مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفصل السابع والعشرون – الفتاةُ الهندوسيّةُ – بَنَارَس — عامُ ألفٍ وتسعمائةٍ للميلاد
________________________________________
لَمْ تَكُنِ القاعةُ هذهِ المرّةَ قاعةً بِالمعنى الحَرفيِّ الّذي اعتادَهُ سامِرٌ في رِحلتِهِ الغريبةِ تلكَ.
لَمْ تَكُنْ جُدرانًا أو سَقْفًا أو بابًا.
كانَتْ سَماءً فاتِحةً تَسكُنُها أوّلُ خُيوطِ الفَجرِ، وكانَتْ دَرَجاتٍ حَجريّةً قديمةً تَنزِلُ بِرِفقٍ نحوَ نَهرٍ عَريضٍ يَجري في هُدوءٍ مَهيبٍ، كأنَّهُ يَعرِفُ سِرًّا لا يَقدِرُ أَحَدٌ مِنَ الواقِفينَ على ضِفافِهِ أَنْ يُدرِكَهُ كاملًا.
وكانَتِ الضِّفّةُ تَعُجُّ بِأَجسادٍ بَشَريّةٍ تُؤَدِّي طُقوسَها الصَّباحيّةَ في تَناغُمٍ صامِتٍ: شُيوخٌ يَغمُرونَ وُجوهَهُمْ بِالماءِ وأَفواهُهُمْ تُرَدِّدُ ألفاظًا مُقَدَّسةً، ونِساءٌ يُزهِرْنَ الأَرضَ بِبَتَلاتِ الياسَمينِ والأَقحوانِ، وأطفالٌ يَعدونَ فَرِحينَ على الدَّرَجاتِ الرَّطبةِ كأنَّ العالَمَ لا يَحمِلُ هَمًّا.
وفي مَكانٍ مُنعَزِلٍ نِسبيًّا، بَعيدٍ عَنِ الحَشدِ بِما يَكفي لِتُسمَعَ فيهِ الأَفكارُ قَبلَ الكَلامِ، كانَتْ تَجلِسُ فَتاةٌ في السّادِسةَ عَشرةَ مِنْ عُمرِها.
لَمْ تَكُنْ تُصَلِّي.
لَمْ تَكُنْ تَغمِسُ يَدَيها في الماءِ.
كانَتْ تُراقِبُ النَّهرَ فَحَسبُ، بِعَينَينِ هادِئَتَينِ تَحمِلانِ مِنَ الوَقارِ ما لا تَحمِلُهُ عادةً عُيونُ مَنْ في سِنِّها.
________________________________________
اقتَرَبَ سامِرٌ بِخُطواتٍ حَذِرةٍ كَمَنْ يَخشى أَنْ يَكسِرَ شَيئًا شَفّافًا لا يَراهُ، وحينَ صارَ قَريبًا منها بما يَكفي لِيُشعِرَها بِوُجودِهِ دونَ أَنْ يُفاجِئَها، قالَ بِصَوتٍ خَفيضٍ:
ـ مَرحَبًا.
ثُمَّ تَوَقَّفَ، وكأنَّهُ لا يَعرِفُ بِماذا يُكمِلُ.
ـ هَلْ أنتِ مِنَ القَريةِ المُجاوِرةِ؟
اِلتَفَتَتِ الفَتاةُ إليهِ بِبُطءٍ لا يَنُمُّ عَنِ انزِعاجٍ، فابتَسَمَتِ ابتِسامةً هادِئةً تَفوقُ سِنَّها بِسَنواتٍ طَويلةٍ.
ـ لا.
قالَتْها بِبَساطةٍ تامّةٍ ثُمَّ صَمَتَتْ لَحظةً قَبلَ أَنْ تُتابِعَ:
ـ أَنا مِنْ هُنا، لكِنَّني لَستُ مِنْ هذِهِ القَريةِ بِالضَّبطِ.
