لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 02

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
الفَصْلُ الثَّانِيُ:
بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ مُكَالَمَةِ كَرِيمٍ الصَّبَاحِيَّةِ، زَارَ سَامِرٌ بَيْتَهُمَا وَحْدَهُ، بِدَعْوَةٍ مِنْ كَرِيمٍ الَّذِي بَدَا مُضْطَرِباً أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ.
كَانَتْ رِيمَى تَجْلِسُ فِي الصَّالَةِ حِينَ دَخَلَ، تَحْمِلُ هَاتِفَهَا وَتُرَاجِعُ بَرِيدَهَا الإِلِكْتُرُونِيَّ بِتَرْكِيزِ مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهُ مَحْسُوباً.
كَرِيمٌ: سَامِرُ، تَفَضَّلْ، رِيمَى سَتَعُودُ إِلَى العَمَلِ الآنَ أَيْضاً، حَتَّى وَهِيَ فِي البَيْتِ.
رِيمَى: لَدَيَّ تَقْرِيرٌ يَجِبُ أَنْ أُسَلِّمَهُ اليَوْمَ، يَا كَرِيمُ. لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ لِأَنَّ هُنَاكَ ضَيْفاً.
قَالَتْهَا بِهُدُوءٍ، لَكِنَّ نَبْرَتَهَا حَمَلَتْ شَيْئاً أَكْثَرَ صَلَابَةً مِنْ مُجَرَّدِ جُمْلَةٍ عَابِرَةٍ.
كَرِيمٌ: سَامِرُ، أَتَرَى؟ مُنْذُ صَارَتْ تَرْقِيَتُهَا، صَارَ كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَدُورَ حَوْلَ عَمَلِهَا.
رِيمَى: كَرِيمُ، لَا تَقُلْ هَذَا الكَلَامَ أَمَامَ سَامِرٍ. أَنَا أَعْمَلُ كَمَا تَعْمَلُ أَنْتَ، لَكِنَّ الفَرْقَ أَنَّ رَاتِبِي صَارَ الآنَ أَعْلَى مِنْ رَاتِبِكَ، وَهَذَا مَا لَا تَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَهُ.
لَمْ يَنْفِ كَرِيمٌ. نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ شَاهِدٍ يُعِيدُ تَرْتِيبَ الحَقِيقَةِ لِصَالِحِهِ، لَكِنَّ سَامِراً لَمْ يَقُلْ شَيْئاً.
رِيمَى: فِي سُورِيَا، كَانَ بَيْتُهُ وَأَبُوهُ وَإِخْوَتُهُ يَرَوْنَنِي «زَوْجَةَ كَرِيمٍ» فَحَسْبُ. هُنَا، صِرْتُ رِيمَى، لِي عَمَلٌ، وَلِي رَاتِبٌ، وَلِي رَأْيٌ. وَهَذَا الأَمْرُ يُخِيفُهُ، لَا لِأَنَّهُ يَكْرَهُنِي، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ كَيْفَ يَكُونُ زَوْجَ امْرَأَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَعِيشَ.
كَرِيمٌ: أَنَا لَمْ أَقُلْ إِنَّنِي ضِدَّ عَمَلِكِ، يَا رِيمَى. لَكِنَّنِي صِرْتُ أَشْعُرُ أَنَّنِي… لَا أَعْرِفُ، أَنَّنِي صِرْتُ أَقَلَّ أَهَمِّيَّةً فِي البَيْتِ.
رِيمَى: أَنْتَ لَسْتَ أَقَلَّ أَهَمِّيَّةً. لَكِنَّكَ صِرْتَ مُضْطَرّاً إِلَى مُشَارَكَةِ القَرَارِ، لَا أَنْ تَأْخُذَهُ وَحْدَكَ كَمَا كَانَ يَحْدُثُ سَابِقاً. وَهَذَا الفَرْقُ يَصْعُبُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ رِجَالِ جِيلِكَ.
الْتَفَتَتْ إِلَى سَامِرٍ، كَأَنَّهَا تُرِيدُ رَأْياً مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ.
