مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ السَّادِسُ: الدِّيْنَاصُورُ الْأَخِيرُ قَبْلَ سِتَّةٍ وَسِتِّينَ مِلْيُونَ سَنَةٍ – – «مَا الَّذِي يُفْقَدُ حِينَ يَنْقَرِضُ جِنْسٌ بِأَكْمَلِهِ؟ لَيْسَ فَرْداً، بَلْ عَالَمٌ كَامِلٌ مِنَ الاحْتِمَالاتِ الَّتِي لَنْ تُولَدَ أَبَداً»
——————–
فَتَحَ الْعَجُوزُ الْبَابَ السَّادِسَ.
لَمْ يَكُنِ الْبَابُ هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنَ الأَبْوَابِ الَّتِي تُفْتَحُ بِهُدُوءٍ، وَلا مِنْ تِلْكَ الَّتِي تُوحِي بِمَا وَرَاءَهَا؛ كَانَ يُفْتَحُ كَجُرْحٍ، كَشَقٍّ فِي جِدَارِ الْهَوَاءِ نَفْسِهِ.
اِنْدَفَعَ مِنْ خِلالِهِ ضَوْءٌ أَحْمَرُ قَاتِمٌ، لَيْسَ كَلَوْنِ الشَّفَقِ وَلا كَلَوْنِ الْجَمْرِ، بَلْ كَلَوْنِ شَيْءٍ يَحْتَرِقُ مِنَ الدَّاخِلِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدّاً.
وَاِنْدَفَعَتْ مَعَهُ حَرَارَةٌ جَافَّةٌ خَانِقَةٌ، كَأَنَّهَا حَرَارَةُ فُرْنٍ هَجَرَهُ أَصْحَابُهُ وَبَقِيَ مُشْتَعِلاً لِوَحْدِهِ فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ.
وَجَاءَ صَوْتٌ مِنْ بَعِيدٍ، هَدِيرٌ عَمِيقٌ مُتَوَاصِلٌ، أَشْبَهُ بِالرَّعْدِ الَّذِي لا يَنْتَهِي، رَعْدٌ لَمْ يُولَدْ مِنْ سَحَابَةٍ بَلْ مِنْ كَسْرِ الأَرْضِ نَفْسِهَا.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحْظَةً عِنْدَ الْعَتَبَةِ.
كَانَتِ الْعَتَبَةُ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَيْسَتْ خَطّاً هَنْدَسِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ خَطّاً زَمَنِيّاً.
خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ لِلأَمَامِ تَعْنِي سِتَّةً وَسِتِّينَ مِلْيُونَ سَنَةٍ لِلْخَلْفِ.
تَعْنِي أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ بِأَسْرِهَا لَمْ تُولَدْ بَعْدُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ سَامِرٌ مِنْ لُغَةٍ وَمُوسِيقَى وَبِنَاءٍ وَحَرْبٍ وَحُبٍّ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ وَلَمْ يُفَكَّرْ فِيهِ.
خَطَا.
وَجَدَ نَفْسَهُ وَاقِفاً عَلَى أَرْضٍ مُتَشَقِّقَةٍ كَوَجْهِ عَجُوزٍ نَسِيَهُ الزَّمَنُ، تَشَقُّقَاتٌ عَمِيقَةٌ تَمْتَدُّ كَخَرَائِطَ لِدُوَلٍ لَمْ تُسَمَّ بَعْدُ.
السَّمَاءُ فَوْقَهُ لَمْ تَكُنْ سَمَاءً بِالْمَعْنَى الْمَأْلُوفِ؛ كَانَتْ سَقْفاً رَمَادِيّاً كَثِيفاً مِنَ الرَّمَادِ وَالْغُبَارِ وَالدُّخَانِ الْمُتَشَابِكِ، يَحْجُبُ الشَّمْسَ حَجْباً تَامّاً كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً أَصْلاً.
وَفِي الأُفُقِ الْبَعِيدِ، حَرَائِقُ شَاسِعَةٌ تَلْتَهِمُ غَابَاتٍ كَامِلَةً، لا تصْدُرُ صَوْتاً وَاضِحاً مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَةِ، بَلْ تَبْدُو كَجُدُرَانٍ مِنَ الضَّوْءِ الأَحْمَرِ تَنْهَارُ بِبُطْءٍ وَتَتَجَدَّدُ.
الْهَوَاءُ كَانَ ثَقِيلاً.
ثَقِيلاً بِمَعْنىً حَرْفِيٍّ؛ كَأَنَّ لِكُلِّ نَفَسٍ وَزْناً إِضَافِيّاً يَجِبُ حَمْلُهُ فِي الرِّئَتَيْنِ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ.
صَوْتٌ لَمْ يَسْمَعْ سَامِرٌ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ.
لَمْ يَكُنْ صُرَاخاً وَلا نُوَاحاً وَلا زَئِيراً؛ كَانَ شَيْئاً أَعْمَقَ مِنْ كُلِّ هَذَا، شَيْئاً يُشْبِهُ الصَّوْتَ الَّذِي يُصْدِرُهُ جَبَلٌ لَوِ امْتَلَكَ حَنْجَرَةً.
حَمَلَ فِي طَيَّاتِهِ ثِقَلَ الْمَلِكِ وَحُزْنَ النِّهَايَةِ وَالْهُدُوءَ الْمُطْلَقَ لِمَنْ قَرَّرَ أَنْ يَقْبَلَ مَا لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ.
ـ «لا تَخَفْ.»
