مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ: الْمَرْأَةُ الْإِغْرِيقِيَّةُ الْمَنْسِيَّةُ – أَثِينَا، 430 قَبْلَ الْمِيلَادِ | «ذَاكِرَةُ مَنْ لَمْ يُسْمَحْ لَهُمْ بِالْكَلَامِ»
________________________________________
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقَاعَةُ تُشْبِهُ مَا سَبَقَهَا.
لَا أَعْمِدَةَ رُخَامِيَّةً تَتَبَارَى فِي الِارْتِفَاعِ، وَلَا نُقُوشٌ تَتَزَاحَمُ عَلَى الْجُدْرَانِ بِكُلِّ مَا تَمْلِكُهُ مِنْ فَخْرٍ وَزِينَةٍ.
مُجَرَّدُ فِنَاءٍ دَاخِلِيٍّ بَسِيطٍ، بِجُدْرَانٍ مِنْ حَجَرٍ أَبْيَضَ خَشِنٍ لَمْ يُصْقَلْ بِعِنَايَةٍ.
تَحْتَهُ أَرْضٌ مَرْصُوفَةٌ بِبِلَاطٍ غَيْرِ مُنْتَظِمٍ.
وَفِي وَسَطِهِ حَوْضٌ صَغِيرٌ لَا يُصْدِرُ صَوْتًا.
هَدْأَةٌ تَخْتَلِفُ عَنْ هَدْأَةِ الْقَاعَاتِ السَّابِقَةِ.
لِأَنَّهَا لَيْسَتْ هَدْأَةَ الْفَرَاغِ، بَلْ هَدْأَةَ مَكَانٍ اعْتَادَ الصَّمْتَ حَتَّى صَارَ جُزْءًا مِنْ بُنْيَانِهِ.
فِي مَرْكَزِ الْفِنَاءِ، عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ غَيْرِ مُزَخْرَفٍ، جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي الْأَرْبَعِينِيَّاتِ مِنْ عُمُرِهَا.
شَعْرُهَا مُرَجَّأٌ خَلْفَ رَأْسِهَا بِإِحْكَامٍ يَدُلُّ عَلَى يَوْمٍ طَوِيلٍ، لَا عَلَى اهْتِمَامٍ بِالْمَظْهَرِ.
يَدَاهَا تَتَحَرَّكَانِ بِحَرَكَةٍ آلِيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ.
تَغْزِلُ خَيْطًا مِنَ الصُّوفِ بَيْنَ أَصَابِعِهَا.
وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ أَمَامَهَا بِنَظْرَةِ مَنْ لَا يَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، بَلْ يَرَى شَيْئًا آخَرَ فِي الدَّاخِلِ.
لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَهَا حِينَ سَمِعَتْ خُطُوَاتِ سَامِرَ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ حَدِّ الْفِنَاءِ، كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يُحْدِثَ ضَجَّةً أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ:
ـ مَعْذِرَةً.
هَلْ أَزْعَجْتُكِ؟
صَمَتَتْ لَحْظَةً.
لَمْ تَكُنْ تَتَجَاهَلُهُ، بَلْ كَانَتْ تُقَرِّرُ.
ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا.
وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِنَظْرَةٍ فِيهَا تَعَبٌ قَدِيمٌ مُتَرَاكِمٌ كَطَبَقَاتِ الرَّوَاسِبِ تَحْتَ الْأَرْضِ.
لَكِنْ فِي أَعْمَقِ تِلْكَ الطَّبَقَاتِ كَانَ ثَمَّةَ ذَكَاءٌ حَادٌّ لَا يُخْطِئُهُ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَقْرَأُ الْوُجُوهَ.
ـ لَا أَحَدَ يَأْتِي إِلَى هُنَا عَادَةً.
أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يُزْعِجُنِي مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
وَهَذَا، إِنْ كُنْتَ تَتَسَاءَلُ، يَعْنِي شَيْئًا جَيِّدًا.
