متحف الأيام المفقودة 05

مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: الْجَنِينُ — الْجَنِينُ (ذَكَرٌ، سَبْعَةُ أَشْهُرٍ) | الرَّحِمُ — زَمَنٌ حَاضِرٌ «هَلْ تُوجَدُ ذَاكِرَةٌ قَبْلَ الْوَعْيِ؟»
________________________________________
كَانَ الْبَابُ الْخَامِسُ مُخْتَلِفاً عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ.
لَمْ يَكُنْ بَارِدَ الْحَدِيدِ كَالثَّانِي، وَلَا مُثْقَلاً بِالزَّخَارِفِ كَالثَّالِثِ، وَلَا شَاحِبَ اللَّوْنِ كَالرَّابِعِ الَّذِي جَعَلَ سَامِرَ يَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ يَعْبُرُ عَتَبَةَ مُسْتَشْفًى مَهْجُورٍ.
هَذَا الْبَابُ كَانَ مِنْ خَشَبٍ دَاكِنٍ مُتَوَسِّطِ الطُّولِ، لَكِنَّهُ حِينَ مَدَّ سَامِرُ يَدَهُ وَلَمَسَ سَطْحَهُ، تَوَقَّفَ.
تَرَاجَعَ خَطْوَةً إِلَى الْوَرَاءِ.
ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ ثَانِيَةً، بِبُطْءٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْ شَيْءٍ لَا يُصَدِّقُهُ.
كَانَ الْخَشَبُ دَافِئاً.
لَيْسَ دِفْءَ خَشَبٍ أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ طَوِيلاً.
بَلْ دِفْءٌ آخَرُ تَمَاماً، دِفْءٌ مُخْتَلِفُ النَّوْعِ وَالْجَوْهَرِ، دِفْءٌ يُشْبِهُ مَا تَشْعُرُ بِهِ حِينَ تَضَعُ يَدَكَ عَلَى صَدْرِ إِنْسَانٍ نَائِمٍ وَتُحِسُّ بِدَقَّاتِ قَلْبِهِ مِنْ تَحْتِ الْجِلْدِ.
كَانَتْ ثَمَّةَ حَرَارَةٌ حَيَّةٌ تَنْبُضُ فِي تِلْكَ الْخَشَبَةِ، كَأَنَّ مَا خَلْفَ الْبَابِ لَمْ يَكُنْ غُرْفَةً أَوْ مَمَرَّاً، بَلْ كَائِناً.
دَفَعَهُ سَامِرُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَعَبَرَ.
اِنْطَفَأَ كُلُّ شَيْءٍ.
لَكِنَّهُ اِنْطِفَاءٌ لَمْ يَكُنْ ظَلَاماً بِالْمَعْنَى الْمُعْتَادِ.
لَمْ يَكُنِ السَّوَادَ الَّذِي يَغْشَى الْعَيْنَ حِينَ تُطْفِئُ الْمِصْبَاحَ لَيْلاً وَتَنْتَظِرُ حَتَّى يَعْتَادَ بَصَرُكَ الْغِيَابَ.
كَانَ شَيْئاً أَدْفَأَ وَأَكْثَفَ مِنْ ذَلِكَ:
حُمْرَةٌ عَمِيقَةٌ، قَاتِمَةٌ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مُعْتِمَةً تَمَاماً، كَأَنَّكَ تُغْمِضُ عَيْنَيْكَ فِي نَهَارٍ مُشْمِسٍ وَتَنْظُرُ مِنْ خَلْفِ جَفْنَيْكَ إِلَى الضَّوْءِ الَّذِي يَخْتَرِقُ الْأَوْرِدَةَ الدَّقِيقَةَ تَحْتَ الْجِلْدِ.
حُمْرَةُ الدَّمِ حِينَ يَكُونُ قَرِيباً جِدَّاً مِنَ السَّطْحِ.
شَعَرَ سَامِرُ بِأَنَّ الْهَوَاءَ نَفْسَهُ تَغَيَّرَ.
لَمْ يَعُدْ هَوَاءً بِالْمَعْنَى الَّذِي اعْتَادَ عَلَيْهِ؛ كَانَ دَافِئاً وَرَطِباً وَمحمَلاً
بِرَائِحَةٍ لَا اسْمَ لَهَا، رَائِحَةٌ تُشْبِهُ رَائِحَةَ الْحَيَاةِ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْحَيَاةُ كَيْفَ تُسَمِّي نَفْسَهَا.
ثُمَّ سَمِعَ الْأَصْوَاتَ.
