متحف الأيام المفقودة 61

مُتحَفُ الأيَّامِ المَفقودَة
الفَصلُ الحادي والسِّتُّون: المُصَوِّرُ في الحَرب – سَراييفو، ١٩٩٣م — «الصُّورَةُ: شاهِدٌ أَم كاذِب؟»
________________________________________
لَم تَكُنِ القاعةُ التَّاليةُ قاعةً بِالمَعنى الَّذي اعتادَهُ سامِرٌ في هذا المُتحَفِ العَجيب.
لَم يَكُن فيها سَقفٌ يَحمِلُ ثِقَلَ الأَسرار، وَلا جُدرانٌ تَعلَّقَت عَليها لَوحاتٌ أَو مَنحوتاتٌ أَو شَواهِد.
كانَت شارِعاً.
أَو ما تَبَقَّى مِن شارِعٍ بَعدَ أَن فَعَلَت الحَربُ فيهِ ما تَفعَلُه الحُروبُ في كُلِّ ما يَبنيهِ البَشَرُ بِحُبٍّ وَيُدَمِّرونَهُ بِحَماقَة.
جُدرانٌ مُتَشَقِّقةٌ تَقِفُ بِصُعوبةٍ مُؤلِمةٍ، كَأَجسادِ رِجالٍ طَعَنَهُم الزَّمَنُ وَلَم يُذعِنوا لَهُ بَعد، صامِدونَ لا لِأَنَّهُم أَقوِياء، بَل لِأَنَّ السُّقوطَ الكامِلَ يَحتاجُ هوَ الآخَرُ إِلى بَقيَّةٍ مِن طاقَة.
نَوافِذُ بِلا زُجاجٍ تَبتَلِعُ الرِّيحَ في صَمتٍ مَهيبٍ، كَأَفواهٍ فُغِرَت لِتَصرُخَ فَلَم يَصدُر عَنها غَيرُ الهَواء.
أَكوامٌ مِنَ الحِجارةِ المُتَناثِرةِ تَسُدُّ نِصفَ الطَّريق، وَمِنَ البُعدِ يَأتي صَوتُ انفِجارٍ مُتَقَطِّع، بَطيءٌ كَنَبضِ مَريضٍ لَم يُحتَضَر بَعدُ وَلَم يَتَعافَ بَعد، مُعَلَّقٌ بَينَ الحَياةِ وَما بَعدَها في المَسافةِ الأَصعَب.
________________________________________
تَوَقَّفَ سامِر.
شَعَرَ بِثِقَلِ المَكانِ يَنزِلُ عَليهِ كَأَنَّهُ غُبارٌ مَرئِيٌّ، كُتَلٌ مِن هَواءٍ أَثقَلَ مِنَ المَعتاد، تَدخُلُ الرِّئَتَينِ وَتَخرُجُ مِنهُما حامِلةً ما لا اسمَ له.
لَم يَكُنِ الخَطَرُ افتِراضاً هُنا.
لَم يَكُن احتِمالاً يُحسَبُ وَيُقدَّر.
كانَ هَواءً يَتَنَفَّسُهُ كُلُّ مَن يَمشي في هذا الشَّارِعِ الَّذي كانَ يَوماً ما شارِعاً وَصارَ اليَومَ تَذكِرةً مُتَشَقِّقةً بِما كانَ عَليه.
ثُمَّ رَآه.
رَجُلٌ في الحاديةِ والثَّلاثين، نَحيفٌ بِنَحافةِ مَن يَنسى الأَكلَ لِأَنَّهُ لا يَجِدُ وَقتاً لِلتَّفكيرِ في نَفسِه، لِأَنَّ التَّفكيرَ في النَّفسِ رَفاهِيةٌ تَشتَرِطُ هُدوءاً وَهذا المَكانُ لا يَعرِفُ الهُدوء.
يَحمِلُ كاميرا قَديمةً عَلَّقَها عَلى صَدرِهِ كَدِرعٍ أَو رُبَّما كَقَلبٍ إِضافيٍّ خارِجَ جَسَدِه، كَأَنَّهُ قَرَّرَ أَن يَضَعَ قَلبَهُ الحَقيقيَّ في مَكانٍ أَكثَرَ أَمناً وَيَستَعيضَ عَنهُ بِهذِهِ الآلةِ الَّتي تَرى وَلا تُحِسّ.
