مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ – الْمُهَاجِرُ الاِقْتِصَادِيُّ (ذَكَرٌ، سَبْعٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً) | الْمَكْسِيكُ ـ كَالِيفُورْنِيَا، عَامُ أَلْفَيْنِ وَعَشَرَةٍ مِيلادِيًّا
————–
كَانَتِ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ مِنْ قَاعَاتِ الْمُتْحَفِ الْغَرِيبِ تَمْتَدُّ أَمَامَ سَامِرٍ كَمَا يَمْتَدُّ حُلْمٌ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ؛ مَزْرَعَةٌ زِرَاعِيَّةٌ وَاسِعَةُ الأَرْجَاءِ، تَصْطَفُّ فِيهَا صُفُوفٌ طَوِيلَةٌ مِنْ أَشْجَارِ الْحَمْضِيَّاتِ كَجُنُودٍ خُضْرٍ فِي انْتِظَارِ أَمْرٍ لا يَصِلُ، رَائِحَةُ التُّرَابِ الرَّطِبِ وَعَصِيرِ الْبُرْتُقَالِ تَمْلَأُ الْهَوَاءَ بِحَنِينٍ لا اسْمَ لَهُ.
وَفِي وَسَطِ تِلْكَ الصُّفُوفِ، وَقَفَ رَجُلٌ فِي السَّابِعَةِ وَالثَّلاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ، يَحْمِلُ أَدَوَاتِ حَصَادٍ بَسِيطَةً تَشْهَدُ عَلَى سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْعَمَلِ الصَّامِتِ الصَّبُورِ.
كَانَتْ قَطَرَاتُ الْعَرَقِ تَلْمَعُ عَلَى جَبِينِهِ تَحْتَ شَمْسٍ كَالِيفُورْنِيَّةٍ لا تَعْرِفُ رَحْمَةَ الظِّلِّ، وَكَانَ وَجْهُهُ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّعَبِ الْجَسَدِيِّ الْعَمِيقِ وَشَيْءٍ آخَرَ لا يُقَالُ، شَيْءٍ يُشْبِهُ الرِّضَا الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ مَعَ النَّفْسِ.
اقْتَرَبَ سَامِرٌ بِخُطُوَاتٍ حَذِرَةٍ، كَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ شُعْلَةٍ يَخَافُ أَنْ يُطْفِئَهَا بِأَنْفَاسِهِ:
ـ أَهْلًا بِكَ. اعْذُرْ يَدَيَّ الْمُتْعَبَتَيْنِ؛ فَقَدْ كَانَ يَوْمًا طَوِيلًا مِنَ الْعَمَلِ لَا يَتَوَقَّفُ.
أَجَابَ سَامِرٌ، وَفِي صَوْتِهِ دِفْءٌ حَقِيقِيٌّ:
ـ أَنَا سَامِرٌ. مُنْذُ مَتَى تَعْمَلُ هُنَا فِي هَذِهِ الأَرْضِ الْبَعِيدَةِ؟
تَوَقَّفَ الرَّجُلُ لَحْظَةً عَنِ الْعَمَلِ، وَنَظَرَ إِلَى سَامِرٍ نَظْرَةً تَجْمَعُ بَيْنَ التَّعَبِ وَالدِّفْءِ مَعًا، كَمَا تَجْتَمِعُ الشَّمْسُ وَالْمَطَرُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ:
ـ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا؛ مُنْذُ غَادَرْتُ الْمَكْسِيكَ، وَطَنِيَ الأَصِيلَ الَّذِي لا يَزَالُ يَنْبِضُ فِي صَدْرِي كَقَلْبٍ ثَانٍ، بَحْثًا عَنْ حَيَاةٍ أَفْضَلَ لِعَائِلَتِي.
