مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ التِّسعُونَ — الخَاتِمَة – سَامِرٌ فِي الغُرفَةِ صِفر – مَن أَنتَ حِينَ تَلتَقِي بِكُلِّ مَن عَلَّمَكَ أَن تَتَذَكَّر؟ – ذَكَر، خَمسٌ وَخَمسُونَ عَامًا — المُتحَف، خَارِجَ الزَّمَن
________________________________________
لَم يَكُنِ البَابُ كَالأَبوَابِ الأُخرَى.
لَم يَحمِل رَقمًا. لَم يَحمِل اسمًا. لَم يَكُن عَلَيهِ لَوحٌ تَعرِيفِيٌّ وَلَا ضَوءٌ مُوَجِّه. كَانَ مُجَرَّدَ بَاب — خَشَبٌ دَاكِنٌ قَدِيمٌ وَمِقبَضٌ نُحَاسِيٌّ بَسِيطٌ أَنهَكَهُ الزَّمَنُ بِاللَّمسِ دُونَ أَن يَكسِرَهُ — لَكِنَّ سَامِرًا حِينَ وَقَفَ أَمَامَهُ أَدرَكَ أَنَّهُ يَعرِفُه.
لَيسَ بِالبَصَر.
بِشَيءٍ أَقدَمَ مِنَ البَصَر.
حَمَلَ فِي يَدِهِ مَا جَمَعَهُ مِن رِحلَتِهِ الطَّوِيلَة: قِطعَةُ القُمَاشِ الأَبيَضِ مِنَ المَولُودِ تَوًّا، ذَلِكَ البَيَاضُ الَّذِي سَبَقَ كُلَّ تَسمِيَة. حَجَرٌ مِن أَوَّلِ إِنسَانٍ عَاقِلٍ حَملَ يَومًا سُؤَالًا أَكبَرَ مِنهُ. اللَّوحُ الطِّينِيُّ الفَارِغُ الَّذِي عَلَّمَهُ أَنَّ الصَّمتَ أَيضًا يَقُول. قِطعَةُ الزُّجَاجِ الفِينِيقِيَّةِ الَّتِي عَبَرَت بَحَارًا لِتَصِلَ إِلَى يَدِهِ. وَطَائِرُ الأُورِيغَامِي الأَبيَضُ الصَّغِيرُ الَّذِي بَدَا دَائِمًا عَلَى وَشَكِ الطَّيرَان.
وَقَلبُهُ.
قَلبُهُ الَّذِي دَخَلَ ثَقِيلًا وَأَصبَحَ — بَعدَ تِسعَةٍ وَثَمَانِينَ صَوتًا — شَيئًا مُختَلِفًا. لَيسَ أَخَفَّ بِالضَّرُورَة، لَكِنَّهُ مُختَلِف. كَمَا يُختَلَفُ الخَشَبُ المُشَكَّلُ عَنِ الخَشَبِ الخَامِّ، وَهُوَ لَا يَزَالُ الخَشَبَ ذَاتَه.
فَتَحَ البَاب.
________________________________________
الغُرفَةُ صِفرٌ لَم تَكُن كَبِيرَة.
وَلَم تَكُن صَغِيرَة.
كَانَت بِالحَجمِ الَّذِي يَتَّسِعُ لِشَخصٍ وَاحِدٍ — أَو لِشَخصَينِ إِن كَانَ الشَّخصَانِ نَفسَهُمَا فِي جَوهَرِهِمَا. ضَوؤُهَا لَم يَأتِ مِن مَصدَرٍ وَاضِح، لَا مِصبَاحٍ مُعَلَّقٍ وَلَا نَافِذَةٍ تُدخِلُ شَمسًا مِن مَكَانٍ بَعِيد. كَأَنَّ الجُدرَانَ نَفسَهَا تُضِيءُ بِضَوءٍ دَاخِلِيٍّ هَادِئٍ لَا لَونَ لَهُ إِلَّا لَونَ الصُّبحِ قَبلَ أَن يُصبِحَ صَبَاحًا — ذَلِكَ اللَّونُ الَّذِي لَا اسمَ لَهُ وَلَا يَبقَى طَوِيلًا.
وَفِي المُنتَصَفِ كَانَ هُنَاكَ كُرسِيّ.
