مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّلَاثُونَ – الطِّفْلُ المُتَصَوِّفُ – الطِّفْلُ المُتَصَوِّفُ (ذَكَرٌ، اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً) | مَرَّاكُشُ، 1300 م –
«هَلِ الطِّفْلُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ بَعْدُ؟»
——————————–
كَانَتِ الْقَاعَةُ الْأَخِيرَةُ فِي هٰذَا الْمِحْوَرِ فِنَاءً بَسِيطاً، تُزَيِّنُهُ فُسَيْفِسَاءُ زَرْقَاءُ وَخَضْرَاءُ، مُتَدَاخِلَةٌ كَخُيُوطِ حِكَايَةٍ قَدِيمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ بِدَايَتَهَا. نَافُورَةٌ صَغِيرَةٌ تَنْبُضُ بِالْمَاءِ بِهُدُوءٍ، كَأَنَّهَا قَلْبٌ يَخْفِقُ فِي صَدْرِ الْمَكَانِ. وَفِي وَسَطِهَا صَبِيٌّ فِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، يَجْلِسُ بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ لَا يُلَائِمُ طِفْلاً بِهٰذَا السِّنِّ، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ نَظْرَةً عَمِيقَةً، كَمَنْ عَاشَ أَعْمَاراً كَثِيرَةً قَبْلَ أَنْ يُولَدَ فِي هٰذِهِ الْحَيَاةِ الْوَاحِدَةِ.
لَمْ يَكُنْ سَامِرٌ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَجِدَ فِي هٰذِهِ الزَّاوِيَةِ النَّائِيَةِ مِنَ الْمَتْحَفِ كَائِناً صَغِيراً يَحْمِلُ وَزْنَ الْعَالَمِ فِي نَظْرَتِهِ. فَكَّرَ فِي نَفْسِهِ: كَيْفَ تَكُونُ عَيْنَا طِفْلٍ أَعْمَقَ مِنْ عَيْنَيْ شَيْخٍ قَضَى عُمْرَهُ فِي التَّأَمُّلِ؟ وَلٰكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا سَيَتَعَلَّمُ أَنَّ الْعُمْقَ لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ السَّنَوَاتِ، بَلْ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَفِظُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ صِدْقٍ مَعَ ذَاتِهِ.
ـ أَهْلاً بِكَ. أَعْرِفُ أَنَّكَ جِئْتَ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْتَهُ. أَشْعُرُ بِهٰذَا قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ حَتَّى.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ تُشْبِهُ صَدْمَةَ مَنْ يُفَاجِئُهُ غَرِيبٌ بِمَعْرِفَةِ اسْمِهِ:
ـ كَيْفَ عَرَفْتَ هٰذَا؟
ابْتَسَمَ الصَّبِيُّ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً عَمِيقَةً، كَابْتِسَامَةِ مَنْ يَعْرِفُ سِرّاً قَدِيماً لَا يُعَكِّرُ صَفَاءَهُ أَنْ يُشَارِكَهُ مَعَ الْآخَرِينَ:
ـ لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ كَيْفَ أَعْرِفُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أَعْرِفُهَا. مُنْذُ صِغَرِي، أَرَى وَأَشْعُرُ بِأُمُورٍ لَا يَرَاهَا أَوْ يَشْعُرُ بِهَا مَنْ حَوْلِي، خَاصَّةً الْكِبَارُ. يَقُولُ النَّاسُ إِنَّنِي “مُتَصَوِّفٌ صَغِيرٌ”، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَفْهَمُ تَمَاماً مَاذَا يَعْنِي هٰذَا اللَّقَبُ الْكَبِيرُ. أَتَخَيَّلُ أَحْيَاناً أَنَّ الْكَلِمَةَ نَفْسَهَا أَكْبَرُ مِنِّي، كَقَمِيصٍ خِيطَ لِرَجُلٍ وَأَلْبَسُوهُ لِطِفْلٍ.
