مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَة
الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْخَمْسُون – كُورْت غُودِل — فِيِينَا، ١٩٣٠م – «هَلِ الْأَرْقَامُ تَتَذَكَّرُ أَمْ تُثْبِتُ فَقَطْ؟»
________________________________________
كَانَتِ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ مِنَ الْمُتْحَفِ تَبْدُو، لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى، مَكَانًا عَادِيًّا لَا يُثِيرُ الدَّهْشَةَ.
مَكْتَبٌ أَكَادِيمِيٌّ بَسِيطٌ، كُرْسِيٌّ خَشَبِيٌّ، وَنَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى فِيِينَا الرَّمَادِيَّةِ فِي صَبَاحٍ خَرِيفِيٍّ بَارِدٍ.
لَكِنَّ السَّبُّورَةَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي تَمْلَأُ الْجِدَارَ كَانَتْ عَالَمًا آخَرَ بِأَكْمَلِهِ.
كَانَتْ مَكْسُوَّةً بِرُمُوزٍ رِيَاضِيَّةٍ وَمَنْطِقِيَّةٍ مُتَشَابِكَةٍ، تَتَرَاصُّ صُفُوفًا فَوْقَ صُفُوفٍ، كَأَنَّهَا لُغَةٌ سِرِّيَّةٌ يَتَحَدَّثُ بِهَا الْكَوْنُ مَعَ نَفْسِهِ حِينَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
كَانَ الرَّجُلُ فِي الْحَادِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ، نَحِيلَ الْبُنْيَةِ، يَجْلِسُ أَمَامَ السَّبُّورَةِ عَلَى كُرْسِيٍّ أُعِدَّ لِلتَّحْدِيقِ لَا لِلرَّاحَةِ.
كَانَ يَنْظُرُ فِي مُعَادَلَةٍ طَوِيلَةٍ تَمْتَدُّ عَبْرَ ثَلَاثَةِ أَسْطُرٍ مُتَتَالِيَةٍ، نَظْرَةَ مَنْ يُرَاقِبُ كَائِنًا حَيًّا يَتَنَفَّسُ، لَا مَنْ يَقْرَأُ أَرْقَامًا صَامِتَةً.
دَخَلَ سَامِرٌ بِخُطُوَاتٍ حَذِرَةٍ، وَقَالَ الرَّجُلُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ:
ـ ادْخُلْ بِهُدُوءٍ، رَجَاءً.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ هُنَا لَهَا ثَمَنٌ:
ـ أَنَا فِي مُنْتَصَفِ إِثْبَاتٍ مُعَقَّدٍ جِدًّا. قَدْ يُغَيِّرُ فَهْمَنَا بِالْكَامِلِ لِحُدُودِ الرِّيَاضِيَّاتِ نَفْسِهَا.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى كُرْسِيٍّ قَرِيبٍ بِهُدُوءٍ، وَقَالَ:
ـ أَنَا سَامِرٌ. مَا الَّذِي تُثْبِتُهُ؟
أَجَابَ الرَّجُلُ بِتَرْكِيزٍ لَا يَتَزَعْزَعُ، عَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ عَلَى السَّبُّورَةِ:
ـ أُحَاوِلُ أَنْ أُثْبِتَ أَنَّ هُنَاكَ حَقَائِقَ رِيَاضِيَّةً صَحِيحَةً، لَكِنَّهَا لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا أَبَدًا ضِمْنَ أَيِّ نِظَامٍ مَنْطِقِيٍّ رِيَاضِيٍّ مُتَّسِقٍ، مَهْمَا كَانَ قَوِيًّا وَمُتَطَوِّرًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِارْتِبَاكٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ هَذَا يَبْدُو مُتَنَاقِضًا. كَيْفَ يُمْكِنُ لِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ «صَحِيحًا» لَكِنْ «غَيْرَ قَابِلٍ لِلْإِثْبَاتِ» فِي آنٍ وَاحِدٍ؟
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ أَخِيرًا، وَنَظَرَ إِلَى سَامِرٍ بِنَظْرَةِ مَنْ وَجَدَ مُحَاوِرًا يَسْتَحِقُّ الْوَقْتَ.
