مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ السَّابِعُ عَشَرَ: الطِّفْلُ الرُّومَانِيُّ – «مَنْ يَمْلِكُ ذَاكِرَةَ مَنْ لَا يَمْلِكُ حُرِّيَّتَهُ؟» – مَارْكُوس | ذَكَرٌ، ثَمَانِي سَنَوَاتٍ | رُومَا، مِئَةُ مِيلَادِيَّةٍ
———————————–
لَمْ يُخْبِرْهُ الْعَجُوزُ.
هَذَا مَا تَنَبَّهَ إِلَيْهِ سَامِرُ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدِ افْتَرَضَ أَنَّ الْمِحْوَرَ الثَّانِيَ مِنْ رِحْلَتِهِ قَدِ اكْتَمَلَ، وَأَنَّ الْقَاعَاتِ الَّتِي بَقِيَتْ سَتَنْتَمِي إِلَى مَنْطِقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ سُؤَالٍ مُخْتَلِفٍ.
وَلَكِنَّ الْعَجُوزَ فَتَحَ بَابًا جَدِيدًا دُونَ أَنْ يُقَدِّمَ لَهُ بِكَلِمَاتٍ، كَمَا يَفْعَلُ أَحْيَانًا حِينَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْكَلَامَ سَيُفْسِدُ مَا سَيَأْتِي.
كَانَ الْبَابُ أَصْغَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ.
خَشَبُهُ دَاكِنٌ مُحْكَمُ النَّسِيجِ، وَنَقْشٌ بَسِيطٌ عَلَى لَوْحَتِهِ الْمَرْكَزِيَّةِ: قَيْدٌ حَدِيدِيٌّ مَرْسُومٌ بِخُطُوطٍ نَظِيفَةٍ، لَا مُبَالَغَةَ فِيهِ، لَا تَعْلِيقَ.
فَقَطِ الْقَيْدُ.
كَأَنَّ مَنْ نَحَتَهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: انْظُرْ مَا سَتَجِدُ دَاخِلَ هَذَا الْمَكَانِ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ، وَقَرِّرْ بِوَعْيٍ.
دَفَعَ سَامِرُ الْبَابَ.
كَانَ الْفِنَاءُ وَاسِعًا بِمَعَايِيرِ الْبُيُوتِ الَّتِي رَآهَا فِي الْمُتْحَفِ حَتَّى الْآنَ.
أَعْمِدَةٌ رُخَامِيَّةٌ بَيْضَاءُ تُحِيطُ بِمُسْتَطِيلٍ مَفْتُوحٍ لِلسَّمَاءِ، وَفِي وَسَطِهِ بُرْكَةُ مَاءٍ صَغِيرَةٌ تَرْتَطِمُ فِيهَا قَطَرَاتٌ مِنْ نَافُورَةٍ خَافِتَةِ الصَّوْتِ، صَوْتٌ يَكَادُ يَكُونُ مُرِيحًا لَوْ أَنَّ بَقِيَّةَ الْمَشْهَدِ كَانَتْ تَسْمَحُ بِالِارْتِيَاحِ.
فِسَيْفِسَاءُ مُلَوَّنَةٌ عَلَى الْأَرْضِ تَصْنَعُ نَمَطًا هَنْدَسِيًّا دَقِيقًا.
جُدْرَانٌ بَيْضَاءُ نَظِيفَةٌ يُزَيِّنُهَا لَوْنُ احْمِرَارٍ خَفِيفٍ كَأَنَّهُ دَمُ الْأَرْضِ.
كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُ: هَذَا مَكَانُ الثَّرْوَةِ، مَكَانُ الْقُوَّةِ، مَكَانُ مَنْ يَسْتَطِيعُ اقْتِنَاءَ الْجَمَالِ.
وَفِي زَاوِيَةٍ مُظَلَّلَةٍ، بَعِيدًا عَنْ تِلْكَ الْجَمَالِيَّةِ كُلِّهَا وَكَأَنَّهُ مُقْصًى عَنْهَا بِقَرَارٍ لَمْ يُنَاقَشْ، كَانَ يَجْلِسُ صَبِيٌّ صَغِيرٌ.
ثَمَانِي سَنَوَاتٍ رُبَّمَا.
نَحِيلٌ بِنَحَافَةِ مَنْ لَا يَأْكُلُ دَائِمًا بِمَا يَكْفِي.
شَعْرُهُ الدَّاكِنُ مَحْلُوقٌ قَصِيرًا بِطَرِيقَةٍ تَبْدُو وَظِيفِيَّةً لَا جَمَالِيَّةً.
