مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ السَّادِسُ وَالثَّلاثُون: الفَيْلَسُوفَةُ الأَفْرِيقِيَّة
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ مِنَ المُتْحَفِ لا تُشْبِهُ أَيَّةَ قَاعَةٍ أُخْرَى مَرَّ بِهَا سَامِرُ مُنْذُ بَدَأَتْ رِحْلَتُهُ الغَرِيبَةُ فِي هَذَا المَكَانِ العَجِيبِ.
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ جُدْرَانٌ تَضُمُّ الفَرَاغَ وَتَحْبِسُهُ، وَلا سَقْفٌ يُحَدِّدُ نِهَايَةَ الأَشْيَاءِ، وَلا أَرْضِيَّةٌ صَلْبَةٌ بَارِدَةٌ كَتِلْكَ التِي اعْتَادَتْ قَدَمَاهُ أَنْ تَطَأَهَا فِي الرَّوَاقَاتِ المُتَعَاقِبَةِ.
بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، انْفَتَحَتْ أَمَامَهُ سَاحَةُ قَرْيَةٍ مَفْتُوحَةٌ تَحْتَ سَمَاءٍ لَيْلِيَّةٍ مَنْثُورَةٍ بِالنُّجُومِ، وَفِي وَسَطِ هَذِهِ السَّاحَةِ تَتَّقِدُ نَارٌ صَغِيرَةٌ هَادِئَةٌ، تَرْقُصُ أَلْسِنَتُهَا فِي الهَوَاءِ الدَّافِئِ بِإِيقَاعٍ أَزَلِيٍّ يَكَادُ يَكُونُ أَنَفَاساً حَيَّةً.
حَوْلَ النَّارِ، دَوَائِرُ مِنْ حِجَارَةٍ بَسِيطَةٍ نَظِيفَةٍ مُرَتَّبَةٍ بِعِنَايَةٍ كَأَنَّ يَدَيْنِ حَانِيَتَيْنِ أَعَدَّتَاهَا لِضُيُوفٍ مُنْتَظَرِينَ مُنْذُ الأَزَلِ.
وَفِي القَلْبِ، عِنْدَ أَقْرَبِ حَجَرٍ مِنَ النَّارِ، جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي الخَامِسَةِ وَالخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهَا، تَرْتَدِي ثَوْباً أَفْرِيقِيَّاً مُلَوَّناً تَتَدَاخَلُ فِي نُقُوشِهِ أَلْوَانُ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالدَّمِ وَالحِيَاةِ.
حِينَ رَأَتْهُ مُقْبِلاً بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ، فَتَحَتْ ذِرَاعَيْهَا وَعَلَى وَجْهِهَا ابْتِسَامَةٌ وَاسِعَةٌ دَافِئَةٌ كَانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَى أَيِّ قَلْبٍ أَنْ يَقِفَ أَمَامَهَا بِلا اسْتِجَابَةٍ:
ـ أَهْلاً بِكَ أَيُّهَا الغَرِيبُ! اجْلِسْ مَعَنَا، فَلا أَحَدٌ يَبْقَى وَحِيداً طَوِيلاً هُنَا.
تَوَقَّفَ سَامِرُ، أَدَارَ عَيْنَيْهِ حَوْلَهُ فِي كُلِّ الاتِّجَاهَاتِ بِدَهْشَةٍ وَاضِحَةٍ:
ـ أَنَا سَامِرُ. لَكِنْ… “مَعَنَا”؟ أَرَى فَقَطْ نَفْسِي وَأَنْتِ.
ضَحِكَتِ المَرْأَةُ ضَحْكَةً دَافِئَةً عَمِيقَةً انْطَلَقَتْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ جِدَّاً فِي دَاخِلِهَا، كَأَنَّ السُّؤَالَ لَمَسَ لُبَّ مَا جَاءَتْ تَقُولُهُ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكَ عَنْهُ. أَنَا فَيْلَسُوفَةٌ مِنْ جَنُوبِ أَفْرِيقِيَا، أُؤْمِنُ بِمَبْدَأٍ نُسَمِّيهِ “أُوبُونْتُو”، وَهِيَ عِبَارَةٌ تُتَرْجَمُ تَقْرِيباً إِلَى: أَنَا مَوْجُودٌ لأَنَّ نَحْنُ مَوْجُودُونَ. إِنْسَانِيَّتِي مُرْتَبِطَةٌ ارْتِبَاطاً لا يَنْفَصِلُ بِإِنْسَانِيَّةِ مَنْ حَوْلِي.
