مَتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَرَ: الفَيْلَسُوفُ الصِّينِيُّ – الصِّينُ، 470 قَبْلَ المِيلادِ | «هَلِ التَّقْلِيدُ هُوَ أَسْمَى أَشْكَالِ الذَّاكِرَةِ؟»
—————————
كَانَ الانتِقَالُ إِلَى هٰذِهِ القَاعَةِ أَهْدَأَ مِنْ سَابِقَاتِهَا، كَأَنَّ المَكَانَ نَفْسَهُ يَطْلُبُ مِنَ الزَّائِرِ أَنْ يُبْطِئَ خُطُوَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ.
لَا بَابٌ ثَقِيلٌ يُفْتَحُ بِأَثْقَالٍ، وَلَا عَتَبَةٌ تُعْلِنُ نَفْسَهَا بِصَخَبٍ.
مُجَرَّدُ انْفِرَاجٍ تَدْرِيجِيٍّ فِي الرَّوَاقِ، كَأَنَّ الجِدَارَ قَرَّرَ أَنْ يَتَرَاجَعَ جَانِبًا دُونَ أَنْ يُعْلِنَ ذٰلِكَ.
وَخَلْفَ ذٰلِكَ الانْفِرَاجِ، حَدِيقَةٌ.
لَيْسَتْ حَدِيقَةَ الزُّهُورِ وَالأَلْوَانِ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تُنَبِّهَ العَيْنَ.
حَدِيقَةُ خَيْزَرَانٍ، أَشْجَارُهَا نَحِيلَةٌ تَقِفُ كَأَعْمِدَةٍ حَكِيمَةٍ، خُضْرَاؤُهَا دَاكِنَةٌ مُعْتَدِلَةٌ، وَبَيْنَهَا بُرْكَةُ مَاءٍ صَغِيرَةٌ تَعْكِسُ السَّمَاءَ دُونَ أَنْ تُشَوِّهَهَا.
كُلُّ شَيْءٍ هُنَا مُرَتَّبٌ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُكَ تَشْعُرُ أَنَّ التَّرْتِيبَ لَمْ يُفْرَضْهُ أَحَدٌ، بَلْ نَشَأَ عَنْ فَهْمٍ عَمِيقٍ لِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِجَانِبِ مَا.
فِي وَسَطِ هٰذَا كُلِّهِ، عَلَى حَصِيرَةٍ مُنْسَجَةٍ وُضِعَتْ بِعِنَايَةٍ فَوْقَ الأَرْضِ، جَلَسَ رَجُلٌ فِي السَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ.
ظَهْرُهُ مُسْتَقِيمٌ اسْتِقَامَةً لَا يُحَقِّقُهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ سَنَوَاتٍ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَجْلِسُ، لَا كَيْفَ يَسْتَرِيحُ.
وَجْهُهُ فِيهِ مِنَ التَّجَاعِيدِ مَا يُشْبِهُ خَرِيطَةَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ، لٰكِنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا هَادِئَتَيْنِ بِهُدُوءِ البُرْكَةِ أَمَامَهُ تَمَامًا.
فِي يَدِهِ كِتَابٌ غَرِيبٌ عَلَى عَيْنِ سَامِرَ، مَصْنُوعٌ مِنْ شَرَائِحِ خَيْزَرَانٍ رَقِيقَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِبَعْضِهَا بِخَيْطٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَحْمِلُ حُرُوفًا مَنْقُوشَةً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ.
لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حِينَ سَمِعَ سَامِرَ، لٰكِنَّهُ قَالَ، بِصَوْتٍ يَمْلَأُ المَسَاحَةَ دُونَ أَنْ يُزَاحِمَ الهُدُوءَ:
ـ أَهْلًا بِكَ. اجْلِسْ، إِنْ شِئْتَ. فَالعَجَلَةُ عَدُوُّ الفَهْمِ، وَأَشَدُّ مَا تُتْلِفُ العَجَلَةُ هُوَ ذٰلِكَ الفَهْمُ الَّذِي كَانَ عَلَى وشْكِ أَنْ يَتَشَكَّلَ لَوْ مَنَحْتَهُ لَحْظَةً أَكْثَرَ.