سَأَلَ سَامِرٌ، وَقَدِ اسْتَوْقَفَهُ شَيْءٌ فِي عَيْنَيِ الرَّجُلِ يَشْبِهُ مَا يَجِدُهُ فِي الْمَرْآةِ حِينَ يَتَأَمَّلُ نَفْسَهُ بَعِيدًا عَنِ الآخَرِينَ:
ـ كَيْفَ كَانَتْ تَجْرِبَةُ الاِنْتِقَالِ بِالنِّسْبَةِ لَكَ؟ كَيْفَ يَبْدُو أَنْ يَتْرُكَ الْمَرْءُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَبْدَأَ مِنَ الصِّفْرِ فِي أَرْضٍ لا تَعْرِفُهُ وَلا تَنْتَظِرُهُ؟
تَنَهَّدَ الرَّجُلُ تَنَهُّدَةً عَمِيقَةً مَا قَبْلَ الإِجَابَةِ، كَأَنَّهُ يَجْمَعُ شَظَايَا ذَاكِرَةٍ مُفَرَّقَةٍ فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ:
ـ صَعْبَةٌ جِدًّا، بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهَا قَبْلَ أَنْ أَعِيشَهَا فِعْلِيًّا بِنَفْسِي. تَعَلَّمْتُ لُغَةً جَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ لِسَانِي، وَعَادَاتٍ جَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ جِلْدِي، وَحَتَّى طَرِيقَةَ تَفْكِيرٍ مُخْتَلِفَةً فِي كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ الأَشْيَاءِ الْيَوْمِيَّةِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي كُنْتُ أَظُنُّهَا طَبِيعِيَّةً وَثَابِتَةً لا تَتَغَيَّرُ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، كَمَنْ يَسْتَرِدُّ أَنْفَاسَهُ بَعْدَ سُقُوطٍ مِنْ عُلٍّ:
ـ تَخَيَّلْ أَنَّكَ نَشَأْتَ وَأَنْتَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ بِيَدَيْكَ، ثُمَّ جَاءَ مَنْ يُعَلِّمُكَ الشَّوْكَةَ وَالسِّكِّينَ وَيَقُولُ لَكَ: هَكَذَا يَأْكُلُ الْمُتَحَضِّرُونَ. لَيْسَ الأَمْرُ أَنَّكَ كُنْتَ تُخْطِئُ، بَلِ الأَمْرُ أَنَّ الطَّرِيقَتَيْنِ تَعِيشَانِ مَعًا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ وَلا تَتَصَالَحَانِ بِسُهُولَةٍ.
صَمَتَ سَامِرٌ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَتَجَرَّأَ عَلَى السُّؤَالِ الَّذِي يَحْمِلُهُ كَالْحَجَرِ فِي الصَّدْرِ:
ـ هَلْ تَشْعُرُ أَنَّكَ فَقَدْتَ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِكَ الأَصِيلَةِ، فِي خِضَمِّ كُلِّ هَذَا التَّكَيُّفِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ؟
صَمَتَ الرَّجُلُ طَوِيلًا، طَوِيلًا بِمَا يَكْفِي لِيَشْعُرَ سَامِرٌ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ أَكْبَرَ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ كَلِمَاتٌ بَسِيطَةٌ.
كَانَ صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ عَمِيقٌ يَظْهَرُ فِي عَيْنَيْهِ كَبَحْرٍ يَمُوجُ تَحْتَ سَطْحٍ هَادِئٍ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ أُصَارِعُهُ بِاسْتِمْرَارٍ، بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ لا أُجَامِلُكَ فِيهَا. أَحْيَانًا، حِينَ أَتَحَدَّثُ الإِنْجِلِيزِيَّةَ طَوَالَ الْيَوْمِ هُنَا بَيْنَ هَذِهِ الأَشْجَارِ وَبَيْنَ زُمَلائِي مِنْ مُخْتَلَفِ أَصْقَاعِ الْعَالَمِ، أَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ فِي اللَّيْلِ وَأَجِدُ صُعُوبَةً حَقِيقِيَّةً فِي إِيجَادِ الْكَلِمَاتِ الإِسْبَانِيَّةِ الصَّحِيحَةِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرِي لِأَطْفَالِي.
