مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ — الأَبُ المُسِنُّ – أَحْمَدُ | فِلَسْطِينُ، الحَاضِرُ «ذَاكِرَةُ مَنْ دُفِنَ أَحِبَّاؤُهُ قَبْلَهُ»
________________________________________
كَانَتِ الغُرْفَةُ تُشْبِهُ غُرْفَةَ انْتِظَارٍ فِي مَكَانٍ لَا تَنْتَهِي فِيهِ الانْتِظَارَاتُ.
لَيْسَ انْتِظَارُ مَوْعِدٍ أَوِ انْتِظَارَ خَبَرٍ، بَلِ انْتِظَارٌ مِنَ النَّوْعِ الأَعْمَقِ الَّذِي لَا يَنْتَظِرُ شَيْئًا بَعَيْنِهِ، بَلْ يَجْلِسُ فِي حَضْرَةِ مَا مَضَى بِصَبْرٍ لَا تُنْتِجُهُ الفَلْسَفَةُ وَلَا تَمْنَحُهُ الكُتُبُ، بَلْ تَصْنَعُهُ السَّنَوَاتُ الطَّوِيلَةُ وَحْدَهَا حِينَ تَمُرُّ بِكُلِّ ثِقَلِهَا عَلَى الكَتِفَيْنِ.
كُرْسِيَّانِ مُتَقَابِلَانِ، وَبَيْنَهُمَا طَاوِلَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَيْهَا فِنْجَانُ شَايٍ لَمْ يُلْمَسْ. لَمْ يَكُنِ الفِنْجَانُ مَنْسِيًّا؛ كَانَ مُوْضُوعًا بِقَصْدٍ، مُرَتَّبًا بِعِنَايَةٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ صَاحِبَ المَكَانِ يَعْرِفُ تَمَامًا أَنَّ الشَّايَ بَرَدَ، وَيَعْرِفُ أَنَّهُ لَنْ يَشْرَبَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَرَادَهُ أَنْ يَبْقَى.
جَلَسَ الرَّجُلُ العَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الكُرْسِيَّيْنِ بِظَهْرٍ مُسْتَقِيمٍ رَغْمَ ثِقَلِ السَّنَوَاتِ التِّسْعِ وَالسَّبْعِينَ، يَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ شَيْئًا لَا يُشْبِهُ الحُزْنَ تَمَامًا. كَانَ أَعْمَقَ مِنَ الحُزْنِ وَأَكْثَرَ هُدُوءًا مِنْهُ، كَأَنَّ الحُزْنَ مَرَّ بِكُلِّ مَرَاحِلِهِ الصَّاخِبَةِ وَالمُضْطَرِبَةِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ وَأَصْبَحَ طَبِيعَةً، حَالَةً دَائِمَةً لَا تُعْلَنُ وَلَا تُخْفَى.
حِينَ رَأَى سَامِرًا، أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ بِإِيمَاءَةٍ لَمْ تَكُنْ تَرْحِيبًا بِالمَعْنَى المُعْتَادِ. كَانَتْ حِكْمَةً ضِمْنِيَّةً يَعْرِفُهَا مَنْ عَاشَ طَوِيلًا بِمَا يَكْفِي لِيُدْرِكَ أَنَّ الجُلُوسَ وَالصَّمْتَ أَحْيَانًا أَبْلَغُ مِنَ الكَلَامِ: اجْلِسْ، الوَقْتُ هُنَا يَسِيرُ بِمَنْطِقٍ آخَرَ.
— أَحْمَدُ؟
— نَعَمْ. اجْلِسْ يَا ابْنِي. الشَّايُ بَرَدَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَهُمُّ.
— لِمَاذَا لَا يَهُمُّ؟
— لِأَنَّ الشَّايَ الَّذِي لَا يُشْرَبُ يَبْقَى دَائِمًا. هَذَا الفِنْجَانُ مَوْجُودٌ مُنْذُ فَتْرَةٍ. أُرِيدُهُ أَنْ يَبْقَى مَكَانَهُ.
— لِمَنْ؟
— لِمَنْ كَانَ يَشْرَبُ الشَّايَ مَعِي.
