متحف الأيام المفقودة 24

مُتَحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْحَارِسَةُ الْعَمْيَاءُ – الأَنْدَلُسُ، الْقَرْنُ الْحَادِي عَشَرَ الْمِيلَادِيُّ
«حِينَ تُصْبِحُ الذَّاكِرَةُ بَدِيلاً عَنِ الْبَصَرِ، وَالنَّصُّ حَيَاةً لَا مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ»
الْغُرْفَةُ كَانَتْ مَلِيئَةً بِالنُّصُوصِ وَلَا نَصَّ فِيهَا.
هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ كَانَتْ أَوَّلَ مَا لَاحَظَهُ سَامِرٌ حِينَ عَبَرَ الْعَتَبَةَ.
لَا كِتَابَ عَلَى رَفٍّ، لَا لِفَافَةَ عَلَى طَاوِلَةٍ، لَا حِبْرَ وَلَا قَلَمَ وَلَا أَيُّ عَلَامَةٍ عَلَى أَنَّ مَا يَحْدُثُ هُنَا يَحْتَاجُ إِلَى أَدَاةٍ.
فَقَطْ جُدْرَانٌ حَجَرِيَّةٌ بَيْضَاءُ تَعْكِسُ ضَوْءَ نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الْأَعْلَى، وَهَوَاءٌ يَحْمِلُ شَيْئًا يُشْبِهُ رَائِحَةَ مَكْتَبَةٍ قَدِيمَةٍ رَغْمَ غِيَابِ الْكُتُبِ، كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ تَرَكَتْ أَثَرَهَا فِي الْهَوَاءِ نَفْسِهِ لَا فِي الْوَرَقِ.
وَفِي مُنْتَصَفِ الْغُرْفَةِ، عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ خَشَبٍ قَاسٍ بِلَا وِسَادَةٍ، جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهَا بِاسْتِقَامَةٍ لَا يُحَقِّقُهَا الْجَسَدُ الْمُتْعَبُ بَلِ الْإِرَادَةُ الْمُتَمَرِّنَةُ.
ظَهْرُهَا عَمُودٌ.
يَدَاهَا عَلَى فَخِذَيْهَا، رَاحَتَاهُمَا لِلْأَعْلَى فِي وَضْعٍ يُوحِي بِالِاسْتِقْبَالِ لَا بِالِانْتِظَارِ.
عَيْنَاهَا مُغْمَضَتَانِ بِطَرِيقَةٍ لَا تُشْبِهُ النَّوْمَ وَلَا الْإِغْمَاءَ، بَلِ التَّرْكِيزَ الْعَمِيقَ، كَمَنْ يُصْغِي لِشَيْءٍ يَجْرِي دَاخِلَهُ بِصَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ.
حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ، فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا.
كَانَتَا بَيْضَاوَيْنِ.
بَيَاضٌ كَامِلٌ، لَا قَزَحِيَّةَ ظَاهِرَةً، لَا نُقْطَةَ سَوْدَاءَ فِي الْوَسَطِ.
عَمْيَاءُ مُنْذُ الْوِلَادَةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ نَظَرَتْ نَحْوَهُ بِدِقَّةٍ مُدْهِشَةٍ، كَأَنَّ عَيْنَيْهَا تُبْصِرَانِ شَيْئًا لَا يُبْصِرُهُ الْمُبْصِرُونَ.
ـ هَلْ تَعْرِفِينَ أَيْنَ أَنَا؟
قَالَهَا سَامِرٌ، لَيْسَ اخْتِبَارًا بَلْ دَهْشَةً حَقِيقِيَّةً.
ـ عَلَى بُعْدِ أَرْبَعِ خَطَوَاتٍ مِنَ الْبَابِ.
تَقِفُ قَلِيلًا إِلَى الْيَسَارِ مِنَ الْمُنْتَصَفِ.
وَأَنْتَ تَحْمِلُ أَشْيَاءَ، أَسْمَعُ ثِقَلَهَا فِي طَرِيقَةِ وُقُوفِكَ.
ـ أَنْتِ لَا تَرَيْنَ.
ـ لَا أَرَى بِالْعَيْنِ.
أَرَى بِمَا يَتَبَقَّى حِينَ تَغِيبُ الْعَيْنُ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحْظَةً، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَسَافَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَابِعَ:
ـ مَا الَّذِي يَتَبَقَّى؟
ـ الصَّوْتُ أَوَّلًا.