نَظَرَتْ إلى النَّهرِ مَرَّةً ثانيةً، ثُمَّ قالَتْ بِنَبرةٍ لا تَحمِلُ تَعالِيًا ولا تَصَنُّعًا:
ـ اِسمي… حَسنًا، اِسمي في هذِهِ الحَياةِ لَيسَ مُهِمًّا كَثيرًا.
تَوَقَّفَتْ، وكأنَّها تَزِنُ الكَلِماتِ بِمِيزانٍ دَقيقٍ:
ـ ما يُهِمُّني أَكثَرُ هُوَ ما أَتَذَكَّرُهُ مِنْ حَياتٍ سابِقةٍ.
________________________________________
شَعَرَ سامِرٌ بِدَهشةٍ حَقيقيّةٍ تَشقُّ طَريقَها رُغمَهُ.
كانَ يَتَوَقَّعُ أَشياءً كَثيرةً في هذِهِ القاعاتِ الغَريبةِ، لكنَّ فَتاةً في السّادِسةَ عَشرةَ تَتَحَدَّثُ عَنِ الذَّاكِرةِ العابِرةِ لِلحَياتِ بِهذِهِ الطَّبيعيّةِ، كمَنْ يَتَحَدَّثُ عَنِ الطَّقسِ أوِ الفاكِهةِ، لَمْ يَكُنْ هذا في حُسبانِهِ تَمامًا.
ـ تَتَذَكَّرينَ حَياتٍ سابِقةً؟
قالَها وفي صَوتِهِ شيءٌ بَينَ السُّؤالِ والتَّأكيدِ.
ـ بِهذا الوُضوحِ؟
أَومَأَتِ الفَتاةُ بِرَأسِها بِبَساطةٍ طِفوليّةٍ مُدهِشةٍ، كطِفلٍ يُجيبُ عَنْ سُؤالٍ يَعتَبِرُهُ بَديهيًّا:
ـ نَعَمْ.
ثُمَّ أَضافَتْ دونَ تَردُّدٍ:
ـ مُنذُ كُنتُ صَغيرةً جِدًّا، كُنتُ أَتَحَدَّثُ عَنْ أَشياءَ لَمْ أَعِشْها في هذِهِ الحَياةِ: بَيتٌ في مَدينةٍ بَعيدةٍ لَمْ أَزُرْها قَطُّ، وزَوجٌ لَمْ أَتَزَوَّجْهُ في هذِهِ الحَياةِ، وحَتّى مَوتي السّابِقُ، غَرَقًا في نَهرٍ آخَرَ، في مَكانٍ آخَرَ، في وَقتٍ لَمْ أُولَدْ فيهِ بَعدُ.
________________________________________
قالَ سامِرٌ، وفي صَوتِهِ تَرَدُّدٌ مَشروعٌ:
ـ كَيفَ عَرَفَ النّاسُ أَنَّ هذِهِ لَيسَتْ مُجَرَّدَ خَيالاتِ طُفولةٍ؟
اِبتَسَمَتِ الفَتاةُ ابتِسامةَ مَنْ يَنتَظِرُ هذا السُّؤالَ بِالذّاتِ:
ـ تَحَقَّقَتْ عائِلَتي مِنْ بَعضِ التَّفاصيلِ الّتي ذَكَرتُها: اِسمُ القَريةِ، وأَسماءُ بَعضِ الأَشخاصِ، وحَتّى مَوقِعُ مَنزِلٍ بِعَينِهِ.
نَظَرَتْ إليهِ بِعَينَينِ صافِيَتَينِ:
ـ وَجَدوا أَنَّ هذِهِ التَّفاصيلَ تُطابِقُ حَياةَ اِمرَأةٍ حَقيقيّةٍ ماتَتْ قَبلَ سَنَواتٍ قَليلةٍ مِنْ وِلادَتي، في قَريةٍ بَعيدةٍ لَمْ تَطَأها قَدَمايَ في هذِهِ الحَياةِ أَبَدًا.
صَمَتَ سامِرٌ.