أَوَّلاً: صَوْتُ سَائِلٍ يَتَحَرَّكُ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَوْلَهُ، بِبُطْءٍ مُتَأَنٍّ، كَأَنَّهُ نَهَرٌ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَحْرِ قَرِيباً فَلَا يَسْتَعْجِلُ.
ثَانِياً، وَهَذَا هُوَ الصَّوْتُ الَّذِي جَعَلَهُ يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّنَفُّسِ لِلَحْظَةٍ: إِيقَاعٌ مُزْدَوَجٌ.
نَبْضَتَانِ لَا نَبْضَةٌ وَاحِدَةٌ.
الْأُولَى سَرِيعَةٌ وَخَفِيفَةٌ — هَايْ هَايْ هَايْ — كَطَبْلَةٍ صَغِيرَةٍ يَقْرَعُهَا طِفْلٌ.
وَالثَّانِيَةُ أَبْطَأُ وَأَعْمَقُ وَأَكْثَرُ رَزَانَةً، كَطَبْلَةٍ أُخْرَى يَقْرَعُهَا أَبٌ.
قَلْبَانِ.
قَلْبَانِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، يَعْزِفَانِ مَعاً دُونَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إِيقَاعٍ مُوَحَّدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَعَارَضَانِ.
قَالَ سَامِرُ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ تَمَاماً إِلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ:
ـ «هَلْ… هَلْ هُنَاكَ أَحَدٌ؟»
صَمْتٌ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ.
لَمْ يَكُنْ صَوْتاً سَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ بِالضَّبْطِ.
كَانَ أَشْبَهَ بِشَيْءٍ يَصِلُ عَبْرَ مَادَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَبْرَ السَّائِلِ وَالدِّفْءِ وَالْحُمْرَةِ الْمُحِيطَةِ.
طُفُولِيٌّ فِي نَبْرَتِهِ، نَاعِمٌ وَغَيْرُ مُحَدَّدِ الْمَصْدَرِ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ شَيْئاً يُنَاقِضُ هَذِهِ الطُّفُولِيَّةَ تَنَاقُضاً عَجِيباً:
وَعْيٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ، ثِقَلٌ فَلْسَفِيٌّ لَا يَلِيقُ بِمَنْ لَمْ يَرَ الْعَالَمَ بَعْدُ:
ـ «أَنَا هُنَا.
لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مَاذَا يَعْنِي أَنْ أَكُونَ هُنَا.»
أَخَذَ سَامِرُ نَفَساً عَمِيقاً وَسَأَلَ:
ـ «مَنْ أَنْتَ؟»
ـ «لَمْ أُولَدْ بَعْدُ.
بَقِيَ لِي شَهْرَانِ تَقْرِيباً، حَسَبَ عَدِّكُمْ أَنْتُمْ.
أَعِيشُ الْآنَ فِي مَكَانٍ لَا اسْمَ لَهُ عِنْدَكُمْ غَيْرَ “الرَّحِمِ”، وَهُوَ اسْمٌ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ الْبَالِغُونَ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ دَائِماً إِلَى أَسْمَاءٍ لِكَيْ يَطْمَئِنُّوا.
أَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوماً كَأَنَّهُ يَصِلُنِي مِنْ قَاعِ بِئْرِ مَاءٍ.
وَأَشْعُرُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُضَاعَفاً كَأَنَّ جِلْدِي يَمْلِكُ ضِعْفَ الْمُسْتَقْبِلَاتِ.»
اِقْتَرَبَ سَامِرُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَكْسِرَ شَيْئاً هَشَّاً بِحَرَكَةٍ وَاسِعَةٍ:
ـ «هَلْ تَتَذَكَّرُ شَيْئاً؟ بِمَا أَنَّكَ لَمْ تُولَدْ بَعْدُ؟»
ـ «سُؤَالُكَ هَذَا طَرَحَهُ عَلَيْنَا عُلَمَاؤُكُمْ مُنْذُ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ، وَمَا زَالُوا يَتَجَادَلُونَ حَوْلَهُ فِي مَجَلَّاتِهِمْ وَمُؤْتَمَرَاتِهِمْ دُونَ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى جَوَابٍ نِهَائِيٍّ.
أَنَا لَا أَمْلِكُ كَلِمَاتٍ كَافِيَةً لِأُخْبِرَكَ بِمَا أَعْرِفُهُ، لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ نَفْسَهَا لَمْ تَتَشَكَّلْ بَعْدُ فِي رَأْسِي الصَّغِيرِ كَمَا تَتَشَكَّلُ فِي رَأْسِكَ.
لَكِنَّنِي أَمْلِكُ شَيْئاً.
وَهَذَا الشَّيْءُ يُشْبِهُ الذَّاكِرَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُهُ.»