يَرْتَدِي ثَوْبًا بَسِيطًا رَمَادِيًّا بَالِيًا عِنْدَ الْأَطْرَافِ.
وَبِيَدِهِ مِكْنَسَةٌ طَوِيلَةٌ أَكْبَرُ مِنْهُ بِوُضُوحٍ، يَكْنِسُ بِهَا الْأَرْضَ بِحَرَكَاتٍ مُنْتَظِمَةٍ تَبْدُو بَالِغَةَ التَّعَلُّمِ، حَرَكَاتٍ مَنْ مَارَسَ هَذَا كَثِيرًا حَتَّى صَارَ جَسَدُهُ يَفْعَلُهُ دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ الْعَقْلُ.
عَيْنَاهُ كَانَتَا مُتَّجِهَتَيْنِ إِلَى الْأَرْضِ، إِلَى مَا يَكْنِسُهُ، وَلَيْسَ إِلَى شَيْءٍ أَبْعَدَ.
تَوَقَّفَ حِينَ سَمِعَ خُطَى سَامِرٍ.
ـ مَرْحَبًا.
رَفَعَ الصَّبِيُّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ جِدًّا، كَمَنْ يَتَفَحَّصُ قَبْلَ أَنْ يُقَدِّمَ.
وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: تَحَسُّبٌ.
لَيْسَ خَوْفًا حَادًّا، بَلْ شَيْءٌ مُزْمِنٌ أَقْدَمُ مِنَ الْخَوْفِ الْحَادِّ، نَوْعٌ مِنَ الْيَقَظَةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي تَسْكُنُ فِي الْجَسَدِ كُلِّهِ وَتَجْعَلُهُ يُقَايِسُ كُلَّ مَوْقِفٍ قَبْلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ.
ـ هَلْ أَنْتَ مِنْ سَيِّدِ الْبَيْتِ؟ هَلْ أَخْطَأْتُ فِي شَيْءٍ؟
كَانَتِ الْجُمْلَتَانِ مَعًا، بِهَذَا التَّرْتِيبِ بِالذَّاتِ، أَثْقَلَ مِمَّا تَبْدُو عَلَيْهِ.
سُؤَالٌ عَنْ الْهُوِيَّةِ وَسُؤَالٌ عَنْ الذَّنْبِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
كَأَنَّ الِاحْتِمَالَيْنِ، أَنْ تَكُونَ غَرِيبًا أَوْ أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا، هُمَا أَوَّلُ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِهِ حِينَ يَرَاهُ أَحَدٌ.
ـ لَا، لَا تَخَفْ. أَنَا سَامِرُ، لَسْتُ سَيِّدَ أَحَدٍ. مَا اسْمُكَ؟
تَرَدَّدَ الصَّبِيُّ تَرَدُّدًا طَوِيلًا وَوَاضِحًا، كَأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُفَكِّرَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ.
كَأَنَّ الِاسْمَ لَيْسَ مُعْطًى جَاهِزًا يُقَالُ تِلْقَائِيًّا حِينَ يُسْأَلُ عَنْهُ.
ـ يَدْعُونَنِي هُنَا “الصَّبِيَّ”. أَحْيَانًا يُضِيفُونَ كَلِمَةً أُخْرَى حِينَ يُرِيدُونَ التَّمْيِيزَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبِيدٍ آخَرِينَ صِغَارٍ فِي الْبَيْتِ ذَاتِهِ.
وَلَكِنَّ اسْمِي الْحَقِيقِيَّ، الَّذِي أَعْطَتْهُ لِي أُمِّي قَبْلَ أَنْ يَبِيعُوهَا بَعِيدًا عَنِّي، هُوَ مَارْكُوسُ.
شَعَرَ سَامِرُ بِثِقَلٍ فَوْرِيٍّ فِي صَدْرِهِ، نَوْعِ الثِّقَلِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ يُقَالُ شَيْءٌ بِهُدُوءٍ تَامٍّ وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ عَالَمًا مِنَ الْأَلَمِ.
ـ بِيعَتْ أُمُّكَ؟ بَعِيدًا عَنْكَ؟
أَوْمَأَ مَارْكُوسُ بِرَأْسِهِ إِيمَاءَةً هَادِئَةً مُنْتَظِمَةً، كَمَنْ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ اعْتِيَادِيٍّ عَنِ الطَّقْسِ أَوْ طَرِيقٍ مَا.
