متحف الأيام المفقودة 33

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُون: شَارِحُ أَرِسطُو – (ابنُ رُشدٍ — اثنَانِ وَسِتُّونَ عَاماً | قُرطُبَة — سَنَةُ أَلفٍ وَمِئَةٍ وَتِسعِينَ مِيلَادِيَّة) – «العَقلُ الفَعَّالُ وَحُدُودُ الذَّاكِرَةِ الفَرديَّة»
________________________________________
كَانَت القَاعَةُ التَّالِيَةُ مَكتَبَةً وَاسِعَةً لَا يُدرِكُ البَصَرُ أَطرَافَهَا بِسُهُولَة.
تَمتَدُّ جُدرَانُهَا إِلَى ارتِفَاعٍ عَالٍ تُغَطِّيهِ رُفُوفٌ خَشَبِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ تَترَاصُّ عَلَيهَا مَخطُوطَاتٌ بِأَحجَامٍ وَأَلوَانٍ مُتَعَدِّدَة، بَعضُهَا مَلفُوفٌ بِجِلدٍ أَصفَرَ قَدِيمٍ وَبَعضُهَا مَكشُوفٌ تُطِلُّ مِنهُ كِتَابَاتٌ بِالعَرَبِيَّةِ وَاليُونَانِيَّةِ وَالعِبرِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ جَنباً إِلَى جَنب.
رَائِحَةُ الهَوَاءِ هُنَا مُختَلِفَةٌ تَمَاماً عَن الغَابَةِ الأَمَازُونِيَّة، رَائِحَةٌ مُعَتَّقَةٌ تَجمَعُ مَا بَينَ الوَرَقِ العَتِيقِ وَالحِبرِ الجَافِّ وَبَخُورٍ خَفِيفٍ يَتَصَاعَدُ مِن زَاوِيَةٍ بَعِيدَة، رَائِحَةٌ تَجعَلُ الفِكرَةَ نَفسَهَا تَبدُو شَيئاً مَادِيَّاً حَاضِراً فِي الهَوَاء.
وَفِي وَسَطِ هَذِهِ الغَابَةِ الوَرَقِيَّةِ الصَّامِتَة، جَلَسَ رَجُلٌ خَلفَ طَاوِلَةٍ كَبِيرَةٍ تَغرَقُ فِي فَوضَى مُنَظَّمَةٍ مِن التَّرجَمَاتِ وَالشُّرُوحَاتِ وَالهَوَامِشِ المَكتُوبَةِ بِخَطٍّ دَقِيقٍ مُتَسَارِع.
كَانَ فِي الثَّانِيَةِ وَالسِّتِّين، وَوَجهُهُ يَحمِلُ تَعَباً عَمِيقاً لَيسَ تَعَبَ جَسَدٍ مُنهَك، بَل تَعَبَ مَن يَحمِلُ فِي داخِلِهِ أَفكَاراً أَكثَرَ مِمَّا تَستَطِيعُ طَاوِلَةٌ وَاحِدَةٌ أَن تَستَوعِبَه.
لَكِنَّ عَينَيهِ، رَغمَ هَذَا التَّعَبِ كُلِّه، كَانَتَا مَا زَالَتَا مُتَّقِدَتَينِ بِفُضُولٍ فِكرِيٍّ حَادٍّ وَصَافٍ لَم تُطفِئهُ السِّنُونَ وَلَا الاتِّهَامَاتُ وَلَا حَرَائِقُ الكُتُب.
رَفَعَ بَصَرَهُ حِينَ رَأَى سَامِراً يَدخُل، وَأَشَارَ إِلَيهِ بِيَدٍ مُبتَسِمَةٍ لَا تَنتَظِرُ تَقدِيمَاً رَسمِيَّاً:
ـ أَهلاً بِك.
