مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ – الْمَرْأَةُ فِي سِنِّ الْيَأْسِ – الْجَسَدُ يُعِيدُ تَعْرِيفَ الذَّاكِرَةِ عِنْدَ التَّحَوُّلاَتِ الْكُبْرَى – أُنْثَى، اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سَنَةً — كَنَدَا، ٢٠١٨م
—————————
كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَقِفُ أَمَامَ نَافِذَةٍ لَيْسَ خَلْفَهَا شَيْءٌ.
أَوْ هَكَذَا بَدَا لِسَامِرٍ فِي الْبِدَايَةِ؛ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى بَيَاضٍ نَاصِعٍ، لَا سَمَاءَ وَلَا مَدِينَةَ وَلَا طَبِيعَة. مُجَرَّدُ ضَوْءٍ أَبْيَضَ هَادِئٍ يُضِيءُ وَجْهَهَا مِنَ الْجَانِبِ، وَيُظْهِرُ خُطُوطاً دَقِيقَةً عِنْدَ زَاوِيَةِ عَيْنَيْهَا، وَخَيْطاً فِضِّيَّاً فِي شَعْرِهَا الْبُنِّيِّ الْكَثِيف. وَقَفَتْ بِثَبَاتٍ مُدْهِشٍ — يَدُهَا عَلَى صَدْرِهَا، تَتَنَفَّسُ بِبُطْءٍ وَوَعْي. لَمْ تَكُنْ تُصَلِّي، وَلَمْ تَكُنْ تَتَأَمَّلُ بِالْمَعْنَى الدِّينِيِّ الْمُتَعَارَفِ عَلَيْه؛ كَانَتْ بِبَسَاطَةٍ تَسْمَعُ جَسَدَهَا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ الضَّوْءَ الأَبْيَضَ الصَّامِتَ أَمَامَهَا هُوَ الشَّاهِدُ الْوَحِيدُ الَّذِي لَمْ يَطْلُبْ مِنْهَا يَوْماً أَنْ تُفَسِّرَ نَفْسَهَا.
حِينَ سَمِعَتْ خُطُوَاتِ سَامِرٍ لَمْ تَتَحَرَّكْ مُبَاشَرَةً. أَكْمَلَتْ نَفَسَهَا أَوَّلاً، بِشَكْلٍ مَقْصُودٍ وَوَاعٍ تَمَاماً، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَيْه.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ يَخْلُو مِنَ الانْزِعَاج: «تَفَضَّلْ.»
قَالَ سَامِرٌ وَقَدْ تَوَقَّفَ عِنْدَ عَتَبَةِ الْغُرْفَةِ: «أَنَا لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أُزْعِجَكِ.»
قَالَتْ بِنَبْرَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ كَأَنَّهَا تَقُولُ حَقِيقَةً جُغْرَافِيَّةً: «لَمْ تُزْعِجْنِي. كُنْتُ أَتَنَفَّسُ فَقَط. فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، التَّنَفُّسُ الْوَاعِي ضَرُورَةٌ، لَيْسَ تَرَفاً.»
سَأَلَهَا سَامِرٌ وَقَدِ اقْتَرَبَ خُطْوَةً وَاحِدَة: «لِمَاذَا؟»
أَدَارَتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا نَحْوَهُ بِالْكَامِلِ الآنَ، وَفِي عَيْنَيْهَا شَيْءٌ يَشْبِهُ الاطْمِئْنَانَ الَّذِي يَكْسِبُهُ الإِنْسَانُ بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيل، لَا قَبْلَه. قَالَتْ:
«لأَنَّ الْجَسَدَ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ بِطُرُقٍ لَا أَتَحَكَّمُ فِيهَا تَمَاماً. وَحِينَ تَفْقُدُ شَيْئاً مِنَ السَّيْطَرَةِ، تَتَعَلَّمُ أَنْ تَتَحَكَّمَ فِيمَا تَسْتَطِيع. التَّنَفُّسُ يُمْكِنُ السَّيْطَرَةُ عَلَيْه.»