طَرِيقَةُ خُطُوَاتِكَ تُخْبِرُنِي بِعُمْرِكَ التَّقْرِيبِيِّ وَحَالَتِكَ الذِّهْنِيَّةِ وَمَا إِذَا كُنْتَ خَائِفًا أَمْ مُطْمَئِنًّا.
خَطْوَةُ الْخَائِفِ تَخْتَلِفُ عَنْ خَطْوَةِ الْمُطْمَئِنِّ اخْتِلَافًا يَسْمَعُهُ مَنْ يُرَكِّزُ.
الْهَوَاءُ الَّذِي يَتَحَرَّكُ حِينَ تَدْخُلُ يُخْبِرُنِي بِحَجْمِكَ وَسُرْعَتِكَ.
وَالصَّمْتُ الَّذِي تَخْتَارُهُ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ يُخْبِرُنِي بِأَكْثَرَ مِمَّا يُخْبِرُنِي بِهِ كَلَامُكَ.
الصَّمْتُ لَهُ أَنْوَاعٌ:
صَمْتُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا يَقُولُ، وَصَمْتُ مَنْ يَعْرِفُ جَيِّدًا لَكِنَّهُ يَخْتَارُ، وَصَمْتُ مَنْ رَأَى شَيْئًا يَحْتَاجُ وَقْتًا لِيُصَدِّقَهُ.
ـ وَأَنَا؟
أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الصَّمْتِ؟
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً:
ـ الثَّالِثُ.
ـ وَذَاكِرَتُكِ؟
كَيْفَ تَعْمَلُ؟
ـ ذَاكِرَتِي هِيَ بَصَرِي.
مُنْذُ أَنْ وُلِدْتُ عَمْيَاءَ وَأَنَا أَحْفَظُ.
حَفِظْتُ التَّوْرَاةَ كَامِلَةً فِي السَّابِعَةِ.
وَالتَّلْمُودَ فِي الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ.
وَشُرُوحَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْعِشْرِينَ.
لَيْسَ لِأَنَّ لَدَيَّ مَوْهِبَةً اسْتِثْنَائِيَّةً تَتَجَاوَزُ طَبِيعَةَ الْبَشَرِ، بَلْ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ لَمْ يَكُنْ خِيَارًا آخَرَ.
إِمَّا الذَّاكِرَةُ أَوِ الصَّمْتُ الْكَامِلُ.
وَحِينَ يَصِيرُ الِاخْتِيَارُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالصَّمْتِ، يَتَّسِعُ مَا تَظُنُّهُ حُدُودَكَ.
ـ وَكَيْفَ تَعْمَلُ هَذِهِ الذَّاكِرَةُ؟ كَيْفَ تَحْتَفِظِينَ بِكُلِّ هَذَا الْكَمِّ الْهَائِلِ دُونَ أَنْ يَتَشَابَكَ أَوْ يَضِيعَ؟
وَضَعَتْ رَاحَتَيْهَا مَعًا لَحْظَةً، ثُمَّ أَعَادَتْهُمَا إِلَى وَضْعِهِمَا السَّابِقِ:
ـ أَبْنِي قَصْرًا.
دَاخِلَ رَأْسِي. قَصْرَ ذَاكِرَةٍ.
هَذِهِ التِّقْنِيَّةُ يَعْرِفُهَا بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ الْإِغْرِيقِ وَأَسَمَّوْهَا بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنَّنِي لَمْ أَتَعَلَّمْهَا مِنْهُمْ.
اكْتَشَفْتُهَا وَحْدِي لِأَنَّنِي كُنْتُ أَحْتَاجُهَا، وَمَا يَحْتَاجُهُ الْإِنْسَانُ حَاجَةً حَقِيقِيَّةً يَجِدُهُ فِي النِّهَايَةِ.
لِكُلِّ نَصٍّ غُرْفَةٌ فِي هَذَا الْقَصْرِ.
لِكُلِّ غُرْفَةٍ بَابٌ لَهُ شَكْلٌ خَاصٌّ وَرَائِحَةٌ خَاصَّةٌ وَمَلْمَسٌ خَاصٌّ يَعْرِفُهُ كَفِّي حِينَ أَلْمِسُهُ فِي خَيَالِي.
حِينَ أُرِيدُ نَصًّا أَمْشِي فِي الْقَصْرِ وَأَدْخُلُ الْغُرْفَةَ الصَّحِيحَةَ وَأَجِدُهُ هُنَاكَ، مُنْتَظِرًا كَمَا تَرَكْتُهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ.