ثُمَّ أَلقَى نَظرَةً عَلَى طَاوِلَتِهِ الفَوضَوِيَّةِ وَأَضَاف:
ـ اعذُر مَا تَرَاهُ هُنَا مِن فَوضَى، فَأَنَا أَعمَلُ عَلَى شَرحٍ جَدِيدٍ لِأَرِسطُو، رَغمَ أَنَّ بَعضَهُم يُحَارِبُونَ كُلَّ مَا أَكتُبُهُ بِشَرَاسَةٍ لَا تَعرِفُ التَّعَب.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَعَينَاهُ تَتَجَوَّلَانِ بِدَهشَةٍ بَينَ الرُّفُوفِ الشَّاهِقَة:
ـ أَنَا سَامِر. سَمِعتُ اسمَكَ كَثِيراً، ابنَ رُشد. أَو كَمَا يَعرِفُكَ الغَربُ، أَفِيرُوس. شَارِحُ أَرِسطُو الأَعظَم.
ابتَسَمَ الرَّجُلُ ابتِسَامَةً مُتعَبَةً لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ لَا تَبحَثُ عَن إِطرَاء:
ـ هَذَا لَقَبٌ أَحمِلُهُ بِفَخرٍ حَقِيقِيّ، رَغمَ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعتُهُ مِن أَجلِه.
وَاستَقَرَّت عَينَاهُ عَلَى نُقطَةٍ بَعِيدَةٍ خَلفَ سَامِر، كَمَن يَرَى شَيئاً غَيرَ مَرئِيٍّ:
ـ حُرِقَت بَعضُ كُتُبِي، نُفِيتُ فَترَةً عَن قُرطُبَة، اتُّهِمتُ بِالزَّنَادَقَةِ مِن قِبَلِ مَن يَخشَونَ قُوَّةَ العَقلِ حِينَ يَتَجَرَّأُ عَلَى طَرحِ أَسئِلَةٍ عَمِيقَةٍ لَا يُرِيدُونَ لَهَا أَن تُطرَح.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ حَقِيقِيٍّ يَنبَعُ لَا مِن المُجَامَلَة:
ـ هَذَا يَبدُو ظَالِماً جِدَّاً، خَاصَّةً وَأَنتَ لَا تَفعَلُ سِوَى مُحَاوَلَةِ فَهمِ الحَقِيقَةِ بِعُمقٍ وَأَمَانَة.
أَومَأَ ابنُ رُشدٍ بِرَأسِهِ، وَفِي حَرَكَتِهِ تِلكَ شَيءٌ يَقُولُ إِنَّهُ تَجَاوَزَ مَرحَلَةَ الاستِغرَابِ مِن ظُلمِ العَالَمِ مِنذُ زَمَنٍ بَعِيد:
ـ هَذَا مَا آمَنتُ بِهِ طَوَالَ حَيَاتِي: أَنَّ العَقلَ وَالإِيمَانَ لَا يَتَنَاقَضَانِ حَقَّاً إِن فُهِمَا بِعُمقٍ كَافٍ، بَل يُكمِّلُ كُلٌّ مِنهُمَا الآخَر، كَمَا يُضِيءُ مِصبَاحَانِ مُختَلِفَانِ جَانِبَيِن مِن حُجرَةٍ وَاحِدَة.
ثُمَّ أَمَالَ رَأسَهُ قَلِيلاً، وَفِي عَينَيهِ مَسحَةٌ مِن سُخرِيَةٍ هَادِئَةٍ عَلَى نَفسِهِ:
ـ لَكِنَّ الَّذِينَ يَخشَونَ هَذَا التَّوفِيقَ يَرَونَ فِيهِ خَطَراً أَكبَرَ مِن التَّنَاقُضِ الصَّرِيح، لِأَنَّهُ يَسلُبُهُم حُجَّةَ الاختِيَارِ بَينَ طَرَفَين.
________________________________________
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الكُرسِيِّ المُقَابِلِ وَسَأَل:
ـ أَخبِرنِي عَن فِكرَةِ “العَقلِ الفَعَّالِ” الَّتِي تَشتَهِرُ بِهَا. مَا عَلَاقَتُهَا بِسُؤَالِي عَن الذَّاكِرَةِ الفَردِيَّة؟
جَلَسَ ابنُ رُشدٍ بِشَكلٍ أَكثَرَ استِقَامَة، وَوَضَعَ يَدَيهِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِحَركَةٍ تُعلِنُ أَنَّ السُّؤَالَ يَستَحِقُّ تَركِيزاً كَامِلاً لَا يَقبَلُ التَّشتِيت:
ـ هَذَا سُؤَالٌ عَمِيقٌ جِدَّاً، يَستَحِقُّ شَرحاً دَقِيقاً لَا مُختَصَرَاً مُخِلَّاً.
