متحف الأيام المفقودة 55

مُتحَفُ الأيَّامِ المَفقودَة
الفَصلُ الخامسُ والخَمسون: الرّاوي الضَّرير
________________________________________
كانَتِ القاعةُ التَّاليةُ عالَماً قائِماً بِذاتِه، لا تُشبِهُ ما سَبَقَها مِن قاعاتٍ ذاتِ جُدرانٍ وأسقُفٍ وإضاءةٍ مُصطَنَعة.
لم يَجِد سامِرٌ نَفسَهُ داخِلَ بِناءٍ حينَ عَبَرَ العَتَبةَ هذِه المَرَّة، بَل وَجَدَ نَفسَهُ في فَضاءٍ مَفتوحٍ تَحتَ سَماءٍ إِفريقيَّةٍ لا حَدَّ لِسَعتِها، وَشَجَرةُ باوبابٍ ضَخمةٌ تَنتَصِبُ في وَسَطِ المَكانِ كأَنَّها شاهِدُ عِيانٍ صَمَدَ مُنذُ فَجرِ الخَليقة، جِذعُها المُتَشَعِّبُ يَشُقُّ التُّرابَ الأَحمَرَ الدَّافِئَ كَمَخالِبِ كائِنٍ أُسطوريٍّ تَمَسَّكَ بِالأَرضِ رافِضاً أَن يَرحَل.
كانَت ظِلالُها الواسِعةُ تُغَطِّي حَلقةً كامِلةً مِنَ البَشَر، رِجالٌ ونِساءٌ وأَطفالٌ وشُيوخٌ، جُلوسٌ عَلى التُّرابِ وَعلى حِجارةٍ مُصطَفَّةٍ بِعِنايةٍ واضِحةٍ، أَجسادُهُم ساكِنةٌ وَعُيونُهُم مَصبوبةٌ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ يَجلِسُ في مَركَزِ الحَلقة.
كانَ الرَّجُلُ في السَّبعينَ مِن عُمُرِه، وَجهُهُ مَنحوتٌ بِيَدِ الزَّمَنِ نَحتاً أَنيقاً، يَحمِلُ مِن كُلِّ تَجعُّدٍ فيهِ حِكايةً لا تَبوحُ بِها دُفعةً واحِدة.
عَيناهُ كانَتا مُغمَضَتَينِ إِغماضاً تامَّاً، لَيسَ كَنَومٍ وَلا كَغَفلَة، بَل كَمَن أَغمَضَهُما إِغماضاً إِراديَّاً ليَرى بِهِما العالَمَ الآخَرَ الَّذي لا تُدرِكُه المَقلَتانِ المَفتوحَتان.
في حِجرِهِ آلَةٌ وَتَريَّةٌ بَسيطةُ الشَّكلِ عَميقةُ الصَّوت، خَشَبُها داكِنٌ لامِعٌ بِبَريقِ الأُلفَةِ وَكَثرةِ اللَّمس، وَوَتَرانِ اثنانِ فَقَط يُضامَّانِ بَعضَهُما بِحَنانٍ لا يَختَلِفُ عَن حَنانِ يَدَي أَبٍ يَحمِلُ طِفلَه.
صَوتُ الرَّجُلِ حينَ أَطلَقَهُ مَلَأَ المَكانَ دونَ أَن يَرفَعَه، مَلَأَهُ كَما يَملَأُ الماءُ الإِناءَ الَّذي صُنِعَ لَه تَحديداً، لا يَفيضُ وَلا يَنقُص.
________________________________________
تَوَقَّفَت خُطُواتُ سامِرٍ حينَ سَمِعَ الصَّوتَ يَتَوجَّهُ إِليهِ وَحدَه، دونَ أَن يَلتَفِتَ الرَّجُلُ أَو يَفتَحَ عَيناً.
ـ اقتَرِب، أَيُّها الغَريب.
لَم يَكُن الأَمرُ دَعوةً بِقَدرِ ما كانَ تَحديداً لِحَقيقةٍ: أَنَّ المَكانَ يَعلَمُ بِوُجودِهِ وَيَنتَظِرُه.
ـ لا أَرى بِعَينَيَّ، وَلَم أَرَ بِهِما مُنذُ زَمَنٍ طَويلٍ. لَكِنَّني أَسمَعُ خُطُواتِكَ، وَخُطُواتُكَ تَحمِلُ سُؤالاً ثَقيلاً.
اقتَرَبَ سامِرٌ بِبُطءٍ، شاعِراً بِشَيءٍ يَشُدُّهُ نَحوَ هذِهِ الحَلقَةِ الصَّامِتةِ كَما تَشُدُّ الجاذِبيَّةُ الأَجسامَ نَحوَ مَركَزِها.
