متحف الأيام المفقودة 80

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّمَانُونَ — المَرِيضُ بِالزَّهَايْمَرِ المُبَكِّرِ
________________________________________
١ — غُرْفَةٌ تَحْكِي بَدَلاً مِنْ صَاحِبِهَا
«مَنْ أَنْتَ حِينَ تَنْسَاكَ ذَاكِرَتُكَ؟»
لَمْ تَكُنِ القَاعَةُ هَذِهِ المَرَّةَ مَيْدَاناً وَلَا شَارِعاً وَلَا مَعْبَداً. كَانَتْ غُرْفَةً.
غُرْفَةٌ بَسِيطَةٌ بِأَثَاثٍ هَادِئٍ — طَاوِلَةٌ خَشَبِيَّةٌ، كُرْسِيَّانِ، نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى سَمَاءٍ بَيْضَاءَ بَارِدَةٍ تُشْبِهُ سَمَاءَ أَمْسْتَرْدَام فِي تِشْرِينَ. غُرْفَةٌ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَادِيَّةً تَمَاماً — لَوْلَا الجُدْرَانِ.
الجُدْرَانُ كَانَتْ تَتَكَلَّمُ.
وَرَقَاتٌ صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ، مَكْتُوبَةٌ بِخَطٍّ وَاضِحٍ مَقْرُوءٍ، تُغَطِّي كُلَّ سَطْحٍ قَابِلٍ لِلكِتَابَةِ — الجِدَارَ، الطَّاوِلَةَ، ظَهْرَ البَابِ مِنَ الدَّاخِلِ، جَانِبَ الكُرْسِيِّ، حَافَّةَ النَّافِذَةِ.
كَتَبَ فِيهَا أَحَدُهُمْ — أَوْ كَتَبَ صَاحِبُهَا لِنَفْسِهِ — كُلَّ مَا يَحْتَاجُهُ الإِنْسَانُ حِينَ يَسْتَيْقِظُ وَلَا يَعْرِفُ مِنْ أَيِّ نُقْطَةٍ فِي الزَّمَانِ وَالمَكَانِ يَقِفُ:
«هَذَا هُوَ المُتْحَفُ. أَنْتَ هُنَا بِإِرَادَتِكَ. اسْمُكَ يَانْ. عُمُرُكَ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ. زَوْجَتُكَ اسْمُهَا إِيلِينْ. ابْنَتُكَ اسْمُهَا صُوفِي. أَنْتَ تُحِبُّ القَهْوَةَ السَّوْدَاءَ بِدُونِ سُكَّرٍ. لَا تَخَفْ.»
وَقَفَ سَامِرٌ عِنْدَ مَدْخَلِ الغُرْفَةِ وَقَرَأَ كُلَّ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ خُطْوَةً وَاحِدَةً. وَشَعَرَ بِشَيْءٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ — لَيْسَ حُزْناً بِالكَامِلِ، وَلَا إِعْجَاباً بِالكَامِلِ، بَلْ مَزِيجاً مِنْهُمَا مَعاً، مَعَ شَيْءٍ ثَالِثٍ يُشْبِهُ الخَشْيَةَ المُحْتَرِمَةَ أَمَامَ شَيْءٍ أَكْبَرَ مِمَّا يُمْكِنُ لِلكَلَامِ أَنْ يَحْتَوِيَهُ.
كَانَ الرَّجُلُ خَلْفَ الطَّاوِلَةِ يُعِيدُ قِرَاءَةَ وَرَقَةٍ فِي يَدِهِ. لَمْ تَكُنِ الأُولَى الَّتِي يَقْرَأُهَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ — وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنِ العَاشِرَةَ أَيْضاً. حِينَ سَمِعَ صَوْتَ خَطَوَاتِ سَامِرٍ، رَفَعَ رَأْسَهُ.
لَمْ تَكُنْ فِي عَيْنَيْهِ دَهْشَةُ مَنْ يَرَى غَرِيباً. كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ أَصْعَبُ مِنَ الدَّهْشَةِ — تَعَبٌ مُنَظَّمٌ، تَعَبُ مَنْ تَعَلَّمَ أَنَّ الارْتِبَاكَ سَيَأْتِي، وَجَهَّزَ لَهُ نِظَاماً، وَلَمْ يُقَرِّرْ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ.