جَاءَ الصَّوْتُ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمِينِ، مِنْ حَافَّةِ الرُّؤْيَةِ حَيْثُ يَنْتَهِي الضَّوْءُ الأَحْمَرُ وَيَبْدَأُ الظَّلامُ.
ـ «أَنَا أَكْبَرُ مِنْ أَنْ أُؤْذِيَ شَيْئاً صَغِيراً مِثْلَكَ الآنَ.
وَلَمْ يَعُدْ لَدَيَّ طَاقَةٌ لِذَلِكَ.»
تَحَرَّكَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ، يَتَّبِعُ الصَّوْتَ، كَأَنَّهُ يَتَّبِعُ خَيْطاً فِي مَتَاهَةٍ.
وَتَدْرِيجِيّاً، مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، بَدَأَ الظِّلُّ الضَّخْمُ يَأْخُذُ شَكْلاً.
جسدٌ هَائِلٌ مُسْتَلْقٍ عَلَى جَانِبِهِ، أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ بِنَاءٍ رَآهُ سَامِرٌ فِي حَيَاتِهِ، ضُلُوعٌ تَتَحَرَّكُ بِصُعُوبَةٍ مَلْحُوظَةٍ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ، وَعَيْنَانِ كَبِيرَتَانِ مُضِيئَتَانِ كَمِصْبَاحَيْنِ كَهْرَبِيَّيْنِ قَدِيمَيْنِ يُشَاكِسُهُمَا الْعَطَلُ، تَلْمَعَانِ وَسَطَ الرَّمَادِ الْمُتَسَاقِطِ بِاسْتِمْرَارٍ كَثَلْجٍ رَمَادِيٍّ.
ـ «مَنْ أَنْتِ؟»
سَأَلَ سَامِرٌ، وَصَوْتُهُ بَدَا فِي هَذَا الْفَضَاءِ الشَّاسِعِ كَصَوْتِ طِفْلٍ يَسْأَلُ فِي كَاتِدْرَائِيَّةٍ.
صَمْتٌ قَصِيرٌ.
ثُمَّ:
ـ «كُنْتُ مَلِكَةَ هَذَا الْعَالَمِ.»
قَالَتْهَا بِبَسَاطَةٍ، بِلا ادِّعَاءٍ، كَمَنْ يَذْكُرُ حَقِيقَةً جُغْرَافِيَّةً.
ـ «أَنَا وَمَلايِينُ مِنْ أَمْثَالِي حَكَمْنَا هَذَا الْكَوْكَبَ مِئَةً وَخَمْسِينَ مِلْيُونَ سَنَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ جِنْسُكُمْ بِوَقْتٍ طَوِيلٍ جِدّاً.
طَوِيلٍ جِدّاً بِمَا يَتَجَاوَزُ مَقْدُرَتَكُمْ عَلَى التَّخَيُّلِ.
تُسَمُّونَنَا أَنْتُمُ الدِّيْنَاصُورَاتِ.
أَنَا وَاحِدَةٌ مِنْ آخِرِ مَنْ بَقِيَ حَيّاً مِنَّا، فِي السَّاعَاتِ الَّتِي أَعْقَبَتْ سُقُوطَ الْحَجَرِ السَّمَاوِيِّ.»
اِقْتَرَبَ سَامِرٌ أَكْثَرَ.
وَقَفَ عِنْدَ مَا يُشْبِهُ قَدَمَهَا الْخَلْفِيَّةَ، وَوَجَدَ أَنَّ إِصْبَعَهَا الْوَاحِدَ أَطْوَلُ مِنْ قَامَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ضِعْفَيْنِ.
فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَتْ تَتَنَفَّسُ، كَانَ الْهَوَاءُ يَتَحَرَّكُ مِنْ حَوْلِهَا كَنَسِيمٍ خَفِيفٍ.
ـ «مَاذَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ؟»
سَأَلَ، لَيْسَ لأَنَّهُ لا يَعْرِفُ، فَقَدْ دَرَسَ فِي مَدْرَسَتِهِ عَنِ الْكَوَيْكَبِ الَّذِي أَنْهَى عَصْرَ الدِّيْنَاصُورَاتِ؛ لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْهَا، بِصَوْتِهَا، بِتَجْرِبَتِهَا.
ـ «سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ السَّمَاءِ،»
بَدَأَتْ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يُعِيدُ تَرْتِيبَ ذَاكِرَةٍ لا تَزَالُ تُؤْلِمُهَا:
«أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ جَبَلٍ تَعْرِفُونَهُ.
حَجَرٌ سَمَاوِيٌّ، كُتْلَةٌ صَخْرِيَّةٌ صَمَدَتْ مَلايِينَ السِّنِينَ فِي الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، قَبْلَ أَنْ تَقُودَهَا الْجَاذِبِيَّةُ الْكَوْنِيَّةُ نَحْوَ مَصِيرِهَا، وَمَصِيرِنَا.
سَقَطَ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنِّي تُسَمُّونَهُ الآنَ خَلِيجَ الْمَكْسِيكِ.
سَقَطَ فِي الْبَحْرِ فَاهْتَزَّتِ الأَرْضُ كُلُّهَا اهْتِزَازاً مُدَوِّياً، وَارْتَفَعَتْ أَمْوَاجٌ مِنَ الْمَاءِ أَعْلَى مِنْ أَعْلَى جَبَلٍ، وَذَهَبَتْ تُغْرِقُ كُلَّ مَا فِي طَرِيقِهَا.»
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَكَأَنَّهَا تَجْمَعُ أَنْفَاسَهَا الْمُتْعَبَةَ.