سَأَلَهَا سَامِرٌ بِجِدٍّ حَقِيقِيٍّ لَا بِمُجَامَلَة: «مَا الَّذِي يَتَغَيَّر؟»
أَجَابَتْ بِصَوْتٍ خَالٍ مِنَ الشَّكْوَى أَوِ التَّبَرُّم:
«كُلُّ شَيْءٍ وَبِبُطْء. الْهَرْمُونَاتُ تَتَغَيَّر؛ وَهَذَا التَّغَيُّرُ يُؤَثِّرُ عَلَى النَّوْمِ وَالْمِزَاجِ وَدَرَجَةِ الْحَرَارَة. هَلْ تَعْرِفُ الْهَبَّاتِ الْحَرَارِيَّة؟ مَوْجَاتٌ مِنَ الْحَرَارَةِ تَأْتِي دُونَ إِنْذَارٍ وَتَجْعَلُ جِسْمَكَ يَشْعُرُ أَنَّهُ يَحْتَرِقُ مِنَ الدَّاخِل. ثُمَّ تَمُرّ. لَكِنْ لَيْسَ قَبْلَ أَنْ تُذَكِّرَكَ بِأَنَّ هَذَا الْجَسَدَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد.»
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ وَكَأَنَّهَا تُكَمِّلُ فِكْرَةً بَدَأَتْهَا مَعَ نَفْسِهَا مِنْ قَبْل:
«تَخَيَّلْ أَنَّكَ كُنْتَ تَقُودُ سَيَّارَةً طَوَالَ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِيَدَيْك، وَفَجْأَةً اكْتَشَفْتَ أَنَّ التَّوَجُّهَ لَيْسَ تَحْتَ سَيْطَرَتِكَ الْكَامِلَةِ بَعْدَ الآن. الطَّرِيقُ هُوَ نَفْسُهُ. أَنْتَ هُوَ أَنْت. لَكِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الآلَةِ الَّتِي تَحْمِلُكَ تَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ تَفَاوُض.»
سَأَلَهَا: «وَكَيْفَ تَتَعَامَلِينَ مَعَ هَذَا؟»
أَجَابَتْ بِبِطْءٍ كَمَنْ يَزِنُ كَلَّ كَلِمَة:
«بِالْمُرَاقَبَةِ أَوَّلاً. تَعَلَّمْتُ أَنْ أُرَاقِبَ الْجَسَدَ كَمَا تُرَاقِبُ نَهْراً — لَا تُوقِفُهُ، لَكِنْ تُلَاحِظُ تَيَّارَاتِه. وَثَانِياً بِتَغْيِيرِ التَّوَقُّعَات.»
سَأَلَ بِفُضُولٍ حَقِيقِيّ: «التَّوَقُّعَاتُ عَنْ مَاذَا؟»
أَجَابَتْ:
«عَمَّا أَسْتَحِقُّهُ وَعَمَّا أُرِيدُهُ. طَوَالَ الثَّلَاثِينَ سَنَةً الْمَاضِيَةِ كَانَ جِسْمِي يَعْمَلُ وَفْقَ مَنْطِقٍ مُعَيَّن؛ الدَّوْرَةُ وَالْخُصُوبَةُ وَالتَّوَقُّعَاتُ الْمُرْتَبِطَةُ بِهِمَا. وَفَجْأَةً ذَلِكَ الْمَنْطِقُ يَتَبَدَّل. فِي الْبِدَايَةِ تَشْعُرِينَ أَنَّ شَيْئاً يُؤْخَذُ مِنْك. ثُمَّ تُدْرِكِينَ أَنَّ شَيْئاً يُعَادُ تَعْرِيفُه.»
* * *
كَانَ سَامِرٌ يَسْمَعُهَا وَيُحَاوِلُ أَنْ يُرَتِّبَ مَا يَسْمَعُهُ فِي الإِطَارِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَجْلِه. قَالَ:
«أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ الصِّلَةَ بِالذَّاكِرَة. لِمَاذَا أَنْتِ هُنَا فِي هَذَا الْمُتْحَفِ تَحْدِيدَاً؟»
قَالَتْ بِوُضُوح:
«لأَنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ غَيَّرَ طَرِيقَةَ تَذَكُّرِي.»