________________________________________
اقْتَرَبَ سَامِرُ بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ.
جَلَسَ عَلَى حَجَرٍ قَرِيبٍ مِنْهَا، تَارِكًا بَيْنَهُمَا مَسَافَةَ احْتِرَامٍ، لَا مَسَافَةَ غَرَابَةٍ.
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهَا وَهُمَا تَتَحَرَّكَانِ بِانْتِظَامٍ آلِيٍّ يُخْفِي وَرَاءَهُ يَقَظَةً كَامِلَةً.
ـ مَا اسْمُكِ؟
صَمَتَتْ صَمْتًا أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّعَ.
ثُمَّ ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً قَصِيرَةً مَرَّتْ سَرِيعًا كَبَرْقٍ فِي سَمَاءٍ صَافِيَةٍ.
ـ لَا أَمْلِكُ اسْمًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ فِي كُتُبِكُمْ.
فِي أَثِينَا، فِي زَمَانِي، النِّسَاءُ لَا يُسَمَّيْنَ فِي الْوَثَائِقِ الْعَامَّةِ إِلَّا نَادِرًا جِدًّا.
وَحِينَ يُسَمَّيْنَ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ فِي سِيَاقِ فَضِيحَةٍ أَوْ عَارٍ.
لِأَنَّ الذِّكْرَ الْعَلَنِيَّ لِلْمَرْأَةِ بِالْخَيْرِ كَانَ يُعَدُّ بِحَدِّ ذَاتِهِ نَوْعًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي صَوْنِ شَرَفِهَا.
الرِّجَالُ يُذْكَرُونَ بِأَسْمَائِهِمْ وَإِنْجَازَاتِهِمْ وَأَفْكَارِهِمْ.
يَتَسَابَقُونَ عَلَى أَنْ يَبْقَوْا فِي السِّجِلِّ وَفِي الذَّاكِرَةِ.
نَحْنُ نُذْكَرُ، إِنْ ذُكِرْنَا أَصْلًا، كَـ«زَوْجَةِ فُلَانٍ» أَوْ «ابْنَةِ فُلَانٍ».
نَسَبًا لَا أَسْمَاءً.
وَظِلَالًا لَا أَشْخَاصًا.
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الصَّدْمَةَ الْهَادِئَةَ.
النَّوْعُ الَّذِي لَا يُحْدِثُ ضَجِيجًا، لَكِنَّهُ يُزَلْزِلُ أَسْفَلَ شَيْءٍ كَانَ وَاقِفًا.
ـ هَذَا يَبْدُو ظَالِمًا جِدًّا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِبُرُودٍ لَا يَخْلُو مِنْ دِفْءٍ غَرِيبٍ:
ـ هُوَ كَذَلِكَ.
لَكِنَّهُ أَيْضًا وَاقِعٌ عِشْتُ فِي دَاخِلِهِ طَوَالَ حَيَاتِي.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَعِيشَ فِي ظُلْمٍ وَأَنْ تَتَقَبَّلَهُ فَرْقٌ كَبِيرٌ.
تَعَلَّمْتُ كَيْفَ أَتَعَايَشُ مَعَهُ.
لِأَنَّهُ الْهَوَاءُ الْوَحِيدُ الْمُتَاحُ لِلتَّنَفُّسِ.
لَكِنَّنِي لَمْ أَتَصَالَحْ مَعَهُ قَطُّ.
هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تَتَنَفَّسَ هَوَاءً مُلَوَّثًا؛ لِأَنَّهُ مَا تَجِدُهُ، وَبَيْنَ أَنْ تَقُولَ إِنَّ الْهَوَاءَ الْمُلَوَّثَ صِحِّيٌّ.
عِشْتُ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَرَفَضْتُ الثَّانِيَ دَائِمًا فِي دَاخِلِي.
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً.
وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ لَا تَبْحَثُ عَنْ تَعَاطُفٍ، بَلْ تُقَرِّرُ حَقِيقَةً:
ـ هَلْ تَعْرِفُ مَا قَالَهُ ثُوقِيدِيدِسُ، الْمُؤَرِّخُ الَّذِي أَحْفَظُ اسْمَهُ لِأَنَّهُ مِنْ كَتَبَ تَارِيخَ زَمَانِي؟
قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ مَجْدٍ لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَقِلَّ الْحَدِيثُ عَنْهَا، سَوَاءٌ بِالْمَدْحِ أَوْ بِالذَّمِّ».
هَذِهِ الْجُمْلَةُ قَالَهَا رَجُلٌ يُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ الْمُفَكِّرِينَ فِي تَارِيخِكُمْ.
وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ تُلَخِّصُ كَيْفَ كَانَتْ تُعَرَّفُ الْفَضِيلَةُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ: بِالْغِيَابِ.
ـ هَذَا مُفْزِعٌ.
ـ نَعَمْ.
وَمَعَ ذَلِكَ، كُنَّا نُرَبَّى عَلَى تَصْدِيقِهِ.
لَا أَحَدَ يُعَلِّمُكَ أَنْ تَشُكَّ فِي الْمَاءِ الَّذِي تَشْرَبُ مِنْهُ مُنْذُ طُفُولَتِكَ، إِلَّا حِينَ تَجِدُ يَوْمًا نَبْعًا آخَرَ وَتُقَارِنُ.
أَنَا وَجَدْتُ نَبْعِيَ الْآخَرَ بَاكِرًا نِسْبِيًّا.
حِينَ بَدَأْتُ أُفَكِّرُ وَحْدِي فِي اللَّيْلِ وَالْبَيْتُ نَائِمٌ.
وَأَجِدُ أَنَّ أَفْكَارِي لَهَا ثِقَلٌ وَوَزْنٌ، لَكِنْ لَا أُذُنَ تَسْمَعُهَا.
________________________________________
ابْتَسَمَ سَامِرُ بِحُزْنٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ كَثِيرًا.
ـ أَخْبِرِينِي عَنْ حَيَاتِكِ.
حَتَّى لَوْ لَمْ يُدَوَّنْهَا أَحَدٌ قَبْلِي، أَنَا هُنَا الْآنَ، وَأَسْتَمِعُ.
أَوْقَفَتْ يَدَيْهَا لَحْظَةً.
تَوَقُّفٌ مُفَاجِئٌ، كَأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ فَاجَأَهَا، لَيْسَ بِشَكْلِهِ بَلْ بِصِدْقِهِ.
ثُمَّ أَعَادَتْهُمَا إِلَى الْغَزْلِ، لَكِنْ بِبُطْءٍ مُخْتَلِفٍ، كَأَنَّهَا لَا تَغْزِلُ الْآنَ بَلْ تُرَتِّبُ الْكَلِمَاتِ.
ـ لَا أَحَدَ طَلَبَ مِنِّي هَذَا مِنْ قَبْلُ، بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ.
سُؤَالٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَمِنْ غَيْرِ غَرَضٍ.
حَسَنًا.
أَخَذَتْ نَفَسًا خَفِيفًا.
ـ تَزَوَّجْتُ فِي السَّادِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ رَجُلٍ اخْتَارَهُ أَبِي بَعْدَ مُفَاوَضَاتٍ تَخُصُّ الْعَائِلَتَيْنِ لَا تَخُصُّنِي.
لَمْ أَرَهُ قَبْلَ لَيْلَةِ الزَّوَاجِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ خَلْفِ سِتَارَةٍ.
أَنْجَبْتُ أَرْبَعَةَ أَطْفَالٍ.
مَاتَ اثْنَانِ مِنْهُمْ فِي طُفُولَتِهِمَا الْأُولَى.
وَهَذَا أَمْرٌ شَائِعٌ فِي بِلَادِنَا وَفِي زَمَانِي.
