الفَصْلُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: المُهَنْدِسَةُ المِعْمَارِيَّةُ – بَرْلِينُ، ٢٠٠١م — «العِمَارَةُ كَذَاكِرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ مَنْقُوشَةٍ فِي الحَجَرِ»
________________________________________
١. البَابُ الأَخِيرُ فِي المِحْوَرِ
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ البَابِ كَعَادَتِهِ، غَيْرَ أَنَّ شَيْئًا فِي هَيْئَتِهِ هَذِهِ المَرَّةَ كَانَ مُخْتَلِفًا.
كَانَ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ نَقْشًا لِمَبْنىً مِعْمَارِيٍّ لَا يُشْبِهُ أَيَّ مَبْنىً رَآهُ سَامِرٌ مِنْ قَبْلُ؛ لَيْسَ لِأَنَّهُ مُعَقَّدٌ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ طَبَقَاتٍ تَارِيخِيَّةً مُتَعَدِّدَةً فَوْقَ بَعْضِهَا، أَحْقَابٌ مَرْئِيَّةٌ دَاخِلَ سَطْحٍ وَاحِدٍ، كَشَجَرَةٍ قَدِيمَةٍ حُفِرَتْ عُرُوقُهَا فَوْقَ الأَرْضِ لَا تَحْتَهَا، فَغَدَتِ التَّارِيخَ نَفْسَهُ مَنْظُورًا وَمَلْمُوسًا.
قَالَ العَجُوزُ بِهُدُوئِهِ المَعْهُودِ الَّذِي يَحْمِلُ دَائِمًا أَكْثَرَ مِمَّا يُعْلِنُ: ـ القَاعَةُ الأَخِيرَةُ فِي مِحْوَرِ الفُنُونِ يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ امْرَأَةٍ تُصَمِّمُ مَبَانِيَ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُهَا قَادِرَةً عَلَى حَمْلِ ذَاكِرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ كَامِلَةٍ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنِصْفِ ابْتِسَامَةٍ: ـ مَنْقُوشَةٍ فِي الحَجَرِ نَفْسِهِ.
دَفَعَ سَامِرٌ البَابَ.
________________________________________
٢. المَكْتَبُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الزَّمَنُ
لَمْ يَكُنِ المَكَانُ الَّذِي وَجَدَ نَفْسَهُ فِيهِ مَكْتَبًا بِالمَعْنَى الوَظِيفِيِّ الجَافِّ.
كَانَ مَكَانًا يَعِيشُ فِيهِ تَفْكِيرٌ مُسْتَمِرٌّ لَا يَتَوَقَّفُ؛ فَضَاءٌ أَنِيقٌ وَفَارِعٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ يَصْعُبُ الجَمْعُ بَيْنَ وَصْفَيْهِ، كَأَنَّ صَاحِبَتَهُ أَرَادَتْ أَنْ يَحْمِلَ المَكَانُ ذَاتُهُ تِلْكَ الازْدِوَاجِيَّةَ الَّتِي تَحْيَا مَعَهَا كُلَّ يَوْمٍ: الدِّقَّةُ وَالاتِّسَاعُ، الضَّبْطُ وَالخَيَالُ، الحَجَرُ وَالحُلُمُ.
كَانَتِ المُجَسَّمَاتُ المِعْمَارِيَّةُ مَنْثُورَةً عَلَى طَاوِلَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِطَرِيقَةٍ تَبْدُو عَشْوَائِيَّةً لَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ: بَعْضُهَا مُكْتَمَلٌ يَرِفُّ بِصَمْتِ مَنْ وَصَلَ، وَبَعْضُهَا فِي مَنْتَصَفِ الفِكْرَةِ يَنْبِضُ بِحَيَاةِ مَنْ لَا يَزَالُ يَسِيرُ. وَكَانَتِ الأَوْرَاقُ الشَّفَّافَةُ مُتَرَاكِمَةً فَوْقَ بَعْضِهَا كَطَبَقَاتِ الأَيَّامِ ذَاتِهَا، كُلُّ وَرَقَةٍ تَحْمِلُ خُطُوطًا وَمَسَافَاتٍ وَزَوَايَا، وَمَجْمُوعُهَا يَرْسُمُ شَيْئًا لَا تَرَاهُ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ فِي نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَمَامَ المُخَطَّطِ الرَّئِيسِيِّ المُعَلَّقِ عَلَى الجِدَارِ كَلَوْحَةٍ لَا نَافِذَةٍ، كَانَتْ تَقِفُ امْرَأَةٌ فِي الخَمْسِينَ.