ـ «لَكِنَّ الأَسْوَأَ لَمْ يَكُنِ الاهْتِزَازَ وَلا الأَمْوَاجَ.
الأَسْوَأُ كَانَ مَا تَلا ذَلِكَ.
الاِنْفِجَارُ أَطْلَقَ كَمِّيَّاتٍ هَائِلَةً مِنَ الْغُبَارِ وَالرَّمَادِ وَالصُّخُورِ الْمُحْتَرِقَةِ إِلَى طَبَقَاتِ الْغِلافِ الْجَوِّيِّ الْعُلْيَا.
اِنْتَشَرَتْ تِلْكَ السَّحَابَةُ الضَّخْمَةُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، تَحْجُبُ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَنِ الأَرْضِ كُلِّهَا.
أَسَابِيعُ، ثُمَّ أَشْهُرٌ، ثُمَّ سَنَوَاتٌ، وَالظَّلامُ يَسُودُ النَّهَارَ وَيُحَوِّلُهُ إِلَى شِبْهِ لَيْلٍ.
وَالنَّبَاتَاتُ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْمُوَ بِلا ضَوْءٍ.»
صَمَتَتْ قَلِيلاً، ثُمَّ تَابَعَتْ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
ـ «تَخَيَّلْ هَذَا جَيِّداً:
النَّبَاتَاتُ مَاتَتْ أَوَّلاً، لأَنَّهَا تَعِيشُ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ الَّذِي احْتُجِبَ عَنْهَا.
ثُمَّ مَاتَتِ الْحَيَوَانَاتُ الْعَاشِبَةُ الَّتِي كَانَتْ تَأْكُلُ النَّبَاتَاتِ.
ثُمَّ مَاتَتِ الْحَيَوَانَاتُ الْمُفْتَرِسَةُ الَّتِي كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَاشِبَةَ.
سِلْسِلَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْمَوْتِ، طَبَقَةٌ تَنْهَارُ فَتَسْقُطُ الطَّبَقَةُ الَّتِي فَوْقَهَا، مِثْلَ أَعْمِدَةٍ يَعْتَمِدُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مَا تَحْتَهُ.
وَسُقُوطُ الْعَمُودِ الأَوَّلِ كَانَ كَافِياً لإِسْقَاطِ الْهَيْكَلِ كُلِّهِ.»
ـ «وَأَنْتِ؟ كَيْفَ مَا زِلْتِ هُنَا، تَتَحَدَّثِينَ إِلَيَّ؟»
ـ «هَذِهِ الْقَاعَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا عَجُوزُكُمُ الْغَامِضُ،»
قَالَتْ، وَفِي صَوْتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ الْمُتْعَبَةَ:
«لا تُحْضِرُ الْكَائِنَاتِ فِي أَوْجِ قُوَّتِهَا وَعَظَمَتِهَا.
تُحْضِرُهَا فِي لَحْظَتِهَا الأَخِيرَةِ، أَوْ قَرِيباً جِدّاً مِنْهَا.
لَحْظَةُ السُّقُوطِ، لا لَحْظَةُ التَّرَبُّعِ.
فَهِمْتُ ذَلِكَ مِنْ إِشَارَاتِ الْعَجُوزِ حِينَ أَدْرَكْتُ مَا يَحْدُثُ.
أَنَا الآنَ أَعِيشُ آخِرَ سَاعَاتِي، وَرُبَّمَا تَعِيشُ مَعِي أَيْضاً آخِرَ سَاعَاتِ جِنْسِي كُلِّهِ عَلَى هَذَا الْكَوْكَبِ.»
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ السُّؤَالِ قَبْلَ أَنْ يَطْرَحَهُ، وَثِقَلُهُ لَيْسَ فِكْرِيّاً فَقَطْ بَلْ وِجْدَانِيّاً؛ كَأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ يَجْرَحُ لِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ:
ـ «هَلْ يَنْقَرِضُ جِنْسُكِ بِالْكَامِلِ؟»
ـ «تَقْرِيباً بِالْكَامِلِ.»
فِي كَلِمَةِ «تَقْرِيباً» تِلْكَ، شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَلَ الْمُرَّ.
ـ «بَعْضُ أَقْرِبَائِنَا الْبَعِيدِينَ، الصِّغَارُ الرِّيشِيُّونَ، تِلْكَ الْكَائِنَاتُ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَطَوَّرُ قَبْلَ هَذِهِ الْكَارِثَةِ بِعَشَرَاتِ الْمَلايِينِ مِنَ السِّنِينَ، سَتَنْجُو بِأُعْجُوبَةٍ مِنْ كُلِّ هَذَا.
رُبَّمَا لأَنَّ حَجْمَهَا الصَّغِيرَ يَعْنِي أَنَّهَا تَحْتَاجُ طَعَاماً أَقَلَّ.
رُبَّمَا لأَنَّ بَعْضَهَا تَعَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ الْبُذُورَ الَّتِي تَحْفَظُهَا الأَرْضُ حَتَّى فِي الشِّتَاءِ الطَّوِيلِ.
لا أَعْلَمُ تَمَاماً.
لَكِنَّهَا سَتَنْجُو.
وَسَتَتَطَوَّرُ عَبْرَ الزَّمَنِ، عَبْرَ مَلايِينِ السِّنِينَ مِنَ التَّغَيُّرِ وَالتَّكَيُّفِ، لِتُصْبِحَ مَا تُسَمِّيهِ أَنْتَ الآنَ الطُّيُورَ.