لَكِنَّ الشُّيُوعَ لَا يَمْحُو الْأَلَمَ، يَجْعَلُكَ تَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّكَ لَسْتَ وَحْدَكَ فِي حَمْلِهِ.
أَمْضَيْتُ مُعْظَمَ حَيَاتِي دَاخِلَ هَذَا الْبَيْتِ.
أُدِيرُ شُؤُونَهُ، أَغْزِلُ الصُّوفَ، أُرَبِّي أَطْفَالِي.
وَأُشَاهِدُ زَوْجِي يَخْرُجُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى الْأَغُورَا، السَّاحَةِ الْعَامَّةِ، لِيَتَنَاقَشَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ فِي السِّيَاسَةِ وَالْفَلْسَفَةِ.
فِي أَسْئِلَةِ الْوُجُودِ وَالْعَدَالَةِ وَالْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ.
فِي أَمَاكِنَ لَا يُسْمَحُ لِي فِعْلِيًّا بِدُخُولِهَا.
لَا بِسَبَبِ حَاجِزٍ مِنْ حَدِيدٍ، بَلْ بِسَبَبِ عُرْفٍ أَصْلَبَ مِنْ أَيِّ حَدِيدٍ.
ـ هَلْ تَمَنَّيْتِ أَنْ تَكُونِي جُزْءًا مِنْ تِلْكَ النِّقَاشَاتِ؟
ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً تَحْمِلُ سَنَوَاتٍ مِنَ الْكَتْمَانِ، مَضْغُوطَةً فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ.
ـ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
كُنْتُ أُصْغِي خَلْفَ الْأَبْوَابِ أَحْيَانًا.
أَسْمَعُ زَوْجِي وَأَصْدِقَاءَهُ يَتَنَاقَشُونَ فِي أَفْكَارِ سُقْرَاطَ، فِي مَفْهُومِ الْعَدَالَةِ، فِي طَبِيعَةِ الرُّوحِ، فِي مَا يَجْعَلُ الْمَدِينَةَ صَالِحَةً لِأَهْلِهَا.
وَكُنْتُ أُكَوِّنُ آرَائِي الْخَاصَّةَ فِي الصَّمْتِ.
آرَاءً أَحْيَانًا أَكْثَرَ تَمَاسُكًا وَعُمْقًا مِمَّا كَانُوا يَصِلُونَ إِلَيْهِ بِصَوْتٍ عَالٍ بَعْدَ جِدَالٍ طَوِيلٍ.
لَكِنَّنِي لَمْ أَمْلِكْ مِنْبَرًا.
لَمْ أَمْلِكْ لِسَانَ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالتَّكَلُّمِ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُبْنَى فِيهَا الرَّأْيُ وَيُسْمَعُ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْحُزْنَ الْعَمَلِيَّ، الْحُزْنَ الَّذِي لَا يَبْكِي بَلْ يُفَكِّرُ.
ـ هَذَا يَعْنِي أَنَّ أَفْكَارًا ذَكِيَّةً لَا نَعْرِفُ عَدَدَهَا فُقِدَتْ إِلَى الْأَبَدِ، فَقَطْ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بِالْكَلَامِ.
ـ نَعَمْ.
وَلَيْسَ فَقَطْ أَفْكَارًا عَمِيقَةً فِي الْفَلْسَفَةِ.
أَفْكَارٌ فِي تَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ مِنْ تَجْرِبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا مِنْ نَظَرِيَّةِ رَجُلٍ لَمْ يَحْمِلْ طِفْلًا مَرِيضًا فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.
أَفْكَارٌ فِي إِدَارَةِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ النَّوَاةُ الْأُولَى لِكُلِّ مَدِينَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا مِثَالِيَّةٌ.
أَفْكَارٌ فِي الْحَرْبِ حِينَ يَرَى الرَّجُلُ الْمَجْدَ وَتَرَى الْمَرْأَةُ الثَّمَنَ الَّذِي لَا يُحْسَبُ فِي أَيِّ خِطَابٍ.