جَلَسَ سَامِرُ عَلَى الحَجَرِ المُقَابِلِ لَهَا، وَأَحَسَّ بِدِفْءِ النَّارِ يَمَسُّ وَجْهَهُ بِلُطْفٍ، كَأَنَّ حُضُورَهَا ذَاتَهُ كَانَ جُزْءاً مِنَ الكَلامِ الذِي لَمْ يُقَلْ بَعْدُ:
ـ هَذَا يَبْدُو مُخْتَلِفاً تَمَاماً عَنِ الفَلْسَفَاتِ الفَرْدِيَّةِ الَّتِي قَابَلْتُهَا حَتَّى الآنَ. كَدِيكَارْتَ مَثَلاً، ذَلِكَ الفَيْلَسُوفِ الفَرَنْسِيِّ الَّذِي ابْتَنَى كُلَّ فَلْسَفَتِهِ عَلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَشْهُورَةٍ: “أَنَا أُفَكِّرُ، إِذَنْ أَنَا مَوْجُودٌ.”
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحَمَاسٍ حَقِيقِيٍّ، وَفِي عَيْنَيْهَا لَمَعَانُ مَنْ يَجِدُ أَخِيراً مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَسْمَعَ:
ـ بِالضَّبْطِ هَذَا الاخْتِلافُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ رُؤْيَتَيْنِ لِلْوُجُودِ. فَلْسَفَةُ دِيكَارْتَ تَبْدَأُ مِنَ الفَرْدِ المَعْزُولِ، يَشُكُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، يَسْتَجْوِبُ كُلَّ حَقِيقَةٍ، حَتَّى يَصِلَ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ إِلَى يَقِينٍ فَرْدِيٍّ صِرْفٍ، وَكَأَنَّ الإِنْسَانَ جَزِيرَةٌ مَعْزُولَةٌ فِي مَحِيطٍ مُبْهَمٍ.
صَمَتَتْ لَحْظَةً، أَطَالَتِ النَّظَرَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا تَسْتَقِي كَلاماً مِنْ جَمْرِهَا المُتَوَهِّجِ، ثُمَّ أَكْمَلَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ وَأَعْمَقَ:
ـ فَلْسَفَتُنَا تَبْدَأُ مِنْ نُقْطَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَاماً: لا يُوجَدُ “أَنَا” حَقِيقِيٌّ بِمَعْزِلٍ عَنْ “نَحْنُ”. هُوِيَّتُكَ، إِنْسَانِيَّتُكَ، حَتَّى وَعْيُكَ بِذَاتِكَ حِينَ تَنْظُرُ فِي المِرْآةِ صَبَاحَ كُلِّ يَوْمٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَتَشَكَّلُ عَبْرَ عَلاقَاتِكَ مَعَ الآخَرِينَ، لا فِي عُزْلَةٍ فَرْدِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. فَكِّرْ فِي طِفْلٍ وُلِدَ وَنَشَأَ وَحِيداً بِلا أَحَدٍ: هَلْ سَيَعْرِفُ مَا يَعْنِيهِ أَنْ تَكُونَ إِنْسَاناً؟ هَلْ سَيَتَعَلَّمُ الحُبَّ وَالحُزْنَ وَالأَمَلَ؟ اللُّغَةُ ذَاتُهَا، تِلْكَ الَّتِي نُفَكِّرُ بِهَا وَنَشْعُرُ وَنَحْلُمُ، لَيْسَتْ اخْتِرَاعاً فَرْدِيَّاً، بَلْ هِيَ هِبَةٌ جَمَاعِيَّةٌ تَوَارَثَهَا البَشَرُ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ.