سَأَلَ: «كَيْف؟»
أَجَابَتْ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ أَثَرَ الذُّعْرِ الْقَدِيمِ الَّذِي صَارَ الآنَ مَفْهُوماً:
«فِي الْبِدَايَةِ لَاحَظْتُ مَا يُشْبِهُ ضَبَاباً فِي الذَّاكِرَة. أَنْسَى كَلِمَات. أَنْسَى أَسْمَاءً مَأْلُوفَة. أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ جُمْلَةً وَأَجِدُ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْوُسْطَى اخْتَفَت. تَخَيَّلْ أَنَّكَ كُنْتَ تُعَزِّفُ أُغْنِيَةً حَفِظْتَهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ عَلَى الْبِيَانُو، ثُمَّ فَجْأَةً، فِي مُنْتَصَفِ اللَّحْنِ بِالضَّبْط، تَجِدُ أَنَّ إِصْبَعَيْكَ لَا يَذْهَبَانِ إِلَى الْمَكَانِ الصَّحِيح. اللَّحْنُ مَازَالَ فِي رَأْسِك. لَكِنَّ الْجِسْرَ بَيْنَ مَا تَعْرِفُهُ وَمَا تَقُولُهُ صَارَ هَشَّاً لَحْظَة.»
سَأَلَ: «خِفْتِ؟»
قَالَتْ بِصِدْق:
«فَزِعْت. مُبَاشَرَةً فَكَّرْتُ فِي الزَّهَايْمَر. فَكَّرْتُ أَنَّنِي أَبْدَأُ فِي الضَّيَاع. ذَهَبْتُ إِلَى الطَّبِيب. قَالَ بِكَلِمَاتٍ بَسِيطَةٍ مُطَمْئِنَة: لَا، هَذَا طَبِيعِيٌّ جِدَّاً فِي انْقِطَاعِ الطَّمْث. الإِسْتِرُوجِينُ يُؤَثِّرُ عَلَى وَظَائِفِ الذَّاكِرَةِ قَصِيرَةِ الْمَدَى؛ مَعَ انْخِفَاضِهِ يَحْدُثُ هَذَا الضَّبَابُ الْمُؤَقَّت.»
قَالَ سَامِرٌ مُتَسَائِلاً: «مُؤَقَّت؟»
أَكَّدَتْ بِهُدُوء:
«يَتَحَسَّنُ مَعَ الْوَقْتِ حِينَ يَتَكَيَّفُ الْجَسَد. لَكِنْ فِي تِلْكَ الأَشْهُرِ الأُولَى — فَكَّرْتُ فِي شَيْءٍ لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنْ أُفَكِّرَ فِيه: مَنْ أَكُونُ إِنْ فَقَدْتُ الذَّاكِرَة؟»
وَقَفَتِ الْمَرْأَةُ صَامِتَةً لَحْظَةً عِنْدَ النَّافِذَة. أَعَادَتْ يَدَهَا إِلَى صَدْرِهَا. نَفَسٌ وَاحِدٌ طَوِيل. كَأَنَّهَا كَانَتْ تَتَأَكَّدُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي سَتَقُولُهَا لَاحِقاً تَسْتَحِقُّ أَنْ تَأْتِيَ مِنْ مَكَانٍ هَادِئ. ثُمَّ قَالَتْ:
«وَهَذَا السُّؤَالُ — مَنْ أَكُونُ إِنْ فَقَدْتُ الذَّاكِرَة — فَتَحَ شَيْئاً مُخْتَلِفاً تَمَاماً. فَتَحَ تَسَاؤُلاً عَمَّا أَحْتَفِظُ بِهِ وَمَا أَتْرُكُه.»
قَالَ سَامِرٌ بِبُطْء: «بِمَعْنَى؟»
قَالَتْ:
«كُنْتُ دَائِماً امْرَأَةً تَحْتَفِظُ بِكُلِّ شَيْء. الرَّسَائِلُ الْقَدِيمَة. الصُّوَر. السِّجَلَّات. حَتَّى الْقَصَاصَاتُ الصَّغِيرَة. كَأَنَّنِي كُنْتُ أَبْنِي مُتْحَفاً خَاصَّاً لِحَيَاتِي — لَا بِوَعْي. أَعْرِفُ نِسَاءً أُخَرَيَاتٍ يَفْعَلْنَ الشَّيْءَ ذَاتَه: تَحْتَفِظُ إِحْدَاهُنَّ بِكُلِّ بِطَاقَةِ عِيدِ مِيلَادٍ تَلَقَّتْهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَة، وَأُخْرَى تَحْتَفِظُ بِرَسَائِلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَمْ يَصِيرُوا شَيْئاً فِي حَيَاتِهَا. وَحِينَ تَسْأَلُهُنَّ لِمَاذَا، لَا يُجِبْن؛ لأَنَّ الإِجَابَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنَّ النِّسْيَانَ يُخِيفُهُن.»