لَمْ يَكُنِ الصَّمتُ مِنَ الاِقتِناعِ التّامِّ، ولا مِنَ الرَّفضِ القاطِعِ.
كانَ مِنَ الاِنتِباهِ.
كانَ مِنَ الشُّعورِ بِأَنَّ شَيئًا ما في هذِهِ الجُملةِ الأَخيرةِ يَلمِسُ حافَّةَ سُؤالٍ يَحمِلُهُ هُوَ أيضًا، مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ، دونَ أَنْ يَعرِفَ كَيفَ يُصيغُهُ.
قالَ أَخيرًا، وفي صَوتِهِ شيءٌ مِنَ الاِعترافِ:
ـ هذا… صَعبُ التَّصديقِ بِالنِّسبةِ لي.
ثُمَّ أَضافَ بِأَمانةٍ:
ـ أَنا آتٍ مِنْ ثَقافةٍ لا تُؤمِنُ عادةً بِمِثلِ هذِهِ الأَفكارِ.
________________________________________
أَومَأَتِ الفَتاةُ بِرَأسِها بِتَفَهُّمٍ حَقيقيٍّ، لا بِالتَّفَهُّمِ الّذي يَتَرَبَّصُ خَلفَهُ الإِقناعُ القَسريُّ:
ـ أَعرِفُ أَنَّ ثَقافاتٍ كَثيرةً لا تُؤمِنُ بِالتَّقَمُّصِ، وهذا لا بَأسَ بِهِ.
ثُمَّ قالَتْ بِوُضوحٍ نادِرٍ:
ـ لكِنَّني أُخبِرُكَ بِتَجرِبَتي الشَّخصيّةِ، كَما عِشتُها أَنا، لا كَنَظَريّةٍ فَلسَفيّةٍ مُجَرَّدةٍ أُحاوِلُ إِقناعَكَ بِها.
وفي هذِهِ الجُملةِ، بِالذّاتِ، شَعَرَ سامِرٌ بِشيءٍ يَشبِهُ الاِطمِئنانَ.
كانَ يَخشى أَنْ يَجِدَ في هذِهِ القاعةِ مَنْ يَدفَعُهُ نَحوَ يَقينٍ لا يَملِكُهُ.
لكِنَّ هذِهِ الفَتاةَ لَمْ تَدفَعْهُ.
كانَتْ تَعرِضُ، ببَساطةٍ، وتَترُكُهُ يَختارُ.
________________________________________
سَألَها:
ـ هَلْ تَتَذَكَّرينَ كُلَّ تَفاصيلِ تِلكَ الحَياةِ السّابِقةِ؟
هَزَّتْ رَأسَها بِنَفيٍ حازِمٍ:
ـ لا.
ثُمَّ بَحَثَتْ عَنِ الكَلِماتِ الصَّحيحةِ:
ـ أَتَذَكَّرُ شَظايا فَقَط.
وَقَفَتْ عِندَ هذِهِ الكَلِمةِ لَحظةً، ثُمَّ أَكمَلَتْ:
ـ صُوَرٌ مُتَناثِرةٌ، مَشاعِرُ قَويّةٌ أَحيانًا دونَ سِياقٍ كامِلٍ واضِحٍ.
نَظَرَتْ إليهِ وقالَتْ:
ـ تَمامًا مِثلَما تَتَذَكَّرُ أَنتَ أَحيانًا حُلمًا قَويًّا عِشتَهُ بِكُلِّ تَفاصيلِهِ لَيلًا، لكِنَّكَ تَجِدُ نَفسَكَ صَباحًا تُمسِكُ بِأَطرافِهِ دونَ أَنْ تَقدِرَ على تَجميعِهِ كاملًا.
________________________________________
شَعَرَ سامِرٌ بِفِكرةٍ تَتَشَكَّلُ في رَأسِهِ ببُطءٍ، مِثلَ دُخانٍ يَتَكَثَّفُ شيئًا فَشيئًا حَتّى يَغدوَ شَيئًا مَرئيًّا.
