متحف الأيام المفقودة 07

مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ السَّابِعُ — أَوَّلُ إِنْسَانٍ عَاقِلٍ – (ذَكَرٌ، شَابٌّ | أَفْرِيقِيَا، قَبْلَ ثَلَاثِمِئَةِ أَلْفِ سَنَةٍ) – «اللَّحْظَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِيهَا كَلِمَةُ “أَنَا” فِي الْكَوْنِ»
________________________________________
كَانَ الْبَابُ السَّابِعُ أَبْسَطَ الْأَبْوَابِ هَيْئَةً وَأَثْقَلَهَا وَقْعاً.
لَمْ يَكُنْ مُزَخْرَفاً كَسَابِقِيهِ، وَلَا مُحَاطاً بِهَالَةٍ أَوْ ضَوْءٍ اسْتِثْنَائِيٍّ.
خَشَبٌ دَاكِنٌ، أَمْلَسُ مِنْ كَثْرَةِ الْأَيْدِي الَّتِي لَامَسَتْهُ عَبْرَ الْأَزْمِنَةِ، بِلَا مِقْبَضٍ وَاضِحٍ — كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ أَنْ تَدْفَعَهُ يَدٌ تَعْرِفُ لِمَاذَا تَدْفَعُ، لَا يَدٌ تَمْتَدُّ بِالْعَادَةِ.
وَقَفَ سَامِرٌ أَمَامَهُ لَحْظَةً، يَسْتَمِعُ إِلَى صَمْتِ الرَّوَاقِ الْخَشَبِيِّ خَلْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى الْخَشَبِ الْبَارِدِ، وَدَفَعَ.
فِي خَطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، اخْتَفَى الرَّوَاقُ.
وَجَدَ نَفْسَهُ تَحْتَ سَمَاءٍ أَفْرِيقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ كَأَنَّهَا لَمْ تُغْلَقْ مُنْذُ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ.
لَوْنُهَا ذَلِكَ الْأَزْرَقُ الْعَمِيقُ الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُ الْكَلِمَاتُ أَنْ تُعْطِيَهُ حَقَّهُ إِلَّا حِينَ تَصْمُتُ — أَزْرَقُ يَقَعُ فِي الْمِنْطَقَةِ الرَّمَادِيَّةِ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالْغَسَقِ، كَأَنَّ النَّهَارَ وَاللَّيْلَ يَتَفَاوَضَانِ بِهُدُوءٍ عَلَى مَنْ يَبْقَى.
وَالْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ حَمْرَاءُ بُنِّيَّةٌ مُمْتَدَّةٌ نَحْوَ كُلِّ أُفُقٍ، مُتَشَقِّقَةٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَجِلْدٍ عَجُوزٍ حَكِيمٍ، تَتَنَاثَرُ فَوْقَهَا أَشْجَارُ السَّنْطِ الشَّائِكَةُ بِشَكْلٍ تَبْدُو مَعَهُ كَأَنَّهَا وُضِعَتْ بِعِنَايَةٍ لَا نَبَتَتْ بِصُدْفَةٍ.
الْهَوَاءُ جَافٌّ خَفِيفٌ، يَحْمِلُ رَائِحَةَ التُّرَابِ الْمُحَمَّإِ وَرَائِحَةَ شَيْءٍ آخَرَ لَا اسْمَ لَهُ — شَيْءٌ يُشْبِهُ رَائِحَةَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي تُقَرِّرُ فِيهَا التَّارِيخُ أَنْ يَتَحَوَّلَ.
وَلَا صَوْتَ إِلَّا صَوْتُ الرِّيحِ وَهِيَ تَمُرُّ بَيْنَ الْأَشْجَارِ الشَّائِكَةِ كَأَنَّهَا تَهْمِسُ لَهَا سِرَّاً تَقَدَّمَ عَلَيْهَا بِمَلَايِينِ السِّنِينَ.
رَآهُ عَلَى بُعْدِ خَطَوَاتٍ قَلِيلَةٍ.
شَابٌّ، بَشَرَتُهُ سَمْرَاءُ دَاكِنَةٌ تَمْتَصُّ الضَّوْءَ دُونَ أَنْ تَعْكِسَهُ، جَسَدُهُ نَحِيلٌ لَكِنَّ عَضَلَاتِهِ مَحْكُومَةٌ بِإِحْكَامٍ كَبُنْيَانٍ اخْتُبِرَ بِالْحَيَاةِ لَا بِالْمَلْعَبِ.