«وَحِينَ شَعَرْتُ أَنَّ ذَاكِرَتِي قَدْ تَكُونُ هَشَّةً، بَدَأْتُ أُفَكِّرُ: مَا الَّذِي أُرِيدُ فِعْلاً أَنْ يَبْقَى؟»
سَأَلَهَا: «وَتَوَصَّلْتِ إِلَى مَاذَا؟»
قَالَتْ بِصَرَاحَةٍ تُشْبِهُ اعْتِرَافاً لَمْ تُخَطِّطْ لَه:
«إِلَى أَنَّ مُعْظَمَ مَا احْتَفَظْتُ بِهِ لَيْسَ لأَنَّنِي أُرِيدُهُ، بَلْ لأَنَّنِي خِفْتُ مِنَ التَّخَلِّي عَنْه. الْخَوْفُ مِنَ النِّسْيَانِ يَجْعَلُكَ تُكَدِّس. الأَمَانُ الْحَقِيقِيُّ يَجْعَلُكَ تُمَيِّز.»
سَأَلَهَا: «هَلْ تُمَيِّزِينَ الآن؟»
أَجَابَتْ:
«أَتَعَلَّم. بَدَأْتُ أُتْلِفُ أَشْيَاء. أُعْطِي أَشْيَاء. أَتْرُكُ أَشْيَاءَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي تَنْتَمِي إِلَيْه. أَتْلَفْتُ مِئَةَ رِسَالَةٍ مِنْ رَجُلٍ أَحْبَبْتُهُ وَخَسِرْتُهُ قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَة. وَقَبْلَ أَنْ أُتْلِفَهَا كُنْتُ أَخَافُ أَنَّ فِعْلَةَ الإِتْلَافِ هَذِهِ سَتَمْحُو ذَلِكَ الزَّمَن. لَكِنَّ الزَّمَنَ بَقِيَ. الأَشْيَاءُ اخْتَفَت، وَالزَّمَنُ بَقِيَ. وَهَذَا… هَذَا خَفَّفَ عَنِّي شَيْئاً لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ ثَقِيلاً.»
قَالَ سَامِرٌ بِتَأَمُّل: «الذَّاكِرَةُ كَعِبْء.»
صَوَّبَتْ بِدِقَّة:
«الذَّاكِرَةُ الْمُتَرَاكِمَةُ دُونَ اخْتِيَارٍ كَعِبْء. هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تُقَرِّرَ مَا يَسْتَحِقُّ الْحِفْظَ وَبَيْنَ أَنْ تَحْتَفِظَ بِكُلِّ شَيْءٍ خَوْفاً. الأَوَّلُ فِعْلُ إِنْسَانٍ وَاعٍ بِنَفْسِه. الثَّانِي فِعْلُ إِنْسَانٍ يُعَرِّفُ نَفْسَهُ بِمَاضِيهِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِغاً دُونَه.»
* * *
انْتَقَلَ سَامِرٌ إِلَى السُّؤَالِ الَّذِي أَعَدَّهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّداً مِنْ صِيَاغَتِهِ الصَّحِيحَة:
«وَمَاذَا عَنْ ذَاكِرَةِ الْجَسَدِ نَفْسِهِ فِي هَذَا التَّحَوُّل؟»
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً فِيهَا إِدْهَاشٌ حَقِيقِيّ، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ هَذَا السُّؤَالَ تَحْدِيدَاً:
«هَذِهِ الْجُزْءُ الأَكْثَرُ إِدْهَاشاً. الْجَسَدُ يَتَذَكَّرُ أَشْيَاءَ نَسِيَهَا الْعَقْل. حِينَ أَمُرُّ بِهَبَّةٍ حَرَارِيَّةٍ أَحْيَاناً يَأْتِي مَعَهَا شُعُورٌ مِنَ الْمَاضِي — غَضَبٌ قَدِيم، أَوْ حَزَنٌ قَدِيم، أَوْ فَرَحٌ نَسِيتُه. كَأَنَّ الْجَسَدَ يُفَرِّجُ عَنْ ذَاكِرَةٍ كَانَ يَحْمِلُهَا صَامِتاً.»
قَالَ سَامِرٌ بِتَأَنٍّ: «كَأَنَّ التَّحَوُّلَ الْهَرْمُونِيَّ يَفْتَحُ خَزَائِنَ قَدِيمَة.»