وَعَلَى الكُرسِيِّ جَلَسَ رَجُل.
وَجهُ الرَّجُلِ كَانَ وَجهَ سَامِر. لَكِنَّ عَينَيهِ كَانَتَا تَحمِلَانِ شَيئًا لَا تَحمِلُهُ عَينَا سَامِرٍ الوَاقِفِ عِندَ العَتَبَة — هُدُوءُ مَن يَعرِفُ مَا يُرِيدُ مَعرِفَتَه، وَيَقبَلُ مَا لَا يَعرِفُه، وَلَا يَرَى تَعَارُضًا بَينَهُمَا.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِندَ البَاب.
________________________________________
— أَنتَ…
— أَنتَ. نَعَم.
— الغُرفَةُ صِفرٌ — ظَنَنتُ أَنَّ فِيهَا إِجَابَة.
— فِيهَا أَفضَلُ مِن إِجَابَة. فِيهَا السُّؤَالُ الصَّحِيحُ أَخِيرًا.
جَلَسَ سَامِرٌ الأَوَّلُ عَلَى الأَرضِ — لَم يَكُن هُنَاكَ كُرسِيٌّ آخَر، كَأَنَّ الغُرفَةَ صَمَّمَت نَفسَهَا لِلَحظَةٍ وَاحِدَة بِعَينِهَا. وَنَظَرَ إِلَى نَفسِهِ الجَالِسَةِ أَمَامَه.
كَانَ المَشهَدُ عَجِيبًا لَو رَآهُ أَحَد. لَكِنَّ فِي هَذَا المُتحَفِ كَانَت العَجَائِبُ هِيَ اللُّغَةَ العَادِيَّة.
________________________________________
— مَن أَنتَ؟ نُسخَةٌ مِنِّي لَو كُنتُ تَذَكَّرتُ ذَلِكَ اليَوم؟
— لَا. أَنَا نُسخَةٌ مِنكَ لَو لَم تُوقِف رِحلَتَكَ عِندَ السُّؤَالِ الخَاطِئ.
— السُّؤَالُ الخَاطِئ؟
— دَخَلتَ تَسأَل: مَاذَا حَدَثَ فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِن تِشرِينَ الأَوَّل عَامَ أَربَعَةٍ وَتِسعِين؟ هَذَا سُؤَالٌ جَيِّدٌ لَكِنَّهُ لَيسَ السُّؤَالَ الأَهَمّ.
— وَمَا السُّؤَالُ الأَهَمّ؟
— مَن أَنتَ فِي عَلَاقَتِكَ مَعَ مَا لَا تَعرِفُهُ عَن نَفسِك؟
صَمَتَ سَامِرٌ الأَوَّل. هَذَا الصَّمتُ لَم يَكُن صَمتَ مَن لَا يَفهَم — كَانَ صَمتَ مَن يَفهَمُ أَكثَرَ مِمَّا يُرِيدُ الاعتِرَافَ بِهِ. تِلكَ الفُجوَةُ الصَّغِيرَةُ بَينَ الفَهمِ وَالاعتِرَاف — يَعرِفُهَا كُلُّ مَن جَلَسَ يَومًا مَعَ حَقِيقَةٍ لَم يَكُن مُستَعِدًّا لَهَا بَعد.
— طَوَالَ رِحلَتِي — تِسعَةٌ وَثَمَانُونَ صَوتًا — كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم أَضَافَ شَيئًا. لَكِنَّ اليَومَ المَفقُودَ لَم يَعُد.
— لِأَنَّ اليَومَ لَم يَذهَب. أَنتَ مَن ذَهَبَ بَعِيدًا عَنه.
— أَشرِح لِي.
________________________________________
— السَّابِعَ عَشَرَ مِن تِشرِينَ الأَوَّل عَامَ أَربَعَةٍ وَتِسعِين — أَتَعرِفُ لِمَاذَا لَا تَتَذَكَّرُه؟
— لَا.
— لِأَنَّهُ كَانَ اليَومَ الوَحِيدَ فِي تِلكَ الفَترَةِ الَّذِي لَم يَحدُث فِيهِ شَيءٌ استِثنَائِيّ. لَا أَلَمٌ كَبِير. لَا فَرَحٌ كَبِير. لَا قَرَارٌ حَيَاتِيٌّ يَبقَى مَحفُورًا. يَومٌ عَادِيٌّ تَمَامًا — اِستَيقَظت، شَرِبتَ قَهوَة، مَشَيتَ فِي شَارِعٍ مَألُوف، فَكَّرتَ فِي أَشيَاءَ عَادِيَّة، نِمتَ. هَذَا كُلُّ مَا فِيه.