جَلَسَ سَامِرُ عَلَى حَصِيرَةٍ قَرِيبَةٍ، مُحَاكِيًا فِي جِلْسَتِهِ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الاسْتِقَامَةِ الهَادِئَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُوفَّقْ تَمَامًا:
ـ أَنَا سَامِرُ. وَمَنْ أَنْتَ؟
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى كِتَابِهِ الخَيْزَرَانِيِّ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَيْهِ:
ـ تِلْمِيذٌ مُتَوَاضِعٌ لِمُعَلِّمٍ عَظِيمٍ رَحَلَ عَنْ هٰذَا العَالَمِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. اسْمُهُ كُونْفُوشِيُوسُ، أَوْ كَمَا يُنَادِيهِ أَهْلُ بِلَادِي بِحُبٍّ وَتَوْقِيرٍ: كُونْغُ فُو تْسِه. أَمْضَيْتُ مَا تَبَقَّى مِنْ عُمُرِي أُحَاوِلُ أَنْ أَنْقُلَ تَعَالِيمَهُ بِأَمَانَةٍ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدِي، كَمَا نَقَلَهَا هُوَ لِي، وَكَمَا نَقَلَهَا مَنْ نَقَلَهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ. أَنَا حَلْقَةٌ فِي سِلْسِلَةٍ، لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ.
ـ وَمَاذَا عَلَّمَكَ أَكْثَرُ مَا يَلْفِتُ انْتِبَاهِي؟
أَمْسَكَ الرَّجُلُ كِتَابَهُ بِرِفْقٍ، كَمَنْ يُمْسِكُ بِيَدِ طِفْلٍ لَا بِيَدِ وَرَقٍ:
ـ عَلَّمَنِي أَنَّ التَّقْلِيدَ، الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَنْقُلُ بِهَا حِكْمَةَ أَسْلَافِنَا وَعَادَاتِهِمْ وَطُقُوسَهُمْ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، لَيْسَ مُجَرَّدَ تَكْرَارٍ أَعْمَى يَفْعَلُهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ فِكْرًا جَدِيدًا، بَلْ هُوَ أَسْمَى أَشْكَالِ الذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ حِينَ يُمَارَسُ بِفَهْمٍ. هُوَ طَرِيقَةُ الجَمَاعَةِ لِتَقُولَ: «لَمْ نَنْسَ مَنْ جَاءَ قَبْلَنَا، وَنَعْتَرِفُ بِأَنَّنَا لَمْ نَبْدَأْ مِنْ فَرَاغٍ.»
ـ أَلَا تَخْشَى أَنْ يَتَحَوَّلَ التَّقْلِيدُ إِلَى قَيْدٍ يَمْنَعُ التَّفْكِيرَ الجَدِيدَ؟
ابْتَسَمَ الفَيْلَسُوفُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، ابْتِسَامَةَ مَنْ سَمِعَ هٰذَا السُّؤَالَ مِنْ كَثِيرِينَ وَلَا يَزَالُ يَجِدُ فِيهِ مَا يَسْتَحِقُّ الجَوَابَ:
ـ هٰذَا خَطَرٌ حَقِيقِيٌّ، لَا أُنْكِرُهُ وَلَا أُصَغِّرُهُ، لٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الأَمْرِ مِنْ هٰذِهِ الزَّاوِيَةِ: حِينَ نُمَارِسُ طَقْسًا قَدِيمًا، كَطُقُوسِ تَكْرِيمِ الأَجْدَادِ الَّتِي يُمَارِسُهَا أَهْلُ بِلَادِي فِي مَوَاسِمِهَا، نَحْنُ لَا نُكَرِّرُ حَرَكَاتٍ فَارِغَةً بِلَا رُوحٍ، بَلْ نُحْيِي، فِي كُلِّ مَرَّةٍ نُمَارِسُ فِيهَا هٰذَا الطَّقْسَ، رَبْطًا حَيًّا بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلِّ مَنْ عَاشَ قَبْلَنَا عَلَى هٰذِهِ الأَرْضِ. نُذَكِّرُ أَنْفُسَنَا أَنَّنَا لَسْنَا أَفْرَادًا مُنْعَزِلِينَ بَدَأُوا مِنْ لَا شَيْءٍ، بَلْ حَلَقَاتٍ فِي سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا تَمْتَدُّ نَحْوَ المَاضِي وَتَمْتَدُّ نَحْوَ المُسْتَقْبَلِ فِي آنٍ مَعًا. التَّقْلِيدُ بِهٰذَا المَعْنَى لَيْسَ سِجْنًا، بَلْ خَيْطٌ يَمْنَعُكَ مِنَ الضَّيَاعِ.
ـ لٰكِنَّ الخَيْطَ نَفْسَهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ قَيْدًا.