لَمْ يُوَضِّحْ أَكْثَرَ، وَلَمْ يُلِحَّ سَامِرٌ. جَلَسَا فِي صَمْتٍ قَصِيرٍ مُرِيحٍ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ، كَصَمْتِ شَخْصَيْنِ لَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ حَقَّ المَعْرِفَةِ، لَكِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي شَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ لِيُعْلَنَ.
تَفَكَّرَ سَامِرٌ فِي الفِنْجَانِ. ثَمَّةَ فِي هَذِهِ العَادَةِ الصَّغِيرَةِ، وَضْعُ فِنْجَانٍ لِغَائِبٍ، حِكْمَةٌ يَفْهَمُهَا عُقَلَاءُ الثَّقَافَاتِ كُلِّهَا. الإِغْرِيقُ الْقُدَامَى كَانُوا يَتْرُكُونَ مَقْعَدًا فَارِغًا فِي المَآدِبِ لِأَرْوَاحِ المَوْتَى الكِرَامِ. وَفِي يَابَانَ اليَوْمِ، تَجِدُ مَنَازِلَ تَحْتَفِظُ بِكُوبِ الشَّايِ اليَوْمِيِّ لِلرَّاحِلِينَ كَأَنَّهُمْ سَيَعُودُونَ لِشُرْبِهِ. لَيْسَ هَذَا جُنُونًا وَلَا إِنْكَارًا لِلْمَوْتِ؛ هُوَ طَرِيقَةٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي فَهْمِ الوُجُودِ، تَقُولُ إِنَّ الحُضُورَ أَوْسَعُ مِنَ الجَسَدِ وَأَبْقَى مِنْهُ.
— كَمْ وَلَدًا لَكَ؟
— كَانَ لِي أَرْبَعَةٌ. الآنَ ثَلَاثَةٌ. فَقَدْتُ الأَصْغَرَ قَبْلَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.
— أَنَا آسِفٌ.
— لَا تَعْتَذِرْ. الاعْتِذَارُ يَقُولُ إِنَّ مَا حَدَثَ كَانَ خَطَأً. مَا حَدَثَ لَيْسَ خَطَأً — هُوَ ثِقَلٌ. وَالثِّقَلُ لَا يَحْتَاجُ اعْتِذَارًا، يَحْتَاجُ مَنْ يَجْلِسُ مَعَهُ.
وَقَفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ فِي الغُرْفَةِ كَشَيْءٍ مَوْزُونٍ بِدِقَّةٍ. كَانَ سَامِرٌ يَعْرِفُ أَنَّ الفَلَاسِفَةَ كَتَبُوا مُجَلَّدَاتٍ عَنِ العَزَاءِ وَطَبِيعَةِ الحُزْنِ، وَأَنَّ كِيرْكِيغَارْدَ تَحَدَّثَ عَنِ اليَأْسِ، وَأَنَّ فِيكْتُورَ فْرَانْكِلَ كَتَبَ مِنَ المَعَسْكَرَاتِ النَّازِيَّةِ عَنِ البَحْثِ عَنِ المَعْنَى فِي أَشَدِّ اللَّحَظَاتِ ظَلَامًا. لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ العَجُوزَ الجَالِسَ فِي غُرْفَةٍ بَسِيطَةٍ أَمَامَ فِنْجَانٍ بَارِدٍ قَالَ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَا لَمْ تَقُلْهُ الفَلْسَفَةُ بِكُلِّ أَنَاقَتِهَا: الثِّقَلُ لَا يَحْتَاجُ اعْتِذَارًا، يَحْتَاجُ مَنْ يَجْلِسُ مَعَهُ.
— وَهَلْ جَلَسَ مَعَكَ أَحَدٌ بِالشَّكْلِ الَّذِي احْتَجْتَ؟
— أَهْلِي نَعَمْ. أَصْدِقَائِي — مَعْظَمُهُمْ رَحَلُوا قَبْلِي. الأَصْدِقَاءُ الَّذِينَ تَخْتَارُهُمْ فِي العِشْرِينَ تَفْقِدُهُمْ فِي السَّبْعِينَ. هَذَا قَانُونٌ لَا يُعَلِّمُونَكَ إِيَّاهُ مُسْبَقًا.