وَهَذَا الْهُدُوءُ بِالذَّاتِ كَانَ هُوَ الْأَكْثَرَ إِيلَامًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُدُوءَ قَبُولِ الْأَلَمِ بَلْ هُدُوءَ مَنْ وُلِدَ فِي عَالَمٍ لَا يَرَى الْأَمْرَ اسْتِثْنَائِيًّا.
ـ نَعَمْ. كُنَّا عَبِيدًا فِي الْبَيْتِ ذَاتِهِ أَنَا وَهِيَ، وَلَكِنَّ السَّيِّدَ بَاعَهَا قَبْلَ عَامَيْنِ.
قَالَ إِنَّهُ يَحْتَاجُ الْمَالَ لِصَفْقَةٍ أُخْرَى.
اشْتَرَاهَا تَاجِرٌ مِنْ خَارِجِ الْمَدِينَةِ، يَمْلِكُ مَزْرَعَةً بَعِيدَةً.
لَا أَعْرِفُ أَيْنَ هِيَ الْآنَ.
لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ…
لَا أَعْرِفُ شَيْئًا.
لَمْ يُكْمِلْ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ يَكْرَهُ الْكَلَامَ، بَلْ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ لَمْ تَكُنْ تَحْتَاجُ إِكْمَالًا.
“لَا أَعْرِفُ شَيْئًا” كَانَتْ كَافِيَةً وَزَائِدَةً.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَشُدُّ فِي صَدْرِهِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا فِي أَيٍّ مِنَ القَاعَاتِ السَّابِقَةِ.
كَانَ غَضَبًا وَحُزْنًا وَمَشَاعِرَ أُخْرَى لَمْ يُسَمِّهَا كُلَّهَا مُتَشَابِكَةً، لَكِنَّ أَكْثَرَهَا إِلْحَاحًا كَانَ شُعُورٌ بِالعَجْزِ.
عَجْزٌ مُزْدَوَجٌ: العَجْزُ عَنْ فِعْلِ أَيِّ شَيْءٍ لِهَذَا الطِّفْلِ، وَالعَجْزُ حَتَّى عَنِ المَعْرِفَةِ، إِذْ إِنَّ هَذَا الطِّفْلَ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ أُمُّهُ وَالإِنْسَانُ الوَاقِفُ أَمَامَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْبِرَهُ.
ـ وَأَنْتَ بِهَذَا العُمْرِ الصَّغِيرِ.
وَحْدَكَ.
لَمْ يَكُنْ سُؤَالًا بِقَدْرِ مَا كَانَ شَيْئًا يَقُولُهُ المَرْءُ حِينَ لَا يَجِدُ مَا يَقُولُهُ.
هَزَّ مَارْكُوسُ كَتِفَيْهِ بِحَرَكَةٍ طُفُولِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، فِي تَنَاقُضٍ صَارِخٍ مَعَ مَا تَحْمِلُهُ الحَرَكَةُ مِنْ مَعْنًى:
ـ كُلُّ العَبِيدِ هُنَا وَحِيدُونَ بِطَرِيقَةٍ مَا.
هَذَا مَا عَرَفْتُهُ مُنْذُ أَنْ وُلِدْتُ.
أَنَا وُلِدْتُ عَبْدًا، أُمِّي كَانَتْ عَبْدَةً أَيْضًا، جِيءَ بِهَا مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قَبْلَ أَنْ أُولَدَ.
لَمْ أَعْرِفْ يَوْمًا مَاذَا تَعْنِي الحُرِّيَّةُ بِالدَّقِيقِ.
لَا أَعْنِي كَلِمَةَ “حُرِّيَّةٍ”، هَذِهِ أَعْرِفُهَا.
أَعْنِي مَاذَا تَعْنِي مِنْ دَاخِلِهَا.
كَيْفَ تَشْعُرُ.