قَالَ:
ـ اسْمِي كُورْت غُودِل.
ثُمَّ تَابَعَ بِنَبْرَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ لَكِنَّهَا لَا تَنْزِلُ إِلَى التَّبَسُّطِ الْمُمِلِّ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ هَذَا الِاكْتِشَافَ مَذْهُولًا وَمُقْلِقًا فِي آنٍ مَعًا.
نَهَضَ وَاتَّجَهَ نَحْوَ السَّبُّورَةِ، وَأَشَارَ إِلَى سَطْرٍ مِنَ الرُّمُوزِ:
ـ اسْمَحْ لِي أَنْ أَشْرَحَ لَكَ بِطَرِيقَةٍ مُبَسَّطَةٍ. تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَبْنِي مَدِينَةً كَامِلَةً وَفْقَ مُخَطَّطٍ دَقِيقٍ وَقَوَاعِدَ هِنْدَسِيَّةٍ صَارِمَةٍ.
لَوَّحَ بِيَدِهِ فِي الْهَوَاءِ كَمَنْ يَرْسُمُ مَدِينَةً تَقُومُ مِنَ الْعَدَمِ:
ـ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ تَحْكُمُ كُلَّ شَيْءٍ: ارْتِفَاعَ الْأَبْنِيَةِ، وَعَرْضَ الشَّوَارِعِ، وَمَسَافَاتِ الْأَحْيَاءِ. وَمَهْمَا بَلَغَتْ دِقَّةُ مُخَطَّطِكَ وَكَمَالُهُ، سَتَجِدُ دَائِمًا بِنَاءً مُمْكِنًا لَا تَسْمَحُ بِهِ قَوَاعِدُكَ وَلَا تَمْنَعُهُ، بِنَاءً يَقِفُ فِي الْمَنْطِقَةِ الرَّمَادِيَّةِ خَارِجَ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَنَبَّأَ بِهِ.
عَادَ وَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ:
ـ أَيُّ نِظَامٍ رِيَاضِيٍّ قَوِيٍّ بِمَا يَكْفِي، يَحْتَوِي بِالضَّرُورَةِ عَلَى عِبَارَاتٍ صَحِيحَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ النِّظَامُ نَفْسُهُ إِثْبَاتَهَا مِنْ دَاخِلِهِ. هَذَا مَا أُسَمِّيهِ «نَظَرِيَّةَ عَدَمِ الِاكْتِمَالِ».
صَمَتَ سَامِرٌ لَحْظَةً يَسْتَوْعِبُ فِيهَا مَا سَمِعَ، ثُمَّ سَأَلَ:
ـ وَكَيْفَ يَتَّصِلُ هَذَا بِمُشْكِلَتِي مَعَ يَوْمِي الْمَفْقُودِ؟
فَكَّرَ غُودِل طَوِيلًا، يَدَاهُ تَتَحَرَّكَانِ فِي الْهَوَاءِ بِإِيمَاءَاتٍ مُعِيدَةً لِبِنَاءِ أَفْكَارٍ لَا تَرَاهَا الْعَيْنُ:
ـ رُبَّمَا بِطَرِيقَةٍ مَجَازِيَّةٍ عَمِيقَةٍ جِدًّا.
