مُتَحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ السَّبْعُونَ: البُوذِيُّ السِّيَاسِيُّ – تِيبِت، عَامُ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَة
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ تَختَلِفُ عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَهَا.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَرِيقُ ذَهَبٍ، وَلَا رَوَائِحُ بَخُورٍ تُدَوِّخُ الحَوَاسَّ، وَلَا جِدَارٌ يَحْمِلُ نُقُوشًا مَهِيبَةً تُرَهِّبُ النَّاظِرَ.
كَانَتْ مُجَرَّدَ دَيْرٍ جَبَلِيٍّ بَسِيطٍ، كَمَا لَوْ أَنَّ الجَبَلَ نَفسَهُ قَدْ قَرَّرَ أَنْ يَتَنَفَّسَ وَيَبْنِيَ لِنَفسِهِ بَيتًا مِنَ الصَّمتِ.
أَعلامٌ مُلَوَّنَةٌ تَرفرِفُ عَلَى مَدَاخِلِهِ بِهُدُوءٍ تَامٍّ، كَأَنَّهَا لَا تُقَاوِمُ الرِّيحَ بَلْ تُحَاوِرُهَا، وَعَبرَ شُبَّاكٍ خَشَبِيٍّ صَغِيرٍ كَانَ ضَوءُ الجَبَلِ يَتَسَرَّبُ بَيْاضًا خَافِتًا وَكَأَنَّهُ يَخجَلُ مِنَ الدُّخُولِ.
جَلَسَ وَسَطَ هَذَا كُلِّهِ رَجُلٌ فِي الثَّامِنَةِ وَالخَمسِينَ.
لَمْ يَكُنْ يَجلِسُ كَمَا يَجلِسُ النَّاسُ حِينَ يَنتَظِرُونَ أَحَدًا.
كَانَ يَجلِسُ كَمَا تَجلِسُ الجِبَالُ؛ رَاسِخًا بِلَا تَعَبٍ، هَادِئًا بِلَا جُهدٍ، حَاضِرًا بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنْهُ فِي هَذِهِ اللَّحظَةِ بِالذَّاتِ.
وَضعُهُ التَّأَمُّلِيُّ ثَابِتٌ كَأَنَّهُ نَحتَهُ النَّحَّاتُونَ القُدَامَى مِنَ الصَّخرِ، غَيرَ أَنَّ وَجهَهُ كَانَ يَحمِلُ كِتَابًا مَفتُوحًا لِمَنْ يُحسِنُ القِرَاءَةَ.
كَانَ فِي ذَلِكَ الوَجهِ آثَارُ إِرهَاقٍ جَسَدِيٍّ عَمِيقٍ، لَيسَ إِرهَاقَ يَومٍ وَاحِدٍ أَو أُسبُوعٍ، بَلْ إِرهَاقَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الصُّمُودِ فِي وَجهِ شَيءٍ أَكبَرَ مِنهُ بِكَثِيرٍ.
لَكِنَّ عَينَيهِ كَانَتَا هَادِئَتَيْنِ.
وَفِي تِلكَ الهُدُوءِ كَانَ شَيءٌ يَفُوقُ الصَّبرَ؛ شَيءٌ أَشبَهُ بِاليَقِينِ.
حِينَ رَأَى سَامِرَ عِندَ عَتَبَةِ البَابِ، لَمْ يَتَفَاجَأْ وَلَمْ يَقُمْ وَلَمْ يُبَادِرْ بِالسُّؤَالِ.
قَالَ بِبَسَاطَةٍ، بِصَوتٍ عَمِيقٍ وَهَادِئٍ كَدَوِيِّ جَرَسٍ قَدِيمٍ:
ـ ادخُلْ بِسَلَامٍ.
وَتَوَقَّفَ لِحَظَّةٍ، ثُمَّ أَضَافَ كَمَنْ يُكمِلُ جُملَةً بَدَأَهَا مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ:
ـ أَنَا هُنَا، حَاضِرٌ تَمَامًا، رَغمَ كُلِّ مَا يُحَاوِلُونَ فِعلَهُ لِمَحوِ حُضُورِنَا.
