متحف الأيام المفقودة 87

مُتَحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: المَرأَةُ الوَسِيطَةُ – الصَّفحُ: هَل هُوَ نِسيَانٌ أَم ذَاكِرَةٌ أَعمَقُ؟ – رُوَاندَا، عَامُ أَلْفَيْنِ وَثَلَاثَة
________________________________________
كَانَ فِي الغُرفَةِ كُرسِيَّانِ مُتَقَابِلَانِ.
وَبَينَهُمَا فَرَاغٌ.
لَيسَ فَرَاغًا فَارِغًا، كَمَا يَقُولُ النَّاسُ حِينَ يَصِفُونَ المَكَانَ الخَالِيَ مِن أَشيَاءَ وَحَسبُ.
كَانَ فَرَاغًا مَحسُوسًا، لَهُ وَزنٌ يَكَادُ يُلمَسُ بِاليَدِ، كَأَنَّ أَحَدًا أَجلَسَ فِيهِ غِيَابَهُ وَنَسِيَ أَن يَأخُذَهُ حِينَ قَامَ.
وَفِي أَحَدِ الكُرسِيَّيْنِ جَلَسَت امرَأَةٌ.
ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً حَمَلَهَا وَجهُهَا بِلَا إِخفَاءٍ وَلَا ادِّعَاءٍ.
لَم تَكُن جَمِيلَةً بِالمَعنَى التَّزيِينِيِّ الَّذِي يُفَكِّرُ فِيهِ النَّاسُ حِينَ يَقُولُونَ «جَمِيلَةٌ»، وَلَا عَادِيَّةً بِالمَعنَى الرَّمَادِيِّ الَّذِي يَجعَلُ الإِنسَانَ يَنسَاكَ بَعدَ لَحظَاتٍ مِن مُغَادَرَتِهِ.
كَانَت حَاضِرَةً.
بِالكَامِلِ حَاضِرَةً، بِطَرِيقَةٍ نَادِرَةٍ وَثَقِيلَةٍ تَجعَلُ مَن يَجلِسُ أَمَامَهَا يَشعُرُ أَنَّهُ هُوَ أَيضًا مُلزَمٌ بِالحُضُورِ، سَوَاءٌ أَرَادَ أَم لَم يُرِد.
أَشَارَت إِلَى الكُرسِيِّ الثَّانِي.
جَلَسَ سَامِرُ.
وَالفَرَاغُ بَينَهُمَا لَا يَزَالُ مَحسُوسًا كَمَا كَانَ.
ـ تَعرِفُ مَا هَذَا الفَرَاغُ؟
قَالَتهَا بِلَا تَمهِيدٍ، كَمَن يَبدَأُ مَحَادَثَةً كَانَت تَسِيرُ قَبلَ أَن يَصِلَ.
ـ أَشعُرُ بِهِ، لَكِنَّنِي لَا أَعرِفُ تَسمِيَتَهُ.
ـ هَذَا المَكَانُ الَّذِي يَجلِسُ فِيهِ الطَّرَفُ الثَّالِثُ عَادَةً.
المَكَانُ الَّذِي أَجلِسُ فِيهِ أَنَا حِينَ يَكُونُ الخَصمَانِ أَمَامِي.
فَارِغٌ الآنَ لِأَنَّكَ أَنتَ الخَصمَانِ مَعًا.
نَظَرَ إِلَيهَا سَامِرُ.
ـ أَنَا خَصمَانِ؟
ـ أَلَيسَ هَذَا مَا تَبحَثُ عَنهُ؟
نُسخَةٌ مِنكَ تُخَاصِمُ نُسخَةً أُخرَى.
يَومٌ تُرِيدُ استِرِدَادَهُ، وَذَاكِرَةٌ تَرفُضُ تَسلِيمَهُ.
________________________________________
صَمَتَ سَامِرُ.
لَم يَكُن ذَلِكَ صَمتَ مَن لَا يَجِدُ رَدًّا.
كَانَ صَمتَ مَن وَجَدَ أَنَّ مَا قِيلَ يَحتَاجُ لَحظَةً كَاملَةً قَبلَ أَن يَتَحَرَّكَ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ وَأَنتِ تَعمَلِينَ عَلَى مُصَالَحَةِ الخُصُومِ.