هَذِهِ كُلُّهَا ذَهَبَتْ.
لَا فِي أَوْرَاقٍ مُتَآكِلَةٍ، بَلْ فِي هَوَاءٍ لَا أَثَرَ لَهُ.
________________________________________
صَمَتَا مَعًا لَحْظَةً.
كَانَ الْغَزْلُ يَمْضِي بِانْتِظَامٍ، خَيْطٌ يُمَدُّ وَيُلَفُّ، يُمَدُّ وَيُلَفُّ.
مِثْلَ صَبْرٍ تَعَلَّمَ أَنْ يَكُونَ جَسَدِيًّا.
ثُمَّ قَالَ سَامِرُ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ يَوْمِيَ الْمَفْقُودَ بِطَرِيقَةٍ مَا.
فَجْوَةٌ فِي السِّجِلِّ لَا تَعْنِي أَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ، بَلْ تَعْنِي فَقَطْ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُسَجِّلْهُ.
أَوْقَفَتْ يَدَهَا وَأَعَادَتْ النَّظَرَ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ تُقَرِّرُ أَوْزَانَ الْأَفْكَارِ:
ـ رُبَّمَا هَذَا صَحِيحٌ.
لَكِنَّ ثَمَّةَ فَرْقًا جَوْهَرِيًّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَفُوتَكَ.
يَوْمُكَ الْمَفْقُودُ فُقِدَ لِأَسْبَابٍ تَخُصُّكَ أَنْتَ، بِذَاكِرَتِكَ، بِظُرُوفٍ لَهَا بَدَايَةٌ يُمْكِنُ الْبَحْثُ عَنْهَا.
أَمَّا نَحْنُ، فَقَدْنَا لِأَنَّ نِظَامًا كَامِلًا بَنَى عَلَى قَرَارٍ مُتَعَمَّدٍ بِأَنَّنَا لَا نَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ.
لَيْسَ نِسْيَانًا عَارِضًا، بَلْ سِيَاسَةً مَنْهَجِيَّةً مَارَسَهَا التَّارِيخُ لِقُرُونٍ.
الْفَرْقُ بَيْنَ نِسْيَانِ شَيْءٍ وَنِسْيَانِ شَيْءٍ عَمْدًا فَرْقٌ أَخْلَاقِيٌّ كَبِيرٌ، حَتَّى لَوْ بَدَا النَّاتِجُ مُتَشَابِهًا مِنَ الْخَارِجِ.
ـ هَلْ تَغْضَبِينَ مِنْ هَذَا؟
ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً أَعْمَقَ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
فِيهَا الْمَرَارَةُ وَالْقُوَّةُ مَعًا كَمَعْدِنَيْنِ تَشَكَّلَا فِي نَفْسِ الصَّهْرِ:
ـ طَبْعًا أَغْضَبُ.
الْغَضَبُ دَلِيلُ عَقْلٍ يَرَى ظُلْمًا وَيَعْرِفُهُ ظُلْمًا.
لَكِنَّ الْغَضَبَ وَحْدَهُ لَا يَبْنِي شَيْئًا.
مَا كُنْتُ أَمْلِكُهُ، وَمَا أَمْلِكُهُ الْآنَ هُنَا فِي هَذِهِ الْقَاعَةِ الصَّامِتَةِ، هُوَ أَنَّنِي لَمْ أَتَوَقَّفْ عَنِ التَّفْكِيرِ.
أَنَّنِي لَمْ أَقْبَلْ تَعْرِيفَ عَقْلِي بِوَصْفِهِ شَيْئًا زَائِدًا لَا لُزُومَ لَهُ.
فَكَّرْتُ، حَتَّى لَوْ فِي صَمْتٍ.
لِأَنَّ الصَّمْتَ الَّذِي يُفْرَضُ مِنْ الْخَارِجِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُفْرَضَ فِي الدَّاخِلِ إِنْ لَمْ تَأْذَنْ لَهُ.