تَوَقَّفَ لِثَانِيَة، وَأَضَاف:
— تَخَيَّل أَنَّ ذَاكِرَتَكَ مِصفَاة. المِصفَاةُ تَحتَجِزُ مَا هُوَ أَكبَرُ مِن ثُقُوبِهَا — الاستِثنَاء، الصَّدمَة، الفَرَح، الانعِطَافَات. وَتَترُكُ مَا هُوَ أَصغَرَ مِنهَا يَعبُرُ وَيَذهَب. اليَومُ العَادِيُّ يَعبُرُ المِصفَاةَ دُونَ أَن يَتَوَقَّف، لِأَنَّهُ لَا يَملِكُ مَا يُعَلِّقُ بِهِ نَفسَه. وَهَذَا اليَومُ كَانَ عَادِيًّا بِشَكلٍ نَادِر — عَادِيًّا بِشَكلٍ كَامِل، بِشَكلٍ يَفتَقِرُ إِلَيهِ مُعظَمُ حَيَاتِنَا وَلَا نَعرِفُ قِيمَتَهُ إِلَّا بَعدَ أَن يَمُرَّ وَلَا يَعُود.
________________________________________
أَخَذَ سَامِرٌ الأَوَّلُ نَفَسًا عَمِيقًا:
— إِذَن… لَم تَكُن هُنَاكَ سِرٌّ مَخبُوء. لَا صَدمَةٌ مُختَبِئَة. لَا كَشفٌ مُوجِعٌ يَنتَظِرُنِي.
— السِّرُّ كَانَ أَنَّ لَا سِرَّ.
وَهَذَا — صَدِّقنِي — أَصعَبُ مَا يَقبَلُهُ الإِنسَان. نَحنُ نُحِبُّ الغُمُوضَ لِأَنَّ الغُمُوضَ يَعِدُ بِمَعنَى. يَعِدُ بِأَنَّ وَرَاءَ الظَّلَامِ شَيئًا يَستَحِقُّ اكتِشَافَه. لَكِنَّ اليَومَ العَادِيَّ لَا يَعِدُ بِشَيء. لَيسَ لِأَنَّهُ فَارِغ، بَل لِأَنَّهُ مُكتَفٍ بِنَفسِه. وَمَعَ ذَلِكَ — بِكُلِّ هَذَا الصَّمتِ وَعَدَمِ الوَعد — هُوَ صَمِيمُ الحَيَاة.
— وَلِمَاذَا إِذَن كَانَ يُقلِقُنِي كُلَّ هَذَا الوَقت؟
— لِأَنَّكَ فِي تِلكَ الفَترَةِ مِن حَيَاتِكَ كُنتَ تَبحَثُ عَن مَعنًى فِي كُلِّ شَيء. كُنتَ فِي تِلكَ السِّنِّ الَّتِي يَعتَقِدُ فِيهَا الإِنسَانُ أَنَّ الحَيَاةَ يَجِبُ أَن تَكُونَ قِصَّةً مُتَمَاسِكَةً لَهَا بِدَايَةٌ وَوَسَطٌ وَنِهَايَة، وَكُلُّ يَومٍ فِيهَا يَحمِلُ دَورَهُ فِي الحَبكَة. وَالشَّيءُ الوَحِيدُ الَّذِي لَا يُعطِيكَ مَعنًى جَاهِزًا هُوَ اليَومُ العَادِيّ. فَأَصبَحَ فُجوَةً فِي سَرَدِيَّةٍ ظَنَنتَ أَنَّهَا يَجِبُ أَن تَكُونَ مُتَمَاسِكَةً تَمَامًا.
— الحَيَاةُ لَا يَجِبُ أَن تَكُونَ مُتَمَاسِكَةً تَمَامًا.