وَبَدَأَ يَتَكَلَّمُ بِإِيقَاعٍ مَدرُوسٍ يُؤَدِّي فِيهِ كُلُّ كَلِمَةٍ وَظِيفَتَهَا كَامِلَة:
ـ فِي فَلسَفَتِي، المُتَأَثِّرَةِ بِأَرِسطُو لَكِنَّهَا لَيسَت نُسخَةً مِنهُ، أُؤمِنُ أَنَّ هُنَاكَ عَقلاً وَاحِداً مُشتَرَكاً يَتَجَاوَزُ حُدُودَ كُلِّ فَردٍ مُنفَصِل. أُسَمِّيهِ “العَقلَ الفَعَّال”، وَهُوَ لَيسَ مِلكَ أَيِّ إِنسَانٍ بَعَيِنِه، بَل يَتَّصِلُ بِهِ كُلُّ إِنسَانٍ حِينَ يُفَكِّرُ بِعُمقٍ حَقِيقِيٍّ يَتَجَاوَزُ المَصلَحَةَ الشَّخصِيَّةَ وَالتَّعَصُّبَ الأَعمَى.
وَضَرَبَ مِثَالاً بِيَدِهِ فِي الهَوَاء:
ـ تَخَيَّل رِيَاضِيَّاً يَكتَشِفُ حَقِيقَةً رِيَاضِيَّةً فِي شَرقِ الأَرض، وَآخَرَ يَكتَشِفُ الحَقِيقَةَ ذَاتَهَا فِي غَربِهَا دُونَ أَن يَعرِفَ عَن الأَوَّلِ شَيئاً. هَذِهِ الحَقِيقَةُ الرِّيَاضِيَّةُ لَيسَت اختِرَاعَ أَيٍّ مِنهُمَا، بَل هِيَ كَانَت مَوجُودَةً مِن قَبلِهِمَا، وَكِلَاهُمَا اتَّصَلَ بِهَا عَبرَ عَقلِهِ الفَرديِّ المُتَجَاوَزِ إِلَى شَيءٍ أَكبَر.
________________________________________
قَالَ سَامِر، وَقَد لَمَعَت فِي عَينَيهِ إِشَارَةُ تَعَرُّفٍ عَلَى شَيءٍ سَمِعَهُ مِن قَبل:
ـ هَذَا يُشبِهُ مَا سَمِعتُهُ مِن الرَّاهِبِ البُوذِيِّ بِطَرِيقَةٍ مَا، حِينَ تَحَدَّثَ عَن وَعيٍ يَتَجَاوَزُ الفَردَ وَيَضُمُّهُ فِي الوَقتِ ذَاتِه.
أَومَأَ ابنُ رُشدٍ بِإِعجَابٍ صَرِيحٍ لِهَذَا الرَّبطِ الَّذِي جَاءَ مِن شَخصٍ لَيسَ فِيلسُوفاً مُتَخَصِّصاً:
ـ رُبَّمَا هُنَاكَ تَشَابُهٌ حَقِيقِيٌّ بَينَ مَا أَصِفُهُ وَمَا يَصِفُهُ الرَّاهِبُ البُوذِيُّ، نَعَم، رَغمَ اختِلَافِ المُنطَلَقَاتِ الفَلسَفِيَّةِ اختِلَافاً جَذرِيَّاً، وَرَغمَ أَنَّنَا إِن ذَهَبنَا إِلَى التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ سَنَجِدُ بَينَهُمَا فُرُوقاً كَثِيرَة.