جَلَسَ سَامِرٌ بِجَانِبِهِ. لَمْ يُفَكِّرْ فِي الجُلُوسِ، جَلَسَ فَقَطْ، كَأَنَّ الجَسَدَ قَرَّرَ أَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ قَامَةٍ كَبِيرَةٍ وَاقِفَةٍ وَطِفْلٍ جَالِسٍ كَانَتْ أَكْبَرَ مِمَّا يَجِبُ. وَكَانَ الحَجَرُ الَّذِي جَلَسَ عَلَيْهِ بَارِدًا، وَكَانَ البَرْدُ مُنَاسِبًا بِطَرِيقَةٍ مَا:
ـ هَلْ تَتَذَكَّرُ أُمَّكَ جَيِّدًا؟
وَجْهَهَا، صَوْتَهَا؟
فِي الثَّانِيَةِ الَّتِي طُرِحَ فِيهَا هَذَا السُّؤَالُ، حَدَثَ شَيْءٌ فِي وَجْهِ مَارْكُوسَ. لَمْ يَكُنْ تَحَوُّلًا كَامِلًا، لَمْ يَبْتَسِمْ فَجْأَةً ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً. كَانَ أَدَقَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْمَقَ: شَيْءٌ فِي العَيْنَيْنِ أَضَاءَ إِضَاءَةً خَافِتَةً كَإِشْعَالِ شَمْعَةٍ فِي غُرْفَةٍ كَانَتْ تَعْتَمِدُ عَلَى ضَوْءِ الفَلَقَةِ الدَّاخِلَةِ مِنْ تَحْتِ البَابِ. شَيْءٌ يُشْبِهُ الحَيَاةَ لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الأَلَمَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَمَا تُشْبِهُ بَعْضُ الذِّكْرَيَاتِ الجَمِيلَةِ الجُرْحَ لِأَنَّهَا جَمِيلَةٌ:
ـ نَعَمْ!
أَتَذَكَّرُ تَقْرِيبًا كُلَّ شَيْءٍ عَنْهَا.
أَتَذَكَّرُ شَكْلَ يَدَيْهَا، كَانَتَا يَدَيْ امْرَأَةٍ عَمِلَتْ كَثِيرًا لَكِنَّهُمَا لَمْ تَكُونَا قَاسِيَتَيْنِ.
أَتَذَكَّرُ صَوْتَهَا حِينَ تُنَادِي اسْمِي، كَانَتْ تُطِيلُ حَرْفَ الأَلِفِ فِي “مَارْكُوسَ” قَلِيلًا بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ غَيْرُهَا.
أَتَذَكَّرُ رَائِحَتَهَا حِينَ أَنَامُ بِجَانِبِهَا، كَانَتْ رَائِحَةَ الصَّابُونِ وَالخَشَبِ وَشَيْئًا آخَرَ لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ لَكِنَّنِي أَعْرِفُهُ إِنْ شَمَمْتُهُ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَفِي عَيْنَيْهِ ذَلِكَ الضَّوْءُ الخَافِتُ:
ـ وَكَانَتْ تُغَنِّي لِي كُلَّ لَيْلَةٍ.
أُغْنِيَةٌ بِلُغَةٍ لَمْ أَكُنْ أَفْهَمُهَا تَمَامًا، لُغَةُ أَهْلِهَا الأَصْلِيِّينَ قَبْلَ أَنْ يُسْبَوْا وَيُبَاعُوا إِلَى رُومَا قَبْلَ أَنْ تُولَدَ أُمِّي نَفْسُهَا.
كَانَتْ تَقُولُ لِي إِنَّ هَذِهِ الأُغْنِيَةَ تَحْمِلُ قِصَّةَ شَعْبِهَا، مَنْ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا عَبِيدًا، قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الكَلِمَةُ “عَبِيدٌ” هِيَ الاسْمُ الَّذِي يُعَرَّفُونَ بِهِ.
ـ هَلْ تَتَذَكَّرُ كَلِمَاتِ الأُغْنِيَةِ؟
أَنَشَدَ مَارْكُوسُ، بِصَوْتٍ طُفُولِيٍّ خَافِتٍ، أَقَلَّ مَا يُقَالُ عَنْهُ إِنَّهُ صَوْتٌ لَمْ يُكْمِلْ نُمُوَّهُ بَعْدُ.
كَلِمَاتٌ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا سَامِرُ، أَصْوَاتُهَا دَافِئَةٌ وَمُدَوَّرَةٌ مَعَ حُرُوفٍ صَلْبَةٍ بَيْنَهَا بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، كَلُغَةٍ خُلِقَتْ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرَ أَكْبَرَ مِنَ الكَلِمَاتِ العَادِيَّةِ.
وَكَانَ اللَّحْنُ حَزِينًا، لَكِنْ بِحُزْنِ الأَغَانِي الَّتِي تَحْمِلُ أُمَّةً كَامِلَةً لَا بِحُزْنِ الأَغَانِي الفَرْدِيَّةِ.
كَانَ حُزْنُ الجُذُورِ لَا حُزْنُ الفَرْعِ:
ـ لَا أَعْرِفُ مَعْنَى كُلِّ الكَلِمَاتِ.
لَا أَعْرِفُ مُعْظَمَهَا فِي الحَقِيقَةِ.