شَعَرَ سَامِرُ بِفُضُولٍ عَمِيقٍ يَشُدُّهُ نَحْوَ مَا تَقُولُ، لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى لُغَزِهِ الخَاصِّ:
ـ كَيْفَ يُسَاعِدُنِي هَذَا فِي فَهْمِ يَوْمِيَ المَفْقُودِ؟ مَا عَلاقَةُ “أُوبُونْتُو” بِذَاكِرَةٍ اخْتَفَتْ وَلا أَعْرِفُ لِمَ؟
فَكَّرَتِ الفَيْلَسُوفَةُ طَوِيلاً، وَفِي عَيْنَيْهَا نَظَرَةٌ عَمِيقَةٌ كَنَظَرَةِ مَنْ يَرَى شَيْئاً خَلْفَ الكَلامِ:
ـ رُبَّمَا أَنْتَ تُحَاوِلُ أَنْ تَحُلَّ لُغْزَ يَوْمِكَ المَفْقُودِ وَحْدَكَ، بِعَقْلِكَ الفَرْدِيِّ المَعْزُولِ، تَحْفُرُ فِي دَاخِلِكَ بَاحِثاً عَنْ بَقَايَا ذِكْرَيَاتٍ وَكَأَنَّ الإِجَابَةَ مَدْفُونَةٌ فِي أَعْمَاقِكَ وَحْدَكَ، تَنْتَظِرُ مَنْ يَكْشِفُهَا.
أَمَالَتْ رَأْسَهَا وَأَضَافَتْ بِلَهْجَةٍ حَانِيَةٍ كَأَنَّهَا تَقُودُهُ نَحْوَ بَابٍ لَمْ يَرَهُ:
ـ لَكِنَّ فِي رُؤْيَتِنَا، ذَاكِرَتُكَ لَيْسَتْ مِلْكاً فَرْدِيَّاً خَالِصاً لَكَ وَحْدَكَ. هِيَ أَيْضاً مَحْفُوظَةٌ، جُزْئِيَّاً، فِي عَلاقَاتِكَ مَعَ مَنْ عَرَفُوكَ، فِي تَأْثِيرِكَ عَلَى مَنْ حَوْلَكَ، فِي النَّسِيجِ الجَمَاعِيِّ الَّذِي أَنْتَ خَيْطٌ فِيهِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، أَكْمَلَتْ بِمِثَالٍ بَسِيطٍ كَأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ سُؤَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ فَمِهِ:
ـ تَخَيَّلْ رَجُلاً أُصِيبَ بِفُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ وَلا يَتَذَكَّرُ زَوَاجَهُ. هَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ زَوَاجَهُ لَمْ يَحْدُثْ؟ بَالطَّبْعِ لا! ذَاكِرَةُ ذَلِكَ الزَّوَاجِ مَحْفُوظَةٌ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، عِنْدَ أُسْرَتِهِ، عِنْدَ أَصْدِقَائِهِ الَّذِينَ حَضَرُوا، فِي الصُّوَرِ المُعَلَّقَةِ عَلَى جُدْرَانِ بَيْتِهِ. الذَّاكِرَةُ الجَمَاعِيَّةُ تَحْمِلُ مَا تَعْجِزُ عَنْهُ الذَّاكِرَةُ الفَرْدِيَّةُ.
تَوَهَّجَتْ فِكْرَةٌ جَدِيدَةٌ فِي ذِهْنِ سَامِرَ كَجَمْرَةٍ خَرَجَتْ مِنْ رَمَادٍ:
ـ تَقْصِدِينَ أَنَّنِي يَجِبُ أَنْ أَبْحَثَ عَنْ يَوْمِيَ لَيْسَ فَقَطْ فِي ذَاكِرَتِي الفَرْدِيَّةِ، بَلْ فِي عَلاقَاتِي مَعَ الآخَرِينَ أَيْضاً؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِقُوَّةٍ:
ـ بِالضَّبْطِ. هَلْ تَحَدَّثْتَ مَعَ كُلِّ مَنْ عَرَفَكَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ؟ هَلْ سَأَلْتَ عَائِلَتَكَ عَمَّا تَتَذَكَّرُهُ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ؟ هَلْ تَحَدَّثْتَ مَعَ أَصْدِقَائِكَ القُدَامَى الذِينَ كَانُوا قَرِيبِينَ مِنْكَ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ مِنْ حَيَاتِكَ؟ حَتَّى مَعَارِفُ بَعِيدُونَ قَدْ يَحْمِلُونَ شُظَايَا مِنْ ذَاكِرَةٍ لا تَعْرِفُ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ عِنْدَهُمْ. رُبَّمَا جُزْءٌ مِنْ ذَاكِرَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ مَحْفُوظٌ فِي عُقُولِ آخَرِينَ، لا فِي عَقْلِكَ وَحْدَهُ.