ـ وَالْقَصْرُ؟
هَلْ يَتَّسِعُ؟
أَمْ أَنَّ الذَّاكِرَةَ كَالْإِنَاءِ لَهَا سِعَةٌ مَحْدُودَةٌ تَمْتَلِئُ وَتَفِيضُ؟
ـ الْقَصْرُ يَكْبُرُ كُلَّمَا احْتَجْتُ.
لَمْ أَجِدْ سَقْفًا لَهُ حَتَّى الْآنَ فِي كُلِّ سِنِيِّ هَذِهِ الْحَيَاةِ.
الذَّاكِرَةُ الْبَشَرِيَّةُ وَاسِعَةٌ بِشَكْلٍ يَتَجَاوَزُ مَا يَظُنُّهُ أَصْحَابُهَا.
نَحْنُ نَسْتَخْدِمُ جُزْءًا صَغِيرًا مِنْهَا، لَا لِأَنَّ الْبَاقِيَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، بَلْ لِأَنَّنَا لَا نَضْطَرُّ لِاسْتِخْدَامِهِ.
الِاضْطِرَارُ يَفْتَحُ أَبْوَابًا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ.
ـ وَأَنْتِ اضْطُرِرْتِ.
ـ الْعَمَى هِبَةٌ مُقَنَّعَةٌ فِي هَذَا.
أَجْبَرَنِي عَلَى بِنَاءِ مَا لَوْ كُنْتُ مُبْصِرَةً مَا بَنَيْتُهُ، لِأَنَّ الْكِتَابَ كَانَ سَيَكْفِينِي وَمَا كُنْتُ سَأَحْتَاجُ قَصْرًا.
رُبَّمَا الْمُبْصِرُونَ أَغْنِيَاءُ بِمَا يَرَوْنَهُ، لَكِنَّ هَذَا الْغِنَى أَحْيَانًا يُقْنِعُ الْإِنْسَانَ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ مَا هُوَ أَعْمَقُ.
أَنَا كُنْتُ فَقِيرَةً بِالْعَيْنِ فَاضْطُرِرْتُ إِلَى الْبِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ.
وَالْبِنَاءُ الدَّاخِلِيُّ لَا يُسْرَقُ وَلَا يَحْتَرِقُ وَلَا تَنَالُهُ الرِّيَاحُ.
ـ وَالنُّصُوصُ الَّتِي تَحْفَظِينَهَا، هَلْ هِيَ مُجَرَّدُ كَلِمَاتٍ مُخَزَّنَةٍ فِي قَصْرِكِ أَمْ شَيْءٌ آخَرُ؟
أَجَابَتْ دُونَ تَرَدُّدٍ، كَمَنْ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ فَكَّرَ فِيهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ:
ـ النَّصُّ الْحَيُّ لَيْسَ كَلِمَاتٍ.
هُوَ مُحَادَثَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَيْنَ مَنْ كَتَبَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَحْمِلُهُ.
حِينَ أَحْمِلُ نَصًّا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً، يَنْمُو مَعِي.
أَفْهَمُ مِنْهُ فِي السِّتِّينَ مَا لَمْ أَفْهَمْهُ فِي الْعِشْرِينَ بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْكَلِمَاتِ هِيَ نَفْسُهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ حَرْفًا وَاحِدًا.
النَّصُّ لَا يَتَغَيَّرُ، لَكِنَّ الْحَامِلَةَ تَتَغَيَّرُ، وَهَذَا يُغَيِّرُ مَا تَرَاهُ فِي النَّصِّ.
مِثْلَ النَّافِذَةِ الَّتِي تَظَلُّ فِي مَكَانِهَا بَيْنَمَا الضَّوْءُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهَا يَخْتَلِفُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ.
ـ إِذَنِ النَّصُّ الْمَحْفُوظُ يَتَفَاعَلُ مَعَ صَاحِبِهِ بِمُرُورِ الزَّمَنِ.
ـ تَمَامًا.
وَهَذَا مَا يَجْعَلُ الْحِفْظَ عِبَادَةً وَلَيْسَ تَخْزِينًا.
التَّاجِرُ يُخَزِّنُ الْبِضَاعَةَ لِأَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِرْجَاعَهَا كَمَا هِيَ.
الْحَامِلَةُ تُحَاوِرُ النَّصَّ لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَمَا يَقُولُهُ النَّصُّ يَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ مَنْ يَقْرَأُهُ وَمَتَى.
ـ وَهَلْ مَرَرْتِ بِفَقْدَانِ نَصٍّ؟
بِنِسْيَانِ شَيْءٍ حَفِظْتِهِ؟
صَمَتَتْ لَحْظَةً.