قالَ:
ـ هذا يُشبِهُ يَومي المَفقودَ بِطَريقةٍ غَريبةٍ.
توقَّفَ، يَبحَثُ عَنِ الوَصفِ الدَّقيقِ:
ـ ذِكرى مَوجودةٌ بِشَكلٍ ما، لكنَّها غَيرُ مُكتَمِلةٍ، غَيرُ واضِحةٍ تَمامًا، كَشيءٍ خَلفَ زُجاجٍ ضَبابيٍّ، تَعرِفُ أَنَّهُ مَوجودٌ لكِنَّكَ لا تَستَطيعُ أَنْ تَرى مَلامِحَهُ.
نَظَرَتْ إليهِ الفَتاةُ بِاهتِمامٍ حَقيقيٍّ:
ـ رُبَّما هذا أَحَدُ أَسبابِ وُصولِكَ إلى هذِهِ القاعةِ بِالذّاتِ.
ثُمَّ قالَتْ بِنَبرةٍ تَحمِلُ سُؤالًا أَعمَقَ مِنْ كَلِماتِها الحَرفيّةِ:
ـ دَعني أَسأَلُكَ شَيئًا: هَلْ تَشعُرُ أَحيانًا بِمَشاعِرَ قَويّةٍ تُجاهَ أَشياءَ لا تَفهَمُ مَصدَرَها؟
لَمْ تَنتَظِرْ كَثيرًا، وأَردَفَتْ:
ـ خَوفٌ مِنْ شيءٍ لَمْ يَحدُثْ لَكَ، اِنجِذابٌ غَريبٌ نَحوَ مَكانٍ لَمْ تَزُرْهُ مِنْ قَبلُ، شُعورٌ بِأَنَّكَ “تَعرِفُ” شَخصًا مَا رُغمَ أَنَّكُما اِلتَقَيتُما لِلتَّوِّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ؟
فَكَّرَ سامِرٌ طَويلًا.
لَمْ يُعَجِّلْ بِالإِجابةِ.
كانَ يَعرِفُ أَنَّ الإِجابةَ السَّريعةَ في مِثلِ هذِهِ الأَسئِلةِ تَأتي عادةً مِنَ السَّطحِ، لا مِنَ الأَعماقِ الّتي تَستَحِقُّها.
قالَ أَخيرًا:
ـ نَعَمْ.
ثُمَّ أَضافَ بِشيءٍ يُشبِهُ الاِعترافَ الهادِئَ:
ـ في الواقِعِ، يَحدُثُ هذا أَحيانًا.
ثُمَّ بَعدَ لَحظةٍ:
ـ لَمْ أُفَكِّرْ فيهِ بِجِدِّيَّةٍ مِنْ قَبلُ.
________________________________________
أَومَأَتِ الفَتاةُ بِفَهمٍ عَميقٍ، كَمَنْ سَمِعَ ما كانَ يَتَوَقَّعُهُ:
ـ في فَلسَفَتِنا، نُؤمِنُ أَنَّ هذِهِ المَشاعِرَ قَد تَكونُ أَثَرًا لِذاكِرةٍ مِنْ حَياتٍ سابِقةٍ، حَتّى لَو لَمْ تَصِلْ إلى وَعيِنا الكامِلِ بِوُضوحٍ.
ثُمَّ قالَتْ ما يَبدو لَها ضَروريًّا:
ـ لَيسَتْ كُلُّ ذاكِرةٍ يَجِبُ أَنْ تَكونَ واضِحةً وكامِلةً لِتَكونَ حَقيقيّةً ومُؤَثِّرةً في حَياتِكَ.
وَضَعَتْ كَفَّها على رُكبَتِها وتَابَعَتْ:
ـ البَذرةُ المَدفونةُ في الأَرضِ لا تَرى الشَّمسَ، لكِنَّها تَنمو نَحوَها رُغمَ ذلكَ.