ـ أَنا سامِر.
قالَها وَلَم يَعرِف ماذا يُضيف، كَأَنَّ الاسمَ وَحدَهُ كافٍ هُنا، وَكَأَنَّ هذا الرَّجُلَ يَعرِفُه بِالفِعل.
ـ كَيفَ عَرَفتَ أَنَّني هُنا؟
ابتَسَمَ الرَّجُلُ ابتِساماً هادِئاً، كَمَن يَسمَعُ سُؤالاً يَسمَعُهُ كَثيراً وَلا يَملُّ مِنه.
ـ أَنا غِريوت. راوٍ وَحافِظٌ لِتاريخِ شَعبي كُلِّه، مِن جَدِّ الجَدِّ حَتَّى ابنِ اليَوم. حِفظُ ما يَدورُ حَولي هوَ عَمَلي وَنَفَسي وَكَيانُ وُجودي.
ثُمَّ أَضافَ بِنَبرةٍ أَكثَرَ تَأَمُّلاً:
ـ فَقَدتُ بَصَري وَأَنا صَغيرٌ بَعدُ، حينَ كانَ العالَمُ لا يَزالُ بِحُدودِ القَريةِ وَحُدودِ الطُّفولة. وَقَد جَعَلَ هذا المُصابُ مِن أُذُنَيَّ آلَتَي قِياسٍ دَقيقَتَينِ لا تُخطِئان، وَمِن ذاكِرَتي خَزَّاناً أَعمَقَ بِكَثيرٍ مِمَّا كانَ سَيَكونُ لو بَقِيَ بَصَري سَليماً.
ـ أَهذا شَيءٌ تُؤمِنُ بِهِ، أَم شَيءٌ خَبِرتَهُ يَقيناً؟
ـ الإِيمانُ الحَقيقيُّ لا يَسبِقُ التَّجرِبةَ بَل يَنبَثِقُ مِنها. وَتَجرِبَتي في سَبعينَ عاماً عَلَّمَتني أَنَّ كُلَّ حاسَّةٍ تَضعُفُ تَهَبُ قُدرَتَها لِأُختِها، وَكُلَّ بابٍ يُغلَقُ يَفتَحُ جِداراً فيهِ نافِذةٌ أَوسَع.
________________________________________
جَلَسَ سامِرٌ عَلى الأَرضِ أَمامَهُ، وَلا إِذنَ طَلَبَهُ وَلا إِذنَ مُنِحَ لَه، فَقَط شَيءٌ ما في المَكانِ قالَ لَه: هُنا مَكانُك الآن.
ـ ماذا تَحفَظُ بِالضَّبط؟
ـ كُلَّ شَيءٍ تَقريباً.
قالَها بِلا ادِّعاءٍ وَلا مُبالَغة، بِواقِعيَّةِ مَن يُعدِّدُ ما يَجِدُهُ في بَيتِه.
ـ أَحفَظُ أَنسابَ العائِلاتِ الكُبرى في قَبيلَتي عَبرَ عِشرينَ جِيلاً وَأَكثَر. أَحفَظُ حُروباً قَديمةً وَمَن أَشعَلَها وَمَن أَطفَأَها وَبِأَيِّ ثَمَن. أَحفَظُ اتِّفاقِياتِ سَلامٍ وَالكَلِماتِ بِعَينِها الَّتي قيلَت حينَ وُقِّعَت. أَحفَظُ حِكَماً وَأَمثالاً وَرِدَّ فِعلِ كُلِّ مَثَلٍ مِنها عَلى ألسُنِ مَن سَمِعوه. أَحفَظُ أَغاني الأَعراسِ وَأَغاني المَآتِم، الأُغنِيةَ ذاتَها أَحياناً تُغنَّى في المَقامَينِ كِلَيهِما حينَ يَقتَضي الحالُ ذلِك.
ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ وَأَشارَ إِلى رَأسِه بِحَرَكةٍ بَسيطةٍ هادِئة:
ـ كُلُّ هذا مَحفوظٌ هُنا.
وَبَعدَها، وَبِبُطءٍ ذي مَعنى، أَنزَلَ يَدَهُ وَوَضَعَها عَلى صَدرِه، فَوقَ قَلبِهِ مُباشَرةً:
ـ وَلَيسَ هُنا فَقَط، بَل هُنا أَيضاً.
________________________________________
شَعَرَ سامِرٌ بِشَيءٍ يَتَحَرَّكُ في داخِلِه، تَساؤُلٌ نَبَعَ مِن فُضولٍ حَقيقيٍّ لا مِن مُجَرَّدِ أَدَبٍ في الحَديث.