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي هَذِهِ الحَقِيقَةِ البَسِيطَةِ المُرَّةِ. الصَّدَاقَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَنْمُو كَالشَّجَرَةِ: تَحْتَاجُ عُقُودًا لِتُصْبِحَ رَاسِخَةً وَظَلِيلَةً وَأَمِينَةً. وَحِينَ تَكُونُ قَدْ وَصَلَتِ الشَّجَرَةُ إِلَى نِهَايَةِ نُضْجِهَا، يَكُونُ مَنْ زَرَعَكَ مَعَهَا وَرَعَاهَا مَعَكَ قَدْ بَدَأَ يَرْحَلُ وَاحِدًا وَاحِدًا. الشُّيُوخُ الوَحِيدُونَ كَثِيرًا مَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُحِبُّوا وَلَا أَحَبَّهُمْ أَحَدٌ، بَلْ لِأَنَّ الحُبَّ ذَهَبَ مَعَ أَصْحَابِهِ.
— أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ — كَيْفَ يَعْمَلُ العَقْلُ حِينَ يُوَدِّعُ أَحَدُ أَبْنَائِهِ؟
— لَا يَعْمَلُ فِي البِدَايَةِ. يَتَوَقَّفُ. لَيْسَ كَالنَّوْمِ — كَالتَّجَمُّدِ. ثُمَّ يَعُودُ بِبُطْءٍ، لَكِنَّهُ لَا يَعُودُ كَمَا كَانَ. يَعُودُ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ.
— مُخْتَلِفٌ كَيْفَ؟
— حِينَ تَفْقِدُ وَالِدَيْكَ تَفْقِدُ مَاضِيَكَ. هَذَا مَا يَقُولُونَهُ. لَكِنَّ حِينَ تَفْقِدُ وَلَدًا تَفْقِدُ شَيْئًا لَا اسْمَ لَهُ — شَيْئًا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَكَ وَلَمْ يَأْتِ. مُسْتَقْبَلٌ تَوَقَّفَ. وَهَذَا التَّوَقُّفُ يُحْدِثُ فَرَاغًا فِي الزَّمَنِ نَفْسِهِ.
— فَرَاغٌ فِي الزَّمَنِ…
— أَجَلْ. وَلَيْسَ فِي الذَّاكِرَةِ فَقَطْ. فِي التَّخَيُّلِ أَيْضًا. كُنْتُ أَتَخَيَّلُ أَحْفَادًا لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ وَأَوْقَاتًا لَمْ تَأْتِ. حِينَ مَاتَ حُسَامٌ — ابْنِي — مَاتَ مَعَهُ كُلُّ ذَلِكَ التَّخَيُّلِ. وَالعَقْلُ لَا يَتَعَامَلُ مَعَ فَقْدَانِ المُسْتَقْبَلِ بِسُهُولَةٍ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ هَذِهِ الفِكْرَةِ طَوِيلًا. كَانَ يَعْرِفُ مِمَّا قَرَأَهُ أَنَّ عِلْمَ النَّفْسِ يُمَيِّزُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الحُزْنِ، وَأَنَّ فَقْدَ الوَلَدِ يُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِهَا إِيلَامًا لِأَسْبَابٍ تَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ الحُبِّ. فَالإِنْسَانُ حِينَ يُنْجِبُ لَا يُنْجِبُ شَخْصًا فَقَطْ، بَلْ يُنْجِبُ امْتِدَادًا، نَسَخَةً مُسْتَقْبَلِيَّةً مِنْهُ تَمْشِي فِي الدُّنْيَا بَعْدَهُ وَتَحْمِلُ اسْمَهُ وَصِفَاتِهِ وَرُبَّمَا أَحْلَامَهُ غَيْرَ المُكْتَمَلَةِ. وَحِينَ يَمُوتُ الوَلَدُ قَبْلَ الأَبِ، يَنْكَسِرُ هَذَا الخَيْطُ الزَّمَنِيُّ بِطَرِيقَةٍ لَا يَكُونُ للإِنْسَانُ مُعَدًّا لَهَا بِطَبِيعَتِهِ الغَرِيزِيَّةِ.