ـ أَطْفَالِي الَّذِينَ وُلِدُوا هُنَا، يَتَحَدَّثُونَ الإِنْجِلِيزِيَّةَ بِطَلاقَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الإِسْبَانِيَّةِ أَحْيَانًا. حِينَ أُحَاوِلُ أَنْ أَحْكِيَ لَهُمْ قِصَّةً مِنْ طُفُولَتِي فِي قَرْيَتِنَا، أَجِدُنِي أَبْحَثُ عَنْ كَلِمَاتٍ هَرَبَتْ مِنِّي كَأَسْمَاكٍ أَفْلَتَتْ مِنَ الشَّبَكَةِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الصِّرَاعِ كَأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى كَتِفَيْهِ هُوَ أَيْضًا، فَسَأَلَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
ـ هَلْ تَشْعُرُ بِالْحُزْنِ تُجَاهَ هَذَا كُلِّهِ؟
أَوْمَأَ الرَّجُلُ بِرَأْسِهِ بِصِدْقٍ لا يَتَزَيَّنُ بِكَلامٍ زَائِدٍ:
ـ نَعَمْ، أَحْيَانًا حُزْنٌ عَمِيقٌ يَجْلِسُ فِي الصَّدْرِ كَضَيْفٍ ثَقِيلٍ لا يَسْتَأْذِنُ وَلا يَرْحَلُ. أَخَافُ أَنْ يَفْقِدَ أَطْفَالِي اتِّصَالَهُمُ الْكَامِلَ بِجُذُورِهِمُ الْمَكْسِيكِيَّةِ، بِتَقَالِيدِنَا الَّتِي تَوَارَثْنَاهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، بِتَارِيخِ عَائِلَتِنَا الَّذِي لا يُكْتَبُ فِي أَيِّ كِتَابٍ مَدْرَسِيٍّ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَفِي عَيْنَيْهِ بَرِيقٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ:
ـ لَكِنَّنِي أَيْضًا أَرَى شَيْئًا آخَرَ يَحْدُثُ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، شَيْئًا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ حِينَ حَزَمْتُ حَقِيبَتِي وَاتَّجَهْتُ نَحْوَ الشَّمَالِ.
انْتَظَرَ سَامِرٌ، وَالصَّمْتُ بَيْنَهُمَا مَمْلُوءٌ بِأَصْوَاتِ الطُّيُورِ الَّتِي تَتَقَافَزُ بَيْنَ الأَشْجَارِ:
ـ مَاذَا تَقْصِدُ بِهَذَا؟
فَكَّرَ الرَّجُلُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، كَأَنَّهُ يَرْسُمُ خَرِيطَةً لِبِلادٍ لَا اسْمَ لَهَا بَعْدُ:
ـ أَرَى أَطْفَالِي يَبْنُونَ هُوِيَّةً جَدِيدَةً. لَيْسَتْ مَكْسِيكِيَّةً خَالِصَةً، وَلا أَمْرِيكِيَّةً خَالِصَةً، بَلْ شَيْئًا ثَالِثًا مُخْتَلِفًا، مَزِيجًا فَرِيدًا يَجْمَعُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ بِطُرُقٍ لَمْ أَكُنْ لِأَتَخَيَّلَهَا قَبْلَ أَنْ أُهَاجِرَ.
ـ ابْنِي الْأَكْبَرُ يَطْبُخُ التَّاكُو بِتَوَابِلَ مَكْسِيكِيَّةٍ أَصِيلَةٍ وَيَضِيفُ إِلَيْهَا نَكْهَاتٍ يَجِدُهَا هُنَا لَمْ تَسْمَعْ بِهَا جَدَّتُهُ قَطُّ، وَحِينَ تَتَذَوَّقُهُ تَشْعُرُ أَنَّكَ فِي مَكَانٍ جَدِيدٍ لَمْ يَرْسِمْهُ أَحَدٌ عَلَى الْخَرَائِطِ بَعْدُ. هَذَا لَيْسَ «فَقْدَانًا» بِالْمَعْنَى الْكَامِلِ، بَلْ هُوَ رُبَّمَا نَوْعٌ مِنَ «التَّوْسِيعِ»، إِضَافَةُ طَبَقَةٍ جَدِيدَةٍ فَوْقَ الطَّبَقَةِ الْقَدِيمَةِ، دُونَ مَحْوِ مَا تَحْتَهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تَتَشَكَّلُ فِي ذِهْنِهِ كَمَا تَتَشَكَّلُ السَّحَابَةُ مِنَ الْهَوَاءِ:
ـ هَذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي يَوْمِيَ الْمَفْقُودِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا. رُبَّمَا لَمْ «أَفْقِدْهُ» بِالْمَعْنَى الْكَامِلِ الَّذِي كُنْتُ أَظُنُّهُ. رُبَّمَا تَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، اِنْدَمَجَ بِطَرِيقَةٍ مُعَقَّدَةٍ مَعَ بَقِيَّةِ ذَاكِرَتِي، دُونَ أَنْ يَخْتَفِيَ تَمَامًا، حَتَّى لَوْ لَمْ أَعُدْ أَسْتَطِعْ رُؤْيَتَهُ بِوُضُوحٍ مُنْفَصِلٍ كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ.