عَيْنَاهُ حَادَّتَانِ، وَاسِعَتَانِ، وَعَلَى مَلَامِحِهِ مِنَ الِانْتِبَاهِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَوِّرَهُ إِنْسَانٌ وَلَا تُقَلِّدَهُ أَيُّ مَخْلُوقٍ.
كَانَ جَالِساً عَلَى صَخْرَةٍ مُسْتَوِيَةٍ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ قِطْعَةَ صَوَّانٍ بُنِّيَّةَ اللَّوْنِ، يُدِيرُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، يُمِرُّ الْإِبْهَامَ عَلَى حَافَّتِهَا الْحَادَّةِ ثُمَّ يُبْعِدُهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ بِلُغَةٍ لَا حُرُوفَ لَهَا سِوَى التَّضَارِيسِ وَالْحِدَّةِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَخْتَلِفُ عَنْ كُلِّ مَا شَعَرَ بِهِ فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ.
لَمْ يَكُنْ رَهْبَةَ الْمَكَانِ وَحْدَهَا، وَلَا غَرَابَةَ الزَّمَانِ — كَانَ شَيْئاً أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ؛ شُعُورٌ بِأَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ شَقٍّ ضَيِّقٍ فِي جِدَارِ الزَّمَنِ، وَأَنَّ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِذَلِكَ الشَّقِّ لَا يُوجَدُ بَشَرٌ آخَرُ، بَلْ تُوجَدُ الْبَشَرِيَّةُ نَفْسُهَا وَهِيَ لَمَّا تَبْدَأْ بَعْدُ.
— «رَحْباً.»
قَالَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَاذَا يَقُولُ أَصْلاً.
وَالْكَلِمَاتُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ تَصْنَعُ نَفْسَهَا.
رَفَعَ الشَّابُّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ غَيْرِ مَذْعُورٍ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ كَمَا يَنْظُرُ الْمَرْءُ إِلَى ظَاهِرَةٍ طَبِيعِيَّةٍ مُدْهِشَةٍ كَالْبَرْقِ — بِفُضُولٍ حَادٍّ وَتَقْيِيمٍ فَوْرِيٍّ وَغِيَابٍ شِبْهِ تَامٍّ لِلْخَوْفِ.
— «أَنْتَ لَسْتَ مِنْ قَبِيلَتِي.»
قَالَهَا كَتَقْرِيرٍ لَا كَسُؤَالٍ.
— «وَلَسْتَ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ أَعْرِفُهَا.
رَائِحَتُكَ غَرِيبَةٌ، وَثِيَابُكَ لَا تُشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ رَأَيْتُهُ.
لَكِنَّكَ لَا تَبْدُو مُعَادِياً.»
تَوَقَّفَ، وَأَضَافَ بِنَبْرَةٍ فِيهَا مَا يُشْبِهُ الدِّقَّةَ الْمَنْهَجِيَّةَ:
— «أَنْتَ لَا تَبْدُو خَائِفاً أَيْضاً.
هَذَا يَجْعَلُكَ إِمَّا قَوِيَّاً جِدَّاً، وَإِمَّا تَعْرِفُ شَيْئاً لَا أَعْرِفُهُ.»
— «اسْمِي سَامِرٌ.
جِئْتُ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدَّاً عَنْكَ — بَعِيدٍ بِمَا يَفُوقُ قُدْرَتِي عَلَى وَصْفِهِ — رَغْمَ أَنَّنَا الْآنَ فِي نَفْسِ الْمَكَانِ بِطَرِيقَةٍ مَا.»
أَوْمَأَ الشَّابُّ، كَأَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ يَقَعُ ضِمْنَ دَائِرَةِ الْمَقْبُولِ فِي عَالَمِهِ:
— «أَنَا… لَيْسَ لَدَيَّ اسْمٌ ثَابِتٌ كَمَا تَفْهَمُهُ أَنْتَ.
قَبِيلَتِي تُنَادِينِي بِأَصْوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ حَسَبَ الْمَوْقِفِ.
حِينَ أَعُودُ بِصَيْدٍ يُنَادُونَنِي بِصَوْتٍ، وَحِينَ أُخْطِئُ يُنَادُونَنِي بِصَوْتٍ آخَرَ، وَحِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَيَّ لَيْلاً يُنَادُونَنِي بِثَالِثٍ.