لَيْسَ لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ الْجَوَابَ، بَلْ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَسْتَحِقُّ لَحْظَةً مِنَ الصَّمْتِ قَبْلَهُ:
ـ مَرَّةً وَاحِدَةً.
فِي سَنَةٍ مَرِضْتُ فِيهَا بِحُمَّى شَدِيدَةٍ.
أُسْبُوعٌ كَامِلٌ فِي الْهَذَيَانِ.
حِينَ أَفَقْتُ وَجَدْتُ أَنَّ جُزْءًا مِنْ تَرْتِيبِ قَصْرِي اخْتَلَّ، كَأَنَّ زَلْزَالًا صَغِيرًا أَعَادَ تَرْتِيبَ الْأَثَاثِ فِي الْغُرَفِ دُونَ أَنْ يُسْقِطَهَا كُلِّيًّا.
الْغُرَفُ فِي مَكَانِهَا، لَكِنَّ بَعْضَ الْمُحْتَوَيَاتِ تَشَابَكَتْ.
أَمْضَيْتُ شَهْرًا أُعِيدُ التَّرْتِيبَ، أُفَكِّكُ التَّشَابُكَ بِصَبْرِ حَارِسٍ يُعِيدُ فَهْرَسَةَ مَخْزَنٍ بَعْدَ زَلْزَالٍ.
ـ وَهَلْ عَادَ كُلُّ شَيْءٍ؟
ـ عَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا.
أُغْنِيَةٌ كَانَتْ تُغَنِّيهَا أُمِّي حِينَ كُنْتُ طِفْلَةً.
لَحْنُهَا تَشَابَكَ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ فِي قَصْرِي وَلَمْ أَسْتَطِعْ فَكَّهُ.
وَهَذَا، هَذَا الشَّيْءُ الصَّغِيرُ الْوَاحِدُ، أَحْزَنَنِي أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ نَسِيتُ سِفْرًا كَامِلًا مِنَ التَّوْرَاةِ.
ـ لِمَاذَا؟
ـ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ مَوْجُودَةٌ فِي مَكَانٍ آخَرَ.
أَسْتَطِيعُ سَمَاعَهَا وَإِعَادَةَ حِفْظِهَا مِنَ الصَّوْتِ كَمَا فَعَلْتُ فِي طُفُولَتِي.
لَكِنَّ أُغْنِيَةَ أُمِّي، لَمْ يَكْتُبْهَا أَحَدٌ. لَمْ يَحْفَظْهَا أَحَدٌ سِوَاهَا.
كَانَتْ فَقَطْ فِي صَوْتِهَا وَفِي ذَاكِرَتِي.
وَحِينَ ضَاعَتْ مِنِّي ضَاعَتْ مِنَ الْوُجُودِ كُلِّهِ.
لَا نُسْخَةَ احْتِيَاطِيَّةَ، لَا أَصْلَ لَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.
ضَاعَتْ وَانْتَهَى.
صَمَتَ سَامِرٌ.
ثِقَلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَانَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، أَثْقَلُ وَأَصْمَتُ مِنْ كُلِّ مَا سَمِعَهُ فِي قَاعَاتِ هَذَا الْمُتَحَفِ الْغَرِيبِ.
ضَيَاعٌ لَا يُعَوَّضُ لِأَنَّهُ ضَيَاعٌ مِنْ مَكَانِهِ الْوَحِيدِ فِي الْعَالَمِ.
ـ وَكَيْفَ تَعِيشِينَ مَعَ هَذَا الْفَقْدِ؟
كَيْفَ تُمْسِكِينَ بِالنُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ وَتَعْرِفِينَ أَنَّ الْأُغْنِيَةَ الْوَاحِدَةَ ضَاعَتْ وَلَنْ تَعُودَ؟
ـ أَحْمِلُهُ.
لَا أُحَاوِلُ مَلْءَ الْفَرَاغِ بِشَيْءٍ آخَرَ.
الْفَرَاغُ بِشَكْلِ أُمِّي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَبْقَى فَارِغًا.
مَلْؤُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ سَيَكُونُ خِيَانَةً لِمَا كَانَ فِيهِ.
مِثْلَ مَنْ يُقِيمُ فِي بَيْتٍ فِيهِ غُرْفَةٌ لِمَيِّتٍ عَزِيزٍ، بَعْضُ النَّاسِ يُغْلِقُونَ الْغُرْفَةَ وَيَتْرُكُونَهَا كَمَا هِيَ، وَبَعْضُهُمْ يُحَوِّلُونَهَا إِلَى مَخْزَنٍ. إِغْلَاقُ الْغُرْفَةِ لَيْسَ هُرُوبًا، هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْوَفَاءِ.