وَنَظَرَ إِلَيهِ بِنَظرَةِ المُعَلِّمِ الَّذِي يَرَى طَالِباً يَستَحِقُّ الصَّرَاحَة:
ـ أَنَا أُؤمِنُ أَنَّ عَقلَكَ الفَردِيَّ، بِذَاكِرَتِهِ المَحدُودَة، بِمَعرِفَتِهِ الجُزئِيَّة، بِتَجرُبَتِهِ الشَّخصِيَّةِ المُقَيَّدَةِ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ بِعَينِهِمَا، لَيسَ كُلَّ مَا أَنتَ عَلَيهِ. حِينَ تُفَكِّرُ بِعُمقٍ حَقِيقِيٍّ جَرِيء، تَتَّصِلُ، بِطَرِيقَةٍ مَا، بِمَعرِفَةٍ أَوسَعَ بِكَثِيرٍ مِن حُدُودِ تَجرُبَتِكَ الشَّخصِيَّةِ المُباشِرَة.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَفِي صَوتِهِ شَيءٌ مِن الاستِعجَالِ الَّذِي لَم يَنجَح الشَّامَانُ الأَمَازُونِيُّ فِي إِخمَادِهِ كَامِلاً:
ـ كَيفَ يُسَاعِدُنِي هَذَا فِي فَهمِ يَومِي المَفقُودِ تَحدِيداً؟
فَكَّرَ ابنُ رُشدٍ طَوِيلاً، يَدَاهُ تَتَحَرَّكَانِ فَوقَ مَخطُوطَاتِهِ بِإِيمَاءَاتِ تَفكِيرٍ عَمِيقٍ لَا تُزَيِّفُهَا المُجَامَلَة، كَمَن يَزِنُ فِكرَةً قَبلَ أَن يَمنَحَهَا لِغَيرِه:
ـ رُبَّمَا يَعنِي هَذَا أَنَّ فُقدَانَكَ لِذَاكِرَةٍ شَخصِيَّةٍ مُحَدَّدَة، حَتَّى لَو كَانَت مُؤلِمَة، لَا يَعنِي فُقدَانَ كُلِّ اتِّصَالٍ بِالحَقِيقَةِ الأَعمَقِ الَّتِي تُحَاوِلُ الوُصُولَ إِلَيهَا.
وَرَفَعَ أُصبُعَهُ بِتَأكِيد:
ـ عَقلُكَ الفَردِيُّ مَحدُودٌ بِطَبِيعَتِهِ، يَا سَامِر، حَتَّى لَو لَم يَفقِد يَوماً وَاحِداً مِن ذِكرَيَاتِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ كُلِّهَا. كُلُّ إِنسَانٍ مَحدُودٌ فِي مَعرِفَتِهِ الفَرديَّة، يَحتَاجُ دَائِماً إِلَى الاتِّصَالِ بِمَصَادِرَ أَوسَع: كُتُبٍ تَجمَعُ عُقُولاً كَثِيرَة، وَحِوَارَاتٍ مَعَ مَن يَختَلِفُونَ عَنهُ فِي الرَّأيِ، وَتَأَمُّلٍ عَمِيقٍ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ المَصلَحَةِ الضَّيِّقَة، لِتَوسِيعِ فَهمِهِ وَتَخطِّي حُدُودِهِ الَّتِي تَبدُو لَهُ أَحيَاناً كَأَنَّهَا سُجُونٌ لَا جُدرَان.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَعَلَى وَجهِهِ أَثَرُ مَن لَمَسَ شَيئاً كَانَ يَبحَثُ عَنهُ فِي مَكَانٍ خَاطِئ:
ـ تَقصِدُ أَنَّ فُقدَانِي لَيسَ استِثنَاءً غَرِيبَاً خَارِقَاً لِلطَّبِيعَة، بَل هُوَ نُسخَةٌ مُكَثَّفَةٌ مِن مَحدُودِيَّةٍ إِنسَانِيَّةٍ عَامَّةٍ نَعِيشُهَا جَمِيعاً دُونَ أَن نَستَعجِبَ لَهَا؟
أَومَأَ ابنُ رُشدٍ بِرَأسِهِ بِإِعجَابٍ لَا يُبَالِغ:
ـ بِالضَّبطِ هَذَا مَا أُحَاوِلُ قَولَه. كُلُّنَا، بِطَرِيقَةٍ مَا، نُعَانِي مِن مَحدُودِيَّةِ الذَّاكِرَةِ الفَردِيَّةِ وَالمَعرِفَةِ الفَردِيَّة.