رُبَّمَا أَنَا كُلُّ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ مَعاً.
أَوْ رُبَّمَا لَا أَحَدَ مِنْهَا بِعَيْنِهِ.»
مَدَّ يَدَهُ وَأَعْطَى سَامِرَ الْحَجَرَ لَحْظَةً، كَمَنْ يُرِيدُهُ أَنْ يَلْمَسَهُ لَا فَقَطْ يَرَاهُ:
— «لَكِنَّ هَذَا الْحَجَرَ الَّذِي فِي يَدِي — أَنَا مَنْ صَنَعَهُ.
لَيْسَ صُدْفَةً، وَلَيْسَ تَكْرَاراً لِمَا عَلَّمَنِي إِيَّاهُ أَحَدٌ.
شَذَّبْتُهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالذَّاتِ لِأَنَّ شَيْئاً بِدَاخِلِي قَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ أَفْضَلُ.
وَحِينَ انْتَهَيْتُ، نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَلَمْ أَشْعُرْ فَقَطْ بِأَنَّ الْأَدَاةَ جَاهِزَةٌ — شَعَرْتُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ آخَرَ: شَعَرْتُ أَنَّنِي أَنَا مَنْ فَعَلَ هَذَا.»
تَغَيَّرَ شَيْءٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَهُمَا حِينَ قَالَهَا.
— «لَيْسَ فَقَطْ أَنَّ يَدِي تَحَرَّكَتْ — بَلْ أَنَّ (شَيْئاً بِدَاخِلِي) قَرَّرَ أَنْ تَتَحَرَّكَ بِهَذَا الشَّكْلِ بِالذَّاتِ، وَلَيْسَ بِشَكْلٍ آخَرَ.
وَهَذَا الشَّيْءُ بِدَاخِلِي… يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يُرَاقِبُ نَفْسَهُ وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.»
أَدْرَكَ سَامِرٌ فَجْأَةً أَنَّهُ يَقِفُ أَمَامَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ اللَّحَظَاتِ فِي تَارِيخِ الْكَوْنِ كُلِّهِ — لَيْسَ لَحْظَةَ أَوَّلِ نَارٍ، وَلَا أَوَّلِ أَدَاةٍ، وَلَا حَتَّى أَوَّلَ كَلِمَةٍ.
بَلْ لَحْظَةٌ أَغْمَضُ وَأَبْعَدُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ: لَحْظَةُ الْمَرَّةِ الْأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا كَائِنٌ حَيٌّ لِنَفْسِهِ، بِكُلِّ مَا تَعْنِيهِ الْعِبَارَةُ: أَنَا هُنَا.
وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّنِي هُنَا.
— «تَقْصِدُ… أَنَّكَ تَعِي أَنَّكَ تَعِي؟»
لَمْ يُجِبِ الشَّابُّ فَوْراً.
أَخَذَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِ سَامِرٍ وَعَادَ يُدِيرُهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كَمَنْ يَصُوغُ فِكْرَةً جَدِيدَةً كُلِّيَّاً بِكَلِمَاتٍ لَمْ تُخْتَرَعْ بَعْدُ بِشَكْلٍ كَامِلٍ:
— «نَعَمْ.
تَقْرِيباً.
أَجْدَادُنَا مِنْ قَبْلُ كَانُوا يَصْنَعُونَ أَدَوَاتٍ أَيْضاً، يَصْطَادُونَ، يَهْرُبُونَ مِنَ الْأَخْطَارِ، يُطْعِمُونَ أَطْفَالَهُمْ، يَمُوتُونَ.
لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّنِي أَفْعَلُ شَيْئاً إِضَافِيَّاً لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ.
أَتَخَيَّلُ أَشْيَاءَ لَمْ تَحْدُثْ بَعْدُ.
أَتَخَيَّلُ الصَّيْدَ غَداً، قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ — وَلَيْسَ فَقَطْ أَنْ يُحَرِّكَنِي الْجُوعُ الْآنَ.
أَتَذَكَّرُ وَجْهَ أُمِّي الَّتِي مَاتَتْ مُنْذُ فَصْلَيْنِ، وَأَشْعُرُ بِشَيْءٍ يُثْقِلُ صَدْرِي حِينَ أَتَذَكَّرُهَا، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ أَمَامِي.