قَالَهَا كَمَنْ يَضَعُ قَدَمَهُ بِعِنَايَةٍ عَلَى جِسْرٍ يَخْبُرُ مَتَانَتَهُ:
ـ رُبَّمَا يَوْمُكَ الْمَفْقُودُ «صَحِيحٌ» بِمَعْنَى أَنَّهُ حَدَثَ فِعْلًا، لَهُ وَاقِعٌ مَوْضُوعِيٌّ حَقِيقِيٌّ، لَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ «غَيْرَ قَابِلٍ لِلْإِثْبَاتِ الْكَامِلِ» ضِمْنَ «نِظَامِكَ» الْخَاصِّ، أَيْ ضِمْنَ ذَاكِرَتِكَ الْوَاعِيَةِ الْفَرْدِيَّةِ وَحْدَهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ غَرِيبَةٍ تَتَشَكَّلُ فِي الْعُمْقِ، كَأَنَّ شَيْئًا يَنْمُو فِي تُرْبَةٍ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا خَصْبَةٌ:
ـ تَقْصِدُ أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ حَقَائِقُ عَنْ حَيَاتِي صَحِيحَةٌ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ إِثْبَاتَهَا أَبَدًا بِالِاعْتِمَادِ عَلَى عَقْلِي الْفَرْدِيِّ وَحْدَهُ؟
أَوْمَأَ غُودِل بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ وَاضِحٍ، كَمَنْ رَأَى تِلْمِيذًا يَقْفِزُ فَوْقَ الْخُطْوَاتِ الْمُتَوَقَّعَةِ:
ـ بِالضَّبْطِ هَذَا مَا أُحَاوِلُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ بِوُضُوحٍ مُتَعَمَّدٍ:
ـ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ، حِينَ نُوَاجِهُ عِبَارَةً لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا ضِمْنَ نِظَامٍ مُعَيَّنٍ، نَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى «نِظَامٍ أَوْسَعَ». أَدَوَاتٍ إِضَافِيَّةٍ مِنْ خَارِجِ ذَلِكَ النِّظَامِ الْمَحْدُودِ، لِلْوُصُولِ إِلَى حَقِيقَتِهَا.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً كَأَنَّهُ يَسْمَحُ لِلْفِكْرَةِ بِالتَّنَفُّسِ، ثُمَّ أَكْمَلَ:
ـ رُبَّمَا، بِالْمِثْلِ، تَحْتَاجُ أَنْتَ إِلَى «أَدَوَاتٍ» مِنْ خَارِجِ ذَاكِرَتِكَ الْفَرْدِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ، لِتَقْتَرِبَ مِنْ فَهْمِ يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ.
سَأَلَ سَامِرٌ:
ـ مَا هَذِهِ «الْأَدَوَاتُ» الْإِضَافِيَّةُ الَّتِي تَقْصِدُهَا؟
أَخَذَ غُودِل نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ رَدَّ بِتَأَنٍّ لَا يَسْتَعْجِلُ:
ـ شَهَادَاتُ آخَرِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
ثُمَّ أَضَافَ:
ـ سِجِلَّاتٌ خَارِجِيَّةٌ، رَسَائِلُ، يَوْمِيَّاتٌ، صُوَرٌ، أَيُّ أَثَرٍ مَادِّيٍّ تَرَكَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي الْعَالَمِ خَارِجَ رَأْسِكَ.
ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ إِثَارَةً:
ـ وَحَتَّى أَنْمَاطٌ سُلُوكِيَّةٌ لَاحِقَةٌ فِي حَيَاتِكَ قَدْ تُشِيرُ، بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، إِلَى طَبِيعَةِ مَا حَدَثَ. كَمَا يُشِيرُ الِاضْطِرَابُ الْمُفَاجِئُ فِي سَيْرِ كَوْكَبٍ إِلَى وُجُودِ جِرْمٍ سَمَاوِيٍّ لَا تَرَاهُ الْعَيْنُ لَكِنَّهُ يَسْحَبُهُ مِنَ الْخَفَاءِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمَلِيَّةٍ تَتَضَحُ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ مُؤَرِّخَةٍ الْتَقَيْتُهَا فِي رِحْلَتِي هُنَا، حِينَ نَصَحَتْنِي بِالْبَحْثِ فِي مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ بَدَلَ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
أَوْمَأَ غُودِل بِرَأْسِهِ بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ مُثِيرٌ جِدًّا أَنَّ حَقْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَمَامًا، الرِّيَاضِيَّاتُ وَالتَّارِيخُ، يَصِلَانِ إِلَى نَفْسِ الْمَبْدَأِ الْأَسَاسِيِّ الْعَمِيقِ.
قَالَهَا بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ الْمُتَجَدِّدَةَ، كَمَنْ يَرَى نَفْسَ الشَّكْلِ يَظْهَرُ فِي مَرَايَا مُتَعَدِّدَةٍ:
ـ لَا يُمْكِنُ لِنِظَامٍ وَاحِدٍ مَحْدُودٍ أَنْ يَحْتَوِيَ كُلَّ الْحَقَائِقِ الْمُمْكِنَةِ عَنْهُ. يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى تَجَاوُزِ حُدُودِهِ الْخَاصَّةِ لِتَحْقِيقِ فَهْمٍ أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ.