دَخَلَ سَامِرُ وَأَغلَقَ البَابَ خَلفَهُ بِرِفقٍ، كَمَنْ يَخشَى إِيقَاظَ شَيءٍ ثَمِينٍ.
ـ أَنَا سَامِرٌ.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ سَأَلَ:
ـ مَاذَا يُحَاوِلُونَ فِعلَهُ بِالضَّبطِ؟
فَتَحَ الرَّاهِبُ عَينَيهِ بِبُطءٍ تَامٍّ، كَمَنْ يَرفَعُ سِتَارَةً عَنْ مَشهَدٍ طَوِيلٍ مُؤلِمٍ.
نَظَرَتُهُ هَادِئَةٌ، لَكِنَّهَا حَازِمَةٌ كَحَدِّ السَّيفِ.
ـ يُحَاوِلُونَ مَحوَ ثَقَافَتِنَا مِنَ الوُجُودِ.
قَالَهَا بِلَا مُبَالَغَةٍ وَلَا مَسرَحِيَّةٍ، بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَصِفُ بِهَا الإِنسَانُ حَقِيقَةً يَعرِفُهَا جَيِّدًا.
ـ يُحَاوِلُونَ مَحوَ لُغَتِنَا، دِينِنَا، حَتَّى ذَاكِرَتِنَا التَّارِيخِيَّةَ الجَمَاعِيَّةَ كَشَعبٍ.
يَمنَعُونَ الاحتِفَالَ بِأَعيَادِنَا التَّقلِيدِيَّةِ الَّتِي تَوَارَثنَاهَا عَنِ الأَجدَادِ جِيلًا بَعدَ جِيلٍ.
يَهدِمُونَ أَدِيرَتَنَا حَجَرًا حَجَرًا، لَيسَ لِأَنَّهَا تَعِيقُ طَرِيقًا أَو تَشغَلُ أَرضًا، بَلْ لِأَنَّهَا تَعِيقُ مَشرُوعَهُم.
ثُمَّ يُحَاوِلُونَ استِبدَالَ تَعلِيمِنَا الدِّينِيِّ بِسَرِدِيَّةٍ مُختَلِفَةٍ كُلِّيَّةً، تَخدُمُ سُلطَتَهُم وَتُبَرِّرُ وُجُودَهُم فَوقَ رِقَابِنَا.
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيءٍ يَثقُلُ فِي صَدرِهِ.
لَيسَ شَفَقَةً.
الشَّفَقَةُ أَيسَرُ مِنْ هَذَا.
كَانَ شَيئًا أَشبَهَ بِالثِّقَلِ الجِسمَانِيِّ لِلظُّلمِ حِينَ يَضَعُهُ أَمَامَكَ إِنسَانٌ يَعِيشُهُ وَلَا يَبكِيهِ.
ـ كَيفَ تُقَاوِمُ هَذَا؟
ابتَسَمَ الرَّاهِبُ.
لَيسَت ابتِسَامَةَ مَنْ يُرِيدُ أَن يَبدُوَ قَوِيًّا أَمَامَ الآخَرِينَ، وَلَا ابتِسَامَةَ مَنْ يُخفِي وَجَعَهُ خَلفَ قِنَاعٍ.
كَانَت ابتِسَامَةَ مَنْ وَجَدَ إِجَابَتَهُ مُنذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَلَمْ يَعُدْ يَحتَاجُ إِلَى مُجَادَلَةِ أَحَدٍ عَلَيهَا.
ـ بِالصُّمُودِ السَّلمِيِّ.
قَالَهَا كَأَنَّهَا ثَلَاثَةُ كَلِمَاتٍ عَادِيَّةٌ، وَكَأَنَّهَا فِي الوَقتِ ذَاتِهِ أَكثَرُ مَا قَالَهُ أَحَدٌ فِي تِلكَ القَاعَةِ.