— الحَيَاةُ لَيسَت رِوَايَة. الرِّوَايَاتُ فِيهَا بِنيَة — شَخصِيَّاتٌ وَحَوَادِثُ وَمَنعَطَفَاتٌ تَنبُعُ مِن مَنعَطَفَاتٍ أُخرَى. الحَيَاةُ فِيهَا أَيَّامٌ عَادِيَّةٌ وَلَيَالٍ فَارِغَةٌ وَسَاعَاتٌ لَا تُذكَر. وَمَعَ ذَلِكَ — كُلُّهَا — مَا أَنتَ.
________________________________________
— وَمَن أَنَا؟ بَعدَ كُلِّ هَذَا؟
أَجَابَ سَامِرٌ الثَّانِي بِنَبرَةٍ تَحَوَّلَت مِنَ السُّؤَالِ إِلَى شَيءٍ يُشبِهُ الإِحصَاءَ — لَكِنَّهُ إِحصَاءُ الرُّوح، لَا الأَرقَام:
— أَنتَ مَن سَأَلَ الجُسَيمَ الأَوَّلَ عَنِ البِدَايَة، حِينَ كَانَت البِدَايَةُ نَفسُهَا تَتَرَدَّدُ فِي الإِجَابَة.
أَنتَ مَن جَلَسَ مَعَ النَّجمَةِ المُحتَضِرَةِ وَفَهِمَ أَنَّ الفَنَاءَ لَيسَ نَهَايَة، بَل تَحَوُّلٌ لَا يَنتَهِي.
أَنتَ مَن سَمِعَ إِمحُوتَبَ يَكتُبُ الطِّبَّ بِيَدٍ وَيَكتُبُ الشِّعرَ بِالأُخرَى، وَفَهِمَ أَنَّهُمَا كَانَا دَائِمًا نَفسَ الفِعل.
أَنتَ مَن وَقَفَ أَمَامَ الحَاخَامِ بَعدَ الهُولُوكُوست وَلَم يَهرُب مِنَ السُّؤَالِ حِينَ كَانَ السُّؤَالُ أَثقَلَ مِنَ الجَوَاب.
أَنتَ مَن جَلَسَ مَعَ الطِّفلَةِ المُعجِزَةِ الَّتِي تَتَمَنَّى يَومًا خَفِيفًا وَسَطَ حَيَاةٍ أُثقِلَت بِمَا هُوَ أَكبَرُ مِنهَا.
أَنتَ مَن سَمِعَ يَانَ يَبنِي جِسرًا نَحوَ ذَاكِرَةٍ تَتَرَاجَع، وَمَن سَمِعَ الجَدَّةَ تَحكِي قِصَّتَكَ قَبلَ أَن تَكُونَ قَد اِنتَهَيتَهَا.
أَنتَ كُلُّ مَن تَحَدَّثتَ إِلَيهِ فِي هَذَا المُتحَف — لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم كَانَ يُجِيبُ عَلَى سُؤَالٍ فِيكَ لَم تَكُن تَعرِفُ أَنَّكَ تَسأَلُه.
صَمَتَ سَامِرٌ الأَوَّل. ثُمَّ:
— وَمَاذَا أَفعَلُ بِكُلِّ هَذَا؟
— تَحمِلُه. لَا تُحَاوِل تَرتِيبَهُ فِي نِظَامٍ مَنطِقِيّ. الجُسَيمُ الأَوَّلُ وَالجَدَّةُ الحَكَّاءَةُ لَا يَجلِسَانِ فِي نَفسِ الجَدوَل. لَكِنَّهُمَا يَسكُنَانِ فِي نَفسِ الإِنسَان — أَنتَ. وَهَذَا هُوَ الاتِّسَاعُ الَّذِي يُمَيِّزُكَ عَن أَيِّ جَدوَل.
________________________________________
— وَاليَومُ المَفقُودُ — السَّابِعَ عَشَرَ مِن تِشرِينَ الأَوَّل — مَاذَا أَفعَلُ بِهِ الآن؟
— أَعطِهِ اسمًا أَخِيرًا.
— مَا الاسم؟
— «يَومٌ كُنتُ فِيهِ بِخَير».
صَمَتَ سَامِرٌ الأَوَّل. وَفِي الصَّمتِ شَيءٌ اِنفَكَّ — لَا بِضَجِيجٍ وَلَا بِإِعلَان، بَل بِهُدُوءِ الشَّيءِ الَّذِي كَانَ مَشدُودًا طَوِيلًا ثُمَّ وَجَدَ أَنَّ لَا حَاجَةَ لِلشَّدِّ بَعدَ اليَوم.