لَمْ تَلْتَفِتْ فَوْرًا حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ. لَكِنَّ وَجْهَهَا كَانَ يَحْمِلُ نَوْعًا نَادِرًا مِنَ التَّرَكُّزِ؛ لَيْسَ تَرَكُّزَ الإِدَارِيِّ الَّذِي يُتَابِعُ مَوَاعِيدَ، وَلَا تَرَكُّزَ المُنَفِّذِ الَّذِي يَتَّبِعُ تَعْلِيمَاتٍ، بَلْ تَرَكُّزُ مَنْ تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً أَكْبَرَ مِنْ حَجْمِ يَدَيْهَا وَتَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّدًا، وَتَتَقَدَّمُ رَغْمَ ذَلِكَ.
قَالَتْ دُونَ أَنْ تَبْتَعِدَ عَنِ المُخَطَّطِ: ـ أَهْلًا بِكَ. اعْذُرِ انْشِغَالِي.
ثُمَّ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ وَطَأَةَ مَا تَعْمَلُ عَلَيْهِ: ـ أَعْمَلُ عَلَى تَصْمِيمٍ يَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً لَا أَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ الاسْتِهَانَةِ بِهَا.
________________________________________
٣. السُّؤَالُ المُسْتَحِيلُ
عَرَّفَ سَامِرٌ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ سَأَلَ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ: ـ مَاذَا تُصَمِّمِينَ بِالضَّبْطِ؟
أَشَارَتْ إِلَى المُخَطَّطِ وَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. كَانَتْ عَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ شَيْئًا لَمْ يَرَهُ سَامِرٌ بِهَذِهِ الكَثَافَةِ مِنْ قَبْلُ: وَعْيٌ كَامِلٌ بِاسْتِحَالَةِ المُهِمَّةِ، وَإِصْرَارٌ كَامِلٌ عَلَى مُحَاوَلَتِهَا رَغْمَ ذَلِكَ.
قَالَتْ: ـ نُصُبٌ تَذْكَارِيٌّ لِضَحَايَا الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ. خَاصَّةً ضَحَايَا المَحْرَقَةِ.
وَقَفَتْ لَحْظَةً، كَمَنْ تُرَتِّبُ ثِقَلَ مَا سَتَقُولُهُ قَبْلَ إِطْلَاقِهِ: ـ تَحَدٍّ مِعْمَارِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ هَائِلٌ بِمَعْنَى الكَلِمَةِ. كَيْفَ تُصَمِّمُ مَكَانًا يَحْمِلُ ذَاكِرَةَ هَوْلٍ لَا يُمْكِنُ تَخَيُّلُهُ؟ كَيْفَ تُحَوِّلُ سِتَّةَ مَلَايِينَ غِيَابٍ إِلَى حُضُورٍ يَشْعُرُ بِهِ الجَسَدُ؟
ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ: ـ وَكُلُّ هَذَا دُونَ أَنْ يُصْبِحَ المَكَانُ نَفْسُهُ مُبْتَذَلًا أَوْ غَيْرَ كَافٍ لِثِقَلِ مَا يُمَثِّلُهُ.
تَذَكَّرَ سَامِرٌ الحَاخَامَ الَّذِي كَانَ قَدْ قَابَلَهُ فِي قَاعَةٍ سَابِقَةٍ مِنَ المُتْحَفِ؛ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَتْ عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ نَفْسَ الثِّقَلِ التَّارِيخِيَّ، لَكِنَّهُمَا كَانَتَا تَحْمِلَانِهِ بِدَاخِلِهِ.
أَمَّا هَذِهِ المَرْأَةُ فَكَانَتْ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْمِلَهُ فِي الحَجَرِ.
قَالَ سَامِرٌ: ـ قَابَلْتُ رَجُلًا تَحَدَّثَ مَعِي عَنْ نَفْسِ هَذَا الأَلَمِ بِالذَّاتِ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحُزْنٍ هَادِئٍ لَا يَبْحَثُ عَنْ مَنْ يُسَلِّيَهُ: ـ هَذَا لَا يُفَاجِئُنِي. هَذَا الثِّقَلُ التَّارِيخِيُّ يُلَامِسُ كَثِيرِينَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. الفَرْقُ بَيْنَنَا أَنَّ عَمَلِي هُوَ مُحَاوَلَةُ تَرْجَمَتِهِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ سَامِرٌ أَكْمَلَتْ: ـ تَرْجَمَةُ هَذَا الثِّقَلِ العَاطِفِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ الهَائِلِ إِلَى شَكْلٍ مِعْمَارِيٍّ مَلْمُوسٍ. حَجَرٌ وَفَرَاغٌ وَضَوْءٌ وَظِلٌّ. أَشْيَاءُ يَشْعُرُ بِهَا الجَسَدُ لَا يَقْرَأُهَا العَقْلُ فَقَطْ.