أَجْمَلُ مَا فِي هَذَا الْكَوْكَبِ، تَحَوَّلَ مِنْ أَبْشَعِ كَوَارِثِهِ.»
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لِثَانِيَةٍ، ثُمَّ فَتَحَتْهُمَا ثَانِيَةً:
ـ «لَكِنَّا نَحْنُ، الْعَمَالِقَةَ، سَنَخْتَفِي تَمَاماً.
لَنْ يَبْقَ مِنَّا إِلَّا عِظَامٌ مُتَحَجِّرَةٌ تَحْتَ الأَرْضِ، تَنْتَظِرُ مِئَاتِ الْمَلايِينِ مِنَ السِّنِينَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحْفَادُكُمُ الْبَعِيدُونَ يَحْفُرُونَ عَنْهَا بِفُرُشَاتِهِمُ الصَّغِيرَةِ الْحَذِرَةِ، وَيُعِيدُونَ تَرْكِيبَهَا فِي مَتَاحِفِهِمْ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَيْفَ كَانَتْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ تَمْشِي عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ مَعَ أَجْدَادِ أَجْدَادِ أَجْدَادِهِمْ.»
تَوَقَّفَ سَامِرٌ.
أَحَسَّ بِثِقَلِ كَلِمَةِ «اِنْقِرَاضٌ» بِطَرِيقَةٍ لَمْ يُحِسَّهَا مِنْ قَبْلُ حِينَ مَرَّتْ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الدِّرَاسَةِ.
فِي الْكُتُبِ كَانَتْ كَلِمَةً مُحَايَدَةً، عِلْمِيَّةً، بِلا رُوحٍ.
هُنَا كَانَتْ حَاضِرَةً، تَتَنَفَّسُ، تُحْتَضَرُ.
ـ «مَا الَّذِي يُفْقَدُ فِعْلاً حِينَ يَنْقَرِضُ جِنْسٌ بِأَكْمَلِهِ؟
لَيْسَ فَرْداً وَاحِداً يَمُوتُ، وَلَيْسَ مَجْمُوعَةً صَغِيرَةً تَتَلاشَى؛ بَلْ كُلُّ الأَفْرَادِ، كُلُّ التَّارِيخِ، كُلُّ الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي كَانَ مُمْكِناً وَلَمْ يَحْدُثْ؟»
صَمَتَتِ الدِّيْنَاصُورَةُ طَوِيلاً.
لَيْسَ صَمْتَ مَنْ لا يَعْرِفُ، بَلْ صَمْتَ مَنْ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَهُ بِسُهُولَةٍ.
وَكَأَنَّهَا تَجْمَعُ مَا تَبَقَّى مِنْ قُوَّتِهَا لِتُجِيبَ إِجَابَةً تَلِيقُ بِالسُّؤَالِ:
ـ «يُفْقَدُ عَالَمٌ كَامِلٌ مِنَ الاحْتِمَالاتِ الَّتِي لَنْ تُولَدَ أَبَداً.»
ثُمَّ بَدَأَتْ تَشْرَحُ، وَفِي صَوْتِهَا مَا يُشْبِهُ نَبْرَةَ الْمُعَلِّمِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يُعَلِّمُ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ:
ـ «تَخَيَّلْ شَجَرَةً.
كُلُّ غُصْنٍ فِي الشَّجَرَةِ هُوَ نَوْعٌ تَطَوَّرَ مِنْ أَصْلٍ مُشْتَرَكٍ.
الآنَ تَخَيَّلْ أَنَّ شَخْصاً يَقْطَعُ جِذْعَ الشَّجَرَةِ كُلَّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لا غُصْناً وَاحِداً.
لا تَخْسَرُ غُصْناً، تَخْسَرُ كُلَّ الأَغْصَانِ الَّتِي كَانَتْ سَتَخْرُجُ مِنْ كُلِّ غُصْنٍ، وَكُلَّ الأَوْرَاقِ الَّتِي كَانَتْ سَتَنْبُتُ، وَكُلَّ الثِّمَارِ الَّتِي كَانَتْ سَتَنْضُجُ.
أَنْوَاعٌ كَامِلَةٌ لَمْ تُولَدْ بَعْدُ، سُلُوكِيَّاتٌ لَمْ تَتَطَوَّرْ، عَلاقَاتٌ بِيئِيَّةٌ لَمْ تَنْشَأْ.
نَحْنُ لا نَعْرِفُ كَيْفَ كَانَ سَيَبْدُو جِنْسُنَا بَعْدَ مِلْيُونِ سَنَةٍ أُخْرَى، بَعْدَ عَشَرَةِ مَلايِينَ، بَعْدَ خَمْسِينَ.
رُبَّمَا كُنَّا سَنُطَوِّرُ مَا يُشْبِهُ الأَدَوَاتِ.
رُبَّمَا كَانَتْ بَعْضُ فَصَائِلِنَا سَتَصْغُرُ وَتُصْبِحُ أَكْثَرَ مُرُونَةً.
رُبَّمَا كَانَتْ سَتَنْشَأُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الأَنْوَاعِ الأُخْرَى أَنْوَاعٌ مِنَ التَّكَافُلِ لَمْ يَرَهَا هَذَا الْكَوْكَبُ قَطُّ.
كُلُّ هَذَا مُحِيَ، لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ خَاطِئاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ يَسْتَحِقُّ الاخْتِفَاءَ، بَلْ لأَنَّ الْكَوْنَ لا يَهْتَمُّ بِعَدَالَةِ الاسْتِمْرَارِ.»
ـ «هَذَا يَبْدُو ظَالِماً جِدّاً.»