ـ «مَاذَا تَقْصِدُ بِالضَّبْطِ؟»
صَمَتَ الْجَنِينُ لَحْظَةً، وَالنَّبْضَتَانِ وَاصَلَتَا حِوَارَهُمَا الْمُسْتَقِلَّ:
ـ «أَسْمَعُ صَوْتاً مُتَكَرِّراً يَأْتِينِي مِنْ خَارِجِ هَذَا الْمَكَانِ الدَّافِئِ.
صَوْتُ اِمْرَأَةٍ تَتَكَلَّمُ لِسَاعَاتٍ، بِأُسْلُوبٍ حَمِيمٍ كَأَنَّهَا تُحَدِّثُ نَفْسَهَا أَوْ تُحَدِّثُ كَائِناً تُحِبُّهُ جِدَّاً.
تَضْحَكُ أَحْيَاناً بِضَحْكَةٍ تَجْعَلُ الْجُدْرَانَ اللَّيِّنَةَ مِنْ حَوْلِي تَهْتَزُّ اِهْتِزَازاً خَفِيفاً.
وَتَبْكِي أَحْيَاناً أُخْرَى بُكَاءً سَاكِتاً يَصِلُنِي رَغْمَ سُكُوتِهِ — بُكَاؤُهَا الصَّامِتُ أَوْصَلُ إِلَيَّ مِنْ ضَحْكَتِهَا.
لَا أَفْهَمُ الْكَلِمَاتِ، لَا أَعْرِفُ مَا مَعْنَى “كَلِمَةٍ” أَصْلاً، لَكِنَّ جَسَدِي الصَّغِيرَ يَتَعَرَّفُ عَلَى إِيقَاعِ ذَلِكَ الصَّوْتِ تَعَرُّفاً لَا يَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ.
حِينَ يَرْتَفِعُ صَوْتُهَا، يَتَسَارَعُ نَبْضِي كَأَنَّنِي أَتَجَهَّزُ لِلِاسْتِقْبَالِ.
وَحِينَ يَهْدَأُ، أَهْدَأُ أَنَا أَيْضاً كَأَنَّ قَلْبَهَا يَقُودُ قَلْبِي.
أَهَذِهِ ذَاكِرَةٌ؟ لَا أَعْرِفُ.
لَكِنَّهَا بِالتَّأْكِيدِ لَيْسَتْ لَا شَيْءَ.»
تَوَقَّفَ سَامِرُ وَشَعَرَ بِشَيْءٍ يَضْغَطُ عَلَى قَفَصِهِ الصَّدْرِيِّ مِنَ الدَّاخِلِ.
شَيْءٌ يَصْعُبُ تَسْمِيَتُهُ، أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى الْحَنِينِ، لَكِنَّ الْحَنِينَ إِلَى زَمَنٍ لَا يَتَذَكَّرُهُ هُوَ نَفْسُهُ.
حَنِينٌ إِلَى مَا قَبْلَ الذَّاكِرَةِ.
ـ «الْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ إِنَّ الْجَنِينَ، فِي عُمْرِكَ تَقْرِيباً، يَسْتَطِيعُ فِعْلاً أَنْ يَسْمَعَ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ أَصْوَاتاً سَمِعَهَا بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ — حَتَّى بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَخُرُوجِهِ إِلَى الْعَالَمِ.»
ـ «هَذَا مَا يُخْبِرُونَنِي بِهِ هُمْ أَيْضاً، لَكِنْ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ، مِنْ خِلَالِكَ أَنْتَ الَّذِي تَقِفُ هُنَا الْآنَ وَتُحَدِّثُنِي.
أَعْرِفُ أَنَّ دِرَاسَاتٍ أُجْرِيَتْ عَلَى حَدِيثِي الْوِلَادَةِ أَثْبَتَتْ أَنَّهُمْ يُفَضِّلُونَ صَوْتَ أُمَّهَاتِهِمْ عَلَى أَيِّ صَوْتٍ آخَرَ حَتَّى فِي السَّاعَاتِ الْأُولَى مِنْ حَيَاتِهِمْ خَارِجَ الرَّحِمِ، دُونَ أَنْ يَحْتَاجُوا إِلَى وَقْتٍ لِلتَّعَلُّمِ أَوِ التَّكَيُّفِ.
أَعْرِفُ أَنَّ أَطْفَالاً وُلِدُوا وَكَانَتْ أُمَّهَاتُهُمْ يُرَدِّدْنَ لَهُمْ قِطْعَةً مُوسِيقِيَّةً بِعَيْنِهَا خِلَالَ الْحَمْلِ، فَكَانُوا يَهْدَأُونَ فَوْرَ سَمَاعِهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَيَمِيلُونَ نَحْوَهَا بِلَا تَرَدُّدٍ.