أَوْمَأَ الْمُهَاجِرُ بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ، كَمَنْ يَسْمَعُ شَيْئًا كَانَ يَعْرِفُهُ وَنَسِيَهُ:
ـ هَذَا تَشْبِيهٌ جَمِيلٌ جِدًّا يَا سَامِرُ. رُبَّمَا الذَّاكِرَةُ، مِثْلُ الْهُوِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ، لَيْسَتْ دَائِمًا إِمَّا «كَامِلَةً مَحْفُوظَةً» أَوْ «مَفْقُودَةً تَمَامًا».
ـ أَحْيَانًا تَتَحَوَّلُ، وَتَنْدَمِجُ، وَتُصْبِحُ جُزْءًا مِنْ شَيْءٍ أَوْسَعَ وَأَكْثَرَ تَعْقِيدًا، دُونَ أَنْ تَخْتَفِيَ بِشَكْلٍ نِهَائِيٍّ كَامِلٍ. مِثْلَ النَّهْرِ الَّذِي يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ؛ مَاؤُهُ لَا يَزَالُ هُنَاكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ نَهْرًا وَلَمْ يُصْبِحْ بَحْرًا بِالْكَامِلِ، بَلْ شَيْئًا بَيْنَ الاثْنَيْنِ يَحْمِلُ سِرَّهُمَا مَعًا.
مَشَى سَامِرٌ بِضْعَ خُطُوَاتٍ بَيْنَ الأَشْجَارِ، تَلْمَسُ أَصَابِعُهُ أَوْرَاقَهَا الْخَضْرَاءَ اللامِعَةَ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَخْبُوءٍ فِي مَلْمَسِهَا:
ـ كَيْفَ تُحَافِظُ عَلَى اتِّصَالِكَ بِجُذُورِكَ الأَصِيلَةِ، رَغْمَ كُلِّ هَذَا التَّغَيُّرِ وَالاِنْدِمَاجِ الْمُسْتَمِرِّ؟
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ اِبْتِسَامَةً دَافِئَةً كَشَمْسِ نَوْفَمْبَرَ، وَفِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْفَخْرِ الْهَادِئِ الَّذِي لا يَحْتَاجُ إِلَى جُمْهُورٍ:
ـ بِطُرُقٍ صَغِيرَةٍ يَوْمِيَّةٍ تَبْدُو بَسِيطَةً مِنَ الْخَارِجِ وَهِيَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ مِنَ الدَّاخِلِ. أَطْبُخُ أَطْبَاقَنَا التَّقْلِيدِيَّةَ لِعَائِلَتِي، فَرَائِحَةُ الطَّعَامِ أَقْوَى مِنَ الْكَلِمَاتِ فِي نَقْلِ الذَّاكِرَةِ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ.
ـ أَحْكِي لِأَطْفَالِي قِصَصًا عَنْ جَدِّهِمْ وَجَدَّتِهِمْ فِي الْمَكْسِيكِ، عَنِ الطَّرِيقِ الضَّيِّقِ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّي إِلَى بَيْتِنَا، عَنِ الْعَيْدِ الَّذِي كَانَ الْحَيُّ كُلُّهُ يَحْتَفِلُ فِيهِ كَعَائِلَةٍ وَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ. وَنَحْتَفِلُ بِأَعْيَادِنَا التَّقْلِيدِيَّةِ إِلَى جَانِبِ الأَعْيَادِ الأَمْرِيكِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، فَلا يُلْغِي أَحَدُهُمَا الآخَرَ.