ـ كَيفَ تَحفَظُ كُلَّ هذا الكَمِّ الهائِلِ دونَ أَن تُدَوِّنَ شَيئاً مِنه؟
ضَحِكَ الرَّاوي ضَحِكةً دافِئةً انسَرَبَت بَينَ الحُضورِ الصَّامِتِ كَنَسيمٍ يَمُسُّ الوُجوه.
ـ هذا السُّؤالُ يَطرَحُهُ عَلَيَّ كُلُّ غَريبٍ يَأتي مِن ثَقافاتِ الكِتابة. وَأَفهَمُه، فَأَنتُم بَنَيتُم حَضارَتَكُم عَلى الكَلِمةِ المَكتوبةِ حَتَّى بِتُّم لا تَستَطيعونَ تَخيُّلَ ذاكِرةٍ حَيَّةٍ بِلا ورَق.
أَجراسُ الآلَةِ الوَتَريَّةِ رَنَّت بِنَغمةٍ واحِدةٍ خَفيفةٍ كَأَنَّها تُؤكِّدُ ما يَقول.
ـ الجَوابُ بَسيطٌ في جَوهَرِهِ وَمُعَقَّدٌ في تَفاصيلِه. أَنا لا أَحفَظُ مَعلوماتٍ كَقَوائِمَ مُنفَصِلةٍ جامِدة، لا أَقولُ لِنَفسي: “الشَّخصُ الفُلانيُّ مَولودٌ في العامِ الفُلاني، وَمَتَّ في الحَربِ الفُلانيَّة”. هذِهِ طَريقةٌ مَيِّتةٌ في الحِفظ، تَنكَسِرُ وَتَتَساقَطُ حينَ لا يُكرِّرُها صاحِبُها كُلَّ يَوم.
تَوَقَّفَ لَحظةً، ثُمَّ نَزَلَت أَنامِلُهُ عَلى الوَتَرَينِ بِلُطفٍ فَخَرَجَ مِنهُما لَحنٌ يَتَنفَّسُ.
ـ أَنا أَحفَظُ القِصَّة. قِصَّةً واحِدةً مُتَّصِلةً حَيَّةً تَتَدَفَّقُ بِإيقاعٍ موسيقيٍّ مُعَيَّن. حينَ أَعزِفُ هذِهِ الآلةَ وَأَبدَأُ بِالغِناء، الكَلِماتُ تَأتي وَحدَها، مَشدودةً بِاللَّحنِ كَما تَنسابُ الخَرَزاتُ عَلى خَيطِها. ذاكِرَتي هيَ ذاكِرةُ جَسَدي بِقَدرِ ما هيَ ذاكِرةُ عَقلي، الإيقاعُ في يَدي، وَالمَعنى في قَلبي، وَالكَلِماتُ بَينَهُما تَجِدُ طَريقَها.
ـ هذا يُشبِهُ ما قالَتهُ لي الكاهِنةُ الكِلتِيَّةُ عَن الذَّاكِرةِ الشَّفَهيَّة، عَن الشِّعرِ الَّذي يَحفَظُ التَّاريخَ بِبِنيَتِهِ لا بِكَلِماتِهِ فَقَط.
أَومَأَ الرَّاوي بِرَأسِهِ بِإِعجابٍ حَقيقي:
ـ ربَّما تَشارَكنا حِكمةً مُتَشابِهةً، رَغمَ أَنَّ قارَّتَينا تَفصِلُهُما بِحارٌ وَقُرونٌ وَلُغاتٌ لا تُحصى. الصَّوتُ وَالإيقاعُ وَالقِصَّةُ ثَلاثَةُ أَعمِدةٍ يَقومُ عَليها العَقلُ البَشَريُّ حيثُما حَلَّ وَكَيفَما اختَلَف.
________________________________________
سَكَتَ الرَّاوي لَحظةً ثُمَّ أَشارَ بِيَدِهِ في الهَواءِ كَمَن يُمَهِّدُ لِكَلامٍ أَهَمّ:
ـ لَكِنَّني أُريدُ أَن أُحَدِّثَكَ عَن جانِبٍ آخَرَ في عَمَلي، جانِبٍ يَتَعَلَّقُ مُباشَرةً بِسُؤالِكَ أَنتَ.
ـ تَفَضَّل.