ـ «ظَالِماً بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ؟»
رَدَّتْ، وَفِي صَوْتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ التَّسَاؤُلَ الْفَلْسَفِيَّ أَكْثَرَ مِنَ الْمَرَارَةِ:
«الْكَوْنُ لا يَمْلِكُ مَحْكَمَةً.
لا يُوجَدُ قَاضٍ يُوَازِنُ بَيْنَ الاسْتِحْقَاقِ وَالْمَصِيرِ.
يُوجَدُ فَقَطْ مَا يَحْدُثُ وَمَا لا يَحْدُثُ.
الأَرْضُ مَرَّتْ بِخَمْسِ مَوْجَاتِ اِنْقِرَاضٍ كُبْرَى قَبْلَ هَذِهِ الْكَارِثَةِ.
فِي كُلِّ مَرَّةٍ، اخْتَفَتْ أَنْوَاعٌ لا تُحْصَى، وَظَهَرَتْ أَنْوَاعٌ أُخْرَى أَخَذَتْ مَكَانَهَا.
لَسْنَا الأَوَائِلَ فِي هَذَا، وَلَنْ نَكُونَ الآخِرِينَ.»
ثُمَّ، وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، قَالَتْ مَا فَاجَأَ سَامِراً:
ـ «لَكِنْ دَعْنِي أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ عَلَّمَتْنِيهِ هَذِهِ اللَّحَظَاتُ الأَخِيرَةُ، يَا صَغِيرُ:»
تَوَقَّفَتْ، كَأَنَّهَا تُشَكِّلُ الْكَلِمَاتِ بِعِنَايَةٍ:
ـ «لَوْلا انْقِرَاضُنَا، لَمَا وُجِدْتَ أَنْتَ أَصْلاً.»
بَقِيَ سَامِرٌ صَامِتاً.
الْجُمْلَةُ بَسِيطَةٌ، لَكِنَّ وَقْعَهَا ثَقِيلٌ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ.
ـ «الثَّدِيِّيَاتُ،»
تَابَعَتْ:
«كَانَتْ تَعِيشُ مَعَنَا طَوَالَ تِلْكَ الْمَلايِينِ السِّنِينَ.
كَائِنَاتٌ صَغِيرَةٌ، لا يَتَجَاوَزُ أَكْبَرُهَا حَجْمَ الْفَأْرِ، تَعِيشُ فِي جُحُورٍ تَحْتَ الأَرْضِ، تَخْرُجُ لَيْلاً فَقَطْ حِينَ نَنَامُ نَحْنُ.
كَانَتْ ذَكِيَّةً، كَانَتْ مُتَكَيِّفَةً، كَانَتْ تُنْجِبُ صِغَارَهَا وَتَرْعَاهَا.
لَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَكْبُرَ وَتَتَنَوَّعَ وَتَحْتَلَّ الأَرْضَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ: كُنَّا نَحْنُ هُنَا.
كُنَّا نَمْلأُ كُلَّ الْفَرَاغَاتِ الْبِيئِيَّةِ الْكَبِيرَةِ.
كُنَّا السَّادَةَ غَيْرَ الْمُنَازَعِينَ.
لَمْ يَكُنْ أَمَامَهَا مَجَالٌ لِتُصْبِحَ أَكْبَرَ.
حِينَ مُتْنَا جَمَاعِيّاً، وَبِسُرْعَةٍ جَيُولُوجِيَّةٍ مذْهِلَةٍ، وَجَدَتِ الثَّدِيِّيَاتُ فَجْأَةً عَالَماً خَالِياً أَمَامَهَا.
فَرَاغَاتٌ بِيئِيَّةٌ هَائِلَةٌ لا أَحَدَ يَشْغَلُهَا.
فَبَدَأَتْ تَتَطَوَّرُ بِسُرْعَةٍ لَمْ تَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ، تَكْبُرُ وَتَتَنَوَّعُ وَتَنْتَشِرُ.
فِي غُضُونِ عَشَرَةِ مَلايِينِ سَنَةٍ بَعْدَ اخْتِفَائِنَا، ظَهَرَتْ أَشْكَالٌ لَمْ تُرَ مِنْ قَبْلُ، فِيلٌ وَحُوتٌ وَأَسَدٌ وَقِرْدٌ.
وَعَبْرَ مَلايِينِ السِّنِينَ الإِضَافِيَّةِ، مِنْ بَيْنِ أَحَدِ أَنْوَاعِ تِلْكَ الْقِرَدَةِ، تَطَوَّرَ الإِنْسَانُ.
أَنْتَ، يَا سَامِرُ، نَتِيجَةٌ مُبَاشِرَةٌ لِفَنَائِنَا.»
اِرْتَجَفَ سَامِرٌ مِنْ هَذِهِ الْفِكْرَةِ.
اِرْتِجَاجٌ مِنَ الدَّاخِلِ، لَيْسَ بَرْداً وَلا خَوْفاً، بَلْ ذَلِكَ الاِرْتِجَاجُ الْغَرِيبُ الَّذِي يُصِيبُ الإِنْسَانَ حِينَ يُدْرِكُ فَجْأَةً هَشَاشَةَ وُجُودِهِ الْكَامِلَةَ.
فِكْرَةٌ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ، كُلَّ اللُّغَاتِ وَالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْحَضَارَاتِ وَالأَسْئِلَةِ وَالأَجْوِبَةِ، يَقِفُ عَلَى أَسَاسِ كَارِثَةٍ مَحَتْ عَالَماً كَامِلاً.