ـ نَعَمْ، وَهٰذَا هُوَ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ: الخَيْطُ الَّذِي تَمْشِي بِهِ اخْتِيَارًا يُشْعِرُكَ بِالانْتِمَاءِ، وَالخَيْطُ الَّذِي يَمْشِي بِكَ إِجْبَارًا يُشْعِرُكَ بِالاسْتِرْقَاقِ. التَّقْلِيدُ الَّذِي يُمَارَسُ بِفَهْمٍ هُوَ الأَوَّلُ، وَالتَّقْلِيدُ الَّذِي يُمَارَسُ بِخَوْفٍ أَوْ بِعَادَةٍ جَوْفَاءَ هُوَ الثَّانِي.
شَعَرَ سَامِرُ بِفِكْرَةٍ تَتَشَكَّلُ:
ـ هٰذَا يَجْعَلُ التَّقْلِيدَ أَشْبَهَ بِجِسْرٍ بَيْنَ الأَجْيَالِ، لَا قَيْدًا يَحْبِسُهَا.
ـ بِالضَّبْطِ، إِنْ مُورِسَ بِفَهْمٍ وَحِكْمَةٍ، لَا بِآلِيَّةٍ فَارِغَةٍ. مُعَلِّمِي كَانَ يَكْرَهُ الطُّقُوسَ المُفَرَّغَةَ مِنْ مَعْنَاهَا بِقَدْرِ مَا كَانَ يُجِلُّ الطُّقُوسَ الَّتِي تَحْمِلُ فِي بَاطِنِهَا فَهْمًا عَمِيقًا لِمَا تُعَبِّرُ عَنْهُ. قَالَ لِي مَرَّةً: «الَّذِي يُؤَدِّي طَقْسَ الحِدَادِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِالحُزْنِ لَيْسَ فِي حِدَادٍ، بَلْ فِي مَسْرَحِيَّةٍ.» الشَّكْلُ بِلَا رُوحٍ يَصِيرُ قِشْرَةً، وَالقِشْرَةُ بِلَا لُبٍّ تَتَكَسَّرُ لِأَوَّلِ ضَغْطَةٍ.
ـ لٰكِنْ كَيْفَ نُفَرِّقُ بَيْنَ تَقْلِيدٍ حَيٍّ يَحْمِلُ مَعْنًى، وَتَقْلِيدٍ مَيِّتٍ أَصْبَحَ مُجَرَّدَ عَادَةٍ فَارِغَةٍ؟
فَكَّرَ الفَيْلَسُوفُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَكُنْ مَسْرَحِيَّةً فِي التَّأَمُّلِ بَلْ حَقِيقِيَّةً، كَمَنْ يَزِنُ فِعْلًا كُلَّ كَلِمَةٍ عَلَى مِيزَانٍ دَقِيقٍ:
ـ هٰذَا سُؤَالٌ يَسْتَحِقُّ حَيَاةً كَامِلَةً لِلْإِجَابَةِ عَنْهُ بِدِقَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لٰكِنَّنِي سَأُحَاوِلُ أَنْ أُعْطِيَكَ جَوْهَرَهُ: التَّقْلِيدُ الحَيُّ هُوَ الَّذِي تُمَارِسُهُ وَأَنْتَ تَعْرِفُ لِمَاذَا تُمَارِسُهُ، وَتَشْعُرُ بِثِقَلِ مَعْنَاهُ فِي قَلْبِكَ لَا فَقَطْ فِي يَدَيْكَ. تُمَارِسُهُ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تُجِيبَ، لَوْ سُئِلْتَ، عَنِ السَّبَبِ وَالمَعْنَى وَالتَّارِيخِ. أَمَّا التَّقْلِيدُ المَيِّتُ، فَهُوَ الَّذِي تُمَارِسُهُ لِأَنَّ الجَمِيعَ يُمَارِسُونَهُ، وَلِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَى السُّؤَالِ، وَلِأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ صَارَ مُحْرَجًا. حِينَ يُصْبِحُ السُّؤَالُ عَنْ سَبَبِ التَّقْلِيدِ مُحْرَجًا، فَاعْلَمْ أَنَّ التَّقْلِيدَ بَدَأَ يَمُوتُ مِنَ الدَّاخِلِ، حَتَّى لَوْ ظَلَّ الشَّكْلُ قَائِمًا فِي الخَارِجِ.