ثُمَّ أَضَافَ بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ:
ـ هَذَا صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَكُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَعْدَادِ الصَّحِيحَةِ أَمْ عَنِ الذَّاكِرَةِ الْبَشَرِيَّةِ.
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالًا أَعْمَقَ، كَأَنَّ الْمَحَادَثَةَ فَتَحَتْ فِيهِ بَابًا كَانَ مُوَارَبًا:
ـ هَلْ تَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الِاكْتِشَافَ، أَنَّ هُنَاكَ حُدُودًا لِمَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ حَتَّى فِي الرِّيَاضِيَّاتِ، أَمْرٌ مُحْبِطٌ أَمْ مُحَرِّرٌ بِالنِّسْبَةِ لَكَ؟
تَوَقَّفَ غُودِل لَحْظَةً طَوِيلَةً.
كَانَ صَمْتُهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَحْمِلُ وَزْنَهُ الْخَاصَّ، لَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَمْلَأُهُ الْإِنْسَانُ بِكَلَامٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ السُّكُوتَ.
ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ لَا يَتَزَيَّنُ:
ـ مَزِيجٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ مَعًا، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ.
نَظَرَ إِلَى السَّبُّورَةِ نَظْرَةَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى مِرْآةٍ، ثُمَّ تَابَعَ:
ـ هُنَاكَ جُزْءٌ مِنِّي كَانَ يَحْلُمُ بِأَنَّ الرِّيَاضِيَّاتِ، أَنْقَى أَشْكَالِ الْمَنْطِقِ الْبَشَرِيِّ وَأَشَدِّهَا صَرَامَةً، يُمْكِنُ أَنْ تَصِلَ يَوْمًا إِلَى يَقِينٍ كَامِلٍ مُطْلَقٍ بِلَا أَيِّ حُدُودٍ مُتَبَقِّيَةٍ.
تَوَقَّفَ، وَفِي وَجْهِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ أَثَرَ حُلْمٍ خُيِّبَ دُونَ مَرَارَةٍ:
ـ كَانَ هَذَا حُلْمًا جَمِيلًا، لَكِنَّهُ كَانَ أَيْضًا نَوْعًا مِنَ الْوَهْمِ الْمُبَجَّلِ. وَحِينَ أَثْبَتَتِ الرِّيَاضِيَّاتُ نَفْسُهَا أَنَّ هَذَا الْحُلْمَ مُسْتَحِيلٌ، كَانَ الصَّدْمَةُ وَالتَّحَرُّرُ يَصِلَانِ مَعًا فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ:
ـ الْجُزْءُ الْآخَرُ مِنِّي يَشْعُرُ بِتَحَرُّرٍ حَقِيقِيٍّ. إِدْرَاكٌ أَنَّ حَتَّى أَكْثَرَ الْأَنْظِمَةِ دِقَّةً وَصَرَامَةً فِي الْكَوْنِ الْبَشَرِيِّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَامِلًا بِذَاتِهِ، وَأَنَّ هَذَا، بِطَرِيقَةٍ مَا، رُبَّمَا طَبِيعِيٌّ وَضَرُورِيٌّ لِاسْتِمْرَارِ الْبَحْثِ وَالِاكْتِشَافِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ سَامِرٌ:
ـ هَذَا يَبْدُو وَكَأَنَّكَ تَقُولُ: قَبُولُ النَّقْصِ لَيْسَ هَزِيمَةً، بَلْ هُوَ شَرْطٌ ضَرُورِيٌّ لِاسْتِمْرَارِ الْفَهْمِ.
أَوْمَأَ غُودِل بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ:
ـ هَذِهِ صِيَاغَةٌ جَمِيلَةٌ جِدًّا لِمَا أُحَاوِلُ قَوْلَهُ.