عَيناهُ تَمسَحانِ المَشهَدَ بِحِدَّةٍ مِهنِيَّةٍ لا تَكسِرُها الضَّوضاءُ وَلا الخَوف، حِدَّةُ مَن تَعَوَّدَ أَن يَرى المَوتَ قَبلَ أَن يَراهُ المَوت، مَن جَعَلَ مِن يَقَظَتِهِ الدَّائِمةِ دِرعاً ثانِياً.
كانَ يَتَحَرَّكُ بِحَذَرٍ شَديد، خُطوةً خُطوة، كَأَنَّ الأَرضَ اتِّفاقٌ هَشٌّ بَينَهُ وَبَينَ الحَياة، وَكِلاهُما يَعرِفُ أَنَّ الاتِّفاقاتِ الهَشَّةَ تُخادِع.
________________________________________
أَشارَ إِلى سامِرٍ بِيَدٍ سَريعةٍ لا تَحتَمِلُ التَّريُّث:
ـ ابقَ مُنخَفِضاً، إِن استَطَعت.
قالَها بِصَوتٍ خافِتٍ مُعتادٍ عَلى الخُفوت، صَوتُ مَن تَعَلَّمَ أَنَّ رَفعَ الصَّوتِ رَفاهِيةٌ أُخرى لا يَملِكُها.
ـ هذا المَكانُ لَيسَ آمِناً تَماماً، حَتَّى لَو بَدا هادِئاً لِلَّحظَة.
انحَنى سامِرٌ بِحَذَر، وَتَقَدَّمَ خُطوَتَينِ نَحوَ الرَّجُل:
ـ أَنا سامِر. ماذا تَفعَلُ هُنا، في وَسَطِ كُلِّ هذا الخَطَر؟
لَم يُجِب فَوراً.
رَفَعَ الكاميرا، وَضَغَطَ عَلى الزِّرِّ بِإيقاعٍ هادِئٍ يوحي بِأَنَّهُ فَعَلَ هذا آلافَ المَرَّاتِ في أَماكِنَ لا يَتَمَنَّى أَن تَراها أَيُّ عَينٍ بَشَريَّة، اِلتَقَطَ صورةً سَريعةً لِمَبنىً مُتَشَقِّقٍ يَقِفُ عَلى حافَّةِ السُّقوطِ وَلا يَسقُط، كَأَنَّهُ هوَ الآخَرُ يُصَوِّرُ.
ثُمَّ أَجاب:
ـ أُوَثِّقُ ما يَحدُثُ هُنا.
قالَها بِبَساطةِ مَن يَقولُ إِنَّهُ يَأكُلُ أَو يَنامُ، كَأَنَّ التَّوثيقَ وَسَطَ الحَربِ ليسَ شَجاعةً استِثنائِيَّةً بَل مُجَرَّدُ ما يَفعَلُه هذا الإِنسانُ حينَ يَستَيقِظُ كُلَّ صَباح.
ـ في هذِهِ الحَرب، بِكُلِّ صِدقٍ مُمكِن. أُريدُ أَن يَرى العالَمُ، الَّذي يَبدو غَيرَ مُبالٍ أَحياناً مِن بَعيد، ما يَحدُثُ فِعلاً لِأُناسٍ عاديِّينَ هُنا.
قالَ سامِرٌ بِصِدق:
ـ هذا يَبدو عَمَلاً خَطيراً جِدَّاً وَشُجاعاً في آن.
أَومَأَ بِرَأسِهِ إيماءةً بَسيطةً فيها تَعَبٌ عَميقٌ وَعَزمٌ أَصلَب، إيماءةُ مَن سُئِلَ عَن شَيءٍ يَعرِفُه وَلا يَحتاجُ لِأَن يَنفِخَ فيهِ أَو يُكَبِّره:
ـ هوَ كَذلِك، نَعَم. لَكِنَّني أُؤمِنُ بِقُوَّةٍ أَنَّ التَّوثيقَ الصَّادِقَ ضَرورِيٌّ، حَتَّى لَو كانَ مُؤلِماً، حَتَّى لَو كانَ خَطيراً عَلى حَياتي.
________________________________________
جَلَسَ سامِرٌ القُرفُصاءَ إِلى جانِبِ جِدارٍ مُتَشَقِّقٍ شَعَرَ لِلوَهلَةِ الأُولى بِأَنَّهُ سَيَهوي عَليه، لَكِنَّهُ ظَلَّ واقِفاً، كَما ظَلَّ الرَّجُلُ أَمامَهُ واقِفاً.