قَالَ سَامِرُ بِإِنْصَافٍ:
ـ هَذَا مَنْظُورٌ لَمْ أُفَكِّرْ فِيهِ بِعُمْقٍ كَافٍ مِنْ قَبْلُ. كُنْتُ أُرَكِّزُ فَقَطْ عَلَى مُحَاوَلَةِ تَذَكُّرِهِ بِنَفْسِي، كَمَنْ يَبْحَثُ فِي مَكْتَبَةٍ مُغْلَقَةٍ لا يَعْلَمُ أَنَّ الكِتَابَ الذِي يَبْحَثُ عَنْهُ قَدْ يَكُونُ مُعَاراً لِجَارِهِ.
ابْتَسَمَتِ الفَيْلَسُوفَةُ ابْتِسَامَةً حَانِيَةً:
ـ هَذَا خَطَأٌ شَائِعٌ جِدَّاً فِي ثَقَافَاتٍ تُرَكِّزُ كَثِيراً عَلَى الفَرْدَانِيَّةِ. فِي عَالَمٍ يُحَاضِرُ فِيهِ الفَلاسِفَةُ عَنْ “تَحَقُّقِ الذَّاتِ” وَ”الاكْتِفَاءِ الفَرْدِيِّ” وَ”السَّعَادَةِ الشَّخْصِيَّةِ”، أَصْبَحَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ، بَمَا فِيهِ الأَلَمُ وَالشِّفَاءُ وَالذَّاكِرَةُ وَالمَعْنَى، هُوَ شَأْنٌ فَرْدِيٌّ يَحُلُّهُ الإِنْسَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
وَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَى قَلْبِهَا بِحَرَكَةٍ طَبِيعِيَّةٍ صَادِقَةٍ:
ـ نَحْنُ فِي تَقَالِيدِنَا نُؤْمِنُ أَنَّ الشِّفَاءَ الحَقِيقِيَّ، حَتَّى شِفَاءَ الذَّاكِرَةِ، يَحْدُثُ فِي الجَمَاعَةِ، لا فِي العُزْلَةِ الفَرْدِيَّةِ. حِينَ يُعَانِي أَحَدُنَا، لا نَتْرُكُهُ يُصَارِعُ وَحْدَهُ فِي صَمْتٍ وَأَلَمٍ، بَلْ نَتَجَمَّعُ حَوْلَهُ كَمَا تَتَجَمَّعُ الأَشْجَارُ حَوْلَ الجَدْوَلِ، نُشَارِكُهُ العِبْءَ وَكَأَنَّنَا نَقَتَسِمُ ثِقَلَهُ حَتَّى يَخِفَّ، نُسَاعِدُهُ عَلَى إِيجَادِ المَعْنَى مِنْ خِلالِ عَلاقَاتِنَا المُشْتَرَكَةِ.