________________________________________
٢ — الرَّجُلُ الَّذِي يَكْتُبُ اسْمَكَ فَوْراً
— أَنْتَ مِنَ الزَّائِرِينَ؟
— نَعَمْ. اسْمِي سَامِرٌ.
— سَامِرٌ. حَسَناً.
أَخْرَجَ قَلَماً مِنْ جَيْبِهِ — بِحَرَكَةٍ تَلْقَائِيَّةٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ فَعَلَهَا مِئَاتِ المَرَّاتِ — وَكَتَبَ فِي زَاوِيَةِ الوَرَقَةِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا: «سَامِرٌ — زَائِرٌ».
— هَكَذَا لَنْ أَنْسَاهُ.
لَمْ يَقُلْهَا اعْتِذَاراً وَلَا خَجَلاً. قَالَهَا كَمَا يَقُولُ الطَّيَّارُ قَبْلَ الإِقْلَاعِ: «الوَقُودُ كَافٍ» — جُمْلَةٌ تَقْنِيَّةٌ، وَظِيفِيَّةٌ، تَنْتَمِي إِلَى نِظَامِ البَقَاءِ لَا إِلَى مَعْجَمِ العَوَاطِفِ.
جَلَسَ سَامِرٌ فِي الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ، وَنَظَرَ إِلَى الوَرَقَاتِ مِنْ حَوْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى. «لَا تَخَفْ» — كَانَتْ مَكْتُوبَةً بِخَطٍّ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهَا، فِي مَرْكَزِ الجِدَارِ، كَأَنَّهَا النُّقْطَةُ الَّتِي تَنْتَظِمُ حَوْلَهَا بَاقِي النُّقَاطِ.
— يَانْ — كَيْفَ تَصِفُ مَا تَعِيشُهُ؟
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى السَّقْفِ لَحْظَةً، ثُمَّ أَعَادَ بَصَرَهُ إِلَى سَامِرٍ بِمَا يُشْبِهُ الابْتِسَامَةَ الهَادِئَةَ:
— الطِّبُّ يُسَمِّيهِ Alzheimer المُبَكِّرَ. أَنَا أُسَمِّيهِ… المُحَاسِبَ الَّذِي يُخْطِئُ فِي الأَرْقَامِ أَحْيَاناً. كُنْتُ مُحَاسِباً فِعْلاً قَبْلَ التَّشْخِيصِ. وَالاسْمُ يُنَاسِبُنِي.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ هَذَا. رَجُلٌ يُسَمِّي مَرَضَهُ بِمِهْنَتِهِ — لَيْسَ هَرَباً مِنَ الاسْمِ الطِّبِّيِّ، بَلِ امْتِلَاكاً لَهُ بِشُرُوطِهِ هُوَ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: «إِنِ اضْطَرَرْتُ أَنْ أَعِيشَ مَعَ هَذَا، فَسَأَعِيشُ مَعَهُ بِلُغَتِي أَنَا.»
________________________________________
٣ — حِينَ يَخُونُكَ التَّرْتِيبُ لَا المَعْنَى
— الأَخْطَاءُ فِي الأَرْقَامِ؟
— الأَرْقَامُ لَا تَزَالُ جَيِّدَةً. المُحَاسَبَةُ مَا زِلْتُ أَفْهَمُهَا. مَا يَخْتَلُّ هُوَ التَّرْتِيبُ الزَّمَنِيُّ. أَيْنَ أَنَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ. أَسْمَاءُ النَّاسِ أَحْيَاناً. وَأَحْيَاناً شُعُورٌ أَنَّ المَوْقِفَ الَّذِي أَعِيشُهُ حَدَثَ مِنْ قَبْلُ — لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَتَى.
هُنَا تَوَقَّفَ سَامِرٌ لِيَفْهَمَ.