ـ هَل تَظُنُّ أَنَّ صُوَرَكَ تَنقُلُ الحَقيقةَ الكامِلةَ لِما يَحدُثُ هُنا؟
تَوَقَّفَ المُصَوِّر.
أَمسَكَ الكاميرا بِكِلتا يَدَيه، وَنَظَرَ إِليها كَأَنَّهُ يَسأَلُها هيَ أَيضاً نَفسَ السُّؤال، كَأَنَّها شَريكَتُهُ في الجَريمةِ والضَّمير.
ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَأَجابَ بِجِدِّيَّةٍ فَلسَفِيَّةٍ غَيرِ مُتَوَقَّعةٍ لِرَجُلٍ يَقِفُ وَسَطَ مَيدانِ حَرب:
ـ هذا سُؤالٌ صَعبٌ جِدَّاً، أُصارِعُهُ بِاستِمرارٍ في عَمَلي.
تَوَقَّفَ ثُمَّ واصَل، وَكَأَنَّهُ يَزِنُ كُلَّ كَلِمةٍ بِميزانٍ دَقيق:
ـ مِن ناحِيَة، الكاميرا تَلتَقِطُ لَحظةً حَقيقيَّةً فِعلِيَّةً جَرَت أَمامي مُباشَرةً وَلا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَزعُمَ غَيرَ ذلِك. لَكِن مِن ناحِيَةٍ أُخرى، أَنا مَن يَختارُ أَيَّ لَحظةٍ بِالضَّبطِ أَلتَقِطُها، مِن أَيِّ زاوِيَة، في أَيِّ إِطار، وَبِأَيِّ ضَوءٍ وَبِأَيِّ ظِل.
رَفَعَ إِصبَعاً واحِداً كَأَنَّهُ يُؤَكِّدُ نُقطةً بالِغةَ الأَهَمِّيَّة:
ـ هذا الاختِيار، رَغمَ أَنَّهُ يَعتَمِدُ عَلى واقِعٍ حَقيقيٍّ جَرى فِعلاً، يَحمِلُ أَيضاً تَحيُّزاً شَخصِيَّاً، رُؤيةً مَحدودةً لِمُصَوِّرٍ واحِدٍ في مَكانٍ واحِدٍ وَبِزاويةٍ واحِدة. لَيسَت الحَقيقةَ الكامِلةَ المُطلَقةَ لِكُلِّ ما يَحدُث، بَل جُزءٌ مِنها، الجُزءُ الَّذي وَقَعَت عَليهِ عَيني في تِلكَ اللَّحظةِ بِالذَّات.
________________________________________
فَكَّرَ سامِرٌ في هذا، وَشَعَرَ بِشَيءٍ يَستَقيمُ في داخِلِهِ كَعَمودٍ فِقريٍّ كانَ مُنحَنِياً:
ـ هذا يَعني أَنَّ الصُّورة، رَغمَ واقِعيَّتِها الظَّاهِريَّة، لَيسَت حَقيقةً مَوضوعِيَّةً كامِلةً تَماماً؟
ـ بِالضَّبطِ هذا ما أُصارِعُهُ أَخلاقِيَّاً وَمِهنِيَّاً بِاستِمرار.
أَدارَ الكاميرا بَينَ يَدَيهِ ببُطءٍ كَأَنَّهُ يَقلِبُ سُؤالاً لا إِجابةً:
ـ أُحاوِلُ جاهِداً أَلَّا أَتَلاعَبَ بِالصُّوَرِ لِتَخدُمَ رِوايةً مُعَيَّنةً مُسبَقَة. لَكِنَّني أَعرِفُ أَيضاً أَنَّ مُجَرَّدَ اختِياري لِما أُصَوِّرُهُ، وَما لا أُصَوِّرُه، يُشَكِّلُ بِالفِعلِ نَوعاً مِنَ الرِّوايةِ الجُزئِيَّة، حَتَّى لَو لَم أَقصِد هذا بِشَكلٍ واعٍ مُتَعَمَّد.
________________________________________
تَخَيَّلَ سامِرٌ عَقلَهُ كاميرا في يَدِ غَيرِه.