________________________________________
٤. الجِسْدُ يَعْرِفُ قَبْلَ العَقْلِ
سَأَلَ سَامِرٌ بِانْجِذَابٍ حَقِيقِيٍّ لَا مُجَامَلَةَ فِيهِ: ـ كَيْفَ تُحَقِّقِينَ هَذَا التَّوَازُنَ الصَّعْبَ؟
فَكَّرَتِ المُهَنْدِسَةُ طَوِيلًا بِطُولِ مَنْ يَخْتَارُ الكَلِمَاتِ لَا لِيَبْدُوَ ذَكِيًّا بَلْ لِيَكُونَ صَادِقًا.
ثُمَّ قَالَتْ: ـ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ.
وَأَخَذَتْ تُعَدِّدُ بِطَرِيقَةِ مَنْ يَعِيشُ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ فِي النَّوْمِ وَالصَّحَوِ: ـ ارْتِفَاعُ الجُدْرَانِ. ضِيقُ المَمَرَّاتِ. زَوَايَا الضَّوْءِ الَّتِي تَدْخُلُ أَوْ تُحْجَبُ بِحِسَابٍ دَقِيقٍ. حَتَّى نَوْعُ الحَجَرِ المُسْتَخْدَمِ وَمَلْمَسُهُ تَحْتَ الأَصَابِعِ. كُلُّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مُجْتَمِعَةً تَخْلُقُ تَجْرِبَةً جَسَدِيَّةً وَعَاطِفِيَّةً لِلزَّائِرِ. لَا مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ مَكْتُوبَةٍ عَلَى لَوْحَاتٍ جَافَّةٍ يَقْرَأُهَا وَيَمْضِي.
ثُمَّ أَشَارَتْ إِلَى أَحَدِ المُجَسَّمَاتِ القَرِيبَةِ مِنْهَا: ـ خُذْ مَثَلًا مَدْخَلَ النُّصُبِ الَّذِي أُصَمِّمُهُ الآنَ.
وَشَرَحَتْ بِطَرِيقَةٍ جَعَلَتْ سَامِرًا يَشْعُرُ أَنَّهُ يَمْشِي فِي ذَلِكَ المَكَانِ وَهُوَ وَاقِفٌ هُنَا: ـ الزَّائِرُ يَدْخُلُ أَوَّلًا مِنْ مَمَرٍّ وَاسِعٍ مُضِيءٍ. كُلُّ شَيْءٍ طَبِيعِيٌّ. هَوَاءٌ وَضَوْءٌ وَاتِّسَاعٌ. ثُمَّ يَبْدَأُ المَمَرُّ يَضِيقُ تَدْرِيجِيًّا، وَالسَّقْفُ يَنْخَفِضُ بِبُطْءٍ يَكَادُ لَا يَلْحَظُهُ، وَالضَّوْءُ يَخْبُو شَيْئًا فَشَيْئًا. حَتَّى يَجِدَ نَفْسَهُ فِي مَمَرٍّ ضَيِّقٍ وَمُظْلِمٍ تَقْرِيبًا. لَمْ تَكْتُبْ لَهُ أَيُّ لَوْحَةٍ: «اشْعُرْ بِالخَوْفِ الآنَ». جَسَدُهُ هُوَ مَنْ يُقَرِّرُ ذَلِكَ.
صَمَتَتْ لَحْظَةً. ثُمَّ قَالَتِ الجُمْلَةَ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا خُلَاصَةُ سَنَوَاتٍ مِنَ العَمَلِ: ـ هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ المَعْرِفَةِ وَالمُعَايَشَةِ. بَيْنَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ شَيْئًا كَانَ مُؤْلِمًا، وَبَيْنَ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ جَسَدُكَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَنْبُضُ فِي صَدْرِهِ. كَأَنَّ المَمَرَّ الَّذِي وَصَفَتْهُ كَانَ يَبْنِي نَفْسَهُ الآنَ فِي مَكَانٍ مَا بَيْنَ أَضْلُعِهِ.