شَعَرَ سَامِرُ بِدِفْءٍ عَمِيقٍ غَرِيبٍ، كَأَنَّ هَذِهِ الكَلِمَاتِ كَانَتْ تَمَسُّ شَيْئاً مَنْسِيَّاً فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّ لُغْزَهُ:
ـ هَذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي رِحْلَتِي هَذِهِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَاماً. كُلُّ مَنْ قَابَلْتُهُمْ حَتَّى الآنَ فِي هَذَا المُتْحَفِ الغَرِيبِ، رَغْمَ اخْتِلافِ أَزْمِنَتِهِمْ وَثَقَافَاتِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ، أَصْبَحُوا بِطَرِيقَةٍ مَا جُزْءاً مِنَ “نَحْنُ” التِي تَتَحَدَّثِينَ عَنْهَا. أَصَابِعُهُمْ بَقِيَتْ بِصَمَاتِهَا فِي دَاخِلِي.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِفَرَحٍ حَقِيقِيٍّ جَلِيٍّ:
ـ هَذَا فَهْمٌ جَمِيلٌ جِدَّاً يَا سَامِرُ! أَنْتَ لَسْتَ وَحْدَكَ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ، حَتَّى لَوْ شَعَرْتَ بِالوَحْدَةِ أَحْيَاناً فِي لَحَظَاتِ الظَّلامِ. كُلُّ صَوْتٍ سَمِعْتَهُ، كُلُّ حِكْمَةٍ شَارَكُوهَا مَعَكَ، أَصْبَحَتْ جُزْءاً مِنْ نَسِيجِكَ الدَّاخِلِيِّ الآنَ، تَمَاماً كَمَا أَنَّ وُجُودَكَ يُصْبِحُ جُزْءاً مِنْ نَسِيجِهِمْ بِطَرِيقَةٍ مَا، مِنْ خِلالِ هَذَا اللِّقَاءِ الغَرِيبِ فِي هَذَا المُتْحَفِ العَجِيبِ الَّذِي لا تَتَّسِعُ لَهُ خَرِيطَةٌ.
تَجَرَّأَ سَامِرُ عَلَى سُؤَالٍ كَانَ يَجُولُ فِي ذِهْنِهِ مُنْذُ لَحَظَاتٍ:
ـ هَلْ تُؤْمِنِينَ أَنَّ هَذَا التَّوَاصُلَ الجَمَاعِيَّ يَسْتَمِرُّ حَتَّى بَعْدَ المَوْتِ؟ هَلْ يَمْتَدُّ الرَّابِطُ بَيْنَ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ عَمِيقَةٍ، وَفِي عَيْنَيْهَا لَيْسَ تَرَدُّدٌ بَلْ يَقِينٌ رَاسِخٌ كَالصَّخْرِ:
ـ نَعَمْ، بِقُوَّةٍ وَبِلا تَرَدُّدٍ. فِي تَقَالِيدِنَا، الأَسْلافُ لَيْسُوا غَائِبِينَ تَمَاماً خَلْفَ سِتَارٍ أَسْوَدَ لا يُخْتَرَقُ، بَلْ حَاضِرُونَ بِطَرِيقَةٍ رُوحِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، يُشَارِكُونَ فِي حَيَاةِ الأَحْيَاءِ، يُسْتَشَارُونَ فِي الأُمُورِ الكُبْرَى، يُكَرَّمُونَ وَيُحْتَفَى بِذِكْرَاهُمْ بِانْتِظَامٍ كَأَنَّ حُضُورَهُمْ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ حَيَاةِ القَبِيلَةِ. المَوْتُ لا يَقْطَعُ الرَّابِطَ الجَمَاعِيَّ تَمَاماً، بَلْ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ فَقَطْ، كَمَا يُغَيِّرُ النَّهْرُ شَكْلَهُ حِينَ يَصُبُّ فِي البَحْرِ وَلَكِنَّهُ لا يَنْتَهِي.
أَحَسَّ سَامِرُ بِشَيْءٍ يَرْتَخِي فِي صَدْرِهِ:
ـ هَذَا يُطَمْئِنُنِي بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ قَابَلْتُ فِي رِحْلَتِي هَذِهِ أُنَاساً مَاتُوا مُنْذُ آلافِ السِّنِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا زَالُوا بِطَرِيقَةٍ مَا حَاضِرِينَ وَمُؤَثِّرِينَ فِيَّ الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً عَمِيقَةً رَاضِيَةً:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ جَوْهَرُ أُوبُونْتُو يَا سَامِرُ: نَحْنُ جَمِيعاً، الأَحْيَاءُ وَالأَمْوَاتُ، الحَاضِرُ وَالمَاضِي وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ أَعْمَاقٍ مَجْهُولَةٍ، مَنْسُوجُونَ مَعاً فِي شَبَكَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الوُجُودِ المُشْتَرَكِ. لا أَحَدَ، حَتَّى مَنْ فَقَدَ ذَاكِرَةَ يَوْمٍ كَامِلٍ مِنْ حَيَاتِهِ، مُنْعَزِلٌ تَمَاماً عَنْ هَذَا النَّسِيجِ الأَكْبَرِ الَّذِي لا تَتَّسِعُ لَهُ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ.