ـ أُحَاوِلُ أَنْ أَبْنِيَ جِسْرًا، لا جِدَارًا، بَيْنَ عَالَمَيَّ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ. وَالْجِسْرُ لا يَشْطُرُ النَّهْرَ، بَلْ يَجْعَلُكَ تَقِفُ فِي الْمَنْتَصَفِ وَتَرَى الضَّفَّتَيْنِ مَعًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمَلِيَّةٍ مُهِمَّةٍ تَتَضَحُ لَهُ كَمَا تَتَضِحُ الطُّرُقُ فِي الضَّبَابِ حِينَ تَشْرُقُ الشَّمْسُ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ نَهْجَ الْمَرْأَةِ الأَمَازِيغِيَّةِ الَّتِي الْتَقَيْتُهَا فِي قَاعَةٍ سَابِقَةٍ؛ الْحِفَاظُ عَلَى هُوِيَّةٍ مُزْدَوَجَةٍ مُعَقَّدَةٍ، دُونَ التَّخَلِّي الْكَامِلِ عَنْ أَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا.
أَوْمَأَ الْمُهَاجِرُ بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ، كَأَنَّ هَذَا الرَّبْطَ أَسْعَدَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تُوَقَّعَ:
ـ رُبَّمَا هَذِهِ حِكْمَةٌ مُشْتَرَكَةٌ يَصِلُ إِلَيْهَا كُلُّ مَنْ يَعِيشُ تَجْرِبَةَ تَهْجِيرٍ أَوْ هِجْرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ حَسَبَ ظُرُوفِهِمُ الْخَاصَّةِ: لا تُحَاوِلْ أَنْ تَخْتَارَ بَيْنَ هُوِيَّتَيْنِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ حَاسِمٍ، بَلِ ابْنِ شَيْئًا جَدِيدًا يَحْتَضِنُ الاثْنَتَيْنِ مَعًا، حَتَّى مَعَ كُلِّ التَّعْقِيدِ وَالتَّنَاقُضِ الَّذِي قَدْ يَحْمِلُهُ هَذَا أَحْيَانًا.
صَمَتَا مَعًا لَحْظَةً، وَبَيْنَهُمَا صَوْتُ الرِّيحِ الَّتِي تَمُرُّ بَيْنَ أَوْرَاقِ الْحَمْضِيَّاتِ كَأَنَّهَا تُصَفِّحُ كِتَابًا مَكْتُوبًا بِلُغَةٍ لا تُقْرَأُ.
ثُمَّ سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالَهُ الأَخِيرَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهِ مُنْذُ أَوَّلِ اللِّقَاءِ:
ـ هَلْ تَشْعُرُ بِالنَّدَمِ عَلَى قَرَارِ الْهِجْرَةِ، رَغْمَ كُلِّ الصُّعُوبَةِ الَّتِي عِشْتَهَا وَلا تَزَالُ تَعِيشُهَا؟
نَظَرَ الرَّجُلُ بَعِيدًا نَحْوَ أَشْجَارِ الْحَمْضِيَّاتِ الْمُمْتَدَّةِ حَتَّى حَافَّةِ الأُفُقِ، وَفِي عَيْنَيْهِ تَفْكِيرٌ عَمِيقٌ صَادِقٌ لا يَتَجَمَّلُ بِكَلِمَاتٍ كَبِيرَةٍ:
ـ لا، لا أَنْدَمُ، رَغْمَ كُلِّ الصُّعُوبَةِ وَالأَلَمِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ. أَرَى أَطْفَالِي يَحْصُلُونَ عَلَى فُرَصٍ لَمْ أَكُنْ لِأَحْلُمَ بِهَا لِنَفْسِي لَوْ بَقِيتُ فِي الْمَكْسِيكِ.
ـ ابْنِي الأَكْبَرُ يَدْرُسُ الْهَنْدَسَةَ فِي جَامِعَةٍ كُنْتُ أَرَاهَا عَلَى التِّلْفَازِ وَأَظُنُّهَا لِأَبْنَاءِ أُنَاسٍ غَيْرِنَا. ابْنَتِي تَعْزِفُ الْبِيَانُو وَتَتَعَلَّمُ الرَّقْصَ الشَّعْبِيَّ الْمَكْسِيكِيَّ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، وَلا تَرَى فِي ذَلِكَ أَيَّ تَنَاقُضٍ.