ـ مَاذَا تَشْعُرُ تِجَاهِي الْآنَ؟
فَكَّرَ الصَّبِيُّ طَوِيلاً، وَنَظْرَةٌ جِدِّيَّةٌ تَحُلُّ فِي عَيْنَيْهِ، كَمَنْ يُمْسِكُ خَيْطاً رَفِيعاً فِي الْهَوَاءِ وَيُحَاوِلُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ:
ـ أَشْعُرُ أَنَّكَ تَحْمِلُ سُؤَالاً كَبِيراً جِدّاً عَنْ نَفْسِكَ، عَنْ جُزْءٍ مِنْ مَاضِيكَ ضَائِعٍ. وَأَشْعُرُ أَيْضاً أَنَّكَ تَخَافُ أَنَّ هٰذَا الْجُزْءَ الضَّائِعَ يَجْعَلُكَ أَقَلَّ اكْتِمَالاً كَإِنْسَانٍ. كَأَنَّكَ مِرْآةٌ تَنَاثَرَتْ مِنْهَا قِطْعَةٌ صَغِيرَةٌ، وَصِرْتَ تَرَى وَجْهَكَ نَاقِصاً فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْظُرُ فِيهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِصَدْمَةٍ مِنْ دِقَّةِ هٰذَا الْوَصْفِ:
ـ هٰذَا دَقِيقٌ جِدّاً. كَيْفَ تَفْهَمُ هٰذَا، بِعُمْرِكَ الصَّغِيرِ؟
ابْتَسَمَ الصَّبِيُّ ابْتِسَامَةً حَكِيمَةً تَفُوقُ سِنَّهُ بِكَثِيرٍ، ابْتِسَامَةٌ لَوْ رَآهَا غَرِيبٌ مِنْ بَعِيدٍ لَظَنَّ أَنَّهَا عَلَى وَجْهِ شَيْخٍ، لَا وَجْهَ صَبِيٍّ:
ـ رُبَّمَا لِأَنَّنِي، كَطِفْلٍ، لَمْ أَتَعَلَّمْ بَعْدُ كُلَّ الْحَوَاجِزِ الَّتِي يَبْنِيهَا الْكِبَارُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فَهْمِهِمُ الْمُبَاشِرِ لِلْأَشْيَاءِ. أَنْتُمْ، الْكِبَارُ، تَتَعَلَّمُونَ مَعَ الْوَقْتِ أَنْ تُشَكِّكُوا فِي حَدْسِكُمْ، أَنْ تَطْلُبُوا أَدِلَّةً مَنْطِقِيَّةً لِكُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُخْفُوا مَشَاعِرَكُمْ خَلْفَ تَفْسِيرَاتٍ مُعَقَّدَةٍ. أَنَا لَمْ أَتَعَلَّمْ هٰذَا بَعْدُ، أَوْ رُبَّمَا لَمْ أَنْسَ بَعْدُ كَيْفَ أَرَى الْأَشْيَاءَ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ وَبَسِيطٍ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُوضِّحَ الْفِكْرَةَ بِمِثَالٍ مَلْمُوسٍ:
ـ تَخَيَّلْ أَنَّ الْعَقْلَ، حِينَ يُولَدُ، يُشْبِهُ صَحْنَ مَاءٍ صَافٍ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، يَعْكِسُ كُلَّ مَا حَوْلَهُ بِلَا تَشْوِيهٍ. ثُمَّ، مَعَ مُرُورِ السِّنِينِ، يَبْدَأُ النَّاسُ بِإِلْقَاءِ حِجَارَةٍ صَغِيرَةٍ فِي هٰذَا الصَّحْنِ: حِجَارَةُ الْخَوْفِ، وَحِجَارَةُ الْخَيْبَةِ، وَحِجَارَةُ مَا قَالَهُ الْآخَرُونَ عَنَّا فِي صِغَرِنَا. تَتَمَوَّجُ الْمِيَاهُ، وَيَصِيرُ الِانْعِكَاسُ مُشَوَّشاً، حَتَّى يَنْسَى الْإِنْسَانُ كَيْفَ كَانَ وَجْهُ الْحَقِيقَةِ قَبْلَ كُلِّ تِلْكَ الْحِجَارَةِ. وَأَنَا، رُبَّمَا، لَمْ تُلْقَ فِي صَحْنِي حِجَارَةٌ كَثِيرَةٌ بَعْدُ.