سَكَتَ الرَّجُلُ العَجُوزُ. لَمْ يَكُنْ صَمْتًا لِلتَّفْكِيرِ — كَانَ صَمْتًا لِلسَّمَاحِ لِمَا قَالَهُ أَنْ يَسْكُنَ الغُرْفَةَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ، كَمَا يُسْمَحُ لِلضَّيْفِ الثَّقِيلِ أَنْ يَجِدَ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَاتَحَ بِالحَدِيثِ.
— لَكِنَّ الذَّاكِرَةَ — الذَّاكِرَةُ تَبْقَى. وَهَذِهِ رَحْمَةٌ وَنِقْمَةٌ مَعًا.
— كَيْفَ نِقْمَةٌ؟
— لِأَنَّهَا تَجْعَلُ الفَقِيدَ حَيًّا بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ غِيَابَهُ أَشَدَّ. حِينَ أَتَذَكَّرُ حُسَامًا — صَوْتَهُ، طَرِيقَةَ ضَحِكَتِهِ، كَيْفَ كَانَ يُسَكِّرُ البَابَ بِرِفْقٍ دَائِمًا — كُلُّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ حَاضِرَةٌ تَمَامًا. وَالحُضُورُ هَذَا يُذَكِّرُنِي بِالغِيَابِ دَائِمًا.
وَفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالذَّاتِ فَهِمَ سَامِرٌ شَيْئًا كَانَ قَدْ قَرَأَ عَنْهُ فِي نَصُوصٍ نَفْسِيَّةٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْهُ فَهْمًا حَقِيقِيًّا حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ. الذَّاكِرَةُ الحَيَّةُ ليست سَلْوَى خَالِصَةً وَلَا أَلَمًا خَالِصًا؛ هِيَ حَالَةٌ مُرَكَّبَةٌ تَجْمَعُهُمَا مَعًا وَلَا تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا. كُلَّمَا أَحْيَتِ الذَّاكِرَةُ الوَجْهَ أَكَّدَتِ الغِيَابَ. وَكُلَّمَا أَكَّدَتِ الغِيَابَ أَحَسَّ الحَيُّ بِأَنَّ مَا كَانَ مَوْجُودًا كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْتَقَدَ. وَهَذَا، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ مُؤْلِمَةٍ، نَوْعٌ مِنَ التَّكْرِيمِ.
— لَكِنَّكَ تَحْتَفِظُ بِهَا؟
— لَوِ اسْتَطَعْتُ مَحْوَهَا مَا فَعَلْتُ. الأَلَمُ الَّذِي تَتَذَكَّرُهُ يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤْلِمَ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ طَوِيلًا أَمَامَ هَذِهِ الجُمْلَةِ. كَثِيرًا مَا يَسْعَى النَّاسُ إِلَى النِّسْيَانِ كَأَنَّهُ شِفَاءٌ، وَيُعَامِلُونَ الأَلَمَ كَأَنَّهُ مَرَضٌ يَجِبُ اسْتِئْصَالُهُ. لَكِنَّ مَا يَقُولُهُ هَذَا الرَّجُلُ العَجُوزُ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا: إِنَّ الأَلَمَ الَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الحُبِّ لَيْسَ عَيْبًا فِي نِظَامِ المَشَاعِرِ الإِنْسَانِيِّ، بَلْ هُوَ دَلِيلُهُ عَلَى عَمَلِهِ الصَّحِيحِ. الإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَحْزَنُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ حَقًّا. وَالإِنْسَانُ الَّذِي يُرِيدُ نِسْيَانَ مَنْ أَحَبَّ لِيَتَخَلَّصَ مِنَ الأَلَمِ يُرِيدُ فِي حَقِيقَتِهِ الخُرُوجَ مِنَ الحُبِّ نَفْسِهِ.