التَّرْتِيبُ الزَّمَنِيُّ — هَذَا هُوَ المَحْوَرُ. لَيْسَ المَعْنَى، وَلَا المَهَارَةُ، وَلَا الحُبُّ — بَلِ الخَيْطُ الَّذِي يَرْبِطُ اللَّحَظَاتِ بِبَعْضِهَا وَيَجْعَلُهَا قِصَّةً وَاحِدَةً مُتَمَاسِكَةً. مَرَضٌ يَقْطَعُ الخَيْطَ وَلَا يَمَسُّ الخَرَزَاتِ — فَتَظَلُّ الخَرَزَاتُ مَوْجُودَةً كُلُّهَا، لَكِنَّهَا تَتَنَاثَرُ عَلَى الأَرْضِ بِلَا نِظَامٍ.
يَتَذَكَّرُ يَانْ كَيْفَ يُحَاسِبُ. يَتَذَكَّرُ حُبَّهُ لِابْنَتِهِ. يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ يُفَضِّلُ قَهْوَتَهُ سَوْدَاءَ بِلَا سُكَّرٍ. لَكِنَّهُ قَدْ لَا يَتَذَكَّرُ أَيَّ عَامٍ هَذَا، وَلَا أَيْنَ كَانَ قَبْلَ سَاعَةٍ، وَلَا لِمَاذَا جَاءَ إِلَى هَذِهِ الغُرْفَةِ.
الذَّاكِرَةُ عِنْدَ يَانْ لَيْسَتْ مُمْتَلِئَةً وَلَا فَارِغَةً — إِنَّهَا مُفَكَّكَةٌ.
— وَهَلْ تَعْرِفُ مَتَى بَدَأَ هَذَا؟
— بَدَأَتِ الأَعْرَاضُ قَبْلَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ. التَّشْخِيصُ مُنْذُ عَامَيْنِ. كُنْتُ فِي اجْتِمَاعِ عَمَلٍ. طُلِبَ مِنِّي أَنْ أُقَدِّمَ تَقْرِيراً كُنْتُ أَعْمَلُ عَلَيْهِ أُسْبُوعاً كَامِلاً. وَقَفْتُ أَمَامَ الشَّاشَةِ. الأَرْقَامُ كَانَتْ هُنَاكَ. الجَدْوَلُ كَانَ هُنَاكَ. وَلَمْ أَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ — لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِي.
وَضَعَ يَانْ الوَرَقَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِهُدُوءٍ تَامٍّ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى إِحْدَى الوَرَقَاتِ الصَّفْرَاءِ عَلَى الجِدَارِ — كَمَنْ يَطْلُبُ إِذْناً مِنْ نَفْسِهِ لِمُتَابَعَةِ الحَدِيثِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلٍ هَادِئٍ يَمْلَأُ الغُرْفَةَ. لَيْسَ ثِقَلَ الحُزْنِ — بَلْ ثِقَلَ لَحْظَةٍ تَاريخِيَّةٍ بَعِيدَةٍ جِدَّاً عَنِ الدَّرَامَا، وَقَرِيبَةٍ جِدَّاً مِنَ الحَقِيقَةِ.
________________________________________
٤ — النِّظَامُ بَدَلاً مِنَ الأَمَلِ
— هَذِهِ الوَرَقَاتُ — فِكْرَتُهَا مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ؟
رَسَمَ يَانْ شَيْئاً يُشْبِهُ الاعْتِزَازَ الخَافِتَ:
— فِكْرَتُهَا إِيلِينْ — زَوْجَتِي. لَكِنَّنِي طَوَّرْتُهَا. أَضَفْتُ عَلَيْهَا. هِيَ الآنَ نِظَامٌ.
— نِظَامٌ؟
— أَيُّ نِظَامٍ يُعَوِّضُ مَا يَضْعُفُ. إِنْ ضَعُفَتِ الذَّاكِرَةُ القَصِيرَةُ — أَبْنِي نِظَاماً خَارِجِيَّاً يُعَوِّضُهَا. الوَرَقَاتُ. التَّسْجِيلُ الصَّوْتِيُّ. البُرُوتُوكُولُ اليَوْمِيُّ. صَبَاحاً أَقْرَأُ وَرَقَةً رَئِيسِيَّةً تُخْبِرُنِي أَيْنَ أَنَا، وَمَا اليَوْمُ، وَمَا أَهَمُّ مَا سَيَحْدُثُ. هَذَا النِّظَامُ يَجْعَلُنِي أَعْمَلُ.