وَالْأَشَدُّ غَرَابَةً… أَتَسَاءَلُ أَحْيَاناً عَنْ نَفْسِي: مَنْ أَنَا؟
لِمَاذَا أَنَا؟
وَإِلَى أَيْنَ سَأَذْهَبُ حِينَ تَنْطَفِئُ حَرَارَتِي كَمَا انْطَفَأَتْ حَرَارَةُ أُمِّي؟»
— «هَذَا يُسَمَّى — بِكَلِمَاتِ زَمَنٍ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ — الْوَعْيَ الذَّاتِيَّ الْكَامِلَ.»
قَالَهَا سَامِرٌ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُ يَضَعُ قِطْعَةَ زُجَاجٍ ثَمِينَةً عَلَى سَطْحٍ هَشٍّ:
— «الْقُدْرَةُ عَلَى التَّفْكِيرِ فِي الزَّمَنِ — لَيْسَ فَقَطْ الِاسْتِجَابَةُ لِلْآنِ، بَلِ اسْتِحْضَارُ الْمَاضِي وَاسْتِشْرَافُ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ: الْقُدْرَةُ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الذَّاتِ كَشَيْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ الْعَالَمِ، كَأَنَّكَ تَقِفُ خَارِجَ نَفْسِكَ وَتُرَاقِبُ نَفْسَكَ مِنْ مَسَافَةٍ.»
فَكَّرَ الشَّابُّ فِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ:
— «نَعَمْ.
كَأَنَّ هُنَاكَ (أَنَا) تَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ، وَ(أَنَا) أُخْرَى تُرَاقِبُ الْأُولَى وَهِيَ تَفْعَلُهَا.
وَأَحْيَاناً الِاثْنَتَانِ تَتَحَدَّثَانِ مَعَ بَعْضِهِمَا فِي دَاخِلِي، حِينَ أَكُونُ وَحِيداً فِي اللَّيْلِ.»
— «هَذَا بِالضَّبْطِ مَا سَيُسَمِّيهِ النَّاسُ بَعْدَكَ “الْحِوَارَ الدَّاخِلِيَّ” أَوْ “الضَّمِيرَ” أَوْ “التَّأَمُّلَ الذَّاتِيَّ”.
وَسَتُبْنَى عَلَيْهِ كُلُّ الْفَلْسَفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ لَاحِقاً — مِنْ أَفْلَاطُونَ الَّذِي سَيَسْأَلُ بَعْدَكَ بِمِئَتَيْ أَلْفِ سَنَةٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الرُّوحِ، إِلَى ابْنِ سِينَاءَ الَّذِي سَيُجَادِلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ دُونَ أَنْ يُحِسَّ بِشَيْءٍ سَيَظَلُّ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، إِلَى دِيكَارْتَ الَّذِي سَيُلَخِّصُ كُلَّ هَذَا فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ قَصِيرَةٍ: “أَنَا أُفَكِّرُ، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ.”»
— «كُلُّهُمْ تَوَصَّلُوا إِلَى مَا تَوَصَّلْتُ إِلَيْهِ أَنَا؟»
— «كُلُّهُمْ كَانُوا يُحَاوِلُونَ وَصْفَ مَا بَدَأَ فِيكَ.
أَنْتَ لَمْ تُنْتِجْ فَلْسَفَةً — أَنْتَ كُنْتَ الْفَلْسَفَةَ.»
صَمَتَ الشَّابُّ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَثْقَلَ وَأَهْدَأَ:
— «هَلْ هَذَا شَيْءٌ جَيِّدٌ؟»
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ هَذَا السُّؤَالِ الْبَسِيطِ الَّذِي يَحْمِلُ ثِقَلَ كُلِّ الْفَلْسَفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ اللَّاحِقَةِ.
لَوْ أَجَابَ بِـ”نَعَمْ” بِبَسَاطَةٍ، لَكَانَ كَاذِباً.
وَلَوْ أَجَابَ بِـ”لَا”، لَكَانَ ظَالِماً.
— «هَذَا سُؤَالٌ يَسْأَلُهُ الْبَشَرُ لِأَنْفُسِهِمْ مُنْذُ ثَلَاثِمِئَةِ أَلْفِ سَنَةٍ، مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ حَتَّى الْآنَ، وَلَمْ يَتَّفِقُوا بَعْدُ عَلَى إِجَابَةٍ كَامِلَةٍ.