لَكِنَّنِي أَتَذَكَّرُ اللَّحْنَ بِدِقَّةٍ، وَأَتَذَكَّرُ كَيْفَ كَانَتْ يَدَاهَا تُرَبِّتَانِ عَلَى ظَهْرِي وَهِيَ تُغَنِّي، بِبُطْءٍ مُنْتَظِمٍ مَعَ النَّبْضَةِ، كَأَنَّهَا تُؤَكِّدُ لِي بِكُلِّ ضَرْبَةٍ خَفِيفَةٍ: «أَنَا هُنَا، أَنَا هُنَا».
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَمْعَةٍ تَكَادُ تَفْلِتُ. لَيْسَ مِنَ الشَّفَقَةِ بِالمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُهَا دَمْعَةً مُرِيحَةً لِلْبَاكِي، بَلْ مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الحَرَكَةِ الدَّاخِلِيَّةِ، كَأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ يَعْرِفُ هَذَا اللَّحْنَ رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ قَطُّ.
كَأَنَّ اللَّحْنَ يَتَحَدَّثُ إِلَى شَيْءٍ أَقْدَمَ مِنَ الذَّاكِرَةِ الفَرْدِيَّةِ:
ـ هَذَا كَنْزٌ حَقِيقِيٌّ، يَا مَارْكُوسُ.
أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَذَا كُلِّهِ، رَغْمَ كُلِّ مَا حَدَثَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ مَارْكُوسُ بِفُضُولٍ طُفُولِيٍّ مُبَاشِرٍ، الفُضُولِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ المُجَامَلَةَ وَلَا يَحْتَاجُهَا:
ـ لِمَاذَا تَبْدُو حَزِينًا جِدًّا؟ أَنْتَ لَسْتَ عَبْدًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لِمَاذَا يَهُمُّكَ أَمْرِي؟
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحْظَةً. كَيْفَ يُجِيبُ عَنْ هَذَا دُونَ أَنْ يَجْعَلَهُ يَبْدُو أَكْبَرَ مِمَّا هُوَ بِطَرِيقَةٍ تُثْقِلُهُ، أَوْ أَصْغَرَ مِمَّا هُوَ بِطَرِيقَةٍ تُهِينُهُ. الطِّفْلُ يَسْتَحِقُّ صِدْقًا لَا رِفْقًا مُقَنَّعًا:
ـ لِأَنَّنِي أَبْحَثُ عَنْ ذَاكِرَتِي أَنَا أَيْضًا.
يَوْمَ فَقَدْتُهُ مِنْ حَيَاتِي، اخْتَفَى، لَا أَعْرِفُ مَا حَدَثَ فِيهِ.
وَأَنْتَ تُذَكِّرُنِي بِشَيْءٍ لَمْ أُفَكِّرْ فِيهِ بِهَذَا الوُضُوحِ مِنْ قَبْلُ: أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ أَشْيَاءَ تَتَذَكَّرُهَا أَوْ لَا تَتَذَكَّرُهَا.
الذَّاكِرَةُ هِيَ أَيْضًا حَقٌّ. حَقُّ الإِنْسَانِ فِي أَنْ تَكُونَ لَحَظَاتُهُ مِلْكَهُ.
وَأَنْتَ، رَغْمَ أَنَّكَ تَتَذَكَّرُ أُمَّكَ بِوُضُوحٍ، فَقَدْتَ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ ذِكْرَى: فَقَدْتَ الحَقَّ فِي أَنْ تُقَرِّرَ مَنْ أَنْتَ، وَكَيْفَ تَعِيشُ، وَمَاذَا تَفْعَلُ بِوَقْتِكَ وَيَدَيْكَ وَصَوْتِكَ.
صَمَتَ مَارْكُوسُ. صَمْتًا طَوِيلًا وَوَاضِحًا لَمْ يَكُنْ صَمْتَ مَنْ لَا يَفْهَمُ، بَلْ صَمْتَ مَنْ يَفْهَمُ أَكْثَرَ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يُعْلِنَ بِسُرْعَةٍ. الفِكْرَةُ كَانَتْ تُسْتَوْعَبُ عَلَى مَهْلِهَا، وَهُوَ يَسْمَحُ لَهَا بِذَلِكَ:
ـ هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ ذَاكِرَتِي، حَتَّى ذَاكِرَةَ أُمِّي وَأُغْنِيَتِهَا، تَخُصُّنِي أَنَا حَقًّا؟ أَمْ أَنَّهَا أَيْضًا مِلْكٌ لِسَيِّدِي، مِثْلَ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ فِيَّ؟
وَقَعَ هَذَا السُّؤَالُ فِي صَدْرِ سَامِرٍ بِثِقَلٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ طُفُولِيًّا رَغْمَ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ طِفْلٍ. كَانَ فَلْسَفِيًّا بِمَعْنًى حَقِيقِيٍّ، بِالمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ الفَيْلَسُوفَ يَتَوَقَّفُ وَيُفَكِّرُ مِنْ جَدِيدٍ لَا بِالمَعْنَى الأَكَادِيمِيِّ. لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ نَظَرِيًّا: كَانَ حَيَاةَ هَذَا الطِّفْلِ بِعَيْنِهِ، يَوْمَهُ، كُلَّ يَوْمٍ.