تَذَكَّرَ سَامِرٌ، وَهُوَ يَسْمَعُ هَذَا، كُلَّ الأَنْظِمَةِ الَّتِي رَآهَا الإِنْسَانُ يَبْنِيهَا فِي مُوَاجَهَةِ ضَعْفِ جِسْمِهِ أَوْ ذَاكِرَتِهِ أَوْ حَوَاسِّهِ.
النَّظَّارَةُ لَيْسَتْ اعْتِرَافاً بِضَعْفِ العَيْنِ — بَلْ تَمْدِيدٌ لِقُدْرَتِهَا. العُكَّازُ لَيْسَ اسْتِسْلَاماً — بَلْ تَعَاوُنٌ بَيْنَ الجَسَدِ وَمَا صَنَعَهُ العَقْلُ. وَالوَرَقَةُ الصَّفْرَاءُ الَّتِي تَقُولُ «اسْمُكَ يَانْ» لَيْسَتْ اعْتِرَافاً بِالهَزِيمَةِ أَمَامَ المَرَضِ — بَلْ هِيَ رَدُّ فِعْلِ إِنْسَانٍ يَرْفُضُ أَنْ يُسَلِّمَ ذَاكِرَتَهُ لِلمَرَضِ دُونَ أَنْ يَبْنِيَ بَدِيلاً.
يَانْ لَمْ يَنْتَظِرِ الشِّفَاءَ. بَنَى نِظَاماً. وَهَذَانِ الفِعْلَانِ لَيْسَا مُتَنَاقِضَيْنِ — لَكِنَّ الثَّانِيَ أَكْثَرُ صِدْقاً بِكَثِيرٍ.
________________________________________
٥ — الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ
— هَلْ تَخَافُ؟
— خِفْتُ كَثِيراً فِي البِدَايَةِ. لَكِنَّ الخَوْفَ الحَقِيقِيَّ لَمْ يَكُنْ مِنَ النِّسْيَانِ.
تَوَقَّفَ يَانْ، ثُمَّ أَكْمَلَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءاً:
— الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ كَانَ مِنْ أَنْ أُصْبِحَ عِبْئاً. مِنْ أَنْ أُصْبِحَ شَخْصاً لَا يَعْرِفُ ابْنَتَهُ. مِنْ أَنْ أُوقِفَ لِإِيلِينْ حَيَاتَهَا بِسَبَبِي.
هَذَا النَّوْعُ مِنَ الخَوْفِ لَيْسَ خَوْفاً مِنَ الأَلَمِ. إِنَّهُ خَوْفٌ مِنَ المَعْنَى — أَوْ بِالأَدَقِّ، مِنْ فُقْدَانِ المَعْنَى. الإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْتَمِلَ أَلَماً جَسَدِيَّاً هَائِلاً إِذَا كَانَ يَفْهَمُ لِمَاذَا يُعَانِيهِ. لَكِنَّ أَنْ يُصْبِحَ عِبْئاً عَلَى مَنْ يُحِبُّ — أَنْ تَتَوَقَّفَ إِيلِينْ عَنْ حَيَاتِهَا لِتَبْنِيَ حَيَاتَهَا كُلَّهَا حَوْلَ احْتِيَاجَاتِهِ — هَذَا هُوَ الخَوْفُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الإِنْسَانُ احْتِمَالَهُ بِسُهُولَةٍ.
— وَهَلْ تَغَيَّرَ هَذَا؟
لَاحَ شَيْءٌ فِي عَيْنَيْ يَانْ — شَيْءٌ رَقِيقٌ، هَشٌّ، وَمَعَ ذَلِكَ صَامِدٌ:
— تَغَيَّرَ حِينَ قَالَتْ لِي صُوفِي — ابْنَتِي — شَيْئاً لَنْ أَنْسَاهُ. قَالَتْ: «يَا أَبِي، حَتَّى لَوْ نَسِيتَ اسْمِي — أَنْتَ لَنْ تَنْسَى أَنَّكَ تُحِبُّنِي. هَذَا فِي مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنَ الاسْمِ.»
صَمَتَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ:
— وَهِيَ عَلَى حَقٍّ. عِلْمِيَّاً هِيَ عَلَى حَقٍّ. الزَّهَايْمَرُ يُصِيبُ ذَاكِرَةَ الوَقَائِعِ قَبْلَ ذَاكِرَةِ المَشَاعِرِ.
________________________________________
٦ — مَا يَبْقَى حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ شَيْءٍ
— هَذَا مَا تَقُولُهُ الأَبْحَاثُ؟
أَوْمَأَ يَانْ بِاقْتِنَاعٍ هَادِئٍ:
— نَعَمْ. المَرْضَى فِي مَرَاحِلَ مُتَقَدِّمَةٍ يَنْسَوْنَ أَسْمَاءَ أَبْنَائِهِمْ — لَكِنَّهُمْ يُبْدُونَ فَرَحاً وَاضِحاً بِوُجُودِهِمْ. العَاطِفَةُ تَبْقَى أَطْوَلَ مِنَ الاسْمِ. اللَّوْزَةُ — الـ amygdala — المُرْتَبِطَةُ بِالمَشَاعِرِ مُقَاوِمَةٌ لِلمَرَضِ أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الهِيبُوكَامْبِ المُرْتَبِطِ بِذَاكِرَةِ الوَقَائِعِ. هَذَا عِلْمٌ — لَيْسَ مُجَرَّدَ أَمَلٍ.
تَأَمَّلَ سَامِرٌ هَذَا بِعُمْقٍ.
الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ شَيْئاً وَاحِداً. إِنَّهَا مُتَعَدِّدَةٌ — طَبَقَاتٌ فَوْقَ طَبَقَاتٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ مَخْزَّنَةٌ فِي مَكَانٍ مُخْتَلِفٍ، بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَبِصَلَابَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
ذَاكِرَةُ الأَسْمَاءِ وَالتَّوَارِيخِ — هِيَ الأَسْرَعُ فِي التَّآكُلِ. ذَاكِرَةُ المَهَارَاتِ كَعَزْفِ البِيَانُو أَوِ المَشْيِ عَلَى الدَّرَّاجَةِ — تَصْمُدُ أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ. ذَاكِرَةُ المَشَاعِرِ — مَنْ أَحَبَبْتَ، مَنْ أَشْعَرَكَ بِالأَمَانِ، مَا جَعَلَكَ تَشْعُرُ بِالبَهْجَةِ — هَذِهِ تَصْمُدُ أَطْوَلَ الجَمِيعِ.
بِمَعْنَى آخَرَ: آخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الإِنْسَانِ لَيْسَ مَا يَعْرِفُهُ — بَلْ مَا يُحِبُّهُ.
— أَنْتَ تَعْرِفُ عِلْمَ دِمَاغِكَ جَيِّداً.
— حِينَ تُشَخَّصُ بِمَرَضٍ فِي الدِّمَاغِ تُصْبِحُ خَبِيراً فِي الدِّمَاغِ. لَا خِيَارَ. الجَهْلُ أَكْثَرُ إِرْعَاباً مِنَ المَعْرِفَةِ.
________________________________________
٧ — مَا يُرِيدُ الاحْتِفَاظَ بِهِ
— وَمَا الَّذِي تُرِيدُ الاحْتِفَاظَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟
هَذِهِ المَرَّةَ تَأَخَّرَ الجَوَابُ. لَيْسَ لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ تَعَثَّرَتْ — بَلْ لِأَنَّ السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ وَقْتَهُ. وَيَانْ كَانَ رَجُلاً يَعْرِفُ أَنَّ لِكُلِّ سُؤَالٍ ثِقْلَهُ المُسْتَحَقَّ.
نَظَرَ إِلَى الفَرَاغِ أَمَامَهُ بِعَيْنَيْنِ تَرَيَانِ شَيْئاً غَيْرَ مَرْئِيٍّ لِسَامِرٍ — صُورَةً دَاخِلِيَّةً، لَحْظَةً مَحْفُوظَةً فِي مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنَ الهِيبُوكَامْبِ:
— أُرِيدُ أَنْ أَتَذَكَّرَ صُوفِي حِينَ كَانَتْ فِي الثَّالِثَةِ. كَانَ لَهَا طَرِيقَةٌ فِي الضَّحِكِ — ضَحْكَةٌ تَبْدَأُ هَادِئَةً ثُمَّ تَنْفَجِرُ فَجْأَةً. وَكَانَتْ بَعْدَهَا تُغَطِّي فَمَهَا بِيَدِهَا الصَّغِيرَةِ خَجَلاً — كَأَنَّهَا أَخْطَأَتْ. هَذِهِ اللَّحْظَةُ — لَا أُرِيدُهَا أَنْ تَذْهَبَ.