ـ «هَلْ تَكْرَهِيننَا إِذَنْ؟
نَحْنُ الَّذِينَ اسْتَفَدْنَا مِنْ مَوْتِكُمْ؟»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلاً.
ثُمَّ:
ـ «لا أَمْلِكُ مَا يَكْفِي مِنَ الْوَقْتِ أَوِ الطَّاقَةِ لِلْكُرْهِ الآنَ.
وَحَتَّى لَوْ مَلَكْتُ، فَالْكُرْهُ لَنْ يُعِيدَ مَيِّتاً وَاحِداً مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِي.
أُفَضِّلُ أَنْ أُمْضِيَ مَا تَبَقَّى مِنْ لَحَظَاتِي فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ جَدْوَى:
أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ.»
ـ «أَنْ أَتَذَكَّرَ مَاذَا؟»
ـ «أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ كُلَّ عَالَمٍ تَظُنُّهُ ثَابِتاً وَدَائِماً وَحَتْمِيّاً، كُلَّ نِظَامٍ تَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَسْتَمِرُّ إِلَى الأَبَدِ، كُلَّ حَضَارَةٍ تَبْنِي فَوْقَهَا كُلَّ مَا تَعْرِفُهُ، يُمْكِنُ أَنْ يُمْحَى فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، بِصُدْفَةٍ لا عَلاقَةَ لَهَا بِالْعَدْلِ وَلا بِالاسْتِحْقَاقِ وَلا بِالْجَدَارَةِ.»
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ وَاصَلَتْ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ وَأَثْقَلَ:
ـ «نَحْنُ حَكَمْنَا هَذَا الْكَوْكَبَ مِئَةً وَخَمْسِينَ مِلْيُونَ سَنَةٍ، يَا صَغِيرُ.
مِئَةً وَخَمْسِينَ مِلْيُونَ سَنَةٍ.
اِجْعَلْ هَذَا الرَّقْمَ يَدْخُلُ عَقْلَكَ حَقّاً.
الإِنْسَانُ الْعَاقِلُ، مُنْذُ أَنْ ظَهَرَ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى الْيَوْمِ، لَمْ يُكْمِلْ ثَلاثَمِئَةِ أَلْفِ سَنَةٍ.
نَحْنُ كُنَّا هُنَا خَمْسَمِئَةِ مَرَّةٍ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ.
وَذَهَبْنَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِمِقْيَاسِ الْجِيُولُوجِيَا.
لا تَظُنُّوا أَنْفُسَكُمْ مُحَصَّنِينَ مِنْ نَفْسِ الْمَصِيرِ، أَيّاً كَانَ شَكْلُهُ.»
ـ «هَذَا تَحْذِيرٌ قَاسٍ.»
ـ «لَيْسَ تَحْذِيراً بِقَدْرِ مَا هُوَ هَدِيَّةٌ أَخِيرَةٌ.»
قَالَتْهَا بِحَزْمٍ هَادِئٍ.
ـ «اِعْرِفُوا أَنَّكُمْ هَشُّونَ، وَأَنَّ كُلَّ مَا بَنَيْتُمُوهُ يُمْكِنُ أَنْ يَزُولَ.
هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ لَيْسَتْ عِبْئاً يَجِبُ حَمْلُهُ بِكَآبَةٍ، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ لِأَنْ تَعِيشُوا بِامْتِنَانٍ حَقِيقِيٍّ.
حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ السَّقْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْقُطَ، تَتَوَقَّفُ عَنْ أَخْذِهِ كَأَمْرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ وَتَبْدَأُ فِي تَقْدِيرِ تَعَبِهِ وَبِنَائِهِ.
حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ الْغَدَ لَيْسَ مَضْمُوناً، يُصْبِحُ الْيَوْمُ ثَمِيناً بِطَرِيقَةٍ لا يَعْرِفُهَا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْغَدَ سَيَأْتِي دَائِماً.»
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ.
ذَلِكَ الْيَوْمُ الْوَاحِدُ الَّذِي يُؤَرِّقُهُ، الَّذِي يَقْلَقُهُ كَثِيراً، الَّذِي يَشْعُرُ بِفَدَاحَةِ غِيَابِهِ.
يَوْمٌ وَاحِدٌ مُقَابِلَ اِنْقِرَاضِ مِئَاتِ الآلافِ مِنَ الأَنْوَاعِ.
ـ «يَبْدُو قَلَقِي عَلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ ضَئِيلاً جِدّاً أَمَامَ كُلِّ مَا تُخْبِرِيننَنِي بِهِ.»
ـ «لا.»
قَالَتْهَا بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ جَعَلَهُ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إِلَيْهَا.
ـ «لا تَفْعَلْ ذَلِكَ.
لا تُصَغِّرْ خَسَارَتَكَ لأَنَّ خَسَارَةً أُخْرَى أَكْبَرُ مِنْهَا.
الْحَجْمُ لا يُحَدِّدُ الْقِيمَةَ وَلا يُقَرِّرُ الأَلَمَ.
فُقْدَانُ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيَاةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ، وَفُقْدَانُ عَالَمٍ كَامِلٍ مِنَ الْكَائِنَاتِ، كِلاهُمَا خَسَارَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ فَقَطْ بِمَقَايِيسَ مُخْتَلِفَةٍ وَبِسِيَاقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
طِفْلٌ يَبْكِي لُعْبَةً مَكْسُورَةً لا يَبْكِي أَقَلَّ حَقِيقَةً مِنْ بَالِغٍ يَبْكِي حَيَاةً ضَائِعَةً.