ـ عَمِلتُ عَشرَ سَنَوَاتٍ بَعدَ الإِبَادَةِ فِي رُوَاندَا.
بَيْنَ جَلَّادِينَ وَضَحَايَا.
بَيْنَ مَن قَتَلُوا وَمَن فَقَدُوا أَحِبَّاءَهُم.
وَقَفَت قَلِيلًا، ثُمَّ أَكمَلَت بِنَبرَةٍ لَا فَخرَ فِيهَا وَلَا شَكوَى:
ـ هَذَا أَصعَبُ عَمَلٍ فِي الوُجُودِ.
أَصعَبُ مِنَ الجِرَاحَةِ لِأَنَّ الجَرَّاحَ يُصلِحُ الجَسَدَ بِالخَيطِ وَالإِبرَةِ.
أَمَّا أَنَا، فَكُنتُ أَجلِسُ بَيْنَ مَا لَا يُصلَحُ بِهِمَا.
ـ وَهَل نَجَحتِ؟
ـ نَجَاحٌ بِمَعنَى الاستِمرَارِ؟
نَعَم.
كَثِيرُونَ استَطَاعُوا أَن يَعِيشُوا فِي القَريَةِ نَفسِهَا دُونَ أَن يَقتُلَ أَحَدُهُم الآخَرَ.
وَهَذَا لَيسَ أَمرًا بَسِيطًا، لَا تَستَهِن بِهِ.
نَجَاحٌ بِمَعنَى المُصَالَحَةِ الكَامِلَةِ؟
لَا.
ذَلِكَ لَيسَ هَدَفًا وَاقِعِيًّا بَعدَ مَا حَدَثَ.
وَمَن يَعِدُ بِهِ يَبِيعُ وَهمًا لِأُنَاسٍ لَا يَستَحِقُّونَ أَن يُخدَعُوا.
ـ وَمَا الهَدَفُ الوَاقِعِيُّ إِذَن؟
ـ التَّعَايُشُ الوَاعِي.
أَن يَتَذَكَّرَ كِلَا الطَّرَفَيْنِ مَا جَرَى، لَا أَن يَنسَى، لَكِن أَن يَختَارَ عَدَمَ السَّمَاحِ لِلذَّاكِرَةِ بِأَن تَكُونَ المُملِيَةَ الوَحِيدَةَ لِكُلِّ قَرَارٍ يَتَّخِذُهُ فِيمَا يَبقَى مِن حَيَاتِهِ.
________________________________________
ـ هَذَا التَّمييزُ مُهِمٌّ جِدًّا، بَيْنَ أَن تَتَذَكَّرَ وَبَيْنَ أَن تَدَعَ الذَّاكِرَةَ تُملِي.
ـ هُوَ جَوهَرُ عَمَلِي كُلِّهِ.
الضَّحِيَّةُ الَّتِي تَقُولُ «لَن أَنسَى» عَلَى حَقٍّ تَمَامًا.
النِّسيَانُ خِيَانَةٌ لِمَن فَقَدَت، خِيَانَةٌ لِمَا عَاشَت، خِيَانَةٌ لِلحَقِيقَةِ نَفسِهَا.
لَكِنَّ «لَن أَنسَى» حِينَ تُصبِحُ تَعنِي «لَن أَسمَحَ لِأَيِّ شَيءٍ آخَرَ بِأَن يُوجَدَ»، عِندَهَا تَتَحَوَّلُ الذَّاكِرَةُ مِن شَاهِدٍ عَادِلٍ إِلَى سَجَّانٍ.
فَكِّر فِي امرَأَةٍ تَحمِلُ جَمرَةً فِي يَدِهَا لِتُحرِقَ بِهَا عَدُوَّهَا.
لَكِنَّهَا تَنسَى أَنَّهَا هِيَ مَن تَحمِلُهَا.
الذَّاكِرَةُ الَّتِي لَا تُوجَدُ بِجَانِبِهَا قُدرَةُ الاختِيَارِ هِيَ تِلكَ الجَمرَةُ.