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هٰذَا يَجْعَلُكَ أَقْرَبَ إِلَى “الْحَقِيقَةِ”، كَمَا يَقُولُ لَقَبُكَ؟
فَكَّرَ الصَّبِيُّ طَوِيلاً، إِجَابَةٌ لَا تَخْلُو مِنْ تَوَاضُعٍ غَرِيبٍ لِطِفْلٍ صَغِيرٍ:
ـ لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَمْلِكُ حَقِيقَةً أَعْمَقَ مِنَ الْكِبَارِ، أَوْ فَقَطْ أَمْلِكُ طَرِيقَةً مُخْتَلِفَةً فِي رُؤْيَةِ الْأُمُورِ، أَقَلَّ تَعْقِيداً، أَقَلَّ تَشْوِيشاً بِطَبَقَاتِ التَّفْكِيرِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يُرَاكِمُهَا الْكِبَارُ عَبْرَ سَنَوَاتِ حَيَاتِهِمْ. رُبَّمَا الْحَقِيقَةُ لَيْسَتْ كَنْزاً يَمْلِكُهُ شَخْصٌ دُونَ آخَرَ، بَلْ هِيَ نَافِذَةٌ، وَكُلُّ مِنَّا يَنْظُرُ مِنْهَا بِزَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. زَاوِيَتِي قَدْ تَكُونُ أَوْسَعَ قَلِيلاً الْآنَ، لِأَنَّ السَّتَائِرَ لَمْ تُسْدَلْ عَلَيْهَا بَعْدُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفُضُولٍ عَمِيقٍ:
ـ هَلْ تَخَافُ أَنْ تَكْبَرَ، وَتَفْقِدَ هٰذِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الرُّؤْيَةِ الْمُبَاشِرَةِ؟
نَظَرَ الصَّبِيُّ بَعِيداً لِلَحْظَةٍ، وَحُزْنٌ صَغِيرٌ يَظْهَرُ فِي عَيْنَيْهِ، كَغَيْمَةٍ خَفِيفَةٍ تَعْبُرُ سَمَاءً صَافِيَةً:
ـ نَعَمْ، أَخَافُ مِنْ هٰذَا أَحْيَاناً. أَرَى كَيْفَ يَتَغَيَّرُ الْكِبَارُ مِنْ حَوْلِي مَعَ تَقَدُّمِهِمْ فِي السِّنِّ، كَيْفَ يُصْبِحُونَ أَكْثَرَ حَذَراً، أَكْثَرَ تَشَكُّكاً، أَحْيَاناً أَكْثَرَ تَعَباً مِنَ الْعَالَمِ بِشَكْلٍ عَامٍّ. كَأَنَّ كُلَّ سَنَةٍ تَمُرُّ تُضِيفُ طَبَقَةً مِنَ الزُّجَاجِ الْمُعَتَّمِ عَلَى نَظَّارَاتِهِمْ، حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِمُ الْأَمْرُ يَرَوْنَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ خِلَالِ ضَبَابٍ كَثِيفٍ، وَيَنْسَوْنَ أَنَّ هٰذَا الضَّبَابَ لَيْسَ جُزْءاً مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ نَظَّارَاتِهِمْ هُمْ. أَتَمَنَّى أَلَّا أَفْقِدَ هٰذِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الدَّهْشَةِ وَالرُّؤْيَةِ الْمُبَاشِرَةِ، لٰكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ ضَمَاناً بِذٰلِكَ.
ـ مَاذَا تَنْصَحُنِي أَنْ أَفْعَلَ، بِخُصُوصِ يَوْمِي الْمَفْقُودِ؟
فَكَّرَ الصَّبِيُّ طَوِيلاً، ثُمَّ أَجَابَ بِصِدْقٍ طُفُولِيٍّ عَمِيقٍ:
ـ رُبَّمَا، بَدَلاً مِنْ أَنْ تُحَاوِلَ أَنْ تَتَذَكَّرَ بِعَقْلِكَ الْكَبِيرِ الْمُعَقَّدِ، جَرِّبْ أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَكَ: مَاذَا كُنْتَ سَتَشْعُرُ تِجَاهَ هٰذَا الْفُقْدَانِ لَوْ كُنْتَ طِفْلاً صَغِيراً، بِلَا كُلِّ التَّعْقِيدَاتِ الَّتِي تَرَاكَمَتْ فِي عَقْلِكَ عَبْرَ سَنَوَاتِ حَيَاتِكَ؟ رُبَّمَا الْإِجَابَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَبْسَطُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُهُ عُقُولُكُمُ الْمُعَقَّدَةُ.