قَالَ: ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ لِي رَاقِصَةُ البَالِيهِ عَنِ الذَّاكِرَةِ الجَسَدِيَّةِ. لَكِنْ بِمِقْيَاسٍ مِعْمَارِيٍّ أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِإِعْجَابٍ صَادِقٍ: ـ رُبَّمَا هَذَا هُوَ الخَيْطُ الَّذِي يَرْبِطُ كُلَّ أَشْكَالِ التَّعْبِيرِ الإِنْسَانِيِّ. العِمَارَةُ الجَيِّدَةُ، خَاصَّةً عِمَارَةُ الذَّاكِرَةِ كَهَذِهِ، تَتَحَدَّثُ إِلَى الجَسَدِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَدَّثَ إِلَى العَقْلِ الوَاعِي. تَخْلُقُ إِحْسَاسًا وَشُعُورًا قَبْلَ أَنْ تُقَدِّمَ أَيَّ حَقِيقَةٍ مَكْتُوبَةٍ صَرِيحَةٍ.
________________________________________
٥. مَنْحُ الفَقْدَانِ شَكْلًا
سَأَلَ سَامِرٌ السُّؤَالَ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ مِنَ البِدَايَةِ: ـ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِيَوْمِيَ المَفْقُودِ تَحْدِيدًا؟
فَكَّرَتِ المُهَنْدِسَةُ طَوِيلًا. كَانَ وَاضِحًا أَنَّهَا لَا تُجِيبُ بِمَا حَفِظَتْهُ، بَلْ بِمَا تَفَكَّرُ فِيهِ الآنَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
قَالَتْ: ـ رُبَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُفَكِّرَ فِي «بِنَاءِ» مَكَانٍ رَمْزِيٍّ خَاصٍّ بِكَ. حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْنىً حَقِيقِيًّا فِعْلِيًّا.
وَأَوْضَحَتْ بِطُولٍ وَعِنَايَةٍ: ـ مَسَاحَةٌ دَاخِلِيَّةٌ رَمْزِيَّةٌ تَمْنَحُ ذَلِكَ الفَقْدَانَ شَكْلًا مَلْمُوسًا. بَدَلًا مِنْ أَنْ يَبْقَى مُجَرَّدَ فَرَاغٍ غَامِضٍ يَطُوفُ فِي ذَاكِرَتِكَ بِلَا حُدُودٍ وَلَا عُنْوَانٍ.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ بِمِثَالٍ جَاءَ مِنَ الحَيَاةِ لَا مِنَ الكُتُبِ: ـ فِكِّرْ فِي الأُمِّ الَّتِي تُرَتِّبُ غُرْفَةَ طِفْلٍ رَحَلَ وَتُبْقِيهَا كَمَا كَانَتْ. لَيْسَ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ الوَاقِعَ أَوْ تَرْفُضُ قَبُولَ المَوْتِ. بَلْ لِأَنَّ لِلْفَقْدِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَكَانٌ حَقِيقِيٌّ يَسْكُنُهُ. مَكَانٌ تَذْهَبُ إِلَيْهِ حِينَ تُرِيدُ أَنْ تَتَذَكَّرَ، وَتَتْرُكُهُ حِينَ تُرِيدُ أَنْ تَعِيشَ.
ثُمَّ قَالَتِ الفِكْرَةَ الأَسَاسَ: ـ مَنْحُ الفَقْدَانِ مَكَانًا مَلْمُوسًا يُحَوِّلُهُ مِنْ شَبَحٍ يَطَارِدُكَ إِلَى شَيْءٍ يُمْكِنُكَ أَنْ تَزُورَهُ وَتُغَادِرَهُ. وَهَذَا الفَرْقُ بَيْنَ الأَمَرَيْنِ كَبِيرٌ جِدًّا.
سَأَلَ سَامِرٌ، مُهْتَمًّا بِطَرِيقَةٍ تَتَجَاوَزُ الفُضُولَ: ـ كَيْفَ «أَبْنِي» مَكَانًا كَهَذَا رَمْزِيًّا؟
اقْتَرَحَتِ المُهَنْدِسَةُ بِعِنَايَةِ مَنْ تَعْرِفُ أَنَّ الاقْتِرَاحَاتِ العَمَلِيَّةَ أَحْيَانًا أَثْقَلُ وَزْنًا مِنَ الفَلْسَفَاتِ الكَبِيرَةِ: ـ يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ، أَوْ حَتَّى تَرْسُمَ أَوْ تُصَمِّمَ فِعْلِيًّا، مَسَاحَةً صَغِيرَةً. رُكْنًا فِي مَنْزِلِكَ مَثَلًا. مَكَانٌ تُكَرِّسُهُ لِذَلِكَ اليَوْمِ المَجْهُولِ. مَكَانٌ تَذْهَبُ إِلَيْهِ حِينَ تُرِيدُ التَّفْكِيرَ فِيهِ أَوْ تَأَمُّلَهُ، حَتَّى الحُزْنَ عَلَيْهِ إِنْ لَزِمَ الأَمْرُ.
وَأَضَافَتْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاكْتِشَافَ: ـ الفَرَاغُ المِعْمَارِيُّ الجَيِّدُ لَا يَحْجِزُكَ. يَمْنَحُكَ بُؤْرَةً تُفَكِّرُ مِنْهَا لَا إِلَيْهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَسْتَقِرُّ فِي دَاخِلِهِ. لَيْسَ جَوَابًا نَهَائِيًّا. بَلْ شَيْءٌ أَثْمَنُ مِنَ الجَوَابِ: إِمْكَانِيَّةٌ.
قَالَ: ـ هَذَا شَيْءٌ لَمْ أُفَكِّرْ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
ابْتَسَمَتِ المُهَنْدِسَةُ ابْتِسَامَةً دَافِئَةً: ـ هَذَا جُزْءٌ مِنْ قُوَّةِ العِمَارَةِ، حَتَّى الرَّمْزِيَّةِ مِنْهَا. تَمْنَحُ الأَفْكَارَ وَالمَشَاعِرَ المُجَرَّدَةَ شَكْلًا مَلْمُوسًا يُمْكِنُ التَّفَاعُلُ مَعَهُ. لَا مُجَرَّدَ التَّفْكِيرِ فِيهِ فِي فَرَاغٍ بِلَا حُدُودٍ.
________________________________________
٦. الخَوْفُ المُشَرَّفُ
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالًا أَخِيرًا قَبْلَ الوَدَاعِ: ـ هَلْ تَخَافِينَ أَنْ يَفْشَلَ تَصْمِيمُكِ؟ أَنْ لَا يَحْمِلَ الثِّقَلَ الكَافِيَ لِمَا يُمَثِّلُهُ؟
نَظَرَتِ المُهَنْدِسَةُ بَعِيدًا نَحْوَ المُخَطَّطِ. كَانَ وَاضِحًا أَنَّهَا تَفْكِّرُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، فِي أَرْوِقَةٍ لَمْ تُبَنَ بَعْدُ، فِي حَجَرٍ لَمْ يُنْحَتْ.
قَالَتْ بِصِدْقٍ مِهْنِيٍّ وَإِنْسَانِيٍّ عَمِيقٍ يَظْهَرُ فِي عَيْنَيْهَا كَنَارٍ هَادِئَةٍ لَا تُرِيدُ الظُّهُورَ لَكِنَّهَا تُضِيءُ رَغْمَ ذَلِكَ: ـ أَخَافُ مِنْ هَذَا بِاسْتِمْرَارٍ. بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ: بِاسْتِمْرَارٍ.
وَأَكْمَلَتْ دُونَ أَنْ تَتَوَقَّفَ عِنْدَ الاعْتِرَافِ: ـ أَعْرِفُ أَنَّهُ مَهْمَا حَاوَلْتُ، لَنْ يَكُونَ التَّصْمِيمُ «كَافِيًا تَمَامًا» لِثِقَلِ مَا جَرَى. لَا يُوجَدُ حَجَرٌ بِمِقْدَارِ سِتَّةِ مَلَايِينَ ضَحِيَّةٍ. لَا يُوجَدُ فَرَاغٌ مِعْمَارِيٌّ بِاتِّسَاعِ ذَلِكَ الغِيَابِ الهَائِلِ.
ثُمَّ قَالَتِ الجُمْلَةَ الَّتِي تَحَمَّلَتْهَا حَتَّى صَارَتْ حَقِيقَةً لَا مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ: ـ لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ المُحَاوَلَةَ عَدِيمَةُ القِيمَةِ. حَتَّى تَمْثِيلٌ جُزْئِيٌّ، مُحَاوَلَةٌ صَادِقَةٌ، أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّمْتِ الكَامِلِ أَوِ النِّسْيَانِ التَّامِّ.
وَشَعَرَ سَامِرٌ بِالفِكْرَةِ الأَخِيرَةِ تَتَجَمَّعُ فِي ذِهْنِهِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي آنٍ.