مَنْ يَمْلِكُ ذَاكِرَةَ مَنْ لَا يَمْلِكُ جَسَدَهُ؟
فَكَّرَ سَامِرٌ بِصِدْقٍ. لَمْ يُجِبْ بِالسُّرْعَةِ الَّتِي تَبْدُو وَاثِقَةً دُونَ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ:
ـ سَيِّدُكَ يَمْلِكُ جَسَدَكَ وَعَمَلَكَ وَوَقْتَكَ، هَذَا حَقِيقِيٌّ وَمُؤْلِمٌ وَظَالِمٌ. لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ، بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ مِنْ قَنَاعَةٍ بُنِيَتْ مِنْ كُلِّ مَا قَرَأْتُهُ وَعِشْتُهُ، أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْلِكَ مَا يَجْرِي فِي دَاخِلِكَ حِينَ تُغْمِضُ عَيْنَيْكَ فِي الظَّلَامِ وَتَسْتَعِيدُ لَحْنَ أُمِّكَ. تِلْكَ الأُغْنِيَةُ الَّتِي تَحْمِلُهَا الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِعَيْنِهَا، فِي دَاخِلِكَ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا. لَا يَمْلِكُ مِفْتَاحَهَا. لَا يَعْرِفُ أَيْنَ تَحْفَظُهَا.
تَنَفَّسَ سَامِرٌ ثُمَّ أَكْمَلَ:
ـ تَخَيَّلْ سَجِينًا يُحْبَسُ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ. يَسْتَطِيعُ السَّجَّانُ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ السَّجِينِ: حُرِّيَّتَهُ وَطَعَامَهُ وَضَوْءَهُ وَصَوْتَهُ. لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ رَأْسَهُ وَيُطْفِئَ الصُّوَرَ المَوْجُودَةَ فِيهِ. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْحُوَ وَجْهَ أُمٍّ أَوْ أُغْنِيَةَ طُفُولَةٍ. هَذِهِ الأَشْيَاءُ مَوْجُودَةٌ فِي مَكَانٍ لَا تَصِلُهُ السُّلْطَةُ.
ـ كَيْفَ تَعْرِفُ هَذَا بِثِقَةٍ؟
تَوَقَّفَ سَامِرٌ. السُّؤَالُ كَانَ عَادِلًا تَمَامًا. وَالإِجَابَةُ الصَّادِقَةُ لَمْ تَكُنْ مُرِيحَةً كَمَا يُرِيدُهَا:
ـ بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ: لَا أَعْرِفُهُ بِيَقِينٍ مُطْلَقٍ. لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُصَدِّقَ هَذَا بِشِدَّةٍ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ العُبُودِيَّةَ قَادِرَةٌ عَلَى سَرِقَةِ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى أَعْمَقَ مَا فِي الإِنْسَانِ مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ. وَأَنَا أَرْفُضُ أَنْ أُصَدِّقَ هَذَا. لَيْسَ لِأَنَّ الرَّفْضَ يُغَيِّرُ الحَقِيقَةَ، بَلْ لِأَنَّ الاعْتِقَادَ بِالعَكْسِ يُعْطِي الظُّلْمَ انْتِصَارًا لَا يَسْتَحِقُّهُ.
نَظَرَ مَارْكُوسُ إِلَيْهِ نَظْرَةً لَا تُوصَفُ. لَيْسَ امْتِنَانًا، وَلَيْسَ مُوَافَقَةً تَامَّةً. كَانَتْ نَظْرَةَ مَنْ يَزِنُ مَا سُمِعَ وَيُقَرِّرُ بِنَفْسِهِ مَا يَفْعَلُ بِهِ. نَظْرَةً أَكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ بِسَنَوَاتٍ لَا تُحْسَبُ:
ـ عَلَى الأَقَلِّ أَنْتَ صَادِقٌ مَعِي. كَثِيرُونَ يَكْذِبُونَ عَلَى الأَطْفَالِ لِيُشْعِرُوهُمْ بِالرَّاحَةِ. يَقُولُونَ لَنَا: «سَتَكُونُ الأُمُورُ أَفْضَلَ» أَوْ «لَدَيْكَ مُسْتَقْبَلٌ» دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ. أُفَضِّلُ الحَقِيقَةَ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُؤْلِمَةً. الحَقِيقَةُ المُؤْلِمَةُ عَلَى الأَقَلِّ لَا تُخْدِعُنِي.