ـ كَيفَ يُساعِدُني هذا في فَهمِ يَومي المَفقودِ تَحديدًا؟
فَكَّرَتِ الفَتاةُ طَويلًا قَبلَ أَنْ تُجيبَ، وكانَ الصَّمتُ أَثناءَ تَفكيرِها صَمتًا جادًّا لا يَتَزَيَّنُ بِالتَّأَمُّلِ الاِستِعراضيِّ:
ـ لا أَعرِفُ بِاليَقينِ إِنْ كانَ يَومُكَ المَفقودُ مُتَعَلِّقًا بِشيءٍ أَعمَقَ مِنْ حَياةٍ واحِدةٍ.
قالَتْها بِأَمانةٍ تامّةٍ:
ـ هذا سُؤالٌ صَعبٌ لا أَملِكُ إِجابةً يَقينيّةً عَنهُ بِخُصوصِ حالَتِكَ تَحديدًا.
ثُمَّ انتَصَبَتْ في جِلسَتِها قَليلًا:
ـ لكِنَّني أَستَطيعُ أَنْ أُقَدِّمَ لَكَ مَنظَورًا مُختَلِفًا: ماذا لَو أَنَّ الحَياةَ، أَوِ الوَعيَ، أَكبَرُ بِكَثيرٍ مِمّا نَظُنُّهُ عادةً؟
نَظَرَتْ إلى النَّهرِ للَحظةٍ ثُمَّ أَعادَتْ عَينَيها إليهِ:
ـ وَعيٌ يَمتَدُّ عَبرَ حُدودٍ لا نَراها بِوُضوحٍ، سَواءٌ كانَتْ حُدودَ وِلادَتِنا ومَوتِنا الحاليِّ، أَوْ حُدودَ ذاكِرَتِنا الواعِيةِ المُباشِرةِ.
________________________________________
قالَ سامِرٌ، وفي صَوتِهِ شيءٌ يُشبِهُ الاِعتِراضَ المُتَرَدِّدَ:
ـ هذا يَجعَلُ المَشكِلةَ تَبدو أَكبَرَ.
ثُمَّ أَضافَ:
ـ لا أَصغَرَ.
اِبتَسَمَتِ الفَتاةُ ابتِسامةً حَكيمةً تَعرِفُ أَنَّها سَمِعَتْ هذا الاِعتِراضَ مِنْ قَبلُ، ومِنْ أَشخاصٍ أَكبَرَ مِنها سِنًّا بِكَثيرٍ:
ـ رُبَّما.
قالَتْها دونَ دِفاعٍ.
ثُمَّ أَكمَلَتْ بِهُدوءٍ:
ـ لكِنْ أَحيانًا جَعلُ المُشكِلةِ أَكبَرَ يَجعَلُها أَيضًا أَخَفَّ وَزنًا على كاهِلِكَ أَنتَ بِالذّاتِ.
نَظَرَتْ إليهِ مُباشِرةً:
ـ لَو كانَ يَومُكَ المَفقودُ مُجَرَّدَ فُجوةٍ في وَعيِكَ الفَردِيِّ الضَّيِّقِ، فَهُوَ يَقَعُ بِالكامِلِ على كاهِلِكَ أَنتَ وَحدَكَ لِتَحُلَّهُ أَو تَتَقَبَّلَهُ.
ثُمَّ مَدَّتْ يَدَها ببُطءٍ وأَشارَتْ إلى النَّهرِ الواسِعِ أَمامَهُما:
ـ لكِنْ لَو نَظَرتَ إليهِ كَجُزءٍ مِنْ نَسيجِ وَعيٍ أَوسَعَ بِكَثيرٍ، مِثلَ هذا النَّهرِ الّذي يَحمِلُ ماءَ أَمطارٍ لا تَعرِفُ عَدَدَها ولا أَصلَها، فَرُبَّما لَستَ وَحدَكَ مَنْ يَحمِلُ ثِقلَ تِلكَ الفُجوةِ.
________________________________________
جَلَسَ سامِرٌ في الصَّمتِ لَحظةً أَطوَلَ مِمّا اعتادَ.