ـ الْفَرَاغُ كَنَوْعٍ مِنَ الْوَفَاءِ.
ـ الْفَرَاغُ الْمَقْصُودُ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الذَّاكِرَةِ.
أَنَا أَتَذَكَّرُ أُغْنِيَتَهَا بِتَذَكُّرِ أَنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُهَا.
الْغِيَابُ نَفْسُهُ حُضُورٌ.
وَهَذِهِ لَيْسَتْ فَلْسَفَةً مُعَقَّدَةً، بَلْ حَقِيقَةٌ يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ فَقَدَ شَيْئًا لَا يُعَادُ.
الْفَرَاغُ الَّذِي يَتْرُكُهُ الْغَائِبُ لَا يَمْلَؤُهُ آخَرُ، يَبْقَى بِشَكْلِهِ، دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ فِيهِ كَانَ حَقِيقِيًّا.
ـ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ مُخْتَلِفٍ.
أَنْتِ تَحْمِلِينَ نُصُوصًا مُقَدَّسَةً طَوَالَ عُمْرِكِ.
هَلْ وَجَدْتِ فِي النَّصِّ الْمُقَدَّسِ مَا يُجِيبُ عَلَى سُؤَالِ الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَانِ؟
ـ النَّصُّ الْمُقَدَّسُ لَا يُجِيبُ، يَفْتَحُ.
الْإِجَابَةُ الْجَاهِزَةُ تُغْلِقُ السُّؤَالَ وَتُرِيحُكَ مِنْهُ.
النَّصُّ يَفْتَحُ السُّؤَالَ أَكْثَرَ، يَجْعَلُهُ أَوْسَعَ، يُرِيكَ أَنَّكَ لَمْ تَسْأَلِ السُّؤَالَ كَامِلًا بَعْدُ.
يَقُولُ النَّصُّ: «וַיִּשְׁכַּח יוֹסֵף»، وَنَسِيَ يُوسُفُ. حَتَّى يُوسُفُ الصِّدِّيقُ، الَّذِي أُعْطِيَ تَفْسِيرَ الْأَحْلَامِ، نَسِيَ أَهْلَهُ سَنَوَاتٍ.
وَالنِّسْيَانُ فِي النَّصِّ لَيْسَ دَائِمًا خَطِيئَةً وَلَا دَائِمًا جَزَاءً.
أَحْيَانًا هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْمَسَارِ.
يُوسُفُ نَسِيَ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْبِنَاءِ فِي مِصْرَ.
ثُمَّ تَذَكَّرَ حِينَ جَاءَ وَقْتُ التَّذَكُّرِ، حِينَ صَارَ التَّذَكُّرُ مُمْكِنًا وَنَافِعًا، لَا حِينَ كَانَ يُبْكِيهِ وَيُشَلُّهُ.
ـ النِّسْيَانُ كَمَرْحَلَةٍ لَا كَنِهَايَةٍ.
ـ النِّسْيَانُ أَحْيَانًا هُوَ مَا يُتِيحُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي الْمَشْيِ.
مَنْ يَتَذَكَّرُ كُلَّ جُرْحٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكْمِلَ الطَّرِيقَ، لِأَنَّ ثِقَلَ مَا مَضَى يُعْجِزُهُ عَنْ مَا يَأْتِي.
النِّسْيَانُ الْجُزْئِيُّ رَحْمَةٌ.
لَيْسَ رَحْمَةً مِنَ الضَّعْفِ بَلْ رَحْمَةً مِنَ الْحِكْمَةِ.
وَالتَّذَكُّرُ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ هِبَةٌ، لِأَنَّهُ يَأْتِي حِينَ يَكُونُ الْإِنْسَانُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَفْعَلَ بِهِ شَيْئًا، لَا حِينَ يَكُونُ مُجَرَّدَ عِبْءٍ.
ـ وَالْيَوْمُ الْمَفْقُودُ فِي ذَاكِرَتِي، مَاذَا تَقُولِينَ؟
أَمَالَتْ رَأْسَهَا قَلِيلًا، كَمَنْ يُصْغِي مِنْ جَدِيدٍ:
ـ أَقُولُ:
رُبَّمَا ذَاكِرَتُكَ أَحْكَمُ مِنْكَ.