ـ لَا أَحمِلُ سِلَاحًا وَلَا أَدعُو إِلَى عُنفٍ، رَغمَ كُلِّ الظُّلمِ الَّذِي نُوَاجِهُهُ كُلَّ يَومٍ.
أُمَارِسُ تَأَمُّلِي.
أُحَافِظُ عَلَى تَعَالِيمِي البُوذِيَّةِ حَيَّةً فِي داخِلِي وَفِي دَاخِلِ كُلِّ مَنْ أَستَطِيعُ الوُصُولَ إِلَيهِ.
أُعَلِّمُ مَنْ يَستَطِيعُ التَّعَلُّمَ مِنَّا سِرًّا، تَحتَ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ عَلَى حَيَاتِنَا الشَّخصِيَّةِ، وَهُوَ خَطَرٌ لَا نَتَحَدَّثُ عَنهُ كَثِيرًا لِأَنَّ الحَدِيثَ عَنهُ يَستَهلِكُ طَاقَةً نَحتَاجُهَا لِلفِعلِ.
ـ أَلَا يَبدُو هَذَا غَيرَ فَعَّالٍ أَحيَانًا، مُقَارَنَةً بِالمُقَاوَمَةِ المُسَلَّحَةِ المُبَاشَرَةِ؟
صَمَتَ الرَّاهِبُ.
لَيسَ صَمتَ مَنْ لَا يَجِدُ إِجَابَةً.
بَلْ صَمتَ مَنْ يَقِيسُ الكَلِمَاتِ قَبلَ أَنْ يُطلِقَهَا، كَمَا يَقِيسُ المِعمَارِيُّ الحَجَرَ قَبلَ أَنْ يَضَعَهُ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ:
ـ يَبدُو كَذَلِكَ أَحيَانًا، نَعَم.
مِنْ مَنظُورٍ قَصِيرِ المَدَى، حِينَ تَنظُرُ إِلَى هَذَا العَامِ أَو ذَاكَ الجِيلِ، قَد تَرَى المُقَاوَمَةَ المُسَلَّحَةَ أَسرَعَ نَتِيجَةً وَأَوضَحَ حُضُورًا.
لَكِنَّ المُسَلَّحَ يُقَاتِلُ حَتَّى يَنتَهِيَ الذَّخِيرَةُ.
أَمَّا الصُّمُودُ السَّلمِيُّ، الاستِمرَارُ فِي مُمَارَسَةِ هَوِيَّتِنَا وَإِيمَانِنَا رَغمَ كُلِّ الضَّغطِ وَالمَنعِ وَالتَّهدِيدِ، هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فِعلُ مُقَاوَمَةٍ عَمِيقَةٍ لَا تَنفَدُ.
أُسَمِّيهِ أَنَا بِاسمٍ آخَرَ:
«ذَاكِرَةُ الفِعلِ».
تَوَقَّفَتِ الكَلِمَاتُ فِي الهَوَاءِ.
أَعَادَ سَامِرُ الجُملَةَ فِي عَقلِهِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ.
ـ «ذَاكِرَةُ الفِعلِ»؟
مَاذَا تَقصِدُ بِهَذَا بِالضَّبطِ؟
أَومَأَ الرَّاهِبُ كَمَنْ كَانَ يَنتَظِرُ هَذَا السُّؤَالَ تَحدِيدًا.
ـ كُلُّ مَرَّةٍ أَتَأَمَّلُ فِيهَا بِصَمتٍ، وَقَد أَكُونُ خَائِفًا وَأَنَا أَتَأَمَّلُ.
كُلُّ مَرَّةٍ أُحَافِظُ فِيهَا عَلَى تَقلِيدٍ دِينِيٍّ رَغمَ المَنعِ الرَّسمِيِّ، وَقَد تَكُونُ يَدَايَ تَرتجِفَانِ وَأَنَا أَفعَلُ ذَلِكَ.