وَالْكَوْنُ، لَوْ كَانَ يُدْرِكُ، لَسَجَّلَ كِلا الْبُكَاءَيْنِ بِنَفْسِ الْجِدِّيَّةِ.
لا يُوجَدُ حُزْنٌ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْزَنَ.»
بَدَأَ نَفَسُ الدِّيْنَاصُورَةِ يَتَبَاطَأُ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ.
الْهَوَاءُ الَّذِي تُحَرِّكُهُ عِنْدَ كُلِّ زَفِيرٍ أَصْبَحَ أَخَفَّ وَأَخَفَّ.
وَعَيْنَاهَا الْكَبِيرَتَانِ الْمُضِيئَتَانِ بَدَأَتَا تَخْفُتَانِ تَدْرِيجِيّاً، كَمِصْبَاحَيْنِ يُسْحَبُ مِنْهُمَا التَّيَّارُ الْكَهْرَبَائِيُّ شَيْئاً فَشَيْئاً.
ـ «هَلْ… هَلْ سَيَتَذَكَّرُ أَحَدٌ جِنْسَكِ؟
بَعْدَ كُلِّ هَذَا؟»
طَوِيلَةٌ كَانَتِ الْجُمْلَةُ عَلَى سَامِرٍ أَنْ يُنْهِيَهَا دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِشَيْءٍ فِي حَلْقِهِ.
اِبْتَسَمَتْ، بِطَرِيقَتِهَا الْخَاصَّةِ.
لَيْسَتِ ابْتِسَامَةَ الشَّفَتَيْنِ، الَّتِي لا تَمْلِكُهَا.
لَكِنَّ شَيْئاً فِي عَيْنَيْهَا تَغَيَّرَ، شَيْءٌ يُشْبِهُ الدِّفْءَ فِي آخِرِ لَحَظَاتِ الْجَمْرِ:
ـ «نَعَمْ.»
قَالَتْهَا بِثِقَةٍ هَادِئَةٍ.
ـ «أَطْفَالُكُمْ سَيَحْلُمُونَ بِنَا.
سَيَرْسُمُونَ صُوَرَنَا فِي كُتُبِهِمْ، سَيَصْنَعُونَ مِنَّا أَلْعَاباً يَحْمِلُونَهَا مَعَهُمْ فِي حَقَائِبِهِمُ الصَّغِيرَةِ.
سَيَبْنُونَ لِعِظَامِنَا مَتَاحِفَ شَاهِقَةً تَقِفُ فِيهَا هَيَاكِلُنَا فِي الْهَوَاءِ كَأَثْرِيَاءَ نَسِيَتِ الْمَدِينَةُ أَمْوَالَهُمْ لَكِنَّهَا لَمْ تَنْسَ أَسْمَاءَهُمْ.
سَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ حَجْمِنَا وَقُوَّتِنَا، وَسَيَتَسَاءَلُونَ كَيْفَ كُنَّا نَبْدُو، وَهُوَ سُؤَالٌ لَنْ يَجِدُوا إِجَابَتَهُ كَامِلَةً أَبَداً.
لَنْ نُنْسَى تَمَاماً، حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَّا لَحْمٌ وَلا دَمٌ وَلا صَوْتٌ وَلا حَرَارَةٌ.
سَنَبْقَى كَأَثَرٍ، كَقِصَّةٍ، كَتَحْذِيرٍ جَمِيلٍ وَدَرْسٍ حَيٍّ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ.»
ـ «هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ النَّجْمَةُ الْمُحْتَضِرَةُ عَنِ الذَّهَبِ الَّذِي سَيَبْقَى مِنْهَا.»
تَذَكَّرَ سَامِرٌ الْفَصْلَ السَّابِقَ، الْفَصْلَ الْخَامِسَ.
ـ «رُبَّمَا،»
قَالَتْ، وَفِي صَوْتِهَا رَنِينٌ بَعِيدٌ:
«كُلُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ يَتَعَلَّمُ نَفْسَ الدَّرْسَ فِي النِّهَايَةِ، يَا صَغِيرُ:»
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، كَأَنَّهَا تُعْطِي الْكَلِمَاتِ الْقَادِمَةَ حَقَّهَا مِنَ التَّنَفُّسِ:
ـ «لا شَيْءَ يَبْقَى كَمَا هُوَ.
لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتْرُكُ أَثَراً لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ الأَثَرُ اسْمَهُ الأَصْلِيَّ.
أَنَا لَنْ أَبْقَى، لَكِنَّ الطُّيُورَ سَتَبْقَى، وَهِيَ أَبْنَاؤُنَا الْبَعِيدُونَ.
النَّجْمَةُ لَنْ تَبْقَى، لَكِنَّ الذَّهَبَ فِي عُرُوقِكَ سَيَبْقَى، وَهُوَ رَمَادُهَا.
الْمَوْتُ لَيْسَ نُقْطَةَ النِّهَايَةِ، بَلْ هُوَ عَلامَةُ التَّحَوُّلِ.
شَيْءٌ يَنْتَهِي لِكَيْ يَتَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً لَوْلا اِنْتِهَاؤُهُ.»
بَدَأَتْ عَيْنَاهَا تُغْمَضَانِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، بُطْءِ مَنْ يُقَاوِمُ النَّوْمَ ثُمَّ يَسْتَسْلِمُ لَهُ بِهُدُوءٍ.
ـ «اِذْهَبِ الآنَ.»
قَالَتْهَا بِصَوْتٍ بَدَأَ يَتَلاشَى كَمَوْجٍ يَعُودُ إِلَى الْبَحْرِ.