ـ هٰذَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي زَمَانِي. أَشْيَاءَ نَفْعَلُهَا يَوْمِيًّا دُونَ أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا عَنْ أَصْلِهَا وَمَعْنَاهَا.
أَوْمَأَ الفَيْلَسُوفُ بِرَأْسِهِ، بِإِيمَاءَةٍ تَقُولُ: «هٰذَا لَيْسَ خَاصًّا بِزَمَانِكَ»:
ـ هٰذَا أَمْرٌ إِنْسَانِيٌّ مُشْتَرَكٌ عَبْرَ كُلِّ العُصُورِ. كُلُّ جِيلٍ يَرِثُ بَعْضَ العَادَاتِ فَارِغَةً وَيَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَلِيئَةٌ، وَيَرِثُ بَعْضَهَا مَلِيئَةً وَيَعْتَقِدُ أَنَّهَا فَارِغَةٌ. الحِكْمَةُ هِيَ فِي القُدْرَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَهٰذَا التَّمْيِيزُ لَا يُورَثُ، يُكْتَسَبُ بِالتَّفْكِيرِ.
تَوَقَّفَ الفَيْلَسُوفُ، وَضَعَ كِتَابَهُ الخَيْزَرَانِيَّ جَانِبًا بِرِفْقٍ، وَنَظَرَ إِلَى سَامِرَ بِنَظْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَكْثَرَ مُبَاشَرَةً:
ـ دَعْنِي أَسْأَلْكَ سُؤَالًا يَخُصُّكَ أَنْتَ بِالتَّحْدِيدِ: هٰذَا اليَوْمُ المَفْقُودُ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَعَكَ فِي رِحْلَتِكَ كُلِّهَا، أَلَا يُشْبِهُ تَقْلِيدًا فَقَدْتَ مَعْنَاهُ؟ تَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَتَشْعُرُ بِثِقَلِهِ فِي حَيَاتِكَ، لٰكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْبِطَهُ بِفَهْمٍ وَاضِحٍ؟
شَعَرَ سَامِرُ بِدَهْشَةٍ هَادِئَةٍ مِنْ دِقَّةِ هٰذَا الرَّبْطِ، كَمَنْ يَسْمَعُ وَصْفًا لِشَيْءٍ كَانَ يَعِيشُهُ دُونَ أَنْ يُسَمِّيهِ:
ـ نَعَمْ. هٰذَا وَصْفٌ دَقِيقٌ جِدًّا لِمَا أَشْعُرُ بِهِ. أَعْرِفُ أَنَّ ذٰلِكَ اليَوْمَ كَانَ، وَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنْ سَائِرِ الأَيَّامِ، لٰكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ المَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُهُ مَفْهُومًا فِي سِيَاقِ حَيَاتِي.
ـ رُبَّمَا إِذَنْ، الحَلُّ لَيْسَ فَقَطْ فِي اسْتِعَادَةِ تَفَاصِيلِ ذٰلِكَ اليَوْمِ كَمَا كَانَتْ، بَلْ فِي إِيجَادِ مَعْنًى تَرْبِطُهُ بِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَعْنًى تَصْنَعُهُ أَنْتَ بِنَفْسِكَ، لَا مَعْنًى تَجِدُهُ جَاهِزًا مَكْتُوبًا فِي مَكَانٍ مَا.
ـ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ أَصْنَعَ مَعْنًى لِيَوْمٍ لَا أَعْرِفُ مَاذَا حَدَثَ فِيهِ؟
ابْتَسَمَ الفَيْلَسُوفُ ابْتِسَامَةً تَحْمِلُ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّأَمُّلِ فِي هٰذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ:
ـ نَحْنُ فِي تَعَالِيمِنَا نُؤْمِنُ أَنَّ المَعْنَى لَيْسَ دَائِمًا شَيْئًا نَكْتَشِفُهُ جَاهِزًا فِي المَاضِي، كَأَنَّهُ كَنْزٌ مَدْفُونٌ نَنْتَظِرُ أَنْ نَجِدَهُ بِالحَفْرِ الكَافِي. بَلْ هُوَ أَحْيَانًا شَيْءٌ نَبْنِيهِ بِأَفْعَالِنَا فِي الحَاضِرِ، بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ المَاضِي، أَيًّا كَانَ غُمُوضُهُ وَفَجَوَاتُهُ، يُصْبِحُ جُزْءًا مُتَمَاسِكًا مِنْ قِصَّةِ حَيَاتِنَا الكَامِلَةِ. الجَرَّةُ المُكَسَّرَةُ لَا تَعُودُ صَحِيحَةً، لٰكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ عَمَلًا فَنِّيًّا إِنْ أُحْكِمَ التَّرْمِيمُ.