كُلُّ مَرَّةٍ أُعَلِّمُ فِيهَا طِفلًا صَغِيرًا تَعَالِيمَنَا سِرًّا بَعِيدًا عَنِ العُيُونِ، أَنَا أَخلُقُ فِعلًا حَيًّا حَاضِرًا.
هَذَا الفِعلُ لَا يَبقَى فِي الدَّفَاتِرِ.
لَا يَبقَى حِبرًا جَافًّا عَلَى وَرَقٍ أَصفَرَ.
يَبقَى فِي الجَسَدِ، فِي العَادَةِ، فِي الرُّوحِ.
يَحمِلُ ذَاكِرَتَنَا الجَمَاعِيَّةَ إِلَى الأَمَامِ، بَدَلًا مِن تَركِهَا تَتَصَلَّبُ وَحِيدَةً كَذِكرَى مَيِّتَةٍ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ القَدِيمَةِ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الأَعلَامِ المُلَوَّنَةِ وَهِيَ تَرفُرُفُ خَلفَ النَّافِذَةِ.
كَانَت تَتَحَرَّكُ بِلَا تَوَقُّفٍ، وَبِلَا إِرهَاقٍ، وَبِلَا ضَجِيجٍ.
ثُمَّ قَالَ وَكَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفسَهُ:
ـ هَذَا يُشبِهُ فِكرَةً قَابَلتُهَا مَعَ شَخصِيَّاتٍ أُخرَى فِي رِحلَتِي، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِهَذَا الوُضُوحِ وَهَذِهِ الحَدَّةِ.
الذَّاكِرَةُ لَيسَت فَقَط مَا نَتَذَكَّرُهُ بِشَكلٍ سِلبِيٍّ وَاعٍ.
بَل هِيَ أَيضًا مَا نَفعَلُهُ بِنَشَاطٍ لِلحِفَاظِ عَلَيهَا حَيَّةً.
أَومَأَ الرَّاهِبُ بِرَأسِهِ بِإِعجَابٍ هَادِئٍ لَا تَعَالِيَ فِيهِ.
ـ بِالضَّبطِ هَذَا مَا أُحَاوِلُ تَعلِيمَهُ لِمَنْ حَولِي.
الذَّاكِرَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيسَت تَخزِينًا سَاكِنًا.
لَيسَت مُجَرَّدَ مَعلُومَاتٍ تَجلِسُ فِي عَقلٍ مُغلَقٍ وَتَنتَظِرُ أَحَدًا يَفتَحُهَا.
هِيَ كَائِنٌ حَيٌّ يَحتَاجُ غِذَاءً وَهَوَاءً وَحَرَكَةً.
تَتَطَلَّبُ فِعلًا مُستَمِرًّا لِلحِفَاظِ عَلَيهَا نَابِضَةً، خَاصَّةً حِينَ تُوَاجِهُ مُحَاوَلَاتٍ مُنَظَّمَةً قَوِيَّةً لِإِخمَادِ ذَلِكَ النَّبضِ كُلِّيَّةً.
تَخَيَّلْ أَنَّ لُغَةً مَا لَا يَتَحَدَّثُهَا أَحَدٌ لِخَمسِينَ عَامًا.
لَن تَجِدَهَا فِي أَيِّ قَامُوسٍ مَكتُوبٍ.
كُتُبُهَا مَوجُودَةٌ، لَكِنَّهَا مَيِّتَةٌ.
لَكِنَّ اللُّغَةَ الَّتِي تَتَحَدَّثُهَا أُمٌّ لِطِفلِهَا كُلَّ لَيلَةٍ، حَيَّةٌ، حَتَّى لَو لَمْ تُوجَدْ فِي أَيِّ وَثِيقَةٍ رَسمِيَّةٍ.