الْوَعْيُ الذَّاتِيُّ جَلَبَ لَنَا أَشْيَاءَ عَظِيمَةً — أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الْكَوْنِ قَبْلَكَ: جَلَبَ الْفَنَّ، حِينَ أَرَادَ إِنْسَانٌ أَنْ يُخَلِّدَ لَحْظَةً جَمِيلَةً خَافَ أَنْ تَضِيعَ.
وَجَلَبَ الْعِلْمَ، حِينَ تَسَاءَلَ إِنْسَانٌ لَيْسَ فَقَطْ “كَيْفَ أَصْطَادُ الْآنَ؟” بَلْ “لِمَاذَا يَسْقُطُ الْحَجَرُ إِلَى الْأَسْفَلِ دَائِماً وَلَيْسَ إِلَى الْأَعْلَى؟”
وَجَلَبَ الْحُبَّ الْعَمِيقَ، الْحُبَّ الَّذِي يُعَانِي لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَنْتَهِي يَوْماً وَيُحِبُّ رَغْمَ ذَلِكَ — أَوْ رُبَّمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَجَلَبَ التَّعَاوُنَ الْمُعَقَّدَ، الَّذِي يُتِيحُ لِمِئَةِ إِنْسَانٍ لَا يَتَقَاسَمُونَ الدَّمَ أَنْ يَبْنُوا مَعاً مَعْبَداً أَوْ سَفِينَةً أَوْ مَدِينَةً.»
ثُمَّ تَوَقَّفَ، وَأَكْمَلَ بِصِدْقٍ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ:
— «لَكِنَّهُ جَلَبَ أَيْضاً مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُوداً فِي الْكَوْنِ قَبْلَكَ: الْقَلَقَ الْمُزْمِنَ، الَّذِي لَا يَرْتَبِطُ بِخَطَرٍ مَاثِلٍ أَمَامَكَ بَلْ بِأَخْطَارٍ تَتَخَيَّلُهَا لَيْلاً.
وَالْخَوْفَ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي نَعْرِفُ أَنَّهُ قَادِمٌ لَا مَحَالَةَ، لَا كَذِئْبٍ نَرَاهُ الْآنَ بَلْ كَلَيْلٍ نَدْرِي أَنَّهُ سَيَأْتِي حَتْماً.
وَالشُّعُورَ بِالْوَحْدَةِ حَتَّى وَسْطَ الْجَمَاعَةِ — تِلْكَ الْوَحْدَةُ الْغَرِيبَةُ الَّتِي لَا يَمْلَؤُهَا أَحَدٌ مَهْمَا اقْتَرَبَ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ غِيَابَ نَاسٍ بَلْ غِيَابَ شَيْءٍ آخَرَ لَا اسْمَ لَهُ بَعْدُ.»
— «هَذَا يُشْبِهُ بِالضَّبْطِ مَا أَشْعُرُ بِهِ الْآنَ.
أَشْعُرُ بِفَرَحٍ غَرِيبٍ حِينَ أَصْنَعُ شَيْئاً جَدِيداً بِيَدِي، كَأَنَّ شَيْئاً بِدَاخِلِي يَتَمَدَّدُ وَيُصْبِحُ أَكْبَرَ.
لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَيْضاً بِخَوْفٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلُ.»
تَوَقَّفَ، وَأَمْسَكَ الْحَجَرَ بِإِحْكَامٍ:
— «أَعْرِفُ الْآنَ أَنَّنِي سَأَمُوتُ يَوْماً.
وَهَذَا يُخِيفُنِي بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَكُنْ تُخِيفُ أَجْدَادِي، الَّذِينَ كَانُوا يَهْرُبُونَ مِنَ الْخَطَرِ الْمُبَاشِرِ فَقَطْ — مِنَ الْأَسَدِ الَّذِي يَقْفِزُ، لَا مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي يَنْتَظِرُ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ مَوْتِي قَادِمٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ أَمَامِي أَسَدٌ الْآنَ.
وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ تَسْكُنُ مَعِي.»
— «هَذَا مَا يُسَمَّى لَاحِقاً الْوَعْيَ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ يُعْتَبَرُ أَحَدَ أَعْمَقِ مَا يُمَيِّزُ الْإِنْسَانَ عَنْ سَائِرِ الْكَائِنَاتِ.