— يَومٌ كُنتُ فِيهِ بِخَير.
كَرَّرَهَا سَامِرٌ كَأَنَّهُ يَختَبِرُ ثِقلَهَا.
— يَومٌ شَرِبتَ فِيهِ قَهوَة. وَمَشَيتَ فِي شَارِع. وَفَكَّرتَ فِي أَشيَاءَ عَادِيَّة. وَنِمتَ. وَلَم يَحدُث شَيءٌ استِثنَائِيّ. وَكُنتَ — بِكُلِّ هَذِهِ البَسَاطَة — بِخَير. هَذَا يَومٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَحظَونَ بِه. أَيَّامٌ يَتَمَنَّونَهَا فِي وَسَطِ حَيَاتٍ أَتخَمَت بِالاستِثنَاء. وَأَنتَ كُنتَ فِيهِ دُونَ أَن تَعرِفَ قِيمَتَه. وَهَذَا لَيسَ ذَنبًا — هَذَا حَالُ مَن يَعِيشُ اللَّحظَةَ مِن دَاخِلِهَا، لَا مِن مَوقِعِ مَن يَنظُرُ إِلَيهَا مِنَ الخَارِج.
________________________________________
— وَمَا الَّذِي سَيَتَغَيَّرُ حِينَ أَخرُجُ مِن هُنَا؟
— سَتَنظُرُ إِلَى الأَيَّامِ العَادِيَّةِ بِعَينٍ مُختَلِفَة. لَا بِعَينٍ تُبجِّلُهَا وَتَخشَى اِنقِضَاءَهَا — بَل بِعَينٍ تَرَاهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيه: حَيَاةٌ تَحدُثُ الآن. سَتَعرِفُ أَنَّ الفَرَاغَ الظَّاهِرَ قَد يَكُونُ اِكتِمَالًا هَادِئًا لَا يَحتَاجُ أَحَدًا لِيُثبِتَ لَهُ وُجُودَه. وَسَتَتَوَقَّفُ عَن مُعَاقَبَةِ نَفسِكَ عَلَى مَا لَا تَتَذَكَّرُه — لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيسَت مِسطَرَةً تَقِيسُ بِهَا قِيمَةَ الأَيَّام.
— وَإِن عَادَتِ الأَسئِلَة؟
— سَتَعُود. الأَسئِلَةُ لَا تَختَفِي — وَلَو اِختَفَت لَكَانَ ذَلِكَ خَسَارَةً لَا نَصرًا. لَكِنَّكَ الآنَ تَعرِفُ كَيفَ تَجلِسُ مَعَهَا دُونَ أَن تَجعَلَهَا تَحكُمُ عَلَيك. هَذَا مَا تَعَلَّمتَهُ مِن تِسعَةٍ وَثَمَانِينَ صَوتًا.
— الجُلُوسُ مَعَ السُّؤَالِ. لَا الهَرَبُ مِنهُ وَلَا الاِنسِحَاقُ تَحتَه.
— الجُلُوسُ مَعَ السُّؤَال. نَعَم. هَذَا كُلُّ مَا فِي الأَمر. وَهَذَا كَافٍ.
________________________________________
وَضَعَ سَامِرٌ الأَوَّلُ مَا كَانَ يَحمِلُهُ عَلَى الأَرضِ أَمَامَه: قِطعَةُ القُمَاشِ الأَبيَضِ، وَالحَجَر، وَاللَّوحُ الطِّينِيّ، وَالزُّجَاجَةُ الفِينِيقِيَّة، وَالطَّائِرُ الأَبيَضُ الصَّغِير.
نَظَرَ إِلَيهَا.
خَمسَةُ أَشيَاءَ جَمَعَهَا مِن خَمسِ لَحَظَاتٍ مُختَلِفَة، مِن خَمسِ أَصوَاتٍ أَعطَتهُ كُلٌّ مِنهَا شَيئًا كَانَ يَنتَظِرُهُ دُونَ أَن يَعرِفَ أَنَّهُ يَنتَظِرُه.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى نَفسِهِ الجَالِسَةِ أَمَامَه.