ـ «وَلا تَنْسَ أَنْ تَشْكُرَ الصُّدْفَةَ الَّتِي سَمَحَتْ لَكُمْ أَنْ تُوجَدُوا.
حَتَّى وَأَنْتُمْ تَحْمِلُونَ ثِقَلَ مَعْرِفَةِ أَنَّهَا كَانَتْ صُدْفَةً قَاسِيَةً فِي جَوْهَرِهَا، صُدْفَةٌ بُنِيَتْ عَلَى كَارِثَةٍ وَدَمَارٍ.
الاِمْتِنَانُ لا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ جَمِيلاً.
يَكْفِي أَنْ تَكُونَ وَصَلْتَ.»
آخِرُ مَا رَآهُ سَامِرٌ هُوَ تِلْكَ الْعَيْنَانِ الْكَبِيرَتَانِ وَهُمَا تُغْمضَانِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ، بِبُطْءٍ يُشْبِهُ غُرُوبَ شَمْسٍ شَاهَدْتَهُ مِئَاتِ الْمَرَّاتِ لَكِنَّكَ لا تَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ الأَخِيرَ.
ثُمَّ خَفَتَ الضَّوْءُ الأَحْمَرُ.
تَلاشَى الرَّمَادُ.
وَعَادَ الْهَوَاءُ خَفِيفاً.
وَجَدَ سَامِرٌ نَفْسَهُ يَقِفُ فِي الرِّوَاقِ الْخَشَبِيِّ، وَيَلْهَثُ قَلِيلاً كَمَنْ عَادَ لِلتَّوِّ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ جِدّاً.
لا جَسَدِيّاً فَقَطْ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَعْنِيهِ الْبُعْدُ مِنْ مَسَافَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَثِقَلٍ فِكْرِيٍّ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ أَمَامَ بَابٍ سَابِعٍ.
بَابٌ بَسِيطٌ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لا نُقُوشَ عَلَيْهِ وَلا رُمُوزٌ، لا زُجَاجٌ مُلَوَّنٌ وَلا مَعَادِنُ لامِعَةٌ.
خَشَبٌ عَادِيٌّ أَمْلَسُ، كَأَبْوَابِ الْبُيُوتِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لا تَحْتَاجُ أَنْ تُعْلِنَ عَنْ نَفْسِهَا لأَنَّهَا وَاثِقَةٌ مِمَّا يَقْبَعُ خَلْفَهَا.
قَالَ سَامِرٌ بِصَوْتٍ مَا زَالَ يَحْمِلُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ الثِّقَلِ:
ـ «كُلُّ مَنْ قَابَلْتُهُمْ حَتَّى الآنَ إِمَّا لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ فِي أَجْسَادِهِمُ الْكَامِلَةِ، أَوْ يَحْتَضِرُونَ، أَوِ اِنْقَرَضُوا بِالْكَامِلِ.
كَأَنَّ هَذِهِ الْقَاعَةَ تَجْمَعُ فَقَطِ الأَشْيَاءَ الَّتِي عَلَى حَافَّةِ الْغِيَابِ.»
اِبْتَسَمَ الْعَجُوزُ، تِلْكَ الاِبْتِسَامَةِ الَّتِي تَعَلَّمَ سَامِرٌ أَنَّهَا لا تُجِيبُ بَلْ تُعَمِّقُ السُّؤَالَ:
ـ «رُبَّمَا لأَنَّ الْحَقِيقَةَ الأَعْمَقَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ لا تُرَى إِلَّا حِينَ يَكُونُ عَلَى وَشَكِ الاِنْتِهَاءِ.
الْمَاءُ لا تَعْرِفُ قِيمَتَهُ حَتَّى يَبْدَأَ بِالنَّفَادِ.
النُّورُ لا تُدْرِكُ حُضُورَهُ حَتَّى يَبْدَأَ بِالتَّلاشِي.
وَكُلُّ كَائِنٍ لا يُفْصِحُ عَنْ أَعْمَقِ حِكْمَتِهِ إِلَّا حِينَ يَقْتَرِبُ مِنْ خَطِّ النِّهَايَةِ.»
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الْبَابِ السَّابِعِ.
ـ «وَهَذَا؟»
سَأَلَ، مُشِيراً بِنَظْرَتِهِ لا بِإِصْبَعِهِ.
«مَاذَا خَلْفَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ؟»
ـ «خَلْفَ هَذَا الْبَابِ سَتُقَابِلُ أَوَّلَ شَخْصٍ حَمَلَ اسْمَ “إِنْسَانٍ” بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُهُ أَنْتَ الْيَوْمَ.
لَنْ تُقَابِلَ إِنْسَاناً يَحْتَضِرُ، وَلَنْ تُقَابِلَ كَائِناً عَلَى وَشَكِ الاِنْقِرَاضِ.
سَتُقَابِلُ لَحْظَةً وُلِدَتْ فِيهَا “الأَنَا” نَفْسُهَا.
اللَّحْظَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا كَائِنٌ حَيٌّ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ:
أَنَا هُنَا، وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّنِي هُنَا.»
وَقَفَ سَامِرٌ أَمَامَ الْبَابِ.
يَدُهُ عَلَى الْمِقْبَضِ الْبَسِيطِ الْخَشَبِيِّ.
وَلِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَدَأَتْ رِحْلَتُهُ فِي هَذِهِ الْقَاعَةِ، لَمْ يَشْعُرْ بِتَرَدُّدٍ قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ، بَلْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ التَّطَلُّعَ.