رِيمَى: مَا رَأْيُكَ أَنْتَ يَا سَامِرُ؟ أَنْتَ كاتبٌ وزَوْجٌ، لَكِنَّكَ أَيْضاً رَجُلٌ شَرْقِيٌّ. كَيْفَ تَتَعَامَلُ إِذَا كَانَ لِلَيْلَى قَرَارٌ لَا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ؟
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ.
سَامِرٌ: بِصَرَاحَةٍ؟ لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ فِعْلاً أُشَارِكُهَا القَرَارَ، أَمْ أَصْمُتُ فَحَسْبُ حَتَّى لَا تُصْبِحَ مُشْكِلَةً. وَهَذَا فَرْقٌ كَبِيرٌ، اكْتَشَفْتُهُ مُؤَخَّراً فَقَطْ.
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ. لَمْ يَكُنِ الِاعْتِرَافُ مُوَجَّهاً إِلَى رِيمَى وَكَرِيمٍ بِقَدْرِ مَا كَانَ مُوَجَّهاً إِلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ سَمِعَهُ لِلْمَرَّةِ الأُولَى بِصَوْتٍ عَالٍ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
«فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، ظَلَّتْ جُمْلَةُ رِيمَى تَتَرَدَّدُ: «صِرْتَ مُضْطَرّاً إِلَى مُشَارَكَةِ القَرَارِ، لَا أَنْ تَأْخُذَهُ وَحْدَكَ كَمَا كَانَ يَحْدُثُ سَابِقاً».
أَنَا لَا آخُذُ القَرَارَاتِ وَحْدِي كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَبِي، هَذَا صَحِيحٌ. لَكِنَّنِي أَيْضاً لَا أُشَارِكُ لَيْلَى القَرَارَ بِالمَعْنَى الحَقِيقِيِّ لِلْكَلِمَةِ. أَنَا أَصْمُتُ، أَتْرُكُهَا تُقَرِّرُ، ثُمَّ أَقُولُ لِنَفْسِي إِنَّنِي رَجُلٌ عَصْرِيٌّ، مُنْفَتِحٌ، لَا يَفْرِضُ رَأْيَهُ.
لَكِنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ مُشَارَكَةً. الصَّمْتُ أَحْيَاناً هُوَ أَسْهَلُ طَرِيقَةٍ لِلتَّنَصُّلِ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ، مَعَ الِاحْتِفَاظِ بِمَظْهَرِ الرَّجُلِ المُتَفَهِّمِ.
كَرِيمٌ يَخَافُ أَنْ يَفْقِدَ سُلْطَتَهُ. أَنَا أَخَافُ أَنْ أُظْهِرَ أَنَّ لِي رَأْياً قَدْ يُخَالِفُ رَأْيَ لَيْلَى، فَأُفَضِّلُ أَنْ أَخْتَفِيَ خَلْفَ كَلِمَةِ «كَمَا تُحِبِّينَ». وَرُبَّمَا، فِي مَكَانٍ مَا، هَذَا الِاخْتِفَاءُ أَذَاهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا عِبْءَ كُلِّ قَرَارٍ، مِنْ دُونِ أَنْ يُشَارِكَهَا أَحَدٌ الخَوْفَ مِنْهُ.»
* * *
دُعِيَ سَامِرٌ لِقِرَاءَةِ نُصُوصٍ مِنْ مَوْقِعِهِ فِي أُمْسِيَةٍ أَدَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ أَقَامَهَا مَرْكَزٌ ثَقَافِيٌّ عَرَبِيٌّ أَلْمَانِيٌّ فِي المَدِينَةِ. لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ هَذِهِ المُنَاسَبَاتِ كَثِيراً، لَكِنَّهُ ذَهَبَ هَذِهِ المَرَّةَ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ جَاءَتْ مِنْ صَدِيقٍ قَدِيمٍ لَا يَسْتَطِيعُ رَفْضَهُ.