ـ كَيْفَ يَبْدُو هٰذَا عَمَلِيّاً؟ كَيْفَ أَصِلُ إِلَى تِلْكَ الْبَسَاطَةِ؟
ابْتَسَمَ الصَّبِيُّ ابْتِسَامَةً لَطِيفَةً، وَكَأَنَّهُ يُشَارِكُ سِرّاً صَغِيراً يَعْرِفُهُ كُلُّ الْأَطْفَالِ وَيَنْسَاهُ كُلُّ الْكِبَارِ:
ـ رُبَّمَا بِالسَّمَاحِ لِنَفْسِكَ أَنْ تَشْعُرَ، دُونَ أَنْ تُحَلِّلَ فَوْراً كُلَّ شُعُورٍ بِعَقْلِكَ الْمَنْطِقِيِّ الصَّارِمِ. حِينَ تَشْعُرُ بِحُزْنٍ أَوْ قَلَقٍ بِخُصُوصِ يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ، اسْمَحْ لِنَفْسِكَ فَقَطْ أَنْ تَحْزَنَ أَوْ تَقْلَقَ، دُونَ أَنْ تَسْأَلَ فَوْراً “لِمَاذَا؟” بِطَرِيقَةٍ قَهْرِيَّةٍ. تَخَيَّلِ الشُّعُورَ كَطَيْرٍ صَغِيرٍ حَطَّ عَلَى يَدِكَ: إِذَا حَاوَلْتَ أَنْ تُغْلِقَ قَبْضَتَكَ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ لِتَفْحَصَهُ، طَارَ وَهَرَبَ. وَلٰكِنْ إِذَا تَرَكْتَ يَدَكَ مَفْتُوحَةً، هَادِئَةً، رُبَّمَا بَقِيَ قَلِيلاً، وَأَخْبَرَكَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَكَ بِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. أَحْيَاناً، الشُّعُورُ نَفْسُهُ يَحْمِلُ حِكْمَةً أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ تَحْلِيلٍ عَقْلِيٍّ مُفَصَّلٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَلِينُ فِي دَاخِلِهِ عِنْدَ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ الْبَسِيطَةِ الْعَمِيقَةِ، كَجَلِيدٍ صَغِيرٍ بَدَأَ يَذُوبُ تَحْتَ شَمْسٍ خَافِتَةٍ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا:
ـ هٰذَا يَبْدُو سَهْلاً جِدّاً، لٰكِنَّهُ رُبَّمَا أَصْعَبُ مِمَّا يَبْدُو لِشَخْصٍ بِعُمْرِي.
أَوْمَأَ الصَّبِيُّ بِرَأْسِهِ بِتَفَهُّمٍ، كَمَنْ سَمِعَ هٰذِهِ الْجُمْلَةَ نَفْسَهَا مِرَاراً مِنْ زَائِرِينَ كِبَارٍ كَثِيرِينَ قَبْلَ سَامِرٍ:
ـ أَعْرِفُ. الْكِبَارُ غَالِباً يَجِدُونَ الْبَسَاطَةَ أَصْعَبَ بِكَثِيرٍ مِنَ التَّعْقِيدِ، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ. أَحْيَاناً أَتَخَيَّلُ أَنَّ الْكِبَارَ يُشْبِهُونَ رَجُلاً يَحْمِلُ حِمْلاً ثَقِيلاً عَلَى ظَهْرِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَتَّى نَسِيَ أَنَّ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يُلْقِيَهُ عَنْ كَتِفَيْهِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ. الْحِمْلُ نَفْسُهُ صَارَ جُزْءاً مِنْ هَوِيَّتِهِ، يَخَافُ أَنْ يَفْقِدَ شَيْئاً مِنْ نَفْسِهِ إِذَا تَخَلَّى عَنْهُ، رَغْمَ أَنَّ هٰذَا الْحِمْلَ هُوَ مَا يُتْعِبُهُ وَيُثْقِلُ خُطَاهُ. لٰكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ، يَا سَامِرُ، أَنْ تُعِيدَ الِاتِّصَالَ بِجُزْءٍ مِنْ تِلْكَ الْبَسَاطَةِ الطُّفُولِيَّةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَسْتَعِيدَهَا بِالْكَامِلِ أَبَداً.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى هٰذَا الطِّفْلِ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ، يُشْبِهُ إِعْجَابَ الرَّجُلِ الَّذِي يَكْتَشِفُ فَجْأَةً أَنَّ أَصْغَرَ النَّاسِ سِنّاً قَدْ يَحْمِلُ أَكْبَرَ الْأَجْوِبَةِ:
ـ شُكْراً لَكَ. أَنْتَ أَصْغَرُ مَنْ قَابَلْتُهُمْ فِي هٰذَا الْمَتْحَفِ، لٰكِنَّ كَلِمَاتِكَ مِنْ أَعْمَقِ مَا سَمِعْتُهُ.
ابْتَسَمَ الصَّبِيُّ ابْتِسَامَةً سَعِيدَةً طُفُولِيَّةً بَسِيطَةً، تَذَكَّرَ سَامِرٌ فَجْأَةً أَنَّهُ مَا زَالَ، رَغْمَ كُلِّ حِكْمَتِهِ، طِفْلاً حَقِيقِيّاً، لَهُ مَا لِلْأَطْفَالِ مِنْ شَوْقٍ إِلَى اللَّعِبِ وَالضَّحِكِ الْبَرِيءِ:
ـ هٰذَا لُطْفٌ مِنْكَ أَنْ تَقُولَهُ. الْآنَ، هَلْ تُرِيدُ أَنْ نَلْعَبَ قَلِيلاً قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ؟ حَتَّى الْحُكَمَاءُ الصِّغَارُ يُحِبُّونَ اللَّعِبَ أَحْيَاناً.