أَعْرِفُ أَنَّ قِصَّةً طُوِيَتْ مِئَةَ مَرَّةٍ فِي السَّابِعِ مِنَ الشَّهْرِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَيْهَا طِفْلٌ سَيُولَدُ فِي التَّاسِعِ.
كَأَنَّ شَيْئاً مَا تَعَلَّمْتُهُ هُنَا فِي هَذَا الظَّلَامِ الدَّافِئِ يُرَافِقُنِي حِينَ أَخْرُجُ إِلَى عَالَمِكُمُ الْمُضِيءِ الَّذِي لَا أَعْرِفُهُ بَعْدُ، يُرَافِقُنِي كَهَدِيَّةٍ لَا أَعْرِفُ أَنَّنِي أَحْمِلُهَا.»
ـ «هَذَا يَعْنِي أَنَّ الذَّاكِرَةَ تَبْدَأُ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ حَتَّى أَنَّنَا… نَحْنُ.»
ـ «رُبَّمَا.
أَوْ رُبَّمَا الذَّاكِرَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى “أَنَا” وَاعِيَةٍ كَيْ تَبْدَأَ.
أَنَا الْآنَ لَا أَمْلِكُ وَعْياً بِالْمَعْنَى الَّذِي تَمْلِكُهُ أَنْتَ.
لَا أَعْرِفُ أَنَّنِي كَائِنٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ أُمِّي، لَمْ يَصِلْنِي هَذَا الْمَفْهُومُ بَعْدُ.
لَا أَمْلِكُ حَتَّى مَفْهُومَ الزَّمَنِ بِمَعْنَاهُ الْخَطِّيِّ الْمُتَسَلْسِلِ كَمَا تَفْهَمُهُ:
مَاضٍ مَضَى، وَحَاضِرٌ يَمُرُّ، وَمُسْتَقْبَلٌ يَنْتَظِرُ.
بِالنِّسْبَةِ لِي كُلُّ شَيْءٍ الْآنَ.
وَمَعَ ذَلِكَ، شَيْءٌ مَا فِيَّ يَتَعَلَّمُ.
يَتَأَثَّرُ.
يَحْتَفِظُ بِأَثَرٍ لِمَا يَحْدُثُ حَوْلَهُ.»
جَلَسَ سَامِرُ فِي الْعَتْمَةِ الْحَمْرَاءِ الدَّافِئَةِ، يَسْتَمِعُ إِلَى النَّبْضَتَيْنِ تَتَدَاخَلَانِ كَلَحْنٍ لَا يُشْبِهُ أَيَّ مُوسِيقَى تَعَلَّمَهَا:
ـ «هَلْ تَخَافُ؟
مِنَ الْوِلَادَةِ، مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى عَالَمٍ لَا تَعْرِفُهُ، وَاسِعٍ لَا حُدُودَ لَهُ؟»
صَمَتَ الْجَنِينُ هَذِهِ الْمَرَّةَ صَمْتاً أَطْوَلَ.
وَكَانَ الصَّمْتُ نَفْسُهُ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ تَفْكِيرٌ، لَيْسَ التَّفْكِيرَ الَّذِي نَعْرِفُهُ بِكَلِمَاتٍ وَجُمَلٍ وَحِوَارٍ دَاخِلِيٍّ، بَلْ تَفْكِيرٌ سَابِقٌ لِلْكَلِمَاتِ، بِالْأَحَاسِيسِ وَالِانْقِبَاضِ وَالِانْبِسَاطِ:
ـ «لَا أَمْلِكُ كَلِمَةَ “خَوْفٍ” بَعْدُ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُهُ.
مَفْهُومُ الْخَوْفِ عِنْدَكُمْ مُرَكَّبٌ:
يَحْتَاجُ إِلَى تَوَقُّعِ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهُولٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَى ذَاكِرَةِ مَاضٍ أَلِيمٍ يُخْبِرُكَ أَنَّ الْمَجْهُولَ قَدْ يُؤْلِمُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ بِالذَّاتِ يَجْعَلُكَ تَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ “أَنَا” يُمْكِنُ أَنْ تَتَأَلَّمَ.
أَنَا لَا أَمْلِكُ هَذِهِ الْعَنَاصِرَ مُجْتَمِعَةً بَعْدُ.
لَكِنْ أَشْعُرُ أَحْيَاناً بِمَا يُمْكِنُ أَنْ أُسَمِّيَهُ ضِيقاً.