لَيْسَتْ فِكْرَةً وَاحِدَةً. بَلْ خُلَاصَةُ كُلِّ مَا سَمِعَهُ فِي هَذَا المِحْوَرِ بِأَكْمَلِهِ: الرَّاقِصَةُ وَالنَّحَّاتُ وَالشَّاعِرَةُ وَالمُمَثِّلُ وَالمُؤَلِّفُ المُوسِيقِيُّ وَالرِّوَائِيَّةُ وَالرَّسَّامُ المَنْسِيُّ، وَالآنَ هِيَ. كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمِنْ أَزْمِنَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً: المُحَاوَلَةُ الصَّادِقَةُ لَيْسَتْ أَقَلَّ قِيمَةً لِأَنَّهَا جُزْئِيَّةٌ.
________________________________________
٧. نِهَايَةُ المِحْوَرِ
قَالَ سَامِرٌ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ امْتِنَانًا لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْهُ إِلَّا بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ البَسِيطَةِ: ـ شُكْرًا لَكِ. عَلَى هَذِهِ الحِكْمَةِ الجَمِيلَةِ الخِتَامِيَّةِ لِهَذَا المِحْوَرِ بِأَكْمَلِهِ.
ابْتَسَمَتِ المُهَنْدِسَةُ ابْتِسَامَتَهَا الأَخِيرَةَ الدَّافِئَةَ، وَعَادَتْ إِلَى مُخَطَّطِهَا بِتَرَكُّزٍ مُتَجَدِّدٍ كَمَنْ وَجَدَ مَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ وَيَعُودُ إِلَى العَمَلِ.
قَالَتْ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ: ـ اذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: امْنَحْ فَقْدَانَكَ شَكْلًا. مَسَاحَةً. حَتَّى لَوْ رَمْزِيَّةً فَقَطْ. هَذَا قَدْ يَكُونُ أَوَّلَ خُطْوَةٍ حَقِيقِيَّةٍ نَحْوَ التَّصَالُحِ مَعَهُ.
بَدَأَ مَكْتَبُ الهَنْدَسَةِ المِعْمَارِيَّةِ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ حَتَّى صَارَ ضَوْءًا وَظِلًّا، ثُمَّ ضَوْءًا فَقَطْ، ثُمَّ لَا شَيْءَ.
________________________________________
وَحِينَ عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ، كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ يَبْتَسِمُ. كَانَ يُرَتِّبُ الأَشْيَاءَ المُتَرَاكِمَةَ فِي الدُّرْجِ بِيَدَيْنِ هَادِئَتَيْنِ كَيَدَيِ البُسْتَانِيِّ يُرَتِّبُ بُذُورًا قَبْلَ المَوْسِمِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى مَا فِي الدُّرْجِ: صُورَةٌ مِنْ شَارِعٍ مُدَمَّرٍ، وَرَقَةُ رَسْمٍ صَغِيرَةٌ، وَأَشْيَاءُ أُخْرَى حَمَلَهَا مِنْ قَاعَاتٍ سَابِقَةٍ لَا تُوزَنُ لَكِنَّهَا لَا تَخِفُّ.
قَالَ العَجُوزُ: ـ انْتَهَى مِحْوَرُ الفُنُونِ وَالإِبْدَاعِ بِأَكْمَلِهِ الآنَ يَا سَامِرُ. ثَمَانِيَةُ أَصْوَاتٍ مُبْدِعَةٍ، كُلٌّ مِنْهَا أَضَافَ بُعْدًا جَدِيدًا لِفَهْمِكَ.
قَالَ سَامِرٌ بِهُدُوءٍ: ـ اثْنَانِ وَسِتُّونَ فَصْلًا وَرَائِي الآنَ.
أَوْمَأَ العَجُوزُ بِرَأْسِهِ: ـ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَمَامَكَ فَقَطْ يَا سَامِرُ. المِحْوَرُ السَّابِعُ يَنْتَظِرُكَ: السِّيَاسَةُ وَالمُجْتَمَعُ. ثَمَانِيَةُ أَصْوَاتٍ جَدِيدَةٍ تَحْمِلُ أَسْئِلَةَ القُوَّةِ وَالعَدَالَةِ وَالذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ.
وَقَفَ سَامِرٌ. أَخَذَ نَفَسًا وَاحِدًا طَوِيلًا. ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً تَحْمِلُ كُلَّ مَا لَا يَقُولُهُ: ـ لِنُكْمِلْ.
وَالكَلِمَاتُ أَحْيَانًا تَأْتِي بَعْدَ الخُطْوَةِ لَا قَبْلَهَا.