شَعَرَ سَامِرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِكَلاماتٍ لَيْسَتْ رَخِيصَةً:
ـ شُكْراً لَكِ عَلَى هَذَا الشُّعُورِ بِالانْتِمَاءِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ أَجِدَهُ هُنَا، فِي مُتْحَفٍ مَلِيءٍ بِالأَسْرَارِ وَالأَسْئِلَةِ.
وَقَفَتِ الفَيْلَسُوفَةُ مِنْ حَجَرِهَا بِرَشَاقَةٍ هَادِئَةٍ، مَدَّتْ يَدَهَا لِتُسَاعِدَهُ عَلَى الوُقُوفِ أَيْضاً بِحَرَكَةٍ دَافِئَةٍ بَسِيطَةٍ لا تَصَنُّعَ فِيهَا:
ـ اذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ، لَكِنْ تَذَكَّرْ دَائِماً: أَنْتَ لَسْتَ جَزِيرَةً مَعْزُولَةً تُحَاوِلُ حَلَّ لُغْزِهَا وَحْدَهَا. أَنْتَ جُزْءٌ مِنْ “نَحْنُ” أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تُدْرِكُ فِي لَحَظَاتِ ضَعْفِكَ. حَتَّى هَذِهِ الرِّحْلَةُ الغَرِيبَةُ التِي تَظُنُّهَا رِحْلَتَكَ وَحْدَكَ، هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا رِحْلَةُ كُلِّ مَنْ مَشَوا قَبْلَكَ وَكُلِّ مَنْ سَيَمْشُونَ بَعْدَكَ.
بَدَأَتْ سَاحَةُ القَرْيَةِ وَالنَّارُ الصَّغِيرَةُ وَالسَّمَاءُ المَنْثُورَةُ بِالنُّجُومِ تَتَلاشَى بِبُطْءٍ رَقِيقٍ، كَأَنَّهَا لَمْ تُرِدْ أَنْ تَنْتَهِيَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، حَتَّى عَادَ سَامِرُ إِلَى الرَّوَاقِ المَأْلُوفِ، شَاعِراً بِدِفْءٍ جَدِيدٍ يَسْكُنُ صَدْرَهُ لَمْ يَشْعُرْ بِمِثْلِهِ مُنْذُ أَوَّلِ خُطْوَةٍ خَطَاهَا فِي هَذَا المُتْحَفِ الغَرِيبِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشاً لِشَفَتَيْنِ مُغْلَقَتَيْنِ بِإِحْكَامٍ، كَأَنَّ مَا خَلْفَ البَابِ يَرْفُضُ أَنْ يُقَالَ قَبْلَ أَوَانِهِ:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ أَمْضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا يُفَكِّرُ بِعُمْقٍ فِي حُدُودِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا، وَفِي مَا يَحْدُثُ حِينَ نُحَاوِلُ أَنْ نُعَبِّرَ عَنْ أَشْيَاءَ تَتَجَاوَزُ قُدْرَةَ الكَلِمَاتِ عَلَى وَصْفِهَا.
وَوَقَفَ سَامِرُ أَمَامَ البَابِ المَنْقُوشِ بِالشَّفَتَيْنِ الصَّامِتَتَيْنِ، يَتَسَاءَلُ بِقَلْبٍ أَكْثَرَ امْتِلاءً مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلَ هَذِهِ القَاعَةَ: مَاذَا يَقُولُ مَنْ يَعِيشُ عِنْدَ حُدُودِ الكَلامِ؟
________________________________________