كانَ هناكَ شيءٌ في هذِهِ الفِكرةِ يَجعَلُ شَيئًا ما في صَدرِهِ يَتَّسِعُ قَليلًا، كَنافِذةٍ تُفتَحُ في غُرفةٍ ظَلَّتْ مُغلَقةً طَويلًا.
قالَ:
ـ هذا مَنظَرٌ مُريحٌ بِطَريقةٍ غَريبةٍ.
أَومَأَتِ الفَتاةُ بِرَأسِها، ونَظرةُ عَينَيها تَحمِلُ حِكمةً تَفوقُ سِنَّها بِمَراحِلَ:
ـ هذا أَحَدُ أَسبابِ إيمانِنا بِالتَّقَمُّصِ، في الحَقيقةِ.
وَقَفَتْ عِندَ هذِهِ الجُملةِ ثُمَّ أَكمَلَتْ:
ـ لَيسَ فَقَطْ لِتَفسيرِ حَياتِنا الحاليّةِ أَو تَبريرِها، بَلْ لِتَذكيرِنا أَنَّنا جُزءٌ مِنْ شيءٍ أَكبَرَ بِكَثيرٍ، يَمتَدُّ عَبرَ الزَّمَنِ، يَتَجاوَزُ حُدودَ حَياةٍ واحِدةٍ وَحيدةٍ مَحدودةٍ.
________________________________________
قبلَ أَنْ يَقومَ، أَرادَ سامِرٌ أَنْ يَسألَ سُؤالًا ظَلَّ يُراوِدُهُ مُنذُ بَدأتِ المُحادَثةُ.
قالَ:
ـ هَلْ تَخافينَ المَوتَ؟
ثُمَّ أَضافَ وفي صَوتِهِ فُضولٌ صادِقٌ لا استِفزازَ فيهِ:
ـ بِما أَنَّكِ تُؤمِنينَ بِحَياةٍ أُخرى تَليها؟
فَكَّرَتِ الفَتاةُ طَويلًا.
لَمْ تُعَجِّلْ بِالإِجابةِ المُريحةِ.
ثُمَّ قالَتْ، ونَظرةٌ جادَّةٌ حَلَّتْ في عَينَيها الطِّفوليَّتَينِ:
ـ أَخافُ بِطَريقةٍ مُختَلِفةٍ عَنْ أَغلَبِ النّاسِ، رُبَّما.
صَمَتَتْ ثُمَّ أَكمَلَتْ:
ـ لا أَخافُ مِنْ نِهايةِ الوُجودِ تَمامًا، لأَنَّني لا أُؤمِنُ أَنَّ المَوتَ نِهايةٌ كامِلةٌ وأَبَديّةٌ.
ثُمَّ قالَتْ بِصَدقٍ لا يَحتاجُ إلى تَزيينٍ:
ـ لكِنَّني أَخافُ مِنْ فَقدانِ مَنْ أُحِبُّهُمْ في هذِهِ الحَياةِ بِالذّاتِ، مِنْ تَركِ أَعمالٍ لَمْ أُكمِلْها بَعدُ، مِنَ اللَّحظاتِ الّتي لَنْ تَتَكَرَّرَ بِنَفسِ أَشخاصِها وبِنَفسِ مَلامِحِها.
نَظَرَتْ إليهِ مُباشِرةً:
ـ الخَوفُ يَتَغَيَّرُ شَكلُهُ، لكِنَّهُ لا يَختَفي تَمامًا.
ثُمَّ أَضافَتْ بِنَبرةٍ مُتَّزِنةٍ:
ـ حَتّى مَعَ إيمانٍ عَميقٍ.
________________________________________
شَعَرَ سامِرٌ بِصِدقِ هذِهِ الإِجابةِ يَسكُنُ فيهِ بِهُدوءٍ.
لَمْ تَكُنِ الإِجابةَ الّتي تَعِدُكَ بِأَنَّ الإيمانَ يَمحو الخَوفَ.