الْحَيَوَانُ يَهْرُبُ مِنَ الْخَطَرِ لِأَنَّهُ يُحِسُّ بِهِ — أَنْتَ تَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ لِأَنَّكَ تَعْرِفُهُ، حَتَّى فِي لَحَظَاتِ الْأَمَانِ.
وَالْفَارِقُ بَيْنَ الْخَوْفَيْنِ مِثْلُ الْفَارِقِ بَيْنَ الْبَرْدِ الَّذِي تُحِسُّهُ الْآنَ وَتَصَوُّرِ الْبَرْدِ فِي ذَاكِرَتِكَ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ — أَحَدُهُمَا إِحْسَاسٌ وَالْآخَرُ وَعْيٌ.»
نَظَرَ الشَّابُّ إِلَى الْحَجَرِ فِي يَدِهِ طَوِيلاً، كَأَنَّهُ يُجْرِي مُحَادَثَةً صَامِتَةً مَعَهُ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ:
— «هَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَمْرُ؟
أَنْ أَعْرِفَ أَنَّنِي سَأَمُوتُ، مُقَابِلَ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّنِي (أَنَا)؟»
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ السُّؤَالِ يَضْرِبُهُ فِي مَكَانٍ لَمْ يَتَوَقَّعْ، لِأَنَّهُ كَانَ سُؤَالَهُ هُوَ أَيْضاً — بِطَرِيقَةٍ مَا، رَغْمَ آلَافِ الْقُرُونِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا.
وَأَدْرَكَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجِيبَ بِمَا يُرِيحُ الشَّابَّ، لِأَنَّ الْإِجَابَةَ الصَّادِقَةَ لَا تُرِيحُ — إِنَّمَا تُوَسِّعُ:
— «لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً سَهْلَةً.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ هَذَا: كُلُّ مَا بَنَيْنَاهُ نَحْنُ الْبَشَرُ بَعْدَكَ — كُلُّ قَصِيدَةٍ شِعْرِيَّةٍ كُتِبَتْ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَكُلُّ لَوْحَةٍ رُسِمَتْ عَلَى جِدَارِ كَهْفٍ أَوْ قُمَاشَةٍ، وَكُلُّ اكْتِشَافٍ عِلْمِيٍّ جَاءَ بَعْدَ أَلْفِ مُحَاوَلَةٍ فَاشِلَةٍ، وَكُلُّ قِصَّةِ حُبٍّ عَاشَهَا إِنْسَانٌ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَفْقِدُ مَنْ يُحِبُّ يَوْماً — كُلُّ هَذَا نَشَأَ مِنْ هَذَا الْوَعْيِ بِالذَّاتِ الَّذِي بَدَأَ فِيكَ الْآنَ.
حَتَّى حُزْنُنَا الْعَمِيقُ عَلَى الْمَوْتِ كَانَ وَقُوداً لِكُلِّ جَمَالٍ خَلَقْنَاهُ، لِأَنَّنَا أَرَدْنَا أَنْ نَتْرُكَ أَثَراً يُقَاوِمُ الْفَنَاءَ الَّذِي نَعْرِفُ أَنَّهُ قَادِمٌ.
الْمَعَابِدُ بُنِيَتْ لِأَنَّ إِنْسَاناً خَافَ الظَّلَامَ الْأَبَدِيَّ وَأَرَادَ أَنْ يَتَحَدَّثَ إِلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهُ.
وَالْكُتُبُ كُتِبَتْ لِأَنَّ إِنْسَاناً أَرَادَ أَنْ يُكْمِلَ الْحَدِيثَ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ.»
— «هَذَا يَجْعَلُ الْخَوْفَ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ ثَمَنٌ يَسْتَحِقُّ الدَّفْعَ.»
— «رُبَّمَا.
أَوْ رُبَّمَا الْخَوْفُ وَالْجَمَالُ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَنْفَصِلَانِ أَبَداً.
الْجَمَالُ بِلَا خَوْفِ الزَّوَالِ مُجَرَّدُ جَمَالٍ بَارِدٍ، كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى زَهْرَةٍ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ مِثَالِيَّةٍ إِلَى الْأَبَدِ.
وَالْخَوْفُ بِلَا جَمَالٍ مُجَرَّدُ حِمْلٍ لَا يُطَاقُ.
لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ مَعاً… هَذَا مَا يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ إِنْسَاناً.»
صَمَتَ الشَّابُّ مَلِيَّاً، وَسَامِرٌ لَا يَحْرِصُ عَلَى مَلْءِ الصَّمْتِ بِكَلَامٍ.
فَبَعْضُ الصُّمُوتِ أَثْقَلُ وَأَغْنَى مِنْ أَيِّ جُمْلَةٍ.
ثُمَّ قَالَ الشَّابُّ شَيْئاً فَاجَأَ سَامِراً:
— «أَنْتَ تَحْمِلُ حُزْناً ثَقِيلاً.
أَرَاهُ فِي عَيْنَيْكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَقُلْهُ بِكَلِمَاتِكَ.
مَا الَّذِي تَتَذَكَّرُهُ وَتُؤْلِمُكَ ذِكْرَاهُ؟»
نَظَرَ إِلَيْهِ سَامِرٌ مَلِيَّاً — هَذَا الشَّابُّ الَّذِي لَمْ يَكْتَشِفِ الْكِتَابَةَ بَعْدُ، وَلَا الْعَجَلَةَ، وَلَا الْمَدِينَةَ، وَلَا الْأَدْوِيَةَ، رَأَى مَا يُخْفِيهِ سَامِرٌ بَعْدَ ثَلَاثِمِئَةِ أَلْفِ سَنَةٍ مِنَ التَّحَضُّرِ.
ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً:
— «الْمُشْكِلَةُ أَنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُ.
فَقَدْتُ يَوْماً كَامِلاً مِنْ حَيَاتِي — يَوْماً لَا أَعْرِفُ مَاذَا حَدَثَ فِيهِ — وَمَعَ ذَلِكَ أَشْعُرُ بِثِقْلِهِ كُلَّ يَوْمٍ.
كَأَنَّ جُرْحاً يُؤْلِمُنِي وَلَا أَرَى مَكَانَهُ.»
فَكَّرَ الشَّابُّ بِجِدِّيَّةٍ، كَمَنْ يُحَاوِلُ حَلَّ مُشْكِلَةٍ عَمَلِيَّةٍ لَا فَلْسَفِيَّةٍ:
— «عِنْدَنَا، حِينَ يَفْقِدُ أَحَدُ أَفْرَادِ الْقَبِيلَةِ شَيْئاً مُهِمَّاً — صَيْداً أَوْ شَخْصاً أَوْ طَرِيقاً — لَا نُحَاوِلُ أَنْ نَمْلَأَ الْفَرَاغَ بِالْقُوَّةِ.
نَجْلِسُ حَوْلَهُ، نَحْكِي لَهُ قِصَصاً عَنْ أَنْفُسِنَا، عَنْ أَشْيَاءَ فَقَدْنَاهَا نَحْنُ أَيْضاً، حَتَّى يَشْعُرَ أَنَّهُ لَيْسَ وَحِيداً فِي فَرَاغِهِ.
رُبَّمَا هَذَا مَا يَحْدُثُ لَكَ الْآنَ، فِي هَذَا الْمَكَانِ الْغَرِيبِ الَّذِي تَصِفُهُ لِي: كُلُّ مَنْ تُقَابِلُهُمْ يَحْكُونَ لَكَ قِصَصَهُمْ، لِتَشْعُرَ أَنَّكَ لَسْتَ وَحِيداً فِي يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ.»
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي صَدْرِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ.
رُبَّمَا دَمْعَةٌ لَمْ تَنْزِلْ.
رُبَّمَا كَلِمَةُ شُكْرٍ لَمْ تُقَلْ.
رُبَّمَا مُجَرَّدُ الْإِحْسَاسِ بِأَنَّ ثَمَّةَ أَحَداً يَرَاهُ حَقَّاً — لَا كَمُسَافِرٍ بَيْنَ الْأَزْمِنَةِ، وَلَا كَسَائِلٍ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَاتٍ، بَلْ كَإِنْسَانٍ يَحْمِلُ شَيْئاً ثَقِيلاً لَمْ يَجِدْ بَعْدُ مَكَاناً يَضَعُهُ فِيهِ.
— «رُبَّمَا أَنْتَ مُحِقٌّ.»