ضَحِكَ سَامِرٌ ضَحْكَةً حَقِيقِيَّةً، أَوَّلَ ضَحْكَةٍ كَامِلَةٍ مُنْذُ دُخُولِهِ الْمَتْحَفَ، كَأَنَّ شَيْئاً مَشْدُوداً فِي صَدْرِهِ مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِ ارْتَخَى دَفْعَةً وَاحِدَةً:
ـ بِالتَّأْكِيدِ.
لَعِبَا لِلَحَظَاتٍ قَصِيرَةٍ بِحِجَارَةٍ صَغِيرَةٍ بِجَانِبِ النَّافُورَةِ، بِلَا أَيِّ حَدِيثٍ عَمِيقٍ، فَقَطْ ضَحِكٌ بَسِيطٌ وَفَرَحٌ طُفُولِيٌّ عَابِرٌ، يَتَنَاثَرُ بَيْنَهُمَا كَرَذَاذِ النَّافُورَةِ نَفْسِهَا، قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الْقَاعَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ حَوْلَ سَامِرٍ، وَالصَّبِيُّ يُلَوِّحُ لَهُ بِيَدِهِ الصَّغِيرَةِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ، كَمَنْ يُوَدِّعُ صَدِيقاً قَدِيماً لَا غَرِيباً عَابِراً.
عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ الْمُعْتَادِ، شَاعِراً بِخِفَّةٍ غَرِيبَةٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ بِدَايَةِ رِحْلَتِهِ، كَمَنْ خَلَعَ، دُونَ أَنْ يَدْرِي كَيْفَ، شَيْئاً مِنَ الثِّقْلِ الَّذِي اعْتَادَ حَمْلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً دَافِئَةً نَادِرَةً، كَوَالِدٍ يَرَى ابْنَهُ يَعُودُ مِنْ سَفَرٍ طَوِيلٍ بِوَجْهٍ أَكْثَرَ هُدُوءاً مِمَّا غَادَرَ بِهِ:
ـ انْتَهَى الْمِحْوَرُ الثَّالِثُ الْآنَ، يَا سَامِرُ. عَشَرَةُ أَصْوَاتٍ إِيمَانِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَاماً، وَمَعَ ذٰلِكَ تَلْتَقِي جَمِيعُهَا، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، حَوْلَ نَفْسِ الْأَسْئِلَةِ الْجَوْهَرِيَّةِ. كَأَنَّ الْإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا، رَغْمَ اخْتِلَافِ لُغَاتِهَا وَمُعْتَقَدَاتِهَا، تَحْفِرُ نَفْسَ الْبِئْرِ مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ، عَلَّهَا تَصِلُ يَوْماً إِلَى نَفْسِ الْمَاءِ الصَّافِي فِي الْقَرَارِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْمُتَجَمِّعَةِ فِي الدُّرْجِ الْخَشَبِيِّ: اللَّوْحُ الطِّينِيُّ، الْحَجَرُ، قِطْعَةُ الزُّجَاجِ الْأُرْجُوَانِيَّةُ، كُلٌّ مِنْهَا يَحْمِلُ ذَاكِرَةَ صَوْتٍ سَمِعَهُ، وَوَجْهٍ لَنْ يَنْسَاهُ:
ـ مَاذَا بَعْدَ الْآنَ؟
ـ الْمِحْوَرُ الرَّابِعُ يَنْتَظِرُكَ: الْفَلْسَفَةُ وَالْفِكْرُ. اثْنَا عَشَرَ فَصْلاً مَعَ عُظَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ عَبْرَ التَّارِيخِ، مِنْ أَرِسْطُو إِلَى دِيكَارْتَ وَمَا بَعْدَهُمَا. هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِمُوَاصَلَةِ الرِّحْلَةِ؟
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ، شَعَرَ بِثِقَةٍ جَدِيدَةٍ بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ بِدَاخِلِهِ، كَجِذْرٍ صَغِيرٍ يَشُقُّ طَرِيقَهُ فِي تُرَابٍ كَانَ يَظُنُّهُ صَخْراً صُلْباً لَا يُمْكِنُ اخْتِرَاقُهُ:
ـ نَعَمْ. لِنُكْمِلِ.