ـ حينَ أَروي قِصَّةً عَن جَدِّكَ الأَكبَر، مَثَلاً، أَو عَن حَدَثٍ مُهِمٍّ في تاريخِ عائِلَتِك، أَنا لا أَرويها كَحَقائِقَ مُنفَصِلةٍ عَن أَفرادٍ مُنعَزِلين. ما أَرويهِ هوَ شَبَكةٌ كامِلةٌ مِنَ العَلاقاتِ: مَن تَزَوَّجَ مِن، وَمَن قاتَلَ مَن، وَمَن مَدَّ يَدَهُ لِغَيرِهِ في وَقتِ الشِّدَّة، وَمَن سَحَبَها وَمَلَّها حِينَ طالَ البَلاء.
وَقَدَّمَ الوَتَرَينِ مَعاً بِإِصبَعَيه، فَاندَمَجَ الصَّوتانِ في صَوتٍ واحِدٍ أَعمَق:
ـ الذَّاكِرةُ الفَرديَّةُ، في تَقاليدِنا، لا تَنفَصِلُ أَبَداً عَن الذَّاكِرةِ الجَماعيَّةِ لِلعائِلةِ وَالقَبيلةِ كُلِّها. أَنتَ لَستَ فَقَط ما تَتَذَكَّرُه، بَل أَنتَ أَيضاً ما يَتَذَكَّرُهُ الآخَرونَ عَنك.
تَلَقَّفَ سامِرٌ هذِهِ الفِكرةَ وَشَعَرَ بِشَيءٍ يَتَشَكَّلُ في جَوفِه:
ـ هذا يُشبِهُ ما قالَتهُ لي الفَيلَسوفةُ الإِفريقيَّةُ عَن أُوبُونتو، أَن هُويَّتي الفَرديَّةَ لا تَكتَمِلُ إِلَّا بِصِلَتِها بِهُويَّةِ الجَماعة.
ـ بِالضَّبط! وَلَيسَ هذا شِعراً جَميلاً فَحَسب، بَل هوَ حَقيقةٌ عَمَليَّةٌ يَوميَّة. الطِّفلُ الَّذي يَنشَأُ بَينَنا يَتَعَلَّمُ مَن هوَ لَيسَ بِالمَرايا وَحدَها، بَل بِعُيونِ مَن يُحِبُّونَه، وَبِالقِصَصِ الَّتي يَرويها الكِبارُ عَنهُ وَهوَ يَسمَعُها وَلا يَزالُ صَغيراً بَعد.
________________________________________
تَوَقَّفَ الرَّاوي عَن العَزفِ فَجأةً وَأَدارَ وَجهَهُ نَحوَ سامِرٍ بِطَريقةٍ أَشعَرَت الأَخيرَ بِأَنَّ العَمى لَم يَكُن إِلَّا خِداعاً وَأَنَّ هذِهِ العَينانِ تَراهُ جَيِّداً:
ـ ربَّما، يا سامِر، إِن كُنتَ تَبحَثُ عَن يَومِكَ المَفقود، عَليكَ أَن تُفَكِّرَ فيهِ لَيسَ كَحَدَثٍ مُنعَزِلٍ يَخُصُّكَ أَنتَ وَحدَك. فَكِّر فيهِ كَجُزءٍ مِن شَبَكةٍ أَكبَرَ بِكَثيرٍ مِنَ العَلاقاتِ وَالأَحداثِ المُتَشابِكَة. مَن كانَ حاضِراً في حَياتِكَ في تِلكَ الفَترة؟ وَماذا كانَ يَحدُثُ لِعائِلَتِكَ في تِلكَ الأَيَّام؟ ماذا كانَ يَحدُثُ لِأَصدِقائِكَ وَلِجيرانِكَ وَلِمَدينَتِكَ وَلِمُجتَمَعِكَ الأَوسَع؟ اليَومُ المَفقودُ لا يُوجَدُ في فَراغٍ، هوَ مَحاطٌ بِزَمانٍ وَمَكانٍ وَبَشَر.
ـ هذا يَفتَحُ أَبعاداً لَم أَستَكشِفها بَعد.
ـ لأَنَّكَ كُنتَ تَبحَثُ في غُرفةٍ مُعتِمةٍ وَمِصباحُكَ مُوجَّهٌ نَحوَ الجِدارِ فَقَط.
في تَقاليدِنا، حينَ يَفقِدُ شَخصٌ ذاكِرةً مُعَيَّنةً، لا نَترُكُهُ يَبحَثُ عَنها وَحدَه. نَجتَمِعُ حَولَهُ، يَرويَ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا ما يَتَذَكَّرُهُ مِن تِلكَ الفَترَة، حَتَّى لَو كانَت ذِكرياتٍ صَغيرةً هامِشِيَّةً لا يَحسِبُها صاحِبُها تُساوي الكَلام. وَنَجلِسُ مَعاً نُعيدُ بِناءَ الصُّورةِ الأَكبَرَ قِطعةً قِطعَة، كَما يُعيدُ الحِرفيُّ تَركيبَ آنيةٍ مُهَشَّمةٍ لا يُلقيها إِلى زاويةِ النِّسيان.