صَمَتَ سَامِرٌ.
كَانَ هَذَا أَحَدَ أَجْمَلِ الأَشْيَاءِ الَّتِي سَمِعَهَا فِي رِحْلَتِهِ كُلِّهَا — لَيْسَ لِأَنَّهُ شَاعِرِيٌّ، بَلْ لِأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ بِشَكْلٍ مُؤْلِمٍ. هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَبْنِي أَنْظِمَةً وَيَكْتُبُ ذِكْرَيَاتِهِ بِبُرُودَةِ المُحَاسِبِ — يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ يَدَ طِفْلَةٍ تُغَطِّي فَمَهَا بَعْدَ الضَّحِكَةِ خَجَلاً.
— وَهَلْ تَخْشَى أَنَّهَا سَتَذْهَبُ؟
— كُلَّ يَوْمٍ أُعِيدُ اسْتِحْضَارَهَا. مِثْلَ تَمْرِينٍ. الذَّاكِرَةُ الَّتِي تُسْتَدْعَى بِانْتِظَامٍ تَبْقَى أَطْوَلَ مِنَ الذَّاكِرَةِ الرَّاكِدَةِ. سَجَّلْتُ نَفْسِي وَأَنَا أَحْكِيهَا — صَوْتِي يَصِفُ ضَحْكَتَهَا. حَتَّى لَوْ نَسِيتُ الصُّورَةَ — الصَّوْتُ بَاقٍ.
أَوْقَفَ سَامِرٌ نَفْسَهُ عِنْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ.
هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ مَرِيضٍ يُكَافِحُ ضِدَّ النِّسْيَانِ. هَذَا فَيْلَسُوفٌ عَمَلِيٌّ يَفْهَمُ أَنَّ الذَّاكِرَةَ عَضَلَةٌ — تَنْمُو بِالاسْتِخْدَامِ، وَتَضْمُرُ بِالإِهْمَالِ. وَيَانْ يُمَارِسُ ذَاكِرَتَهُ كَمَا يُمَارِسُ الرِّيَاضِيُّ عَضَلَتَهُ — لَيْسَ لِأَنَّ الرِّيَاضَةَ تَمْنَعُ الشَّيْخُوخَةَ، بَلْ لِأَنَّهَا تُبَطِّئُهَا وَتُعْطِيهِ وَقْتاً أَطْوَلَ مَعَ مَا يُحِبُّ.
________________________________________
٨ — جِسْرٌ نَحْوَ نَفْسِهِ
— أَنْتَ تَبْنِي أَرْشِيفاً لِنَفْسِكَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ يَانْ بِعَيْنَيْنِ تَقُولَانِ: «تَقْرِيباً — لَكِنَّ الكَلِمَةَ الأَدَقَّ هِيَ»:
— أَبْنِي جِسْراً. جِسْراً بَيْنَ يَانْ اليَوْمَ وَيَانْ الَّذِي سَيَحْتَاجُ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ لَاحِقاً.
الأَرْشِيفُ شَيْءٌ تَنْظُرُ إِلَيْهِ. الجِسْرُ شَيْءٌ تَعْبُرُ عَلَيْهِ. وَيَانْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَاضِيهِ مِنْ بَعِيدٍ — يُرِيدُ أَنْ يَعْبُرَ إِلَيْهِ، أَنْ يَظَلَّ مَوْصُولاً بِهِ، أَنْ يَبْقَى «يَانْ» حَتَّى حِينَ يَنْسَى يَانْ أَنَّهُ يَانْ.