— هَلْ تَحَدَّثْتَ مَعَ أَحْفَادِكَ عَنْ حُسَامٍ؟
— هَذَا سُؤَالٌ مُهِمٌّ. نَعَمْ، لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ — بِبُطْءٍ — أَنَّ لِكُلِّ عُمْرٍ لُغَتَهُ فِي الحَدِيثِ عَنِ المَوْتِ. حَفِيدِي الصَّغِيرُ سَأَلَهُ أَبُوهُ عَنْ جَدِّهِ حُسَامٍ فَأَجَابَ: هَلْ حُسَامٌ فِي السَّمَاءِ مَعَ العَصَافِيرِ؟ وَهَذَا كَافٍ تَمَامًا لَهُ فِي هَذَا السِّنِّ. حَفِيدَتِي الكَبِيرَةُ تَسْأَلُنِي عَنْ أَشْيَاءَ أَعْمَقَ: كَيْفَ كَانَ يُفَكِّرُ؟ مَاذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَصْبَحَ؟
وَفِي هَذَا التَّفَاوُتِ بَيْنَ الطِّفْلِ وَالفَتَاةِ حِكْمَةٌ تُؤَكِّدُهَا الدِّرَاسَاتُ النَّفْسِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِكَيْفِيَّةِ فَهْمِ الأَطْفَالِ لِلمَوْتِ عَبْرَ مَرَاحِلِ نُمُوِّهِمْ. الطِّفْلُ الصَّغِيرُ يَفْهَمُ المَوْتَ كَانْتِقَالٍ، لِأَنَّ عَقْلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ بَعْدُ احْتِمَالَ فِكْرَةِ الاخْتِفَاءِ التَّامِّ. وَهَذَا لَيْسَ جَهْلًا يُصَحَّحُ بِتَعْجِيلٍ — هُوَ مَرْحَلَةٌ يَحْتَاجُهَا العَقْلُ النَّامِي لِيُطَوِّرَ أَدَوَاتِهِ الفِكْرِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يُوَاجِهَ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً. أَمَّا الفَتَاةُ الكَبِيرَةُ فَتَسْأَلُ عَنِ الشَّخْصِيَّةِ وَالطُّمُوحِ، لِأَنَّهَا بَدَأَتْ تُدْرِكُ أَنَّ الإِنْسَانَ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ حُضُورٍ جَسَدِيٍّ، وَأَنَّ مَا يَمُوتُ مَعَهُ هُوَ عَالَمٌ كَامِلٌ مِنَ الأَفْكَارِ وَالأَحْلَامِ وَالنَّوَايَا.
— وَالأَسْئِلَةُ الكَبِيرَةُ؟
— الأَسْئِلَةُ الكَبِيرَةُ تَأْتِي وَحْدَهَا. لِمَاذَا مَاتَ قَبْلَكَ يَا جَدِّي؟ سَأَلَتْنِي حَفِيدَتِي هَذَا مِنْذُ شَهْرَيْنِ. قُلْتُ لَهَا: لَا أَعْرِفُ. وَهَذَا أَصْدَقُ جَوَابٍ.
— قَبِلَتْهُ؟
— قَبِلَتْهُ. وَالنَّاسُ لَا يَقْبَلُونَ «لَا أَعْرِفُ» بِسُهُولَةٍ. يُرِيدُونَ مَعْنًى. لَكِنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ لَا مَعْنَى لَهَا يُرِيحُ. وَمَعَ ذَلِكَ يُمْكِنُ احْتِمَالُهَا.
وَهُنَا أَيْضًا تَوَقَّفَ سَامِرٌ لِيَتَأَمَّلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي تَبْدُو بَسِيطَةً وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ. ثَمَّةَ فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ الاحْتِمَالِ وَالفَهْمِ. الفَهْمُ يَعْنِي امْتِلَاكَ تَفْسِيرٍ مُقْنِعٍ يَجْعَلُ الأَمْرَ مَقْبُولًا. أَمَّا الاحْتِمَالُ فَيَعْنِي حَمْلَ الشَّيْءِ رَغْمَ غِيَابِ التَّفْسِيرِ، وَالمَشْيَ رَغْمَهُ لِأَنَّ الحَيَاةَ لَا تَنْتَظِرُ إِجَابَاتِنَا قَبْلَ أَنْ تَسِيرَ. وَلَعَلَّ هَذَا مَا يَجْعَلُ الإِنْسَانَ إِنْسَانًا: قُدْرَتُهُ عَلَى الاحْتِمَالِ مَعَ غِيَابِ الفَهْمِ.