ـ كَيفَ تُحَافِظُ عَلَى هُدُوئِكَ وَسَلَامِكَ الدَّاخِلِيِّ رَغمَ كُلِّ هَذَا الظُّلمِ؟
ابتَسَمَ الرَّاهِبُ ابتِسَامَةً أُخرَى، أَقَلُّ هُدُوءًا وَأَكثَرُ صِدقًا.
ابتِسَامَةٌ تَذَكَّرَ سَامِرُ حِينَ رَآهَا أَوَّلَ رَاهِبٍ بُوذِيٍّ قَابَلَهُ فِي بِدَايَةِ رِحلَتِهِ الطَّوِيلَةِ.
ـ بِمُمَارَسَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ مُستَمِرَّةٍ.
لَيسَ لِأَنَّنِي لَا أَغضَبُ.
أَنَا أَغضَبُ.
وَأَحيَانًا يَكُونُ غَضَبِي كَنَارٍ تَحتَ الجِلدِ، وَمَا أَعرِفُ كَيفَ أَحبِسُهَا.
لَكِنَّنِي تَعَلَّمتُ أَنَّ غَضَبِي وَكُرهِي، مَهمَا كَانَا مُبَرَّرَيْنِ تَمَامًا مِنْ مَنظُورٍ إِنسَانِيٍّ عَادِلٍ، لَنْ يُسَاعِدَا قَضِيَّتَنَا.
بَلْ قَد يَضُرَّانِهَا.
الإِنسَانُ الَّذِي يَحمِلُ كُرهَهُ كَوَقُودٍ يَجِدُ أَنَّهُ يَحتَرِقُ قَبلَ عَدُوِّهِ.
فَالتَّأَمُّلُ لَيسَ هَرَبًا مِنَ الأَلَمِ، بَلْ هُوَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي أَستَطِيعُ بِهَا أَنْ أَحمِلَ الأَلَمَ بِلَا أَنْ يَحمِلَنِي.
ـ هَل تَخَافُ مِنَ المُستَقبَلِ؟
سَأَلَ سَامِرُ بِصِدقٍ كَامِلٍ.
ـ مِنِ احتِمَالِ أَن تَنجَحَ مُحَاوَلَاتُ مَحوِ ثَقَافَتِكُم يَومًا مَا؟
نَظَرَ الرَّاهِبُ بَعِيدًا.
لَم يَنظُر إِلَى الجِدَارِ وَلَا إِلَى النَّافِذَةِ.
نَظَرَ إِلَى شَيءٍ لَا يَرَاهُ سَامِرُ، شَيءٍ فِي المَسَافَةِ البَعِيدَةِ بَيْنَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَمَا يَأمَلُ أَن يَكُونَ.
ـ أَخَافُ أَحيَانًا، نَعَم.
قَالَهَا بِلَا تَرَدُّدٍ وَلَا خَجَلٍ.
ـ فَأَنَا إِنسَانٌ، وَلَستُ قِدِّيسًا كَامِلَ النُّقَاءِ بِلَا مَشَاعِرَ بَشَرِيَّةٍ.
الخَوفُ يَأتِيَنِي فِي اللَّيلِ أَحيَانًا.
يَجلِسُ إِلَى جَانِبِي كَضَيفٍ ثَقِيلٍ لَم أَدعُهُ.
لَكِنَّنِي أَيضًا أُؤمِنُ بِقُوَّةٍ أَنَّ طَالَمَا هُنَاكَ رَاهِبٌ وَاحِدٌ يَتَأَمَّلُ بِصَمتٍ فِي زَنزَانَةٍ أَو فِي غَارٍ بَارِدٍ أَو فِي بَيتٍ مُغلَقٍ، وَطَالَمَا هُنَاكَ أُمٌّ وَاحِدَةٌ تُعَلِّمُ طِفلَهَا صَلَاةً تَقلِيدِيَّةً سِرًّا قَبلَ أَن يَنَامَ، فَإِنَّ ثَقَافَتَنَا تَبقَى حَيَّةً.
مَهمَا حَاوَلُوا مَحوَهَا رَسمِيًّا.