— هَلْ فَكَّرْتَ فِي مَنْ أَنْتَ دُونَ ذَاكِرَتِكَ؟
لَمْ يَتَفَادَ هَذَا السُّؤَالَ. أَخَذَهُ بِجِدِّيَّةٍ كَاملَةٍ:
— هَذَا السُّؤَالُ الكَبِيرُ. الفَلَاسِفَةُ يَتَجَادَلُونَ فِيهِ مُنْذُ قُرُونٍ. لُوكُ يَقُولُ الهُوِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الذَّاكِرَةِ. لَكِنَّ بُوذَا يَقُولُ لَا هُوِيَّةَ ثَابِتَةً أَصْلاً. وَأَنَا الآنَ فِي مُنْتَصَفِ التَّجْرِبَةِ — لَسْتُ فِي النِّهَايَةِ بَعْدُ — وَأَرَى شَيْئاً لَمْ يُخْبِرْنِي بِهِ أَحَدٌ.
— مَاذَا تَرَى؟
— أَرَى أَنَّ «أَنَا» لَيْسَ فِي الذَّاكِرَةِ فَقَطْ. هُوَ فِي الجَسَدِ أَيْضاً. فِي طَرِيقَةِ مَشْيِي. فِي رَدِّ فِعْلِي عَلَى مُوسِيقَى بَعِينِهَا. فِي القَهْوَةِ الَّتِي أُحِبُّهَا. أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ تَبْقَى لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الهِيبُوكَامْبِ — هِيَ فِي الجَسَدِ كُلِّهِ. الهُوِيَّةُ أَوْسَعُ مِنَ الذَّاكِرَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ بِكَثِيرٍ.
تَنَفَّسَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ.
هَذَا مَا يَقُولُهُ عِلْمُ الأَعْصَابِ الحَدِيثُ بِلُغَةٍ تِقْنِيَّةٍ — لَكِنَّ يَانْ قَالَهُ بِلُغَةِ مَنْ عَاشَهُ. الهُوِيَّةُ لَيْسَتْ مَلَفَّاً يُخَزَّنُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنَ الدِّمَاغِ — إِنَّهَا نَسِيجٌ مَوْزَّعٌ فِي كُلِّ خَلِيَّةٍ، فِي كُلِّ عَادَةٍ، فِي كُلِّ تَفَاعُلٍ بَيْنَ الجَسَدِ وَالعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ.
الشَّخْصُ الَّذِي نَسِيَ اسْمَهُ لَا يَزَالُ يَمْشِي بِطَرِيقَتِهِ هُوَ. لَا يَزَالُ يُفَضِّلُ طَعْماً عَلَى آخَرَ. لَا يَزَالُ يَنْجَذِبُ إِلَى أَصْوَاتٍ مُعَيَّنَةٍ. لَا يَزَالُ يَضْحَكُ حِينَ يَرَى ابْنَتَهُ.
هَذَا هُوَ «هُوَ» — بِمَعْنًى أَعْمَقَ مِنَ الاسْمِ.
— وَمُرِيحٌ هَذَا الإِدْرَاكُ؟
— نَعَمْ. أَكْثَرُ مِمَّا تَوَقَّعْتُ.
________________________________________
٩ — «لَا تَخَفْ» بِخَطٍّ أَكْبَرَ
وَقَفَ سَامِرٌ وَنَظَرَ إِلَى الجِدَارِ مَرَّةً أُخِيرَةً — إِلَى كُلِّ تِلْكَ الوَرَقَاتِ، إِلَى هَذَا النِّظَامِ الدَّقِيقِ الَّذِي بَنَاهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ لِيَظَلَّ نَفْسَهُ.
— كَتَبْتَ «لَا تَخَفْ» بِخَطٍّ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ.
أَوْمَأَ يَانْ بِبَسَاطَةٍ:
— لِأَنَّهُ أَهَمُّ مَا أَحْتَاجُ أَنْ أَتَذَكَّرَهُ. المَعْلُومَاتُ الأُخْرَى تُسَاعِدُ. لَكِنَّ «لَا تَخَفْ» هُوَ مَا يَجْعَلُنِي أُكْمِلُ.