كانَتِ الإِجابةَ الّتي تَقولُ إِنَّ الإيمانَ يُغَيِّرُ وَجهَ الخَوفِ، لكِنَّهُ لا يَدَّعي أَنَّهُ يُلغيهِ.
وهذا، في رَأيِ سامِرَ، كانَ أَكثَرَ إِقناعًا مِنْ كُلِّ الوُعودِ الكامِلةِ.
قالَ:
ـ شُكرًا لَكِ على صَراحَتِكِ.
اِبتَسَمَتِ الفَتاةُ ابتِسامةً أَخيرةً، وعادَتْ عَيناها إلى النَّهرِ الجارِي أَمامَها كَمَنْ يَعودُ إلى حَديثٍ كانَ يَجري قَبلَ أَنْ يَأتيَ سامِرٌ، وسَيَستَمِرُّ بَعدَ أَنْ يَرحَلَ.
قالَتْ دونَ أَنْ تَلتَفِتَ إليهِ:
ـ اِذهَبْ الآنَ، يا سامِرُ.
ثُمَّ بَعدَ لَحظةٍ:
ـ وَاحمِلْ مَعَكَ هذا: رُبَّما يَومُكَ المَفقودُ لَيسَ فُجوةً مَعزولةً في حَياةٍ واحِدةٍ ضَيِّقةٍ، بَلْ جُزءٌ مِنْ نَسيجٍ أَوسَعَ بِكَثيرٍ مِمّا تَتَخَيَّلُ.
________________________________________
بَدَأَتْ ضِفَّةُ النَّهرِ المُقَدَّسِ تَتَلاشى ببُطءٍ مَهيبٍ.
الطُّقوسُ البَعيدةُ، وأَصواتُ المُصَلِّينَ، وبَتَلاتُ الزُّهورِ العائِمةُ على السَّطحِ، والفَتاةُ الّتي تُراقِبُ النَّهرَ بِعَينَينِ تَعرِفانِ ما لا يَعرِفُهُ النَّهرُ عَنْ نَفسِهِ.
كُلُّ هذا تَلاشى.
حَتّى عادَ سامِرٌ إلى الرَّواقِ المُعتادِ.
________________________________________
كانَ العَجوزُ يَنتَظِرُهُ إلى جانِبِ بابٍ جَديدٍ.
لكِنَّ هذا البابَ كانَ مُختَلِفًا.
كانَ يَحمِلُ نَقشًا لِصَليبٍ مُحاطٍ بِشُعلةٍ، لكِنْ بِطَريقةٍ مُشَوَّهةٍ وقاسِيةٍ تَختَلِفُ عَنْ كُلِّ النُّقوشِ الّتي رَآها سامِرٌ مِنْ قَبلُ، كَمَنْ رَسَمَ الرَّمزَ ذاتَهُ لكِنَّ يَدَهُ كانَتْ مَشدودةً بِشيءٍ يُشبِهُ اليَقينَ الّذي لا يَرحَمُ.
قالَ العَجوزُ بِنَبرةٍ لا تُخفي تَحذيرًا حَقيقيًّا:
ـ القاعةُ التّاليةُ صَعبةٌ، يا سامِرُ.
ثُمَّ أَضافَ:
ـ صَعبةٌ بِطَريقةٍ مُختَلِفةٍ عَنْ سابِقاتِها.
نَظَرَ إلى البابِ المُشَوَّهِ، ثُمَّ عادَ بِعَينَيهِ إلى سامِرَ:
ـ سَتُقابِلُ رَجُلًا فَعَلَ شَيئًا مَروِّعًا.
وَقَفَ عِندَ هذِهِ الكَلِمةِ ثُمَّ أَكمَلَها:
ـ فَعَلَهُ باسمِ إيمانٍ كانَ يُؤمِنُ، بِصِدقٍ مُضَلَّلٍ، أَنَّهُ يَخدُمُ بِهِ الخَيرَ.
________________________________________