وَقَفَ الشَّابُّ وَنَفَضَ الْغُبَارَ عَنْ سَاقَيْهِ بِحَرَكَةٍ طَبِيعِيَّةٍ كَأَنَّهَا خِتَامُ يَوْمِ عَمَلٍ، وَنَظَرَ إِلَى الْأُفُقِ حَيْثُ بَدَأَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْغُرُوبِ أَوِ الشُّرُوقِ — لَمْ يَكُنْ سَامِرٌ مُتَأَكِّداً أَيَّهُمَا.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ:
— «يَجِبُ أَنْ أَعُودَ إِلَى قَبِيلَتِي الْآنَ.
لَكِنْ قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ، أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئاً.»
مَدَّ يَدَهُ وَأَعْطَى سَامِرَ الْحَجَرَ الْمُشَذَّبَ الَّذِي ظَلَّ يَحْمِلُهُ طَوَالَ الْحِوَارِ — أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، كَمَنْ يُسَلِّمُ شَيْئاً ثَمِيناً لَا يَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي قِيمَتُهُ لَكِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ:
— «هَذَا أَوَّلُ شَيْءٍ صَنَعْتُهُ بِيَدِي وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّنِي (أَنَا) مَنْ يَصْنَعُهُ.
لَيْسَ فَقَطْ أَنَّ يَدِي تَحَرَّكَتْ — بَلْ أَنَا قَرَّرْتُ.
خُذْهُ مَعَكَ.
رُبَّمَا يُذَكِّرُكَ أَنَّ كُلَّ بِدَايَةٍ، مَهْمَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مُخِيفَةً، تَسْتَحِقُّ أَنْ تُصْنَعَ بِعِنَايَةٍ.»
أَخَذَ سَامِرٌ الْحَجَرَ.
شَعَرَ بِثِقْلِهِ الْحَقِيقِيِّ فِي رَاحَتِهِ — وَزْنُ صَخْرَةٍ صَغِيرَةٍ، لَا أَكْثَرَ.
لَكِنَّ ثِقْلَهُ الْآخَرَ كَانَ بِلَا وَحْدَةِ قِيَاسٍ.
وَحِينَ نَظَرَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، كَانَ قَدِ اخْتَفَى.
وَالْأَرْضُ الْحَمْرَاءُ وَالسَّمَاءُ الْمُعَلَّقَةُ بَيْنَ فَجْرَيْنِ اخْتَفَيَا مَعَهُ.
وَعَادَ الرَّوَاقُ الْخَشَبِيُّ بِصَمْتِهِ الْمُعْتَادِ، وَالْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ بَابٍ ثَامِنٍ غَامِضِ الشَّكْلِ، يَبْدُو وَكَأَنَّهُ مَصْنُوعٌ مِنْ ضَبَابٍ لَا خَشَبٍ، أَوْ رُبَّمَا مِنْ مَادَّةٍ لَمْ تُخْتَرَعْ بَعْدُ.
قَالَ سَامِرٌ، وَهُوَ لَا يَزَالُ يُحِسُّ بِثِقْلِ الْحَجَرِ الْوَهْمِيِّ فِي يَدِهِ:
— «أَعْطَانِي شَيْئاً.»
نَظَرَ الْعَجُوزُ إِلَى يَدِ سَامِرٍ الْفَارِغَةِ، ثُمَّ إِلَى عَيْنَيْهِ، بِنَظْرَةٍ لَا تُفَاجَأُ وَلَا تَتَعَجَّبُ:
— «بَعْضُ الْهَدَايَا لَا تُرَى، لَكِنَّهَا تَبْقَى.
تَعَالَ.
الزَّائِرُ التَّالِي لَيْسَ كَائِناً مِنْ لَحْمٍ، وَلَا حَجَراً، وَلَا حَتَّى صَوْتاً وَاضِحاً.
إِنَّهُ شَيْءٌ يَزُورُكَ كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيباً، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَأْتِي.»
وَسَارَ نَحْوَ الْبَابِ الثَّامِنِ.
وَسَارَ سَامِرٌ خَلْفَهُ — يَحْمِلُ فِي يَدٍ فَارِغَةٍ حَجَراً لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، وَفِي صَدْرٍ لَا يَزَالُ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَتَّسِعُ، ثِقَلَ أَوَّلِ “أَنَا” قَالَهَا الْكَوْنُ لِنَفْسِهِ.

متحف الأيام المفقودة 08