رُبَّمَا أَبْقَتْ مَا تَحْتَاجُهُ وَأَسْقَطَتْ مَا لَا تَحْتَاجُهُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ.
الذَّاكِرَةُ تَعْمَلُ دُونَ إِذْنِكَ فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ، تَحْفَظُ وَتُسْقِطُ وَتُعِيدُ تَرْتِيبَ مَا يُتِيحُ لَكَ الِاسْتِمْرَارَ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ مُهِمًّا حَقًّا، فَأَثَرُهُ لَا يَزَالُ فِيكَ بِطَرِيقَةٍ مَا.
فِي طَرِيقَةِ سُؤَالِكَ. فِي أَنَّكَ وَصَلْتَ إِلَى هُنَا أَصْلًا وَقَطَعْتَ كُلَّ هَذَا الطَّرِيقَ لِأَجْلِهِ.
ـ وَإِنْ أَرَدْتُ اسْتِرْدَادَهُ؟
إِنْ كُنْتُ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْبَلَ بِغِيَابِهِ؟
ـ لَا تَبْحَثْ عَنْهُ كَشَيْءٍ مَفْقُودٍ فِي الْخَارِجِ.
ابْحَثْ عَنْهُ كَشَيْءٍ يَنْتَظِرُ فِي غُرْفَةٍ لَمْ تَفْتَحْهَا بَعْدُ فِي قَصْرِكَ أَنْتَ.
الْقَصْرُ الدَّاخِلِيُّ لَدَيْكَ أَيْضًا.
كُلُّ إِنْسَانٍ يَمْلِكُ قَصْرًا دَاخِلِيًّا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ بَصَرِهِ أَوْ عَمَلِهِ أَوْ مَا حَفِظَهُ.
مُعْظَمُنَا لَا يَعْرِفُ أَنْ يَمْشِيَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدُ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَ أَمَامَهُ وَالصُّورَةَ أَمَامَهُ وَالشَّاشَةَ أَمَامَهُ، فَمَا يُقِيمُ دَاخِلًا مَا بَنَى.
لَكِنَّ الْقَصْرَ هُنَاكَ.
وَالْغُرْفَةُ الَّتِي تَبْحَثُ عَنْهَا مَوْجُودَةٌ، لَكِنَّكَ فَقَطْ لَمْ تَجِدْ بَابَهَا بَعْدُ.
قَامَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ.
عِنْدَ الْبَابِ الْتَفَتَ:
ـ شُكْرًا.
لَمْ تَتَحَرَّكْ.
لَكِنَّهَا قَالَتْ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ وَنِهَائِيَّةٍ، نَبْرَةِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ لِيُسْمَعَ:
ـ لَا تَشْكُرْنِي.
امْشِ فِي قَصْرِكَ.
الْغُرْفَةُ الَّتِي تَبْحَثُ عَنْهَا مَوْجُودَةٌ، أَنْتَ فَقَطْ لَمْ تَجِدْ بَابَهَا بَعْدُ.
وَحِينَ تَجِدُهُ، سَتَعْرِفُهُ، لِأَنَّ بَابَ الْغُرْفَةِ الصَّحِيحَةِ لَهُ مَلْمَسٌ لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ.
وَحِينَ خَرَجَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ، كَانَ يَحْمِلُ صُورَةً لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْلُ.
لَيْسَ صُورَةَ شَيْءٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ صُورَةً لِمَكَانٍ دَاخِلَهُ لَمْ يَتَخَيَّلْ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ.
قَصْرٌ فِيهِ غُرَفٌ بِأَبْوَابٍ ذَاتِ مَلَامِحَ مُخْتَلِفَةٍ، وَغُرْفَةٌ وَاحِدَةٌ بِعَيْنِهَا بَابٌ لَمْ يَمُدَّ إِلَيْهِ يَدَهُ بَعْدُ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ فِي الرَّوَاقِ، يَحْمِلُ فِي صَمْتِهِ مَا يَكْفِي مِنَ الْمَعْنَى.
وَلَمْ يَسْأَلْ سَامِرٌ هَذِهِ الْمَرَّةَ عَنِ الْقَاعَةِ التَّالِيَةِ.
مَشَى فَقَطْ إِلَى الْأَمَامِ، يُفَكِّرُ فِي بَابٍ لَمْ يَفْتَحْهُ بَعْدُ، وَفِي مَلْمَسِهِ الَّذِي سَيَعْرِفُهُ حِينَ يَلْمِسُهُ.

متحف الأيام المفقودة 25