ـ هٰذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ لِي أُخْرَى فِي رِحْلَتِي، عَنْ إِعَادَةِ صِيَاغَةِ القِصَّةِ لِتَتَضَمَّنَ الفَجْوَةَ بَدَلًا مِنْ أَنْ تُنْكِرَهَا.
أَوْمَأَ الفَيْلَسُوفُ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ يَبْدُو أَنَّ حُكَمَاءَ أَزْمِنَةٍ وَثَقَافَاتٍ بَعِيدَةٍ جِدًّا عَنْ بَعْضِهَا يَصِلُونَ إِلَى حَقَائِقَ مُتَشَابِهَةٍ، كُلٌّ بِلُغَتِهِ وَبِصُوَرِهِ وَبِأَمْثِلَتِهِ الخَاصَّةِ. رُبَّمَا هٰذَا، بِحَدِّ ذَاتِهِ، نَوْعٌ مِنَ الذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ الأَعْمَقِ: أَنَّ الحَقِيقَةَ الإِنْسَانِيَّةَ الجَوْهَرِيَّةَ تَتَكَرَّرُ عَبْرَ كُلِّ الثَّقَافَاتِ وَالعُصُورِ، حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتِ التَّفَاصِيلُ وَالمَلَابِسَاتُ وَالكَلِمَاتُ. الحَقِيقَةُ تَجِدُ طَرِيقَهَا كَالمَاءِ، تَتَشَكَّلُ وَفْقَ إِنَاءِ كُلِّ ثَقَافَةٍ، لٰكِنَّهَا فِي جَوْهَرِهَا المَاءُ نَفْسُهُ.
ـ سُؤَالٌ أَخِيرٌ قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ: هَلْ تَخَافُ المَوْتَ، وَأَنْتَ فِي هٰذَا العُمْرِ المُتَقَدِّمِ؟
نَظَرَ الفَيْلَسُوفُ إِلَى البُرْكَةِ السَّاكِنَةِ أَمَامَهُ. انْعِكَاسُ السَّمَاءِ فِيهَا لَمْ يَتَحَرَّكْ. قَالَ بَعْدَ صَمْتٍ يَكْفِي لِأَنْ تُقَلَّبَ فِيهِ أَشْيَاءُ:
ـ لَا أَخَافُ المَوْتَ بِالقَدْرِ الَّذِي يُخِيفُ النَّاسَ حِينَ يَتَصَوَّرُونَهُ. مَا يَشْغَلُنِي أَكْثَرُ هُوَ شَيْءٌ آخَرُ: أَنْ أَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّنِي نَقَلْتُ مَا حَمَلْتُهُ بِأَمَانَةٍ كَامِلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ. هٰذَا مَا يَشْغَلُنِي فِي كُلِّ يَوْمٍ. لَيْسَ خَوْفِي الشَّخْصِيَّ مِنَ الزَّوَالِ، بَلْ تَأَكُّدِي مِنْ أَنَّ سِلْسِلَةَ الذَّاكِرَةِ الَّتِي أَنَا جُزْءٌ مِنْهَا لَنْ تَنْقَطِعَ بَعْدِي لِأَنَّنِي كُنْتُ الحَلْقَةَ الأَضْعَفَ فِيهَا.