وَتَوَقَّفَ لَحظَةً قَبلَ أَن يُكمِل بِنَبرَةٍ أَكثَرَ تَأَنِّياً:
ـ الحَلُّ لَيسَ أَن نُحَاوِلَ أَن نَكُونَ كَائِنَاتٍ بِلَا حُدُود، فَهَذَا مُستَحِيلٌ لَنَا كَبَشَرٍ، وَمَن وَعَدَكَ بِإِمكَانِيَّتِهِ فَهُوَ يَكذِبُ عَلَيكَ أَو عَلَى نَفسِهِ. الحَلُّ أَن نَتَعَلَّمَ كَيفَ نَتَّصِلُ بِمَصَادِرَ أَوسَعَ مِن الحِكمَةِ وَالمَعرِفَةِ تَتَجَاوَزُ حُدُودَنَا الفَرديَّةَ الضَّيِّقَة.
________________________________________
قَالَ سَامِر:
ـ كَيفَ أَفعَلُ هَذَا عَمَلِيَّاً، بِخُصُوصِ يَومِي تَحدِيدَاً؟
فَكَّرَ ابنُ رُشدٍ طَوِيلاً قَبلَ أَن يَستَأنِفَ بِكَلَامٍ يَشعُرُ سَامِرٌ أَنَّهُ لَم يَجِئ مِن كِتَابٍ بَل مِن تَجرُبَةٍ شَخصِيَّةٍ صَادِقَة:
ـ رُبَّمَا عَلَيكَ أَن تَبحَثَ لَيسَ فَقَط دَاخِلَ ذَاكِرَتِكَ الفَردِيَّةِ المُباشِرَة، بَل فِي مَصَادِرَ أَوسَعَ تُحِيطُ بِهَا مِن الخَارِج.
وَبَدَأَ يَعُدُّ بِأَصَابِعِهِ بِحَركَةٍ تَعلِيمِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ لَا تَكَلُّفَ فِيهَا:
ـ أَشخَاصٌ عَرَفُوكَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ وَيَحمِلُونَ مِن ذِكرَيَاكَ مَا لَا تَحمِلُهُ أَنتَ. وَثَائِقُ قَد تُوجَدُ هُنَا أَو هُنَاكَ تَحمِلُ أَثَراً لِذَلِكَ اليَوم. حَتَّى أَنمَاطٌ أَوسَعُ فِي حَيَاتِكَ تَكشِفُ شَيئاً عَن طَبِيعَةِ مَا حَدَثَ، حَتَّى لَو لَم تَتَذَكَّرهُ بِصُورَةٍ مُباشِرَة.
وَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيهِ:
ـ اتَّصِل بِـ”العَقلِ الأَوسَعِ” المُتَاحِ لَكَ مِن حَولِك، بَدَلاً مِن الاعتِمَادِ فَقَط عَلَى عَقلِكَ الفَردِيِّ المَحدُودِ الَّذِي يَبحَثُ فِي ذَاتِهِ عَن شَيءٍ اختَفَى مِن ذَاتِهِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكرَةٍ عَمَلِيَّةٍ تَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ بِوُضُوحٍ لَم يُحِسَّ بِهِ مِنذُ بَدَأَت رِحلَتُهُ فِي هَذَا المُتحَف:
ـ هَذَا مَنطِقِيٌّ جِدَّاً، رَغمَ بَسَاطَتِهِ الظَّاهِرِيَّةِ الَّتِي تَجعَلُ المَرءَ يَتَسَاءَلُ لِمَاذَا لَم يَفكِّر فِيهِ مِن قَبل.
ابتَسَمَ ابنُ رُشدٍ ابتِسَامَةَ الَّذِي سَمِعَ هَذَا الكَلَامَ كَثِيراً:
ـ أَحيَاناً، أَعمَقُ الحِكمَةِ الفَلسَفِيَّةِ تَترَجَمُ إِلَى نَصَائِحَ عَمَلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ جِدَّاً، حِينَ تُطَبَّقُ بِشَكلٍ صَحِيح. البَسَاطَةُ الظَّاهِرِيَّةُ لَا تَعنِي ضَحَالَةَ العُمق. الفِكرَةُ العَمِيقَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي يَفهَمُهَا كُلُّ إِنسَانٍ حِينَ تَصِلُ إِلَيهِ بِالشَّكلِ الصَّحِيح، لَا الَّتِي تَحتَاجُ إِلَى بَيَانٍ مُعَقَّدٍ لِكَيلَا تَنكَشِفَ هَشَاشَتُهَا.