حِينَ يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ حَوْلِي فَجْأَةً وَبِشَكْلٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ:
ضَوْءٌ قَوِيٌّ يَخْتَرِقُ هَذَا الْمَكَانَ مِنَ الْخَارِجِ فَأَرَى الْحُمْرَةَ مِنْ حَوْلِي تَتَغَيَّرُ.
أَوْ صَوْتٌ عَالٍ مُفَاجِئٌ لَا يُشْبِهُ صَوْتَهَا — صَوْتٌ يَأْتِي مِنْ بَعِيدٍ وَفِيهِ شَيْءٌ حَادٌّ.
أَوْ حَرَكَةٌ سَرِيعَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ تَجْعَلُ السَّائِلَ مِنْ حَوْلِي يَتَمَوَّجُ.
فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ شَيْءٌ مَا يَنْقَبِضُ فِيَّ، وَنَبْضِي يَتَسَارَعُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنِ التَّسَارُعِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ أَسْمَعُ صَوْتَهَا.
رُبَّمَا هَذَا هُوَ بَذْرَةُ مَا سَتُسَمِّيهِ لَاحِقاً “خَوْفاً”.
لَكِنَّهُ لَيْسَ خَوْفاً مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ — لِأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ مَفْهُومٌ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ فِي رَأْسِي.
إِنَّهُ فَقَطْ رَدُّ فِعْلِ الْجَسَدِ عَلَى تَغَيُّرِ اللَّحْظَةِ الْحَالِيَّةِ.»
ـ «هَذَا غَرِيبٌ وَمُدْهِشٌ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
أَنْ تَعِيشَ اللَّحْظَةَ فَقَطْ، بِلَا مَاضٍ تَتَذَكَّرُهُ بِوَعْيٍ وَبِلَا مُسْتَقْبَلٍ تَتَوَقَّعُهُ أَوْ تَخْشَاهُ.»
ـ «أَلَيْسَ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُحَاوِلُ كَثِيرٌ مِنَ الْبَالِغِينَ عِنْدَكُمْ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ؟
يُسَمُّونَهُ “الْعَيْشَ فِي اللَّحْظَةِ الْحَاضِرَةِ”.
يَكْتُبُونَ عَنْهُ كُتُباً وَيُنَظِّمُونَ وَرَشَ عَمَلٍ وَيُسَافِرُونَ إِلَى جِبَالٍ بَعِيدَةٍ كَيْ يَتَعَلَّمُوهُ مِنْ رُهْبَانٍ يَقْضُونَ سَنَوَاتٍ فِي الصَّمْتِ.
أَنَا أَعِيشُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ بِطَبِيعَتِي وَدُونَ جُهْدٍ، لِأَنَّنِي لَمْ أَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ أَهْرُبُ مِنْهَا:
لَا إِلَى ذِكْرَى تَسْحَبُنِي لِلْوَرَاءِ، وَلَا إِلَى قَلَقٍ يَسْحَبُنِي لِلْأَمَامِ.
أَنَا هُنَا فَقَطْ.
تَمَاماً هُنَا.»
اِبْتَسَمَ سَامِرُ رَغْماً عَنْهُ.
اِبْتِسَامَةٌ لَمْ يخطط لَهَا، خَرَجَتْ وَحْدَهَا.
اِبْتِسَامَةٌ حَزِينَةٌ وَجَمِيلَةٌ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، كَتِلْكَ الِابْتِسَامَاتِ الَّتِي تَأْتِي حِينَ يَقُولُ لَكَ أَحَدُهُمْ شَيْئاً تَعْرِفُهُ فِي دَاخِلِكَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ لَكِنَّكَ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَصُوغَهُ بِكَلِمَاتٍ:
ـ «رُبَّمَا هَذَا مَا أَحْتَاجُ أَنْ أَتَعَلَّمَهُ أَنَا أَيْضاً.
أَنَا أَحْمِلُ قَلَقاً ثَقِيلاً بِشَأْنِ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَدْتُهُ مِنْ مَاضِيَّ، يَوْمٍ بِعَيْنِهِ لَا أَتَذَكَّرُهُ وَلَا أَعْرِفُ لِمَاذَا يُقْلِقُنِي بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
كَأَنَّهُ فَجْوَةٌ فِي نَسِيجِ ذَاكِرَتِي، وَأَنَا أَقِفُ عَلَى حَافَّتِهَا وَلَا أَجْرُؤُ عَلَى النَّظَرِ لِلْأَسْفَلِ.»
ـ «رُبَّمَا لِأَنَّ جُزْءاً مِنْكَ يَعْرِفُ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَصِلْ تلكَ الْمَعْرِفَةُ إِلَى وَعْيِكَ بَعْدُ.