ـ وَكَيفَ تُسَاعِدِينَ النَّاسَ عَلَى رُؤيَةِ هَذَا الفَرقِ؟
ـ لَا أُجبِرُ أَحَدًا عَلَى شَيءٍ.
أَجلِسُ.
أُصغِي.
وَأَطرَحُ سُؤَالًا وَاحِدًا فِي الوَقتِ المُنَاسِبِ:
«مَاذَا تُرِيدُ لِأَطفَالِكَ؟»
هَذَا السُّؤَالُ يَفتَحُ شَيئًا لَا يَفتَحُهُ أَيُّ سُؤَالٍ آخَرَ.
لِأَنَّهُ يُخرِجُ الإِنسَانَ مِنَ الأَمسِ إِلَى الغَدِ، دُونَ أَن يَطلُبَ مِنهُ أَن يُنكِرَ الأَمسَ أَو يَتَظَاهَرَ أَنَّهُ لَم يَكُن.
وَهَذَا هُوَ الفَرقُ بَيْنَ سُؤَالٍ يَقرَعُ بَابًا وَسُؤَالٍ يَفتَحُهُ.
ـ يُعِيدُ تَوجِيهَ الطَّاقَةِ لَا يَمحُو مَصدَرَهَا.
ـ بِالضَّبطِ.
الغَضَبُ طَاقَةٌ.
الحُزنُ طَاقَةٌ.
الثَّأرُ طَاقَةٌ.
هَذِهِ الطَّاقَاتُ لَا تَختَفِي إِن طَلَبتَ مِنهَا أَن تَختَفِيَ.
حِينَ تَقُولُ لِإِنسَانٍ غَاضِبٍ «اهدَأ» فَأَنتَ لَا تُطفِئُ الغَضَبَ، أَنتَ تَدفَعُهُ إِلَى الأَعمَاقِ حَيثُ يَعمَلُ بِلَا رَقَابَةٍ.
لَكِنَّ هَذِهِ الطَّاقَاتِ يُمكِنُ أَن تَتَحَوَّلَ إِن وَجَدَت مَا يَستَحِقُّ التَّوَجُّهَ نَحوَهُ.
________________________________________
ـ وَالصَّفحُ؟ مَا تَعرِيفُهُ بَعدَ كُلِّ هَذَا العَمَلِ وَكُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟
تَوَقَّفَت.
وَضَعَت يَدَهَا عَلَى رُكبَتِهَا بِهُدُوءٍ.
نَظَرَت إِلَى الفَرَاغِ بَيْنَ الكُرسِيَّيْنِ، كَأَنَّهَا تَقرَأُ مِن شَيءٍ مَكتُوبٍ هُنَاكَ لَا يَرَاهُ غَيرُهَا.
ثُمَّ قَالَت:
ـ الصَّفحُ لَيسَ نِسيَانًا.
مَن يَقُولُ لَكَ «اصفَح وَانسَ» لَا يَعرِفُ مَا يَقُولُ.
رُبَّمَا يَقُولُهَا بِحُسنِ نِيَّةٍ، لَكِنَّهَا تَظلُّ كَلِمَةً تَجهَلُ الجُرحَ الَّذِي تَقَعُ عَلَيهِ.
الصَّفحُ هُوَ قَرَارٌ بِأَلَّا تَحمِلَ ثِقلَ الحِقدِ فِي جِسمِكَ أَنتَ.
لَيسَ لِأَجلِ الآخَرِ.
لَيسَ كَرَمًا مِنكَ إِلَيهِ.
بَل لِأَجلِكَ أَنتَ.
لِأَنَّ الحِقدَ يَأكُلُ مِن يَحمِلُهُ أَكثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يُؤذِي مَن يُوَجَّهُ إِلَيهِ.
الحَاقِدُ يَنَامُ مَعَ حِقدِهِ كُلَّ لَيلَةٍ.
وَخَصمُهُ يَنَامُ نَومًا عَمِيقًا لَا يَعلَمُ شَيئًا عَمَّا يَجرِي.