— وَهَلْ يَنْجَحُ؟
فَكَّرَ يَانْ لَحْظَةً — لَيْسَ تَرَدُّداً، بَلْ دِقَّةً:
— أَحْيَاناً أَقْرَأُهُ وَأُصَدِّقُهُ. وَأَحْيَاناً أَقْرَأُهُ وَلَا أُصَدِّقُهُ. لَكِنَّنِي أَسْتَمِرُّ فِي قِرَاءَتِهِ — لِأَنَّ البَدِيلَ — الخَوْفَ بِلَا مُقَاوَمَةٍ — أَسْوَأُ.
هَذِهِ هِيَ الحِكْمَةُ الَّتِي لَا تَأْتِي مِنَ الكُتُبِ. أَحْيَاناً لَا تُصَدِّقُ مَا يُعِينُكَ — وَمَعَ ذَلِكَ تَفْعَلُهُ. لِأَنَّ الفِعْلَ نَفْسَهُ يَخْلُقُ مَعَ الوَقْتِ شَيْئاً يُشْبِهُ التَّصْدِيقَ.
________________________________________
١٠ — الجِسْرُ لَا يُبْنَى نَحْوَ الوَرَاءِ فَقَطْ
حِينَ خَرَجَ سَامِرٌ مِنَ الغُرْفَةِ، الْتَفَتَ مَرَّةً أَخِيرَةً.
كَانَ يَانْ يَكْتُبُ وَرَقَةً جَدِيدَةً — رُبَّمَا عَنْ سَامِرٍ نَفْسِهِ، رُبَّمَا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَذَكَّرَهُ الآنَ. يَدُهُ تَتَحَرَّكُ بِتَأَنٍّ — كَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ سَيُقْرَأُ غَداً بِعَيْنَيْ شَخْصٍ قَدْ لَا يَتَذَكَّرُ تَمَاماً لَحْظَةَ كِتَابَتِهِ — وَأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ هُوَ هُوَ نَفْسُهُ.
أَدْرَكَ سَامِرٌ شَيْئاً — بِبُطْءٍ، كَمَنْ يَرَى صُورَةً وَاضِحَةً تَدْرِيجِيَّاً:
هُوَ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ مَفْقُودٍ بِقَلَقٍ يُشْبِهُ الذُّعْرَ. هَذَا الرَّجُلُ يَعِيشُ مَعَ مُسْتَقْبَلٍ مَفْقُودٍ بِبُطُولَةٍ هَادِئَةٍ — وَيَبْنِي جُسُوراً.
لَكِنَّ الفَرْقَ لَيْسَ فِي الحَجْمِ أَوِ الخَطُورَةِ. الفَرْقُ فِي الاتِّجَاهِ.
سَامِرٌ كَانَ يَبْنِي جِسْراً نَحْوَ الوَرَاءِ — نَحْوَ يَوْمٍ فَاتَهُ. يَانْ يَبْنِي جِسْراً نَحْوَ الأَمَامِ — نَحْوَ نَفْسِهِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بَعْدُ.
رُبَّمَا الجِسْرُ لَا يُبْنَى نَحْوَ المَاضِي فَقَطْ. رُبَّمَا يُبْنَى نَحْوَ أَيٍّ يَكُنْ لَدَيْكَ وَقْتٌ لِبِنَائِهِ — وَأَيٍّ يَكُنْ أَحَبَّ إِلَيْكَ الوُصُولُ إِلَيْهِ.
خَرَجَ سَامِرٌ وَهُوَ يَحْمِلُ — بِلَا أَنْ يُدْرِكَ تَمَاماً — ذَاكِرَةً جَدِيدَةً: صُورَةَ رَجُلٍ يَقْرَأُ كُلَّ صَبَاحٍ «لَا تَخَفْ» بِخَطٍّ كَبِيرٍ. وَيُكْمِلُ.
________________________________________
«الهُوِيَّةُ أَوْسَعُ مِنَ الذَّاكِرَةِ — لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَا تَتَذَكَّرُهُ فَقَطْ، بَلْ طَرِيقَةُ مَشْيِكَ، وَمَا يُضْحِكُكَ، وَمَنْ يَجْعَلُكَ تَشْعُرُ بِالأَمَانِ — وَكُلُّ هَذَا مَحْفُوظٌ فِي مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنَ الاسْمِ.»

متحف الأيام المفقودة 81