مَن اختارَ ما تَلتَقِطُه؟
مَن قَرَّرَ ما تَحتَفِظُ بِهِ وَما تَمحوه؟
وَمِمَّن أَخَذَت تَعليماتِها في لَيلةِ ذلكَ اليَومِ الَّذي لا يَتَذَكَّرُه؟
قالَ بِصَوتٍ أَهدَأ، صَوتٍ يَتَكَلَّمُ إِلى نَفسِهِ بِقَدرِ ما يَتَكَلَّمُ إِلى مُحاوِرِه:
ـ هذا يُشبِهُ مُشكِلَتي تَماماً مَعَ ذاكِرَتي. حَتَّى لَو استَعَدتُ بَعضَ ذِكرياتِ يَومي المَفقود، هَل ستَكونُ تِلكَ الذِّكرياتُ الحَقيقةَ الكامِلةَ لِما جَرى؟ أَم فَقَط صُوَرٌ جُزئِيَّةٌ اختارَتها ذاكِرَتي بِطَريقةٍ مُعَيَّنةٍ وَبِزاوِيةٍ مُعَيَّنة، لِأَسبابٍ قَد لا أَفهَمُها بِالكامِل؟
نَظَرَ إِليهِ المُصَوِّرُ بِإِعجابٍ حَقيقيٍّ لَم يَتَكَلَّفه:
ـ سُؤالٌ عَميقٌ جِدَّاً. وَأَعتَقِدُ أَنَّ الجَوابَ نَعَم، هذا صَحيحٌ تَماماً، لِذاكِرَتِكَ وَلِصُوَري مَعاً.
تَقَدَّمَ خُطوةً واحِدةً نَحوَ سامِرٍ كَأَنَّهُ يُريدُ أَن تَبلُغَهُ الكَلِماتُ التَّاليةُ مِن مَسافةٍ أَصغَر:
ـ لا تُوجَدُ حَقيقةٌ مَوضوعِيَّةٌ كامِلةٌ يُمكِنُ استِعادَتُها بِشَكلٍ مِثاليٍّ تامّ، سَواءٌ في الصُّورةِ الفُوتُوغرافِيَّةِ أَو في الذَّاكِرةِ البَشَرِيَّة. هُناكَ دائِماً اختِيار، تَأطير، تَحيُّزٌ مُعَيَّن، واعٍ أَو غَيرُ واعٍ، يُشَكِّلُ كَيفَ نَرى أَو نَتَذَكَّرُ أَيَّ حَدَث.
________________________________________
وَلِيُوَضِّحَ، ضَرَبَ لَهُ مِثالاً، وَالمِثالُ الحَقيقيُّ في مَيدانِ حَربٍ أَبلَغُ مِن أَيِّ مِثالٍ افتِراضيٍّ في قاعاتِ الفَلسَفة:
ـ خُذ صُورَتَينِ لِنَفسِ الشَّارِعِ الَّذي نَقِفُ فيهِ الآن.
أَشارَ بِيَدِهِ إِلى اليَمينِ ثُمَّ إِلى اليَسار:
ـ الأُولى تَلتَقِطُ طِفلاً يَلعَبُ بِحَجَرٍ بَينَ الأَنقاض، وَجهُهُ مُنصَرِفٌ إِلى اللَّعبةِ كَأَنَّ ما حَولَهُ جُزءٌ عاديٌّ مِن طُفولَتِه. وَالثَّانِيةُ تَلتَقِطُ جُندِيَّاً يَحمِلُ سِلاحاً خَلفَ نافِذةٍ مَهجورة، عَيناهُ تَتَفَحَّصانِ الأُفُقَ بِحِدَّةٍ لا تَعرِفُ الرَّحمَة.
ثُمَّ تَوَقَّفَ وَنَظَرَ إِلى سامِر:
ـ كِلتا الصُّورَتَينِ حَقيقِيَّتان. كِلتاهُما جَرَتا في نَفسِ المَكانِ وَنَفسِ اللَّحظَة. لَكِنَّ مَن يَرى الأُولى يُقَرِّرُ أَنَّ الحَياةَ تَستَمِرُّ رَغمَ الحَرب، وَمَن يَرى الثَّانِيةَ يُقَرِّرُ أَنَّ الخَطَرَ يَتَرَبَّصُ في كُلِّ زاوِيَة. أَيُّهُما الحَقيقَة؟ كِلتاهُما. وَلا واحِدةٌ مِنهُما وَحدَها.