بَعْدَ القِرَاءَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَجْمَعُ أَوْرَاقَهُ، اقْتَرَبَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ فِي مُنْتَصَفِ الثَّلَاثِينِيَّاتِ، تَحْمِلُ دَفْتَراً صَغِيراً، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ أَغْلَبِ مَنْ عَرَفَهُمْ مِنْ قَبْلُ: لَا فُضُولٌ اجْتِمَاعِيٌّ، وَلَا مُجَامَلَةٌ مُفْرِطَةٌ، بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى التَّقْيِيمِ الهَادِئِ.
نُورٌ: النَّصُّ الثَّانِي الَّذِي قَرَأْتَهُ، عَنِ الصَّمْتِ وَالمَنْفَى، مَتَى كَتَبْتَهُ؟
سَامِرٌ: مُنْذُ سَنَوَاتٍ، حِينَ كُنْتُ لَا أَزَالُ جَدِيداً هُنَا. لِمَ سَأَلْتِ؟
نُورٌ: لِأَنَّنِي شَعَرْتُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ مِنْ شَخْصٍ لَا يَزَالُ يُقَرِّرُ إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْمَحَ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ أَمْ لَا. لَا مِنْ شَخْصٍ قَرَّرَ بِالفِعْلِ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحْظَةً. لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يُقْرَأَ بِهَذِهِ الدِّقَّةِ مِنْ غَرِيبَةٍ.
سَامِرٌ: أَنْتِ مُحِقَّةٌ، بِصَرَاحَةٍ. لَمْ أُقَرِّرْ بَعْدُ. لَكِنْ لِمَ لَاحَظْتِ هَذَا بِالضَّبْطِ؟
نُورٌ: لِأَنَّنِي عِشْتُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ. جِئْتُ إِلَى هُنَا وَحْدِي، مِنْ دُونِ عَائِلَةٍ، مِنْ دُونِ زَوْجٍ، مِنْ دُونِ أَحَدٍ يَنْتَظِرُ مِنِّي تَفْسِيراً. اخْتَرْتُ هَذَا، وَكَانَ الثَّمَنُ غَالِياً، لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ أَنْ أُمَيِّزَ صَوْتَ المُتَرَدِّدِ مِنْ صَوْتِ الحَاسِمِ.
قَالَتْهَا مِنْ دُونِ دِرَامَا، كَمَنْ يَذْكُرُ حَقِيقَةً عَنِ الطَّقْسِ.
سَامِرٌ: جِئْتِ وَحْدَكِ؟ مِنْ دُونِ أَيِّ أَحَدٍ؟
نُورٌ: مِنْ دُونِ أَيِّ أَحَدٍ. عَائِلَتِي لَمْ تُسَامِحْنِي إِلَى الآنَ. لَكِنِّي بِصَرَاحَةٍ لَمْ أَنْدَمْ. الحُرِّيَّةُ الَّتِي كَلَّفَتْنِي كُلَّ شَيْءٍ، هِيَ حُرِّيَّتِي وَحْدِي، لَا أَحَدَ يُشَارِكُنِي إِيَّاهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنِّي.
رَافَقَهَا سَامِرٌ خُطُوَاتٍ قَلِيلَةً نَحْوَ البَابِ، وَسَطَ حَدِيثٍ مُتَقَطِّعٍ عَنِ الكِتَابَةِ، عَنِ اللُّغَةِ الجَدِيدَةِ، عَنْ مَعْنَى أَنْ تَبْنِيَ نَفْسَكَ مِنْ جَدِيدٍ فِي مَكَانٍ لَا يَعْرِفُ قِصَّتَكَ القَدِيمَةَ.
نُورٌ: بِصَرَاحَةٍ، نَادِراً مَا أَلْقَى شَخْصاً يَتَحَدَّثُ عَنِ المَنْفَى مِنْ دُونِ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى بُطُولَةٍ أَوْ ضَحِيَّةٍ. أَنْتَ تَتَحَدَّثُ عَنْهُ كَمَا هُوَ: الْتِبَاسٌ.