________________________________________
سَأَلَ سَامِر سُؤَالاً أَكثَرَ شَخصِيَّةً وَأَعمَقَ مَسَّاً:
ـ هَل تَخَافُ أَن يُحرَقَ إِرثُكَ بِالكَامِل، كَمَا حُرِقَت بَعضُ كُتُبِكَ بِالفِعل؟
نَظَرَ ابنُ رُشدٍ بَعِيداً لَحظَةً طَوِيلَة، وَظَهَرَ فِي عَينَيهِ حُزنٌ قَدِيمٌ لَم يَتَجَاهَلهُ لَكِنَّهُ لَم يَنهَزِم لَهُ أَيضاً:
ـ أَخَافُ، نَعَم، أَحيَاناً. الإِنسَانُ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ لَا يَخَافُ فُقدَانَ مَا أَفنَى عُمُرَهُ لِيَبنِيَهُ إِمَّا كَذَّابٌ أَو لَم يَبنِ شَيئاً يَستَحِقُّ الخَوفَ عَلَيهِ.
ثُمَّ عَادَت إِلَى عَينَيهِ بَرِيقُ الاقتِنَاعِ الَّذِي لَا تُطفِئُهُ الخَيبَات:
ـ لَكِنَّنِي أُؤمِنُ أَيضاً بِشَيءٍ يُطَمئِنُنِي جُزئِيَّاً، وَكَلِمَةُ “جُزئِيَّاً” هُنَا ضَرُورِيَّةٌ لِأَنِّي لَا أَكذِبُ عَلَيكَ وَلَا عَلَى نَفسِي: الأَفكَارُ الحَقِيقِيَّةُ العَمِيقَةُ نَادِراً مَا تُمحَى تَمَاماً، حَتَّى لَو أُحرِقَت نُسَخُهَا المَادِيَّة.
وَاستَعَادَ بَصَرُهُ نَضَارَةَ المُؤمِنِ بِفِكرَتِه:
ـ تَجِدُ طَرِيقَهَا عَبرَ تَلَامِيذَ حَفِظُوهَا فِي صُدُورِهِم، عَبرَ تَرجَمَاتٍ نَقَلَتهَا إِلَى لُغَاتٍ أُخرَى، عَبرَ عُقُولٍ أُخرَى التَقَطَت الفِكرَةَ فَأَكمَلَت مَسِيرَتَهَا بِاسمٍ مُختَلِفٍ وَوَجهٍ مُختَلِف، حَتَّى لَو بِشَكلٍ غَيرِ مُباشِرٍ أَو مُحَرَّفٍ جُزئِيَّاً عَمَّا كَانَ فِي الأَصلِ الأَوَّل.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَفِي صَوتِهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَابِطٍ رَآهُ بِوُضُوح:
ـ هَذَا يُشبِهُ فِكرَةَ العَقلِ الفَعَّالِ ذَاتَهَا الَّتِي تَحَدَّثتَ عَنهَا، أَنَّ الأَفكَارَ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ حَامِلِهَا الفَردِيِّ المَحدُودِ الفَانِي.
أَومَأَ ابنُ رُشدٍ بِرَأسِهِ بِإِعجَابٍ صَادِقٍ لِهَذَا الرَّبطِ الَّذِي جَاءَ دُونَ أَن يُطلَبَ:
ـ بِالضَّبط. أَكتُبُ الآنَ، رَغمَ كُلِّ المُعَارَضَةِ الَّتِي أُوَاجِهُهَا مِن كُلِّ اتِّجَاه، لِأَنَّنِي أُؤمِنُ أَنَّ مَا أَكتُبُهُ، حَتَّى لَو لَم يُقَدَّر بِالكَامِلِ فِي زَمَنِي هَذَا الضَّيِّق، سَيَجِدُ طَرِيقَهُ يَوماً عَبرَ قَنَوَاتٍ لَا أَستَطِيعُ تَوَقُّعَهَا بِالكَامِلِ الآن.