________________________________________
سَأَلَ سامِر، وَفي سُؤالِهِ صَدىً لِقَلَقٍ أَعمَقَ مِمَّا تَحمِلُهُ الكَلِمات:
ـ هَل هذا يَعني أَنَّ البَحثَ عَنِ الحَقيقةِ الكامِلةِ لِيَومي عَبَثِيٌّ مِنَ الأَساس؟
هَزَّ المُصَوِّرُ رَأسَهُ بِرِفق:
ـ لا، لا أَعتَقِدُ هذا.
وَنَظَرَ إِلى الأُفُقِ المُتَشَقِّقِ أَمامَهُ:
ـ أَعتَقِدُ أَنَّ البَحثَ لَهُ قيمةٌ حَقيقِيَّة، حَتَّى لَو لَم يَصِل أَبَداً إِلى حَقيقةٍ مَوضوعِيَّةٍ كامِلةٍ مُطلَقَة. قيمةُ البَحثِ تَكمُنُ في الصِّدقِ الَّذي تَجلِبُهُ إِليه. في استِعدادِكَ لِمُواجَهَةِ ما تَجِدُه، حَتَّى لَو كانَ جُزئِيَّاً أَو مُعَقَّداً أَو مُتَناقِضاً أَحياناً، بَدَلاً مِنَ السَّعيِ وَراءَ وَهمِ اليَقينِ الكامِلِ المُستَحيل.
ثُمَّ أَضافَ بِنَبرةٍ هادِئةٍ تَحمِلُ ثِقَلَ رَجُلٍ حَمَلَ ثِقيلاً طَويلاً وَتَعَلَّمَ كَيفَ يَنوءُ بِه:
ـ الصُّورةُ الجُزئِيَّةُ الصَّادِقةُ أَشرَفُ بِكَثيرٍ مِنَ الصُّورةِ الكامِلةِ المُزَيَّفة. وَالذَّاكِرةُ الجُزئِيَّةُ الصَّادِقةُ أَثمَنُ بِكَثيرٍ مِنَ اليَقينِ المُخترَع.
________________________________________
صَمَتَ سامِرٌ لَحظةً يَستَوعِبُ فيها هذا.
ثُمَّ سَأَلَ سُؤالاً مِن نَوعٍ مُختَلِف، سُؤالٌ لا يَبحَثُ عَن مَعرِفةٍ بَل عَن مَعرِفةِ كَيفَ يَستَمِرُّ مَن يَحمِلُ ما لا يُحتَمَل:
ـ كَيفَ تَتَعامَلُ أَنتَ مَعَ ثِقَلِ ما تَراهُ وَتُوَثِّقُهُ يَومِيَّاً؟ كُلُّ هذا الدَّمار، كُلُّ هذا الأَلَمِ البَشَريّ؟
نَظَرَ المُصَوِّرُ بَعيداً.
لَم يُجِب فَوراً، كَأَنَّهُ يَبحَثُ عَنِ الكَلِماتِ في مَكانٍ أَعمَقَ مِنَ اللِّسان، في مَكانٍ لا تَصِلُهُ الكَلِماتُ عادةً فَيَضطَرُّ إِلى اصطِيادِها واحِدةً واحِدة:
ـ بِصُعوبةٍ كَبيرةٍ جِدَّاً، بِصَراحةٍ كاملَة.
قالَها بِلا تَزيينٍ وَلا تَخفيف:
ـ أَحمِلُ ثِقَلَ كُلِّ ما رَأَيتُهُ مَعي دائِماً. لَن يُفارِقَني أَبَداً تَماماً، وَلا أَعتَقِدُ أَنَّهُ يَنبَغي أَن يُفارِقَني. أَرى وُجوهاً وَأَنا نائِم، أَسمَعُ أَصواتاً حينَ يَكونُ كُلُّ شَيءٍ هادِئاً.