— هَل سَتَبقَى هُنَا؟
— أَنَا هُنَا دَائِمًا. حِينَ تَحتَاجُ أَن تَجلِسَ مَعَ نَفسِكَ — أَنَا هُنَا. لَا تَحتَاجُ مُتحَفًا لِلوُصُولِ إِلَيَّ.
— كَيف؟
— بِالصَّمت. وَالقَهوَةِ أَحيَانًا. وَالسُّؤَالِ الصَّادِق. الغُرفَةُ صِفرٌ لَيسَت مَكَانًا — هِيَ حَالَة.
________________________________________
قَامَ سَامِرٌ الأَوَّلُ بِبُطء.
أَخَذَ الطَّائِرَ الأَبيَضَ الصَّغِيرَ وَوَضَعَهُ فِي جَيبِه. تَرَكَ البَاقِيَ عَلَى الأَرضِ — اللَّوحَ الطِّينِيَّ وَالحَجَرَ وَالزُّجَاجَةَ وَقِطعَةَ القُمَاش.
تَرَكَهَا لِأَنَّهَا لَا تَنتَمِي إِلَيهِ وَحدَه.
تَنتَمِي لِلمُتحَفِ وَلِكُلِّ مَن سَيَأتِي بَعدَه، يَحمِلُ يَومًا مَفقُودًا مِن نَوعٍ مُختَلِف، وَيَبحَثُ عَنهُ بِطَرِيقَةٍ تَخُصُّهُ.
تَوَجَّهَ نَحوَ البَاب.
عِندَ العَتَبَةِ اِلتَفَت.
الكُرسِيُّ كَانَ فَارِغًا.
لَكِنَّ الغُرفَةَ لَم تَكُن فَارِغَة.
________________________________________
خَرَجَ سَامِرٌ مِنَ المُتحَفِ فِي سَاعَةٍ لَا يَعرِفُ اسمَهَا — لَم تَكُن صَبَاحًا وَلَا مَسَاء، بَل ذَلِكَ الوَقتُ الوَسَطِيُّ الَّذِي لَا يُسَمَّى وَالَّذِي يَحمِلُ إِمكَانِيَّةَ كُلِّ الأَوقَات، كَمَا يَحمِلُ الإِنسَانُ فِي لَحظَةِ الاستِيقَاظِ إِمكَانِيَّةَ كُلِّ مَا سَيَكُونُه فِي يَومِه.
الهَوَاءُ الخَارِجِيُّ كَانَ بَارِدًا بِقَدرِ مَا يُوقِظُ دُونَ أَن يُقسُو.
جَلَسَ عَلَى أَوَّلِ مَقعَدٍ وَجَدَه.
أَخرَجَ الطَّائِرَ الأَبيَضَ مِن جَيبِه. نَظَرَ إِلَيهِ طَوِيلًا. ذَلِكَ الطَّائِرُ الَّذِي لَم يَطِر طَوَالَ الرِّحلَة، لَكِنَّهُ كَانَ دَائِمًا عَلَى وَشكِ الطَّيَران.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى السَّمَاء.
لَم يُفَكِّر فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِن تِشرِينَ الأَوَّل عَامَ أَربَعَةٍ وَتِسعِين.
فَكَّرَ فِي اليَومِ التَّالِي. وَمَا سَيَشرَبُ فِيهِ مِن قَهوَة. وَمَا سَيَمشِي فِيهِ مِن شَارِع. وَمَا قَد يَحدُثُ فِيهِ مِن أَشيَاءَ عَادِيَّةٍ لَن يَتَذَكَّرَهَا لَاحِقًا، وَلَن يَحتَاجَ أَن يَتَذَكَّرَهَا.
وَاِبتَسَم.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ وَقتٍ طَوِيل — اِبتَسَمَ لَا لِأَنَّ الأَمرَ اِنتَهَى، بَل لِأَنَّهُ فَهِمَ أَخِيرًا أَنَّ الاِستِمرَارَ هُوَ الجَوَاب.
________________________________________
تَمَّت رِوَايَةُ مُتحَفِ الأَيَّامِ المَفقُودَة.
تِسعُونَ فَصلًا — تِسعُونَ صَوتًا — سُؤَالٌ وَاحِد
«أَيُّ نُسخَةٍ مِنِّي قَرَّرَت أَن أَتَذَكَّرَ الآن؟»