ـ هَذَا نُضْجٌ كَبِيرٌ لِطِفْلٍ بِعُمْرِكَ.
ابْتَسَمَ مَارْكُوسُ ابْتِسَامَةً أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ ابْتِسَامَاتِ الأَطْفَالِ فِي العَادَةِ، ابْتِسَامَةً فِيهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ التَّعَبَ لَا يُشْبِهُ البَهْجَةَ:
ـ العُبُودِيَّةُ تُجْبِرُكَ عَلَى أَنْ تَكْبُرَ سَرِيعًا، يَا سَامِرُ. لَا خِيَارَ لِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا. الكِبَرُ لَيْسَ شَيْئًا اخْتَرْتُهُ لِأَنَّنِي شُجَاعٌ، هُوَ شَيْءٌ فُرِضَ عَلَيَّ لِأَنَّ البَدِيلَ هُوَ أَنْ تَتَحَطَّمَ. وَأَنَا لَمْ أُرِدْ أَنْ أَتَحَطَّمَ.
قَالَهَا بِبَسَاطَةٍ لَا بَطَوْلَةَ فِيهَا، مَا جَعَلَهَا أَشَدَّ وَقْعًا بِكَثِيرٍ مِنَ البَطَوْلَةِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِرَغْبَةٍ قَوِيَّةٍ فِي أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، أَيَّ شَيْءٍ. فِي أَنْ يُعِيدَ الأُمُورَ إِلَى نِظَامٍ يَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَهُ. لَكِنَّ هَذَا المَكَانَ لَمْ يَكُنْ مَكَانَ الفِعْلِ، كَانَ مَكَانَ الاسْتِمَاعِ، وَكَانَ الاسْتِمَاعُ أَحْيَانًا أَصْعَبَ مِنَ الفِعْلِ:
ـ هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَهُ لَكَ؟ أَيُّ شَيْءٍ؟
فَكَّرَ مَارْكُوسُ. فَكَّرَ بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، كَأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مُجَامَلَةٍ يُجِيبُ عَلَيْهَا بِـ«لَا شَيْءَ، شُكْرًا». كَأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى مَحْمَلِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ لِلْكَلِمَاتِ وَزْنًا وَأَنَّ الوُعُودَ تُؤْخَذُ حَرْفِيًّا:
ـ احْمِلْ أُغْنِيَتِي مَعَكَ.
قَالَهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ وَهَادِئٍ وَحَازِمٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
ـ لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ سَتَبْقَى مَوْجُودَةً فِي زَمَانِكَ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ القُرُونِ. الأَغَانِي تَمُوتُ حِينَ لَا يَحْمِلُهَا أَحَدٌ. أُمِّي عَلَّمَتْنِيهَا لِأَنَّهَا خَافَتْ أَنْ تَمُوتَ اللُّغَةُ الَّتِي وُلِدَتْ بِهَا وَتَخْتَفِي اللُّغَةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنْهَا. وَأَنَا أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ أَنَا وَتَخْتَفِيَ الأُغْنِيَةُ مَعِي، لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ سَيَسْمَعُهَا بَعْدِي.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ مُبَاشَرَةً:
ـ إِنْ حَمَلْتَهَا أَنْتَ، حَتَّى لَوْ نَسِيتَ الكَلِمَاتِ الدَّقِيقَةَ وَبَقِيَ مَعَكَ اللَّحْنُ فَقَطْ، فَسَتَبْقَى حَيَّةً بِطَرِيقَةٍ مَا. حَتَّى بَعْدَ أَنْ أَخْتَفِيَ أَنَا، وَتَخْتَفِيَ أُمِّي، وَتَخْتَفِيَ قِصَّتُنَا الصَّغِيرَةُ مِنْ سِجِلَّاتِ التَّارِيخِ الكُبْرَى الَّتِي لَا تَهْتَمُّ بِعَبْدٍ صَغِيرٍ فِي فِنَاءِ بَيْتٍ لَمْ يُسَجَّلْ اسْمُهُ أَحَدٌ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الطَّلَبِ البَسِيطِ مِنْ حَيْثُ صِيَاغَتُهُ، العَمِيقِ مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ. لِأَنَّ مَارْكُوسَ لَمْ يَطْلُبْ حُرِّيَّتَهُ. لَمْ يَطْلُبِ العَدَالَةَ، وَإِنْ كَانَتْ حَقَّهُ الكَامِلَ. لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى أَنْ يَعْرِفَ أَيْنَ أُمُّهُ. طَلَبَ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنْ يَسْتَمِرَّ شَيْءٌ مَا مِنْ وُجُودِهِ بَعْدَ أَنْ يَخْتَفِيَ هُوَ. أَنْ يَكُونَ لَهُ أَثَرٌ فِي العَالَمِ مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا، لِأَنَّ الأَثَرَ الصَّغِيرَ أَكْبَرُ مِنَ الصِّفْرِ.