مَهمَا شَيَّدُوا عَلَيهَا مِنَ القَوَانِينِ وَالأَسلَاكِ وَالصَّمتِ الإِجبَارِيِّ.
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيءٍ يَشتَعِلُ فِيهِ.
لَيسَ حَمَاسَةً رَخِيصَةً.
بَلْ ذَلِكَ النَّوعُ الثَّقِيلُ مِنَ الإِلهَامِ الَّذِي يَأتِيكَ حِينَ تُشَاهِدُ إِنسَانًا يَفعَلُ شَيئًا بَسِيطًا وَصَعبًا جِدًّا فِي الوَقتِ ذَاتِهِ.
ـ شُكرًا لَكَ.
قَالَهَا بِصِدقٍ تَامٍّ.
ـ عَلَى هَذِهِ الحِكمَةِ، وَعَلَى صُمُودِكَ الَّذِي يُعَلِّمُنِي مَا لَا تُعَلِّمُهُ الكُتُبُ.
نَظَرَ إِلَيهِ الرَّاهِبُ نَظرَةً أَخِيرَةً هَادِئَةً، كَأَنَّهُ يُودِّعُ لَكِنَّهُ لَا يَنفَصِلُ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ اذهَب الآنَ يَا سَامِرُ.
وَاحمِل مَعَكَ هَذَا:
أَحيَانًا، أَقوَى أَشكَالِ الذَّاكِرَةِ لَيسَت فِي تَذَكُّرِ المَاضِي بِشَكلٍ سِلبِيٍّ وَسَاكِنٍ، بَل فِي فِعلٍ نَشِطٍ مُستَمِرٍّ يُحَافِظُ عَلَى ذَلِكَ المَاضِي حَيًّا فِي الحَاضِرِ.
عَادَ إِلَى وَضعِيَّةِ تَأَمُّلِهِ.
وَأَغمَضَ عَينَيهِ.
وَكَأَنَّ المَحَادَثَةَ كَانَت بَين قَوسَينِ دَاخِلَ صَمتٍ أَكبَرَ وَأَقدَمَ.
________________________________________
بَدَأَ الدَّيرُ الجَبَلِيُّ يَتَلَاشَى رُويدًا رُويدًا، الأَعلَامُ المُلَوَّنَةُ تَشحُبُ، وَالضَّوءُ الأَبيَضُ يَنسَحِبُ كَمَن لَم يَكُن.
حَتَّى وَجَدَ سَامِرُ نَفسَهُ فِي الرَّوَاقِ المُعتَادِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ.
وَاقِفٌ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشًا لَم يَرَ سَامِرُ مِثلَهُ مِن قَبلُ.
بُندُقِيَّةٌ مُلقَاةٌ عَلَى الأَرضِ، وَمِن شَقٍّ صَغِيرٍ فِي ذَلِكَ الحَجَرِ الصُّلبِ تَنبُتُ زَهرَةٌ صَغِيرَةٌ لَا تَعرِفُ أَنَّهَا تَنبُتُ فِي مَكَانٍ غَيرِ مُلَائِمٍ.
وَلَعَلَّ هَذَا تَحدِيدًا هُوَ سِرُّهَا.
قَالَ العَجُوزُ بِصَوتٍ خَفِيضٍ:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ صَعبَةٌ جِدًّا يَا سَامِرُ، عَاطِفِيًّا وَنَفسِيًّا.
سَتُقَابِلُ جُندِيَّةً شَابَّةً، عَاشَت حَربًا مُعَقَّدَةً جِدًّا، غَيَّرَت ذَاكِرَتَهَا وَهُوِيَّتَهَا بِطُرُقٍ لَم تَكُنْ تَتَوَقَّعُهَا أَبَدًا.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى البَابِ.
إِلَى البُندُقِيَّةِ المُلقَاةِ.
إِلَى الزَّهرَةِ النَّابِتَةِ.
ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وَفَتَحَ البَابَ.