أَشارَ إِلى الكاميرا التي لا تُفارِقُ صَدرَه:
ـ الكاميرا تَحميكَ حينَ تَكونُ خَلفَها. تَشعُرُ أَنَّكَ تُراقِبُ لا أَنَّكَ تَعيش، وَهذا في أَوقاتٍ يَكونُ فيهِ النَّجاة. لَكِنَّ اللَّيلَ لا تُجديكَ فيهِ الكاميرا. في اللَّيلِ تَعودُ وَحدَكَ مَعَ كُلِّ ما رَأَيت، وَتَكتَشِفُ أَنَّ المُراقَبةَ لَم تَكُن بَعيدةً بِما يَكفي.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ أَضاف، وَكَأَنَّهُ يَقولُ شَيئاً يَعتَقِدُهُ لا لِأَنَّهُ مُريحٌ بَل لِأَنَّهُ ضَروريٌّ لِلاستِمرار:
ـ لَكِنَّني أَجِدُ مَعنىً في الاعتِقادِ بِأَنَّ تَوثيقي، رَغمَ كُلِّ نَقصِهِ وَتَحيُّزِهِ الحَتميّ، يُساعِدُ وَلَو قَليلاً في مَنعِ نِسيانٍ كامِلٍ لِما جَرى هُنا. في إِجبارِ العالَمِ عَلى مُواجَهةِ حَقيقة، حَتَّى لَو جُزئِيَّة، يُفَضِّلُ كَثيرونَ تَجاهُلَها لِأَنَّ التَّجاهُلَ أَهدَأُ وَأَرفَه.
________________________________________
شَعَرَ سامِرٌ بِشَيءٍ يَشتَعِلُ في صَدرِه.
إِعجابٌ، نَعَم.
لَكِن أَيضاً شَيءٌ أَقرَبُ إِلى الخَجَل، كَأَنَّ رَجُلاً يَحمِلُ ثِقَلَ العالَمِ عَلى كاهِلِهِ عَلَّمَهُ دونَ قَصدٍ كَيفَ يَشتَكي مِن ثِقَلِ قِصَّتِهِ الشَّخصِيَّة الخَفيفة.
قالَ بِصَوتٍ فيهِ شَيءٌ يُشبِهُ العَهد:
ـ شُكراً لَك. عَلى شَجاعَتِكَ، وَعَلى صِدقِكَ حَولَ حُدودِ عَمَلِكَ أَيضاً.
أَومَأَ المُصَوِّرُ بِرَأسِه، وَرَفَعَ كاميرَتَهُ مَرَّةً أُخرى نَحوَ مَشهَدٍ بَعيدٍ لا يَراهُ سامِرٌ بَعدُ:
ـ اذهَب الآن، يا سامِر، بِحَذَر.
وَبَينَما كانَ الإِصبَعُ يَرتَفِعُ نَحوَ الزِّرِّ أَضاف:
ـ وَاحمَل مَعَكَ هذا: ابحَث عَن يَومِكَ بِصِدق. لَكِن لا تَنتَظِر حَقيقةً كامِلةً مِثاليَّةً قَبلَ أَن تَمنَحَ بَحثَكَ قيمَتَهُ الحَقيقِيَّة. الصِّدقُ الجُزئيُّ أَفضَلُ بِكَثيرٍ مِنَ الصَّمتِ الكامِل.
اِلتَقَطَت الكاميرا صورةً أُخرى.
وَبَدَأَ الشَّارِعُ المُدَمَّرُ وَأَصواتُ الانفِجاراتِ البَعيدةِ تَتَلاشى بِبُطء، تَتَلاشى كَما تَتَلاشى كُلُّ حَقيقةٍ جُزئِيَّةٍ صادِقةٍ حينَ يُغلِقُ عَليها أَحَدٌ بابَه، لَكِنَّها لا تَختَفي، بَل تَنتَقِلُ إِلى مَكانٍ آخَرَ تَنتَظِرُ فيهِ مَن يَفتَحُ لَها بابَه ثانِيَة.
________________________________________
عادَ سامِرٌ إِلى الرَّواقِ المُعتادِ يَحمِلُ ثِقَلاً أَخلاقِيَّاً وَفِكرِيَّاً جَديداً لَم يَكُن يَملِكُهُ حينَ دَخَل.
وَيَحمِلُ أَيضاً شَيئاً آخَرَ لَم يَكُن لَهُ اسمٌ بَعد، شَيئاً يُشبِهُ الامتِنانَ لِرَجُلٍ خاطَرَ بِحَياتِهِ لِيَقولَ لِلعالَم:
أَنا رَأَيت.
وَهذِهِ الكَلِماتُ الثَّلاثُ، في مَيدانِ حَرب، تُساوي كُلَّ ما كَتَبَتهُ الفَلسَفةُ عَنِ الحَقيقةِ في كُلِّ عُصورِها.

متحف الأيام المفقودة 62