كُلُّ نَجْمَةٍ تَنْهَارُ تُطْلِقُ فِي الْكَوْنِ مَادَّةً تَكْفِي لِصُنْعِ كَوَاكِب، وَرُبَّمَا لِصُنْعِ كَائِنَاتٍ تَسْأَل، كَمَا تَسْأَلُ أَنْتَ الْآن: مِنْ أَيْنَ أَتَيْت؟»
— «لَكِنْ… أَلَا يُؤْلِمُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنَّكِ سَتَفْنَيْن، وَأَنَّ كُلَّ مَا سَيَبْقَى مِنْكِ لَيْسَ “أَنْتِ”، بَلْ عَنَاصِرُ مُتَنَاثِرَةٌ لَا تَتَذَكَّرُكِ؟»
صَمَتَتِ النَّجْمَةُ طَوِيلاً.
طَالَ الصَّمْتُ حَتَّى ظَنَّ سَامِرٌ أَنَّهَا انْطَفَأَتْ فِعْلاً، أَنَّ اللَّحْظَةَ الَّتِي تَوَقَّفَ عِنْدَهَا الْكَوْنُ لَمْ تَنْتَظِرْهُ لِيُكْمِلَ حَدِيثَه.
ثُمَّ جَاءَ صَوْتُهَا، أَهْدَأَ مِمَّا كَان:
— «هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يَسْأَلُنِي إِيَّاهُ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ هَذِهِ الْقَاعَة، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى.
وَسَأُخْبِرُكَ بِمَا تَعَلَّمْتُهُ فِي مِلْيَارَاتِ السِّنِينَ الَّتِي عِشْتُهَا: الذَّاكِرَةُ لَيْسَتِ الطَّرِيقَةَ الْوَحِيدَةَ لِلِاسْتِمْرَار.»
تَوَقَّفَت.
ثُمَّ:
— «أَنَا لَنْ أَتَذَكَّرَ أَنَّنِي كُنْتُ نَجْمَة.
لَكِنَّ الذَّهَبَ الَّذِي سَيَتَشَكَّلُ مِنْ قَلْبِي، إِذَا وُجِدَ يَوْمًا فِي خَاتَمٍ عَلَى إِصْبَعِ امْرَأَةٍ تُحِبّ، أَوْ فِي سِلْكٍ إِلِكْتِرُونِيٍّ دَاخِلَ جِهَازٍ يُنْقِذُ حَيَاةَ طِفْلٍ فِي مُسْتَشْفَى، سَيَكُونُ أَنَا — حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْمِلِ اسْمِي وَلَا ذَاكِرَتِي.»
— «اسْتِمْرَارٌ بِلَا ذَاكِرَة…» قَالَهَا سَامِرٌ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ الْهَمْس.
— «ذَاكِرَتُكَ أَنْت، يَا سَامِر، تُخِيفُكَ لِأَنَّكَ تَظُنُّ أَنَّهَا كُلُّ مَا تَمْلِك.
لَكِنَّنِي أَعِيشُ بِوَصْفِي دَلِيلاً عَلَى أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ الْحَقِيقِيَّ أَعْمَقُ مِنَ الذَّاكِرَة.
أَنَا مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَوْلَكَ دُونَ أَنْ أَتَذَكَّرَ شَيْئًا، وَدُونَ أَنْ يَتَذَكَّرَنِي أَحَدٌ بِاسْمِي.»
— «هَذَا يَبْدُو نَوْعًا مِنَ الْعَزَاء… لَكِنَّهُ عَزَاءٌ حَزِينٌ أَيْضًا.»
— «كُلُّ عَزَاءٍ حَقِيقِيٍّ فِيهِ حُزْن.
وَإِلَّا كَانَ كَذِبًا.»
ثُمَّ، وَبِنَبْرَةٍ تَحْتَوِي مَا لَمْ تَقُلْه:
— «أَنَا لَا أَطْلُبُ مِنْكَ أَلَّا تَحْزَنَ عَلَى مَنْ تَفْقِدُهُم.