وَنَظَرَ إِلَى الرُّفُوفِ الشَّاهِقَةِ مِن حَولِهِمَا كَمَن يَتَحَدَّثُ إِلَيهَا كَذَلِك:
ـ هَذَا مَا مَنَحَنِي القُدرَةَ عَلَى الاستِمرَارِ حِينَ كَانَ الاستِمرَارُ يَكَادُ يَبدُو عَبَثَاً.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِلهَامٍ عَمِيقٍ يَنبَعُ مِن هَذَا الإِيمَانِ الرَّاسِخِ الَّذِي لَم تُهَزَّزهُ الهِزَاتُ الكَثِيرَة:
ـ شُكراً لَكَ. هَذَا يَمنَحُنِي أَمَلاً جَدِيدَاً، لَيسَ فَقَط بِخُصُوصِ يَومِي المَفقُودِ تَحدِيدَاً، بَل بِخُصُوصِ قِيمَةِ البَحثِ نَفسِهِ، حَتَّى لَو لَم يَصِل إِلَى نَتِيجَةٍ كَامِلَةٍ فَورِيَّةٍ مُرضِيَة.
ابتَسَمَ ابنُ رُشدٍ ابتِسَامَةً أَخِيرَةً وَعَادَ إِلَى مَخطُوطَاتِهِ بِتَركِيزٍ مُتَجَدِّدٍ كَمَن استَعَادَ شَيئاً كَانَ يَتَبَاعَدُ عَنهُ:
ـ اذهَب الآن، يَا سَامِر. وَاحمِل مَعَكَ هَذَا وَحفِظَهُ: عَقلُكَ الفَردِيُّ مَحدُودٌ، نَعَم، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا تَنكَسِرُ وَلَا يَفِيدُ إِنكَارُهَا. لَكِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِشَبَكَةٍ أَوسَعَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّل، إِن سَمَحتَ لِنَفسِكَ بِالبَحثِ خَارِجَ حُدُودِهِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي تُوهِمُكَ أَحيَاناً أَنَّهَا نِهَايَةُ العَالَم.
________________________________________
بَدَأَت المَكتَبَةُ الوَاسِعَةُ وَمَخطُوطَاتُهَا الكَثِيرَةُ تَتَلَاشَى بِبُطءٍ شَبِيهٍ بِبُطءِ اختِفَاءِ أَفكَارِ الكُتُبِ حِينَ تَتَرَاكَمُ عَلَيهَا السِّنُونَ وَتَصمُتُ الأَلسِنَةُ عَن نَقلِهَا.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المُعتَادِ الهَادِئِ الَّذِي بَاتَ يَعرِفُهُ كَمَا يَعرِفُ الإِنسَانُ الطَّرِيقَ بَينَ بَيتِهِ وَعَمَلِهِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ كَالمُعتَاد، وَاقِفاً بِجَانِبِ بَابٍ جَدِيدٍ يَحمِلُ نَقشاً لِعَيِنٍ وَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ مَفتُوحَةٍ تَماماً تُحِيطُ بِهَا أَشكَالٌ هَندَسِيَّةٌ دَقِيقَةٌ مُتَنَاسِقَة.
قَالَ العَجُوزُ بِنَبرَتِهِ الَّتِي تَحمِلُ دَائِماً شَيئاً أَكثَرَ مِمَّا تُصَرِّحُ بِهِ:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَة، يَا سَامِر، تَحمِلُ صَوتَ رَجُلٍ غَيَّرَ الفَلسَفَةَ الغَربِيَّةَ بِالكَامِلِ بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ بَسِيطٍ لَا يَبدُو بَسِيطاً، رَجُلٌ كَانَ يَبحَثُ عَن يَقِينٍ مُطلَقٍ وَسَطَ بَحرٍ مِن الشَّكِّ لَا تَبدُو لَهُ ضِفَاف.
وَلَم يُضِف شَيئاً آخَر، بَل وَقَفَ يَنتَظِرُ بِصَمتٍ يَقُولُ مَا لَا يَقُولُهُ الكَلَام.

متحف الأيام المفقودة 34