ـ هَذَا لا يُلْغِي الْحَنِينَ الْعَمِيقَ الَّذِي أَشْعُرُ بِهِ أَحْيَانًا تُجَاهَ وَطَنِي الأَصِيلِ، لَكِنَّهُ يَمْنَحُنِي سَلامًا مَعَ الْقَرَارِ الَّذِي اتَّخَذْتُهُ، رَغْمَ ثِقَلِهِ وَوَجَعِهِ الَّذِي لا يَزَالُ حَيًّا فِي مَكَانٍ مَا مِنِّي.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِلْهَامٍ عَمِيقٍ مِنْ هَذَا التَّوَازُنِ الصَّعْبِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُبَلِّغْهُ الْجَامِعَاتُ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ إِيَّاهُ أَيُّ كِتَابٍ:
ـ شُكْرًا لَكَ، عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْمُسْتَخْلَصَةِ مِنْ تَجْرِبَةٍ صَعْبَةٍ جِدًّا لَمْ يَمُرَّ بِمِثْلِهَا إِلا مَنِ اخْتَارَ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَعْرِفُهُ نَحْوَ مَا لا يَعْرِفُهُ.
اِبْتَسَمَ الْمُهَاجِرُ اِبْتِسَامَةً أَخِيرَةً دَافِئَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ بِتَرْكِيزٍ مُتَجَدِّدٍ كَمَنِ اسْتَرَاحَ وَكَفَتْهُ الاِسْتِرَاحَةُ:
ـ اِذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: رُبَّمَا يَوْمُكَ الْمَفْقُودُ لَمْ يَخْتَفِ تَمَامًا، بَلْ تَحَوَّلَ، اِنْدَمَجَ بِطَرِيقَةٍ مُعَقَّدَةٍ مَعَ بَقِيَّةِ حَيَاتِكَ، تَمَامًا كَمَا تَنْدَمِجُ هُوِيَّتِيَ الْقَدِيمَةُ مَعَ هُوِيَّتِيَ الْجَدِيدَةِ، دُونَ أَنْ تَفْقِدَ قِيمَتَهَا الأَصِيلَةَ بِالْكَامِلِ.
بَدَأَتِ الْمَزْرَعَةُ الْوَاسِعَةُ وَأَشْجَارُ الْحَمْضِيَّاتِ تَتَلاشَى بِبُطْءٍ، كَمَا تَتَلاشَى الأَحْلامُ فِي أَوَّلِ الصَّبَاحِ حِينَ تَفْتَحُ عَيْنَيْكَ فَتَجِدُ أَنَّ الْعَالَمَ الآخَرَ كَانَ حَقِيقِيًّا بِقَدْرِ مَا هُوَ بَعِيدٌ.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ الْمُعْتَادِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الآنَ كَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَمَرَّاتِ بَيْتِهِ فِي الظَّلامِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِعَجَلَةِ دُعَاءٍ بُوذِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، نَقْشٌ مَحْفُورٌ بِيَدٍ صَبُورَةٍ عَلَى خَشَبٍ قَدِيمٍ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الزَّمَنِ.
نَظَرَ الْعَجُوزُ إِلَى سَامِرٍ نَظْرَةَ مَنْ يَقْرَأُ فِي وَجْهِهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ بَعْدُ:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَاهِبٍ يُقَاوِمُ، بِصَمْتٍ وَسَلامٍ كَامِلَيْنِ، مُحَاوَلاتِ مَحْوِ هُوِيَّةِ شَعْبِهِ بِالْكَامِلِ. رَاهِبٌ يَعْرِفُ مَا يَعْرِفُهُ الرَّجُلُ الَّذِي تَرَكْتَهُ بَيْنَ الأَشْجَارِ: أَنَّ الْهُوِيَّةَ لا تَمُوتُ حِينَ تُضْغَطُ، بَلْ تَنْتَظِرُ.
وَقَفَ سَامِرٌ أَمَامَ الْبَابِ لَحْظَةً، يَدُهُ عَلَى مَقْبَضِهِ الْخَشَبِيِّ الْبَارِدِ.
ثُمَّ دَفَعَهُ.