وَلَا عَلَى يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ الَّذِي يُقْلِقُكَ كَثِيرًا — وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُ يُقْلِقُك، رَغْمَ أَنَّكَ لَمْ تَذْكُرْهُ أَمَامِي.
أَنَا أَطْلُبُ مِنْكَ فَقَطْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْفَنَاءِ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى.
أَحْيَانًا، الْفَنَاءُ لَيْسَ عَكْسَ الْوُجُود.
إِنَّهُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ بِهَا الْوُجُودُ حِينَ يَكْبُرُ عَلَى حُدُودِه.»
ابْتَلَّتْ عَيْنَا سَامِرَ دُونَ أَنْ يُدْرِك.
مَسَحَهُمَا بِسُرْعَة، خَجِلاً مِنْ نَفْسِه، خَجِلاً أَنْ يَبْكِيَ أَمَامَ نَجْمَةٍ تَحْتَضِر، أَمَامَ شَيْءٍ يُوَدِّعُ مِلْيَارَاتِ السِّنِينَ دُونَ دَمْعَة.
— «هَلْ تَعْرِفِينَ مَتَى سَتَنْفَجِرِينَ بِالضَّبْط؟»
— «لَا.»
صَمْتٌ قَصِير.
ثُمَّ:
— «وَهَذَا أَيْضًا جُزْءٌ مِمَّا أَتَعَلَّمُهُ فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَة: الْمَرْءُ — أَوِ النَّجْمَةُ — لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَوْعِدِ نِهَايَتِهِ كَيْ يَعِيشَ نِهَايَتَهُ بِكَرَامَة.
يَكْفِيهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ مَا يَمْلِك.»
بَدَأَ الضَّوْءُ الأَحْمَرُ الْبُرْتُقَالِيُّ يَهْتَزّ.
اهْتِزَازٌ خَفِيفٌ فِي الْبِدَايَة، ثُمَّ أَعْمَق، كَأَنَّ شَيْئًا فِي قَلْبِ الْمَكَانِ بَدَأَ يَنْضَغِطُ نَحْوَ مَرْكَزٍ لَا مَفَرَّ مِنْه.
— «اقْتَرَبَ وَقْتُ انْهِيَارِي الْحَقِيقِي.»
صَوْتُهَا الْآنَ يَبْدَأُ يَتَلَاشَى فِي أَطْرَافِهِ، كَالضَّوْءِ تَمَامًا.
— «لَنْ تَرَاهُ مِنْ هُنَا، لِأَنَّ الزَّمَنَ فِي هَذِهِ الْقَاعَةِ لَيْسَ زَمَنَك.
لَكِنْ قَبْلَ أَنْ أَذْهَب، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ أَنَا أَيْضًا سُؤَالاً وَاحِدًا — لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْأَلْنِي مِنْ قَبْل.
الْجَمِيعُ يَأْتِي لِيَسْأَل.»
فُوجِئَ سَامِر:
— «تَفَضَّلِي.»
— « حِينَ يَحِينُ يَوْمُكَ أَنْت، الْيَوْمُ الَّذِي سَتَنْهَارُ فِيهِ أَخِيرًا كَمَا أَنْهَارُ أَنَا الْآن… هَلْ تُرِيدُ أَنْ يَتَذَكَّرَكَ أَحَدٌ بِالِاسْم؟
أَمْ يَكْفِيكَ أَنْ يَبْقَى أَثَرُكَ فِي شَيْءٍ لَا يَحْمِلُ اسْمَك؟»
فَكَّرَ سَامِرٌ طَوِيلاً.
أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّع.
أَطْوَلَ مِمَّا اعْتَاد.
ثُمَّ أَجَابَ بِصِدْقٍ لَمْ يُخَطِّطْ لَه:
— «لَا أَعْرِف.