ـ أَعِدُكَ. سَأَحْمِلُ أُغْنِيَتَكَ مَعِي.
لَمْ يُضِفْ أَكْثَرَ. كُلُّ إِضَافَةٍ كَانَتْ سَتُخَفِّفُ مِنْ وُضُوحِ الوَعْدِ.
ابْتَسَمَ مَارْكُوسُ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، ابْتِسَامَةً حَقِيقِيَّةً هَذِهِ المَرَّةَ فِيهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الِارْتِيَاحَ، لَيْسَ الفَرَحَ المُبْهِجَ بَلِ الِارْتِيَاحَ الهَادِئَ لِمَنْ أَنْجَزَ مَا يُرِيدُ إِنْجَازَهُ. ثُمَّ التَفَتَ مِنْ جَدِيدٍ إِلَى مِكْنَسَتِهِ، وَرَفَعَهَا بِيَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ، وَاسْتَأْنَفَ الكَنْسَ بِالإِيقَاعِ ذَاتِهِ الَّذِي أَوْقَفَهُ:
ـ يَجِبُ أَنْ أُكْمِلَ عَمَلِي الآنَ. قَبْلَ أَنْ يُلَاحِظَ أَحَدٌ غِيَابِي.
بَدَأَ الفِنَاءُ الرُّومَانِيُّ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ. الأَعْمِدَةُ الرُّخَامِيَّةُ أَوَّلًا، ثُمَّ بُرْكَةُ المَاءِ وَصَوْتُ نَافُورَتِهَا الخَافِتُ، ثُمَّ الفِسَيْفِسَاءُ المُلَوَّنَةُ تَحْتَ القَدَمِ. الأَخِيرُ الَّذِي تَلَاشَى كَانَ الصَّوْتُ: صَوْتُ المِكْنَسَةِ عَلَى الحِجَارَةِ، مُنْتَظِمًا وَمُتْعِبًا، لَا يَنْوِي التَّوَقُّفَ.
وَاللَّحْنُ الَّذِي أَنْشَدَهُ مَارْكُوسُ بَقِيَ. لَمْ يَتَلَاشَ مَعَ المَكَانِ. بَقِيَ يَرِنُّ فِي أُذُنِ سَامِرٍ بِشَكْلٍ لَا يُشْبِهُ الذِّكْرَى بَقَدْرِ مَا يُشْبِهُ شَيْئًا مُحَمَّلًا عَلَى الجَسَدِ، كَمَا يَبْقَى ثِقَلُ شَيْءٍ حَمَلْتَهُ عَلَى يَدَيْكَ بَعْدَ أَنْ تَضَعَهُ.
حِينَ عَادَ إِلَى الرِّوَاقِ، كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ. لَكِنَّهُ هَذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَوْرًا. نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ نَظْرَةً قَصِيرَةً، ثُمَّ قَالَ:
ـ هَذِهِ القَاعَةُ تُثْقِلُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَزُورُهَا، يَا سَامِرُ. لَا عَيْبَ فِي أَنْ تَأْخُذَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ نُكْمِلَ.
هَزَّ سَامِرٌ رَأْسَهُ. عَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ فِيهِمَا رُطُوبَةٌ لَمْ تَجِفَّ تَمَامًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَهَا:
ـ لَا، لِنُكْمِلْ. أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ أُوَاصِلَ مِنْ أَجْلِهِ.
وَفِي صَدْرِهِ ذَلِكَ اللَّحْنُ، خَافِتٌ وَمُسْتَمِرٌّ كَنَبْضَةِ قَلْبٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَهَا.