— وَأَنْتَ شَخْصِيًّا — هَلْ وَجَدْتَ سَلَامًا مَعَ هَذَا الفَقْدِ؟
— سَلَامًا كَامِلًا؟ لَا. تَعَايُشًا — نَعَمْ. هُنَاكَ فَرْقٌ. السَّلَامُ الكَامِلُ يَعْنِي أَنَّ الجُرْحَ اخْتَفَى. التَّعَايُشُ يَعْنِي أَنَّ الجُرْحَ جُزْءٌ مِنْكَ وَتَمْشِي مَعَهُ لِأَنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّكَ لَا تَمْشِي وَحْدَكَ — حُسَامٌ يَمْشِي مَعَكَ بِطَرِيقَتِهِ.
— وَكَيْفَ تَشْعُرُ بِذَلِكَ؟
— أَحْيَانًا فِي أَبْسَطِ الأَشْيَاءِ. حِينَ أَزْرَعُ فِي الحَدِيقَةِ — كَانَ حُسَامٌ يُحِبُّ هَنْدَسَةَ الطَّيَرَانِ — أَشْعُرُ بِشَيْءٍ يَقْتَرِبُ مِنَ الرَّاحَةِ. لَيْسَ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ حَرْفِيًّا، بَلْ لِأَنَّنِي فِي مَكَانٍ كَانَ يُحِبُّهُ. الذَّاكِرَةُ تَسْكُنُ الأَمَاكِنَ الَّتِي أَحَبَّهَا أَصْحَابُهَا.
وَفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ أَدْرَكَ سَامِرٌ شَيْئًا يَعْرِفُهُ عِلْمُ الأَعْصَابِ وَيَعْرِفُهُ الشُّعَرَاءُ مِنْ قَبْلِهِ بِكَثِيرٍ: أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَا تَسْكُنُ فِي الدِّمَاغِ وَحْدَهُ، بَلْ تَسْكُنُ فِي الحَوَاسِّ، فِي رَائِحَةِ مَكَانٍ وَنَسِيمِ حَدِيقَةٍ وَصَوْتِ خَطَوَاتٍ مَعْهُودَةٍ. وَلِهَذَا يَبْكِي النَّاسُ حِينَ يَسْمَعُونَ أَغْنِيَةً قَدِيمَةً، وَيَبْتَسِمُونَ حِينَ تَفُوحُ رَائِحَةُ مَطْبَخِ الطُّفُولَةِ. الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ أَرْشِيفًا بَارِدًا مُرَتَّبًا — هِيَ كَائِنٌ حَيٌّ يَسْكُنُ كُلَّ مَكَانٍ أَحَبَّهُ أَوْ خَشِيَهُ أَوِ اشْتَاقَ إِلَيْهِ مَنْ يُرِيدُ تَذَكُّرَهُ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الفِنْجَانِ. لَا يَزَالُ مَكَانَهُ.
— وَهَذَا الفِنْجَانُ؟
— كَانَ يُحِبُّ الشَّايَ. وَكَانَ يَأْتِي كُلَّ جُمُعَةٍ. آخِرُ جُمُعَةٍ جَاءَ فِيهَا شَرِبْنَا الشَّايَ مَعًا وَتَحَدَّثْنَا عَنْ أَشْيَاءَ عَادِيَّةٍ — الطَّقْسِ، مُبَارَاةِ كُرَةٍ. لَمْ أَعْرِفْ أَنَّهَا آخِرُ جُمُعَةٍ. وَلَوْ عَرِفْتُ… لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأَتَصَرَّفُ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ. رُبَّمَا سَأُحَاوِلُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا مُهِمًّا. وَرُبَّمَا الشَّيْءَ المُهِمَّ كَانَ الجُلُوسَ العَادِيَّ نَفْسَهُ.
— الحَيَاةُ العَادِيَّةُ كَذَاكِرَةٍ.
— الحَيَاةُ العَادِيَّةُ كَهِبَةٍ. نَحْنُ نَنْتَبِهُ لَهَا فَقَطْ حِينَ تُفْقَدُ.