رُبَّمَا، قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ هَذَا الْمُتْحَف، كُنْتُ سَأَقُولُ دُونَ تَرَدُّد: نَعَم، أُرِيدُ أَنْ يَتَذَكَّرَنِي أَحَدٌ بِالِاسْم.
لَكِنَّ الْآن… رُبَّمَا يَكْفِينِي أَنْ أَكُونَ قَدْ تَرَكْتُ شَيْئًا صَالِحًا، حَتَّى لَوْ نُسِيَ اسْمِي.»
ابْتَسَمَتِ النَّجْمَة.
أَوْ فَعَلَ الضَّوْءُ مَا يُشْبِهُ الِابْتِسَام.
— « هَذِهِ إِجَابَةٌ تَلِيقُ بِمَنْ سَيُصْنَعُ مِنْهُ ذَهَبٌ يَوْمًا مَا.»
ثُمَّ انْهَارَ الضَّوْءُ الأَحْمَرُ إِلَى نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ صَغِيرَة.
ثُمَّ انْفَجَر.
لَكِنَّ الِانْفِجَارَ كَانَ بِلَا صَوْت، بِلَا حَرَارَةٍ تُمَسّ، بِلَا أَيِّ شَيْءٍ يُشْبِهُ مَا تَصَوَّرَهُ سَامِرٌ حِينَ سَمِعَ الْكَلِمَة.
كَانَتْ وَمْضَةً بَيْضَاءَ وَاحِدَة، غَمَرَتْ كُلَّ شَيْءٍ لِلَحْظَةٍ بِعَرْضِ الْكَوْن، ثُمَّ عَادَ الْهُدُوء.
هُدُوءٌ لَمْ يُشْبِهْ هُدُوءَ مَا قَبْلَهَا.
حِينَ فَتَحَ سَامِرٌ عَيْنَيْه، كَانَ الْعَجُوزُ يَقِفُ بِجَانِبِه.
كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ النَّجْمَة، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحِدَادَ الْقَدِيم، حِدَادَ مَنِ اعْتَادَ الْفَقْدَ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَدِ الْوَدَاع.
— «هَلْ تَنْهَارُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَزُورُهَا أَحَد؟» سَأَلَ سَامِر.
— «لَا.
أَنْتَ فَقَطْ مَنْ رَآهَا تَنْهَار.
الْبَعْضُ يَدْخُلُ وَيَجِدُهَا هَادِئَةً تَحْتَضِرُ بِبُطْء، يَتَكَلَّمَانِ لِسَاعَات.
أَنْتَ أَتَيْتَ فِي لَحْظَتِهَا الأَخِيرَةِ بِالذَّات.»
— «لِمَاذَا أَنَا؟»
نَظَرَ إِلَيْهِ الْعَجُوزُ نَظْرَةً طَوِيلَةً لَا تُجِيبُ وَلَا تُنْكِر، ثُمَّ قَالَ جُمْلَتَهُ الَّتِي بَدَأَ سَامِرٌ يَكْرَهُهَا وَيُحِبُّهَا فِي آنٍ وَاحِد:
— «هَذَا سُؤَالٌ لِشَخْصٍ آخَرَ سَتُقَابِلُهُ لَاحِقًا.»
وَأَشَارَ إِلَى بَابٍ ثَالِثٍ بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي الْجِدَار.
أَصْغَرُ مِنَ الْبَابَيْنِ السَّابِقَيْن.
يَكَادُ يَكُونُ بِحَجْمِ بَابِ خِزَانَة.
— «تَعَال.
هَذِهِ الْمَرَّةَ لَنْ تُقَابِلَ صَوْتًا يَمْلَأُ قَاعَة.
سَتُقَابِلُ شَيْئًا أَصْغَرَ مِنْ أَنْ يُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَة.
لَكِنَّهُ غَيَّرَ كُلَّ شَيْء.»

متحف الأيام المفقودة 03