ـ هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّكَ نَجَحْتَ فِي ذٰلِكَ؟
ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً مُتَوَاضِعَةً، لَيْسَتْ ابْتِسَامَةَ مَنْ لَا يَثِقُ بِعَمَلِهِ، بَلْ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الجَوَابَ لَيْسَ لَهُ:
ـ لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. وَهٰذَا لَيْسَ تَوَاضُعًا مُصْطَنَعًا. هٰذَا قَرَارٌ يَتَّخِذُهُ مَنْ سَيَأْتِي بَعْدِي، لَا أَنَا. كُلُّ مَا أَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ هُوَ أَنْ أَبْذُلَ جُهْدِي بِأَقْصَى أَمَانَةٍ مُمْكِنَةٍ، ثُمَّ أَتْرُكَ البَاقِيَ لِمَنْ سَيَحْمِلُونَ الذَّاكِرَةَ بَعْدِي. التِّلْمِيذُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا وَيَقْرَأُ مَا كَتَبْتُهُ، إِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَنْفَعُهُ وَيُرْشِدُهُ، فَقَدْ نَجَحْتُ. وَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، فَقَدْ كُنْتُ أَنَا التَّقْلِيدَ المَيِّتَ الَّذِي تَحَدَّثْنَا عَنْهُ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى البُرْكَةِ، الَّتِي كَانَتْ تَعْكِسُ السَّمَاءَ بِهُدُوءٍ لَمْ يَتَزَعْزَعْ مُنْذُ دَخَلَ هٰذِهِ الحَدِيقَةَ. فَكَّرَ فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي يَفْعَلُهَا هُوَ فِي حَيَاتِهِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ سَبَبِهَا. عَادَاتٌ وَرِثَهَا، كَلِمَاتٌ يُكَرِّرُهَا، طُرُقٌ فِي التَّفْكِيرِ تَبْدُو طَبِيعِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يُجَرِّبْ سِوَاهَا. كَمْ مِنْهَا خَيْزَرَانٌ حَيٌّ وَكَمْ مِنْهَا قِشْرَةٌ فَارِغَةٌ؟
ثُمَّ فَكَّرَ فِي اليَوْمِ المَفْقُودِ. رُبَّمَا السُّؤَالُ لَمْ يَكُنْ دَائِمًا «مَاذَا حَدَثَ؟» رُبَّمَا السُّؤَالُ الأَعْمَقُ هُوَ: «مَا الَّذِي يَعْنِيهِ أَنْ يَكُونَ هٰذَا اليَوْمُ جُزْءًا مِنْ قِصَّتِي، سَوَاءٌ تَذَكَّرْتُهُ أَمْ لَا؟»
بَدَأَتِ الحَدِيقَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، أَشْجَارُ الخَيْزَرَانِ تُصْبِحُ خُطُوطًا خَضْرَاءَ خَافِتَةً ثُمَّ تَخْتَفِي، وَالبُرْكَةُ تَتَوَقَّفُ عَنْ عَكْسِ السَّمَاءِ كَأَنَّهَا أَغْلَقَتْ عَيْنَيْهَا. لٰكِنَّ الفَيْلَسُوفَ لَمْ يَتَحَرَّكْ، بَقِيَ جَالِسًا بِذٰلِكَ الظَّهْرِ المُسْتَقِيمِ، يَحْمِلُ كِتَابَهُ الخَيْزَرَانِيَّ، حَتَّى صَارَ هُوَ الآخَرُ مُجَرَّدَ ذَاكِرَةٍ فِي ذَاكِرَةٍ.
عَادَ سَامِرُ إِلَى الرَّوَاقِ. العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، كَعَادَتِهِ، بِلَا تَوَتُّرِ الانتِظَارِ وَلَا مَلَلِ الانتِظَارِ، كَأَنَّهُ بِبَسَاطَةٍ جُزْءٌ مِنَ المَكَانِ لَا زَائِرٌ عَلَيْهِ.
بِجَانِبِ العَجُوزِ، بَابٌ جَدِيدٌ. عَلَيْهِ نَقْشٌ لِتَقْوِيمٍ دَائِرِيٍّ مُعَقَّدٍ، حَلَقَاتٌ دَاخِلَ حَلَقَاتٍ، كَأَنَّ الزَّمَنَ يُشْرَحُ فِيهِ لِمَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَقْرَأُ دَوَائِرَ لَا خُطُوطًا مُسْتَقِيمَةً.
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ تَحْمِلُ صَوْتَ امْرَأَةٍ تَنْظُرُ إِلَى الزَّمَنِ نَفْسِهِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَمَّا اعْتَدْتَ عَلَيْهِ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى التَّقْوِيمِ الدَّائِرِيِّ عَلَى البَابِ. فِي يَدِهِ، لَا يَزَالُ اللَّوْحُ الطِّينِيُّ الفَارِغُ. وَفِي رَأْسِهِ، سُؤَالُ الفَيْلَسُوفِ لَا يَزَالُ يُرَدِّدُ نَفْسَهُ: هَلْ يُمْكِنُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَبْنِيَ مَعْنًى لِشَيْءٍ لَا يَعْرِفُ شَكْلَهُ؟
ثُمَّ خَطَا نَحْوَ البَابِ، فَتَحَهُ بِهُدُوءٍ يُشْبِهُ هُدُوءَ الحَدَائِقِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا تَوًّا.