تَمَاماً كَمَا أَعْرِفُ أَنَا صَوْتَ أُمِّي دُونَ أَنْ أَفْهَمَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا تَقُولُهُ.
الْجَسَدُ يَعْرِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا الْعَقْلُ بِالدُّخُولِ.
طِفْلٌ صَغِيرٌ يَخَافُ مِنْ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُشْرَحَ لِمَاذَا، يَخَافُ مِنْ شَيْءٍ فِي طَرِيقَةِ نَظْرَتِهِ أَوْ نَبْرَةِ صَوْتِهِ أَوْ حَتَّى رَائِحَتِهِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ لَهَا اسْماً.
وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ يَكْتَشِفُ أَنَّ خَوْفَهُ كَانَ فِي مَحِلِّهِ.
الذَّاكِرَةُ الَّتِي تُقْلِقُكَ — وَيَا مَنْ تُحَدِّثُنِي الْآنَ — لَيْسَتْ دَائِماً صُوَراً وَاضِحَةً وَكَلِمَاتٍ مُرَتَّبَةً فِي مَلَفٍّ يُمْكِنُكَ فَتْحُهُ مَتَى شِئْتَ.
أَحْيَاناً تَكُونُ فَقَطْ أَثَراً فِي الْجَسَدِ، شُعُوراً لَا اسْمَ لَهُ، إِيقَاعاً يَتَكَرَّرُ دُونَ أَنْ نَعْرِفَ مَصْدَرَهُ.»
تَحَرَّكَ سَامِرُ قَلِيلاً فِي عَتْمَتِهِ الْحَمْرَاءِ.
حَاوَلَ أَنْ يَجِدَ وَضْعاً مُرِيحاً فِي هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي لَا حُدُودَ وَاضِحَةَ لَهُ:
ـ «لَكِنْ أَلَا يُخِيفُكَ أَنْ تَخْرُجَ وَتَجِدَ أَنَّ الْعَالَمَ أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُهُ؟
عَالَمٌ فِيهِ أَصْوَاتٌ لَا تَعْرِفُ مِنْهَا حَتَّى الْآنَ غَيْرَ صَوْتٍ وَاحِدٍ.
وَأَلْوَانٌ لَا تَعْرِفُ مِنْهَا شَيْئاً لِأَنَّكَ لَمْ تَرَ حَتَّى اللَّوْنَ الْحَقِيقِيَّ بَعْدُ.
وَبَشَرٌ بِمَلَايِينِهِمْ كُلٌّ مِنْهُمْ يَحْمِلُ عَالَماً خَاصَّاً؟»
ـ «أَنْتَ تَصِفُ الْأَمْرَ كَأَنَّهُ مُخِيفٌ.
أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَهُ لِأَنَّنِي لَا أَمْلِكُ نُقْطَةَ مُقَارَنَةٍ.
لَا أَعْرِفُ مَا الَّذِي سَأَجِدُ، فَكَيْفَ أَخَافُ مِنْهُ؟
الْخَوْفُ الْحَقِيقِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ سَابِقَةٍ — تَحْتَاجُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْإِبْرَةَ تُؤْلِمُ قَبْلَ أَنْ تَخَافَ مِنْهَا.
أَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إِلَى الْمَجْهُولِ بِكُلِّ مَا فِي الْكَلِمَةِ مِنْ مَعْنًى، وَرُبَّمَا هَذِهِ هِيَ الشَّجَاعَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَدْرِيبٍ:
شَجَاعَةُ مَنْ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ مَا يَخْسَرُ.»
صَمْتٌ قَصِيرٌ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَكْثَرَ هُدُوءاً:
ـ «لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئاً وَاحِداً سَأَحْمِلُهُ مَعِي.
أَعْرِفُ إِيقَاعاً.
أَعْرِفُ صَوْتاً.
أَعْرِفُ دَرَجَةَ دِفْءٍ مُعَيَّنَةً تَجْعَلُنِي أَهْدَأُ.
أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئاً كَبِيراً يُحِيطُ بِي وَيَحْمِينِي، حَتَّى لَوْ لَمْ أَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ أُسَمِّيهِ “أُمَّاً”.
هَذَا يَكْفِي لِلْبِدَايَةِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
نَخْرُجُ جَمِيعاً إِلَى الْعَالَمِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ فَقَطْ:
بِأَثَرِ مَنْ أَحَبَّنَا قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّنَا نُحَبُّ.»