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى يَدَيْهَا لِثَانِيَةٍ:
ـ مَا يُعَزِّينِي الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، هُوَ أَنَّكَ أَنْتَ، مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا عَنْ زَمَانِي، تَجْلِسُ هُنَا وَتَسْأَلُنِي عَنْ حَيَاتِي.
لَا عَنْ زَوْجِي، لَا عَنْ أَبْنَائِي، لَا عَمَّنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِمْ اسْمِي.
عَنِّي أَنَا.
هَذَا، حَتَّى لَوْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا بِكُلِّ مَا يَعْنِيهِ التَّأَخُّرُ، لَيْسَ عَدَمًا.
________________________________________
ـ مَاذَا تُرِيدِينَنِي أَنْ أَفْعَلَ بِهَذَا؟
بِمَعْرِفَتِي عَنْكِ، وَعَنْ نِسَاءٍ كَثِيرَاتٍ مِثْلِكِ لَمْ تُذْكَرْ أَسْمَاؤُهُنَّ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ لَا تَطْلُبُ تَأْكِيدًا، بَلْ تَمْنَحُ وَصِيَّةً:
ـ تَذَكَّرْنِي.
لَيْسَ بِاسْمٍ، لِأَنَّنِي لَا أَمْلِكُ وَاحِدًا حُفِظَ فِي وَثِيقَةٍ.
لَكِنْ تَذَكَّرْ أَنَّنِي كُنْتُ مَوْجُودَةً.
أَنَّنِي فَكَّرْتُ.
أَنَّنِي أَحْبَبْتُ أَطْفَالِيَ الْأَرْبَعَةَ وَحَزِنْتُ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ حُزْنًا لَمْ يُسَجِّلْهُ كِتَابٌ.
أَنَّنِي كُنْتُ أَقْرَأُ أَفْكَارَ سُقْرَاطَ مِنْ خَلْفِ بَابٍ وَأُنَاقِشُهَا فِي رَأْسِي بِلَا مُحَاوِرٍ.
أَنَّ صَمْتِي لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى الْفَرَاغِ.
وَحِينَ تَقْرَأُ تَارِيخًا يَبْدُو مُكْتَمِلًا، مُنْتَظِمًا، مُتَنَاسِقًا، اسْأَلْ نَفْسَكَ دَائِمًا:
مَنْ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالتَّكَلُّمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؟
مَنْ الَّذِي وَقَفَ خَلْفَ الْبَابِ وَسَمِعَ لَكِنَّهُ لَمْ يُدْعَ إِلَى الْمَائِدَةِ؟
السِّجِلُّ الْكَامِلُ الَّذِي لَا فَجْوَةَ فِيهِ لَا يَعْنِي الْاكْتِمَالَ.
يَعْنِي فِي الْغَالِبِ أَنَّ مَنْ كَتَبَهُ لَمْ يُضَايِقْهُ وُجُودُ السُّؤَالِ.
شَعَرَ سَامِرُ بِثِقَلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَتَرَسَّبُ بِبُطْءٍ فِي أَعْمَاقِهِ.
لَيْسَ لِأَنَّهَا الأَشَدُّ دِرَامِيَّةً، بَلْ لِأَنَّهَا الأَكْثَرُ هُدُوءًا فِي طَرْحِ مَا يُؤْلِمُ.
ـ سَأَتَذَكَّرُ.
أَعِدُكِ.
ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، هَادِئَةً كَشَمْعَةٍ تَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَنْطَفِئُ لَكِنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنِ الْإِضَاءَةِ حَتَّى اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ:
ـ هَذَا أَكْثَرُ مِمَّا تَوَقَّعْتُ أَنْ أَحْصُلَ عَلَيْهِ يَوْمًا.
________________________________________
بَدَأَ الْفِنَاءُ الْبَسِيطُ يَتَلَاشَى بِهُدُوءٍ.
الْحَجَرُ الأَبْيَضُ يَخْفُتُ.