ثُمَّ أَضَافَ:
ـ خُذِ الرِّيَاضِيَّاتِ نَفْسَهَا مِثَالًا: بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ الرِّيَاضِيُّونَ أَنَّ هُنَاكَ مَسَائِلَ لَا يُمْكِنُ حَلُّهَا ضِمْنَ نِظَامٍ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَتَوَقَّفِ الرِّيَاضِيُّونَ عَنِ الْعَمَلِ. بَلِ انْطَلَقُوا يَبْنُونَ أَنْظِمَةً أَوْسَعَ، يَسْتَكْشِفُونَ آفَاقًا جَدِيدَةً، كَأَنَّ إِثْبَاتَ الْحُدُودِ كَانَ دَعْوَةً لِلسَّفَرِ لَا سِجْنًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَشْبِهُ السَّلَامَ الْفِكْرِيَّ يَسْتَقِرُّ فِيهِ، لَيْسَ سَلَامَ الرَّاضِي بِالْجَهْلِ، بَلْ سَلَامَ مَنْ فَهِمَ أَنَّ الْجَهْلَ نَفْسَهُ خَرِيطَةٌ لَا جِدَارٌ:
ـ شُكْرًا لَكَ، عَلَى هَذَا الْفَهْمِ الْعَمِيقِ.
ابْتَسَمَ غُودِل ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، عَادَ وَنَظَرَ إِلَى مُعَادَلَتِهِ الطَّوِيلَةِ بِعَيْنَيِ الْمُحِبِّ، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُمْسِكُ الطَّبَاشِيرَ مِنْ جَدِيدٍ:
ـ اذْهَبِ الْآنَ، يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: حُدُودُ ذَاكِرَتِكَ الْفَرْدِيَّةِ لَيْسَتْ فَشَلًا شَخْصِيًّا.
كَتَبَ رَمْزًا وَاحِدًا عَلَى السَّبُّورَةِ، ثُمَّ أَكْمَلَ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ:
ـ بَلْ هِيَ رُبَّمَا تَعْبِيرٌ طَبِيعِيٌّ عَنْ حَقِيقَةٍ أَعْمَقَ: لَا نِظَامَ، مَهْمَا كَانَ قَوِيًّا، يَسْتَطِيعُ احْتِوَاءَ كُلِّ الْحَقِيقَةِ وَحْدَهُ.
بَدَأَ الْمَكْتَبُ الْأَكَادِيمِيُّ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، الرُّمُوزُ الرِّيَاضِيَّةُ عَلَى السَّبُّورَةِ تَذُوبُ كَأَنَّهَا كُتِبَتْ عَلَى مَاءٍ، وَصَوْتُ الطَّبَاشِيرِ يَبْتَعِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ الْمَعْتَادِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِقَلْبٍ مُحَاطٍ بِشَظَايَا مُتَنَاثِرَةٍ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّقْشِ طَوِيلًا.
كَانَ الْقَلْبُ فِي وَسَطِ الشَّظَايَا لَا يَبْدُو مَجْرُوحًا، بَلْ كَانَ يَبْدُو كَأَنَّ الشَّظَايَا نَبَعَتْ مِنْهُ هُوَ، كَضَوْءٍ انْكَسَرَ فَتَعَدَّدَتْ أَلْوَانُهُ.
قَالَ الْعَجُوزُ بِصَوْتٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الرِّفْقِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَهُ:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، صَعْبَةٌ عَاطِفِيًّا.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يَزِنُ الْكَلِمَاتِ:
ـ سَتُقَابِلُ طَبِيبًا يَعِيشُ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ أَصْعَبِ أَنْوَاعِ الصَّدَمَاتِ النَّفْسِيَّةِ، تِلْكَ الَّتِي تَنْتُجُ عَنِ الْحَرْبِ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ تَحْمِلُ ثِقَلَ مَا تَقُولُ:
ـ حَيْثُ تَسْجُنُ لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ مَرْوَعَةٌ ضَحَايَاهَا فِيهَا إِلَى الْأَبَدِ تَقْرِيبًا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الْبَابِ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِلَى الشَّظَايَا الْمُتَنَاثِرَةِ حَوْلَ الْقَلْبِ فِي النَّقْشِ.
وَأَدْرَكَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ بَعْضَ الذَّاكِرَاتِ لَا تُنْسَى لِأَنَّهَا خُزِّنَتْ فِي مَكَانٍ خَاطِئٍ، بَلْ لِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ هِيَ نَفْسَهَا الْمَكَانَ.
________________________________________