أَكَّدَتْ:
«بِالضَّبْط. بَعْضُ الْمُعَالِجِينَ النَّفْسِيِّينَ يَقُولُونَ هَذَا؛ انْقِطَاعُ الطَّمْثِ أَحْيَاناً يُطْلِقُ مُعَالَجَةً عَاطِفِيَّةً لأَشْيَاءَ كَانَتْ مُجَمَّدَة. النِّسَاءُ اللَّوَاتِي عَمِلْنَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ نَفْسِيَّاً يُفِدْنَ مِنْ هَذَا. وَاللَّوَاتِي أَهْمَلْنَ الدَّاخِلَ يَجِدْنَهُ مُفَاجَأَةً صَعْبَة. هُوَ كَمَنْ كَانَ يُؤَجِّلُ فَتْحَ صَنَادِيقَ كَثِيرَةٍ وَضَعَهَا فِي الْمَخْزَن، ثُمَّ جَاءَتِ الْخَادِمَةُ يَوْماً وَفَتَحَتْهَا كُلَّهَا دَفْعَةً وَاحِدَة.»
سَأَلَهَا: «وَأَيْنَ أَنْتِ فِي هَذِهِ الْعَمَلِيَّة؟»
قَالَتْ بِصَدَاقَةٍ مَعَ نَفْسِهَا:
«فِي الْمُنْتَصَفِ أَظُن. عَمِلْتُ عَلَى نَفْسِي لَكِنَّنِي لَمْ أُنْهِ كُلَّ شَيْء. وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَداً يُنْهِي كُلَّ شَيْء. مَنْ يَقُولُ لَكَ إِنَّهُ أَنْهَى كُلَّ شَيْءٍ فَهُوَ إِمَّا كَاذِبٌ أَوْ لَمْ يَبْدَأْ بَعْد.»
* * *
سَأَلَهَا سَامِرٌ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِير: «مَا الَّذِي وَجَدْتِهِ فِي تِلْكَ الْخَزَائِنِ الْمَفْتُوحَة؟»
تَوَقَّفَتْ. فَكَّرَتْ بِصِدْقٍ وَاضِح. وَلَمْ يَكُنِ التَّوَقُّفُ مِنَ التَّرَدُّد؛ كَانَ مِنَ الاحْتِرَام.
«وَجَدْتُ سَنَوَاتٍ قَضَيْتُهَا فِي خِدْمَةِ تَوَقُّعَاتِ الآخَرِين. سَنَوَاتٍ كُنْتُ فِيهَا أُعَرِّفُ نَفْسِي بِمَا أُقَدِّمُهُ لَا بِمَا أَنَا. الأُمُّ. الزَّوْجَة. الْمُدِيرَة. الابْنَةُ الْبَارَّة. كُلُّ هَذِهِ الأَدْوَارُ حَقِيقِيَّةٌ وَأَنَا لَا أَنْكُرُهَا — لَكِنَّهَا لَيْسَتْ أَنَا. هِيَ أَشْيَاءٌ أَفْعَلُهَا، لَيْسَتِ الشَّيْءَ الَّذِي أَكُونُهُ.»
أَضَافَتْ وَفِي صَوْتِهَا رَعْشَةٌ لَطِيفَة:
«وَحِينَ بَدَأَ الْجَسَدُ يَقُولُ كَفَى — بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ الْمُزْعِجَة — بَدَأْتُ أُفَكِّرُ: مَنْ أَنَا حِينَ لَا أَكُونُ شَيْئاً لأَحَد؟ مَنْ أَنَا فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ يَنْتَظِرُنِي وَلَا شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ اهْتِمَامِي سِوَى نَفْسِي؟»
قَالَ سَامِرٌ: «سُؤَالٌ كَبِير.»
قَالَتْ بِصَدَاقَةٍ جَرِيئَة:
«سُؤَالٌ مُرْعِب. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِه… مُحَرِّر. هَاتَانِ الصِّفَتَانِ لَيْسَتَا مُتَنَاقِضَتَيْن. الأَشْيَاءُ الَّتِي تُحَرِّرُكَ كَثِيراً مَا تُخِيفُكَ أَوَّلاً. لأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَعْنِي الْمَسْؤُولِيَّة، وَالْمَسْؤُولِيَّةُ تَعْنِي أَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَلُومَ أَحَداً آخَرَ عَلَى كَيْفَ تَصِيرُ.»