ـ إِذَن الصَّفحُ فِعلٌ شَخصِيٌّ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالطَّرَفِ الآخَرِ؟
ـ لَيسَ تَمَامًا.
الصَّفحُ الكَامِلُ فِي عَالَمِ المِثَالِيَّاتِ يَحتَاجُ اعتِرَافًا مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ وَاعتِذَارًا حَقِيقِيًّا.
لَكِنَّ فِي الوَاقِعِ، كَثِيرًا مِنَ الجَلَّادِينَ مَاتُوا.
بَعضُهُم هَرَبُوا.
وَبَعضُهُم لَا يَزَالُونَ يُنكِرُونَ مَا فَعَلُوا بِوَقَاحَةٍ تُضَافُ إِلَى الجُرحِ الأَصلِيِّ.
الضَّحِيَّةُ لَا تَستَطِيعُ أَن تَنتَظِرَ اعتِرَافًا قَد لَا يَأتِي أَبَدًا.
لِذَا الصَّفحُ أَحيَانًا هُوَ قَرَارٌ مِن جَانِبٍ وَاحِدٍ:
«أَنَا لَن أَسمَحَ لِمَا فَعَلتَهُ بِي أَن يُحَدِّدَ بَقِيَّةَ حَيَاتِي».
وَهَذَا القَرَارُ لَا يُبَرِّئُ الجَلَّادَ وَلَا يَمحُو الجَرِيمَةَ.
لَكِنَّهُ يَستَرِدُّ لِلضَّحِيَّةِ شَيئًا كَانَ الجَلَّادُ قَد سَرَقَهُ مَعَ كُلِّ شَيءٍ آخَرَ سَرَقَهُ:
القُدرَةَ عَلَى اختِيَارِ مَن تَكُونُ فِيمَا تَبقَّى.
ـ وَهَذَا مُمكِنٌ فِعلًا؟
لَيسَ فَقَط فِي الكُتُبِ وَالخُطَبِ؟
ـ رَأَيتُهُ.
رَأَيتُ امرَأَةً فَقَدَت زَوجَهَا وَأَبنَاءَهَا الأَربَعَةَ فِي أَسبُوعٍ وَاحِدٍ.
جَلَسَت أَمَامَ مَن قَتَلَهُم فِي جَلسَةِ مُصَالَحَةٍ.
نَظَرَت إِلَيهِ طَوِيلًا.
ثُمَّ قَالَت لَهُ:
«لَن أَترُكَكَ تَأخُذَ مَا تَبَقَّى مِن حَيَاتِي أَيضًا».
لَم تَقُل «أَنَا أَصفَحُ عَنكَ».
لَم تَقُل «مَا فَعَلتَهُ كَانَ مَقبُولًا».
قَالَت بِبَسَاطَةٍ إِنَّهَا لَن تَدَعَهُ يَأخُذُ مَا لَم يَستَطِع أَن يَأخُذَهُ بَعدُ.
هَذَا لَيسَ تَبرِئَةً لَهُ.
هُوَ استِرِدَادٌ لِنَفسِهَا.
________________________________________
ـ وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِيَومٍ مَفقُودٍ فِي ذَاكِرَةِ إِنسَانٍ وَاحِدٍ؟
تَطَلَّعَت إِلَيهِ بِنَظرَةٍ فِيهَا ذَلِكَ النَّوعُ مِنَ الصَّبرِ الَّذِي لَا يَنبُعُ مِنَ الإِرهَابِ بَل مِنَ الفَهمِ.
ـ العَلَاقَةُ هِيَ الآلِيَّةُ نَفسُهَا.
أَنتَ تَخُوضُ مُصَالَحَةً مَعَ نَفسِكَ.
مَعَ يَومٍ رَفَضَت ذَاكِرَتُكَ أَن تُسَلِّمَهُ.
وَالسُّؤَالُ لَيسَ «لِمَاذَا لَا تَتَذَكَّرُ؟».
السُّؤَالُ هُوَ:
«هَل أَنتَ عَلَى استِعدَادٍ لِأَن تَقبَلَ أَنَّ هَذَا اليَومَ جُزءٌ مِنكَ، حَتَّى دُونَ أَن تَعرِفَ كُلَّ تَفَاصِيلِهِ؟»
ـ القَبُولُ دُونَ المَعرِفَةِ الكَامِلَةِ.