ضَوْءُ أَثِينَا يَتَرَاجَعُ بِبُطْءٍ كَصُورَةٍ تُطْوَى.
لَكِنَّ يَدَيْهَا لَا تَزَالَانِ تَتَحَرَّكَانِ حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ.
تَغْزِلَانِ الْخَيْطَ بِحَرَكَتِهِمَا الْآلِيَّةِ الثَّابِتَةِ.
كَأَنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ مَا يُرَى مِنْهَا التَّوَقُّفُ.
عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ الْعَتَبَةِ.
وَكَانَ فِي صَمْتِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ، صَمْتٌ أَطْوَلُ وَأَثْقَلُ مِنْ عَادَتِهِ، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا حَدَثَ خَلْفَ ذَلِكَ الْبَابِ يَسْتَحِقُّ هَامِشًا مِنَ الْهَوَاءِ قَبْلَ الْكَلَامِ.
قَالَ سَامِرُ أَخِيرًا، وَصَوْتُهُ أَهْدَأُ مِمَّا كَانَ:
ـ هَذِهِ أَصْعَبُ قَاعَةٍ حَتَّى الْآنِ.
أَوْمَأَ الْعَجُوزُ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، بِلَا تَعْلِيقٍ، بِلَا إِضَافَةٍ.
ثُمَّ بَعْدَ لَحْظَةٍ قَالَ:
ـ بَعْضُ الذَّاكِرَةِ الْمَفْقُودَةِ لَيْسَتْ مَفْقُودَةً بِصُدْفَةٍ، يَا سَامِرُ.
بَعْضُهَا أُسْكِتَ عَمْدًا، وَمَنْهَجِيًّا، عَلَى مَرِّ أَجْيَالٍ.
وَهَذَا فَرْقٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَحْمِلَهُ مَعَكَ فِي مَا تَبَقَّى مِنْ رِحْلَتِكَ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى يَدِهِ، إِلَى اللَّوْحِ الطِّينِيِّ الْفَارِغِ الَّذِي لَا يَزَالُ يُمْسِكُ بِهِ.
شَعَرَ فَجْأَةً بِأَنَّ فَرَاغَهُ لَيْسَ خَلَاءً، بَلْ اتِّسَاعٌ.
مَسَاحَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تُمْلَأَ بِعِنَايَةٍ، لَا بِأَوَّلِ مَا يَخْطُرُ، بَلْ بِمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَبْقَى.
أَشَارَ الْعَجُوزُ إِلَى الرِّوَاقِ الْمُمْتَدِّ أَمَامَهُمَا:
ـ لَا يَزَالُ طَوِيلًا: ابْنُ سِينَا، سَافُو، جُنْدِيٌّ فَارِسِيٌّ عِنْدَ تِرْمُوبِيلَاي، كَاهِنَةٌ كِلْتِيَّةٌ، وَغَيْرُهُمْ كَثِيرُونَ مِمَّنْ أُسْكِتُوا أَوْ نُسُوا أَوْ سُجِّلُوا عَلَى غَيْرِ مَا كَانُوا.
هَلْ تُرِيدُ أَنْ نُكْمِلَ الْآنَ؟
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الْأَبْوَابِ الْمُتَرَاصَّةِ فِي الرِّوَاقِ.
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَيْهِ نَقْشٌ مُخْتَلِفٌ، وَزَمَنٌ مُخْتَلِفٌ، وَصَوْتٌ فِي الِانْتِظَارِ.
ـ لِنُكْمِلْ.
أَظُنُّ أَنِّي بَدَأْتُ أَفْهَمُ لِمَاذَا أَحْتَاجُ أَنْ أَسْمَعَهُمْ جَمِيعًا.
وَمَشَى إِلَى الأَمَامِ، وَاللَّوْحُ الطِّينِيُّ الْفَارِغُ فِي يَدِهِ.
وَالْفَرَاغُ فِيهِ الآنَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ يَكْبُرُ.