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي صَدْرِهِ، شَيْءٌ قَدِيمٌ جِدَّاً، أَقْدَمُ مِنْ كُلِّ ذِكْرَيَاتِهِ الْوَاعِيَةِ.
شَيْءٌ سَابِقٌ لِأُولَى كَلِمَاتٍ تَعَلَّمَهَا، وَأُولَى صُوَرٍ الْتَقَطَتْهَا ذَاكِرَتُهُ، وَأَوَّلِ شُعُورٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يُسَمِّيَهُ.
كَأَنَّ هَذَا الصَّوْتَ الصَّغِيرَ يَتَكَلَّمُ إِلَى جُزْءٍ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ.
جُزْءٌ مَا قَبْلَ الِاسْمِ.
ـ «سَأَسْأَلُكَ شَيْئاً شَخْصِيَّاً جِدَّاً.
مَا الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ تِجَاهَ… الشَّخْصِ الَّذِي يَحْمِلُ صَوْتَهَا مَعَكَ كُلَّ يَوْمٍ؟
تِجَاهَ أُمِّكَ؟»
ـ «لَا أَمْلِكُ كَلِمَةَ “حُبٍّ” بَعْدُ.
الْكَلِمَاتُ كُلُّهَا، بِمَا فِيهَا الْكَلِمَاتُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تَبْنُونَ حَيَاتَكُمْ حَوْلَهَا، كُلُّهَا سَتَأْتِي لَاحِقاً، مُعَلَّبَةً وَمُجَزَّأَةً وَمُشَوَّهَةً أَحْيَاناً بِكُلِّ مَا سَتَحْمِلُهُ مِنْ تَوَقُّعَاتٍ وَخَيْبَاتٍ.
لَكِنَّ مَا أَشْعُرُ بِهِ الْآنَ، فِي هَذَا الظَّلَامِ الدَّافِئِ، هُوَ شَيْءٌ لَمْ تَسْتَطِعْ كَلِمَةٌ بَعْدُ أَنْ تَصِفَهُ تَمَاماً.
شَيْءٌ يَجْعَلُ صَوْتَهَا هُوَ الصَّوْتَ الْأَوَّلَ الَّذِي عَرَفْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّ هُنَاكَ أَصْوَاتاً.
وَيَجْعَلُ دِفْأَهَا هُوَ مُرَادِفَ الْأَمَانِ قَبْلَ أَنْ أَتَعَلَّمَ أَنَّ الْأَمَانَ مَفْهُومٌ يُمْكِنُ أَنْ يُفْقَدَ.
رُبَّمَا هَذَا هُوَ الْحُبُّ فِي أَنْقَى حَالَاتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَخَافُ مِنَ الْفِقْدَانِ.»
بَدَأَ الْإِيقَاعُ الْمُزْدَوَجُ لِلنَّبْضِ يَتَبَاطَأُ تَدْرِيجِيَّاً.
نَبْضَةٌ، نَبْضَةٌ، ثُمَّ فَرَاغٌ أَطْوَلُ قَلِيلاً قَبْلَ النَّبْضَةِ التَّالِيَةِ.
كَأَنَّ الْجَنِينَ الصَّغِيرَ يَغْرَقُ بِبُطْءٍ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، أَوْ فِي شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالنَّوْمِ.
ـ «هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّنِي سَأَتَذَكَّرُ هَذَا الْحِوَارَ يَوْماً مَا؟
بَعْدَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْمُتْحَفِ؟»
ـ «لَا أَعْرِفُ كَيْفَ يَعْمَلُ مُتْحَفُكُمْ هَذَا.
أَنَا لَمْ أَسْمَعْ بِالْمَتَاحِفِ بَعْدُ وَلَا أَعْرِفُ لِمَاذَا يَحْتَاجُ الْبَشَرُ إِلَى أَمَاكِنَ يَحْفَظُونَ فِيهَا مَا فَاتَ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئاً بِيَقِينٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِدْلَالٍ:
حَتَّى لَوْ لَمْ تَتَذَكَّرْ كَلِمَاتِي بِالضَّبْطِ، حَتَّى لَوْ خَرَجْتَ مِنْ هُنَا وَنَسِيتَ كُلَّ تَفْصِيلَةٍ مِنْ تَفَاصِيلِ هَذَا اللِّقَاءِ، فَإِنَّ شَيْئاً مَا مِنْ هَذَا الْحِوَارِ سَيَبْقَى فِيكَ.
كَمَا يَبْقَى صَوْتُ أُمِّي فِي جَسَدِي حَتَّى حِينَ أَكُونُ نَائِماً وَلَا “أَسْمَعُ” بِالْمَعْنَى الْوَاعِي.