ـ المَعرِفَةُ الكَامِلَةُ وَهمٌ.
لَا أَحَدَ يَعرِفُ نَفسَهُ كَامِلًا.
لَا أَحَدَ يَعرِفُ كُلَّ مَا شَكَّلَهُ وَكَلَّ لَحظَةٍ صَنَعَت مِن رَدَّاتِ أَفعَالِهِ مَا هِيَ عَلَيهِ.
نَحنُ نَعِيشُ بِمَعرِفَةٍ جُزئِيَّةٍ عَن أَنفُسِنَا وَنَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ دَائِمًا كِتَابًا كَامِلًا لَو وَجَدنَاهُ لَأَجَبنَا كُلَّ سُؤَالٍ.
لَيسَ هُنَاكَ كِتَابٌ كَامِلٌ.
الاتِّزَانُ لَا يَأتِي مِنَ المَعرِفَةِ الكَامِلَةِ.
يَأتِي مِنَ القَبُولِ الكَافِي.
________________________________________
صَمَتَ سَامِرُ طَوِيلًا.
الفَرَاغُ بَيْنَ الكُرسِيَّيْنِ لَا يَزَالُ هُنَاكَ.
لَم يَتَقَلَّص.
لَم يَملَأهُ الكَلَامُ.
لَكِنَّهُ بَدَا الآنَ أَقَلَّ ثِقلًا.
أَو رُبَّمَا هُوَ نَفسُهُ لَم يَتَغَيَّر، وَلَكِنَّ سَامِرَ تَغَيَّرَ.
ـ وَمَن يَجلِسُ فِي هَذَا الفَرَاغِ حِينَ يُصَالِحُ الإِنسَانُ نَفسَهُ؟
نَظَرَت إِلَى الفَرَاغِ.
ثُمَّ قَالَت بِبُطءٍ كَمَن يُحكِمُ الكَلِمَاتِ قَبلَ إِطلَاقِهَا:
ـ الزَّمَنُ.
الزَّمَنُ وَسِيطٌ لَا يُحكَمُ عَلَيهِ وَلَا يُحَاكَمُ.
يَحمِلُ الطَّرَفَيْنِ وَيُتِيحُ لَهُمَا أَن يَتَقَدَّمَا دُونَ أَن يَطلُبَ مِنهُمَا أَن يَمحُوَا مَا كَانَ.
يَأخُذُكَ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَأَنتَ تَحمِلُ مَا كُنتَ عَلَيهِ مَعَكَ.
وَهَذَا وَحدَهُ أَحيَانًا كَافٍ.
________________________________________
غَادَرَ سَامِرُ الغُرفَةَ.
وَالفَرَاغُ بَيْنَ الكُرسِيَّيْنِ لَا يَزَالُ فِي مُخَيَّلَتِهِ.
ذَلِكَ المَكَانُ الثَّالِثُ الَّذِي لَيسَ مَاضِيًا وَلَا مُستَقبَلًا، بَل العُبُورُ نَفسُهُ بَيْنَ الاثنَيْنِ.
ذَلِكَ المَكَانُ الَّذِي لَا يُقِيمُ فِيهِ أَحَدٌ، لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا بُدَّ أَن يَمُرَّ مِنهُ.
وَأَدرَكَ سَامِرُ شَيئًا لَم يَكُن يَعرِفُهُ قَبلَ دُخُولِهِ هَذِهِ الغُرفَةَ:
أَنَّهُ يَقتَرِبُ مِنَ الغُرفَةِ صِفرٍ.
وَأَنَّهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدَأَتِ الرِّحلَةُ، جَاهِزٌ لِمَا فِيهَا.
لَيسَ لِأَنَّهُ عَرَفَ كُلَّ شَيءٍ.
بَل لِأَنَّهُ قَبِلَ أَنَّهُ لَن يَعرِفَ كُلَّ شَيءٍ.
وَأَنَّ هَذَا كَافٍ.

متحف الأيام المفقودة 88