وَقَدْ قَالَ الفَيْلَسُوفُ مَارْتِنُ هَيْدِغَرَ إِنَّ الكِيَانَ الإِنْسَانِيَّ لَا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا فِي مُوَاجَهَةِ الغِيَابِ وَالفَقْدِ. لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ العَجُوزَ الفِلَسْطِينِيَّ لَمْ يَقْرَأْ هَيْدِغَرَ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ. وَصَلَ إِلَى الحَقِيقَةِ ذَاتِهَا عَبْرَ طَرِيقٍ أَصَعْبَ وَأَصْدَقَ: عَبْرَ الفِنْجَانِ البَارِدِ وَالجُمُعَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهَا آخِرُ الجُمَعِ.
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ — فِي تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، مَا اليَوْمُ الَّذِي تَعُودُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ؟ لَا بِالضَّرُورَةِ الأَجْمَلَ أَوِ الأَصْعَبَ — فَقَطِ الأَكْثَرَ حُضُورًا.
فَكَّرَ الرَّجُلُ العَجُوزُ طَوِيلًا. بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا تَجَامُلَ فِيهَا. كَأَنَّ السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَامَلَ بِالأَمَانَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا.
— يَوْمَ وُلِدَ حُسَامٌ. كَانَ الصَّغِيرَ بَيْنَ إِخْوَتِهِ. وَحِينَ وُضِعَ فِي يَدِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ… كَانَ خَفِيفًا جِدًّا. لَمْ أَكُنْ أُصَدِّقُ أَنَّ شَيْئًا بِهَذِهِ الخِفَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا كَامِلًا. وَنَظَرَ إِلَيَّ. لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ رَأَى شَيْئًا — الأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ إِنَّ المَوَالِيدَ لَا يَرَوْنَ فِي البِدَايَةِ. لَكِنَّهُ نَظَرَ.
— وَمَاذَا شَعَرْتَ؟
— شَعَرْتُ أَنَّنِي مَسْؤُولٌ عَنْ كِيَانٍ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ العَالَمُ. وَهَذِهِ المَسْؤُولِيَّةُ كَانَتْ أَثْقَلَ وَأَجْمَلَ شَيْءٍ حَمَلْتُهُ.
— وَاليَوْمَ — وَهُوَ غَائِبٌ — هَلْ تَتَذَكَّرُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأَلَمٍ؟
— بِأَلَمٍ وَبِامْتِنَانٍ مَعًا. كَانَ مَوْجُودًا. هَذَا الوُجُودُ حَقِيقِيٌّ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهُ. حَتَّى الغِيَابُ لَا يَمْحُو الوُجُودَ.
قَامَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ. مَدَّ يَدَهُ. أَمْسَكَ الرَّجُلُ العَجُوزُ يَدَهُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ — إِمْسَاكَةً لَمْ تَكُنْ مُصَافَحَةً، بَلْ كَانَتْ شَيْئًا أَثْقَلَ وَأَصْدَقَ مِنْهَا، كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ شَخْصًا يَعْرِفُ أَنَّهُ لَنْ يَرَاهُ ثَانِيَةً وَيُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ شَيْئًا مِنَ الحِكْمَةِ إِلَيْهِ بِلَا كَلِمَاتٍ، عَبْرَ الضَّغْطِ الهَادِئِ وَحْدَهُ.
وَلَمْ يُفْرِجْ عَنْهَا لِلَحْظَةٍ.
ثُمَّ تَرَكَهَا.
وَبَيْنَمَا كَانَ سَامِرٌ يَمْشِي نَحْوَ البَابِ سَمِعَ الرَّجُلَ العَجُوزَ يَقُولُ بِهُدُوءٍ لَا يُطَالِبُ بِالتَّوَقُّفِ وَلَا يَسْتَدْعِي رَدًّا:
— اليَوْمُ الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ — لَا تَبْحَثْ عَنْهُ كَغَائِبٍ. ابْحَثْ عَنْهُ كَشَيْءٍ يَنْتَظِرُ فِي مَكَانٍ مَا أَنْ تُمْسِكَ بِهِ بِكِلْتَا يَدَيْكَ.
وَقَفَ سَامِرٌ لَحْظَةً عِنْدَ العَتَبَةِ. لَمْ يَلْتَفِتْ. لِأَنَّ بَعْضَ الكَلِمَاتِ تُسْمَعُ بِالظَّهْرِ، وَلَا تَحْتَاجُ تَأْكِيدًا بِالوَجْهِ.
________________________________________
ثُمَّ مَضَى.