* * *
الْتَفَتَ سَامِرٌ إِلَى النَّافِذَةِ الَّتِي لَا تَرَى شَيْئاً خَلْفَهَا. كَانَ الضَّوْءُ الأَبْيَضُ لَا يَزَالُ هُنَاك، هَادِئاً وَثَابِتاً كَشَاهِدٍ لَا يَحْكُم. سَأَلَ:
«هَذِهِ النَّافِذَة. مَاذَا تُشَاهِدِينَ حِينَ تَنْظُرِينَ إِلَيْهَا؟»
قَالَتْ بِأَنَاةٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الإِجَابَةَ عِشَتْهَا لَا حَفِظَتْهَا:
«فِي الْبِدَايَةِ لَا شَيْء. لَكِنْ إِنْ جَلَسْتُ أَمَامَهَا طَوِيلاً بَدَأْتُ أَرَى شَيْئاً. لَيْسَ مَشْهَداً — حَالَة. حَالَةٌ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُون. مُسْتَقْبَلٌ لَمْ يُكْتَبْ بَعْد. وَهَذَا أَجْمَلُ مَا فِي الضَّوْءِ الْأَبْيَض: لَا يَعِدُكَ بِشَيْءٍ مُحَدَّد، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُكَ مِنْ شَيْءٍ أَيْضاً.»
سَأَلَهَا في هُدُوء: «وَمُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة؟ مَا الَّذِي جَاءَ بِكِ إِلَيْه؟»
أَجَابَتْ وَقَدْ أَدَارَتْ وَجْهَهَا نَحْوَ النَّافِذَةِ مِنْ جَدِيد:
«يَوْمٌ بَعِيد. يَوْمٌ كُنْتُ فِيهِ أَنَا فَقَط، قَبْلَ كُلِّ الأَدْوَار. يَوْمٌ لَا أَذْكُرُ تَفَاصِيلَهُ لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ هُنَاك. أَيَّامُ الطُّفُولَةِ الأُولَى قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ التَّوَقُّعَات. قَبْلَ أَنْ يَقُولَ لِي أَحَدٌ مَا يَجِبُ أَنْ أُحِبَّه، وَمَا يَجِبُ أَنْ أَخَافَهُ، وَمَا يَجِبُ أَنْ أَطْمَحَ إِلَيْه. أُرِيدُ أَنْ أَتَذَكَّرَ كَيْفَ كُنْتُ حِينَ لَمْ أَكُنْ بَعْد… شَيْئاً لأَحَد.»
غَادَرَ سَامِرٌ الْغُرْفَةَ بِهُدُوءٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ قَدْرَ مَا فَرَضَهُ الْجَوُّ. لَمْ يَقُلْ وَدَاعاً. شَعَرَ أَنَّ أَيَّ كَلَامٍ كَانَ سَيَكُونُ أَقَلَّ قِيمَةً مِنَ الصَّمْتِ. الْمَرْأَةُ عَادَتْ إِلَى النَّافِذَة، إِلَى تَنَفُّسِهَا الْوَاعِي، إِلَى ذَلِكَ الضَّوْءِ الأَبْيَضِ الَّذِي لَا يَعِدُكَ بِشَيْءٍ وَلَا يَمْنَعُكَ مِنْ شَيْء.
وَفَكَّرَ سَامِرٌ وَهُوَ يَمْشِي فِي الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ غُرَفِ الْمُتْحَف:
التَّحَوُّلَاتُ الْكُبْرَى فِي الْجَسَدِ لَيْسَتْ نِهَايَات. هِيَ لَحَظَاتُ صِدْقٍ تُجْبِرُكَ عَلَى السُّؤَال: مَنْ أَنْتَ حِينَ يَنْتَهِي دَوْرٌ كُنْتَ تَلْعَبُهُ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ تَلْعَبُه؟
وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ الاكْتِشَافُ الأَعَمَق: أَنَّ أَشَدَّ اللَّحَظَاتِ تَعَبَاً هِيَ أَحْيَاناً أَكْثَرُهَا صِدْقاً. وَأَنَّ الْجَسَدَ حِينَ يَرْفُضُ أَنْ يَكْذِبَ — يُقَدِّمُ لَكَ، بِطَرِيقَتِهِ الصَّعْبَة، هَدِيَّةً لَا تَجِدُهَا إِلَّا عِنْدَهُ: نَفْسَكَ.