ـ هَل تَظُنُّ أَنَّ هذا يُمكِنُ أَن يُساعِدَني، حَتَّى لَو كُنتُ بَعيداً عَن أَيِّ جَماعةٍ مِن هذا النَّوع؟
فَكَّرَ الرَّاوي طَويلاً قَبلَ أَن يُجيب، وَفي صَمتِهِ كانَ الهَواءُ الإِفريقيُّ يَنقُلُ مِن بَعيدٍ رائِحةَ نارٍ وَمَطَرٍ قادِم:
ـ عَليكَ أَن تَخلُقَ جَماعَتَكَ الخاصَّة. لَيسَت بالضَّرورةِ جَماعةً تَجلِسُ تَحتَ شَجَرةٍ كَهذِه، لَكِن جَماعةً مِن شَكلٍ آخَر. اجمَع مَن يَعرِفونَك. اطلُب مِنهُم أَن يُشارِكوكَ ذِكرياتِهِم عَنكَ في تِلكَ الفَترةِ بِالذَّات، حَتَّى لَو بَدَت لَهُم صَغيرةً وَتافِهةً وَغَيرَ جَديرةٍ بالإِخبار. قِطعةُ خَشَبٍ واحِدةٌ لا تُشعِلُ ناراً. لَكِنَّ عَشرَ قِطَعٍ مُجتَمِعةٍ تُضيءُ اللَّيلَ كُلَّه.
________________________________________
وَقَفَ سامِرٌ بَعدَ صَمتٍ وَشَعَرَ بِأَنَّ فِكرةً عَمَليَّةً حَقيقيَّةً قَد اسَتَقَرَّت فيهِ، لا كَفِكرةٍ تُفَكَّرُ بَل كَخُطوةٍ تُخطى.
ـ شُكراً لَك.
وَبَدَأَ الرَّاوي يَعزِفُ لَحناً هادِئاً مُتَصاعِداً، لَحنٌ يَحمِلُ في طَيَّاتِهِ شَيئاً يُشبِهُ التَّوديعَ وَلا يُشبِهُ الفِراق:
ـ اذهَب الآن، يا سامِر. وَاحمِل مَعكَ هذا: ذاكِرَتُكَ لَيسَت مِلكَكَ وَحدَك.
هيَ جُزءٌ مِن نَسيجٍ أَكبَر، يَحمِلُهُ آخَرونَ مَعَك، يَحمِلونَ فيهِ خُيوطاً لا تَعلَمُ أَنَّها تُتِمُّ لَونَكَ حَتَّى تَراها مَضفورةً بِجانِبِك.
بَدَأَت ساحةُ القَريةِ وَشَجَرةُ الباوبابِ الضَّخمةُ تَتَلاشى بِبُطءٍ كَما يَتَلاشى حُلمٌ حينَ تَفتَحُ عَيناً واحِدة، لا يَختَفي دُفعةً وَاحِدةً بَل يَتَراجَعُ خَطوةً خَطوة، كَأَنَّهُ يَمنَحُكَ وَقتاً كافياً لِتُوَدِّعَه.
________________________________________
عادَ سامِرٌ إِلى الرَّواقِ المَعتادِ وَالعَجوزُ يَنتَظِرُهُ بِجانِبِ بابٍ مَنقوشٍ عَليهِ أُذُنٌ كَبيرةٌ تُحيطُها أَمواجٌ صَوتيَّةٌ مُتَجَمِّدةٌ في حَجَر، كَمَن أَمسَكَ الصَّوتَ في لَحظَةِ وَلادَتِهِ وَقالَ لَه: لَن أَدَعَكَ تَمضي.
نَظَرَ العَجوزُ إِليهِ بِعَينَينِ تَرَيانِ أَكثَرَ مِمَّا تَقولانِ:
ـ القاعةُ التَّاليةُ، يا سامِر، تَحمِلُ صَوتَ امرَأةٍ تُؤَلِّفُ موسيقى عَظيمة، رَغمَ فَقدانِها لِحاسَّةِ السَّمعِ تَماماً، الحاسَّةِ الَّتي يَظُنُّ الجَميعُ أَنَّها أَساسُ كُلِّ فَنٍّ كَهذا.

متحف الأيام المفقودة 56