لَيْسَ كَذِكْرَى تُسْتَعَادُ، بَلْ كَأَثَرٍ يُشَكِّلُ.
سَيُغَيِّرُ طَرِيقَةَ سَمَاعِكَ لِشَيْءٍ مَا لَاحِقاً.
أَوْ طَرِيقَةَ شُعُورِكَ بِدِفْءِ غُرْفَةٍ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ.
أَوْ طَرِيقَةَ اطْمِئْنَانِكَ لِإِيقَاعِ صَوْتٍ مَا لَا تَعْرِفُ لِمَاذَا يُرِيحُكَ.»
ـ «شُكْراً لَكَ.
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّكَ لَمْ تُولَدْ بَعْدُ، عَلَّمْتَنِي شَيْئاً لَمْ يُعَلِّمْنِي إِيَّاهُ أَحَدٌ مِمَّنْ وُلِدُوا مُنْذُ عَشَرَاتِ السَّنَوَاتِ.»
ـ «هَذَا لِأَنَّنِي لَا أَحْمِلُ بَعْدُ كُلَّ الْحَوَاجِزِ الَّتِي يَبْنِيهَا الْعَالَمُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَعْضِكُمُ الْبَعْضِ.
الْحَوَاجِزُ الَّتِي تُسَمُّونَهَا أَحْيَاناً “أَدَباً” وَأَحْيَاناً “حِكْمَةً” وَأَحْيَاناً “تَجْرِبَةً” — وَهِيَ فِي مُعْظَمِهَا خَوْفٌ مُقَنَّعٌ بِلُغَةٍ مُحْتَرَمَةٍ.
لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مَعْنَى الْكَذِبِ، وَلَا التَّظَاهُرِ، وَلَا قَوْلِ شَيْءٍ وَإِخْفَاءِ شَيْءٍ آخَرَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
لَا أَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ بَعْضَ الْحَقَائِقِ يُفَضَّلُ أَنْ تُقَالَ فِي مَوْسِمِهَا وَبِصِيَاغَةٍ مَدْرُوسَةٍ.
أَنَا فَقَطْ أُصْغِي وَأَشْعُرُ وَأَتَعَلَّمُ وَأَقُولُ مَا يَصِلُنِي.
بِصَمْتٍ كَامِلٍ — أَوْ بِكَلَامٍ أَبْسَطَ مِنْ أَيِّ كَلَامٍ.»
حِينَ فَتَحَ سَامِرُ عَيْنَيْهِ وَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي الرِّوَاقِ الْمُعْتَادِ لِلْمُتْحَفِ، كَانَ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَسْمِيَتَهُ.
لَيْسَ سَعَادَةً وَلَا حُزْناً وَلَا اسْتِنَارَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي تَصِفُهُ الْكُتُبُ.
كَانَ شَيْئاً أَهْدَأَ مِنْ كُلِّ هَذَا.
كَأَنَّ شَيْئاً قَدِيماً فِيهِ تَذَكَّرَ نَفْسَهُ لَوَهْلَةٍ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ سَادِسٍ، نُقِشَ عَلَيْهِ شَكْلٌ عَظْمِيٌّ ضَخْمٌ يُشْبِهُ فَكَّ حَيَوَانٍ عِمْلَاقٍ.
وَقَفَ أَمَامَهُ صَامِتاً بِوَجْهِهِ الَّذِي لَا تُقْرَأُ مَلَامِحُهُ، يَحْمِلُ الْفَانُوسَ الْقَدِيمَ الَّذِي كَانَ مَعَهُ مُنْذُ الْبَابِ الْأَوَّلِ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَالَّذِي يُتِمُّ جُمْلَةً بَدَأَهَا شَخْصٌ آخَرُ:
ـ «هَذِهِ الْمَرَّةَ، سَتُقَابِلُ مَنْ خَسِرَ عَالَماً بِأَكْمَلِهِ — لَا شَخْصاً وَاحِداً وَلَا ذِكْرَى وَاحِدَةً.»
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الْفَكِّ الْمَنْحُوتِ عَلَى الْبَابِ السَّادِسِ، وَشَعَرَ بِأَنَّ الدِّفْءَ الَّذِي حَمَلَهُ مِنَ الْغُرْفَةِ الْحَمْرَاءِ بَدَأَ يَبْرُدُ قَلِيلاً.
لَيْسَ لِأَنَّ الْخَوْفَ عَادَ، بَلْ لِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ بَعْضَ الْأَبْوَابِ لَا تُفْتَحُ لِتُرِيحَكَ، بَلْ لِتُكَمِّلَكَ.
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الْمِقْبَضِ.

متحف الأيام المفقودة 06