سَامِرٌ: هَكَذَا بِالضَّبْطِ شَعَرْتُ بِهِ مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ. لَا بُطُولَةٌ، وَلَا مَأْسَاةٌ. بَلْ الْتِبَاسٌ طَوِيلٌ.
عِنْدَ البَابِ، تَبَادَلَا بَرِيدَهُمَا الإِلِكْتُرُونِيَّ، بِذَرِيعَةِ نَصٍّ أَرَادَتْ نُورٌ أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَيْهِ لِلْقِرَاءَةِ. لَمْ تَكُنِ اللَّحْظَةُ اسْتِثْنَائِيَّةً فِي ظَاهِرِهَا، لَكِنَّ شَيْئاً فِيهَا ظَلَّ عَالِقاً فِي ذِهْنِ سَامِرٍ طَوَالَ الطَّرِيقِ إِلَى البَيْتِ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
«لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ اللَّيْلَةَ. أَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّداً، وَأُكَرِّرُهُ لِنَفْسِي أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ، وَهَذَا التَّكْرَارُ نَفْسُهُ مُثِيرٌ لِلرِّيبَةِ.
مَا أَزْعَجَنِي لَيْسَ نُوراً، بَلِ السُّهُولَةُ الَّتِي شَعَرْتُ بِهَا فِي الكَلَامِ مَعَهَا. مَعَ لَيْلَى، أَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ قَبْلَ أَنْ أَقُولَهَا، لِأَنَّنِي أَعْرِفُ تَارِيخَنَا المُشْتَرَكَ، أَعْرِفُ أَيْنَ تُؤْلِمُ كُلُّ جُمْلَةٍ وَأَيْنَ تُطَمْئِنُ. مَعَ نُورَ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَارِيخٌ بَعْدُ، فَتَكَلَّمْتُ مِنْ دُونِ حِسَابٍ، وَهَذَا الشُّعُورُ بِالخِفَّةِ أَخَافَنِي أَكْثَرَ مِمَّا أَسْعَدَنِي.
الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ أَنَّنِي قَدْ أَنْجَذِبُ إِلَى امْرَأَةٍ أُخْرَى. الخَوْفُ أَنَّنِي، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، رَأَيْتُ إِمْكَانِيَّةً أُخْرَى لِحَيَاتِي: حَيَاةً مِنْ دُونِ هَذَا الوَزْنِ التَّرَاكُمِيِّ مِنَ الصَّمْتِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، مِنْ دُونِ هَذَا التَّارِيخِ الَّذِي يَجْعَلُ كُلَّ كَلِمَةٍ مَحْسُوبَةً.
أَخَافُ مِنْ نُورَ أَقَلَّ مِمَّا أَخَافُ مِمَّا تُظْهِرُهُ لِي عَنْ نَفْسِي: رَجُلٌ لَا يَزَالُ، رَغْمَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الزَّوَاجِ وَالأُبُوَّةِ وَالِاسْتِقْرَارِ، يَحْلُمُ سِرّاً بِطَرِيقٍ لَمْ يَسْلُكْهُ.
لَنْ أَقُولَ هَذَا لِأَحَدٍ. لَيْسَ اليَوْمَ عَلَى الأَقَلِّ.»
مَرَّ أُسْبُوعَانِ. لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْوَى بِالْمَعْنَى الْمُعْتَادِ لِلْكَلِمَةِ: رِسَالَتَانِ، نَصٌّ أَدَبِيٌّ أَرْسَلَتْهُ نُورُ لِلتَّعْلِيقِ عَلَيْهِ، رَدٌّ مُهَذَّبٌ مِنْ سَامِرٍ، ثُمَّ صَمْتٌ قَصِيرٌ قَبْلَ رِسَالَةٍ أُخْرَى.
لَكِنَّ لَيْلَى، الَّتِي لَا تُخْطِئُ التَّفَاصِيلَ، لَاحَظَتْ شَيْئًا لَمْ تَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ بِدِقَّةٍ فِي الْبِدَايَةِ.
كَانَ سَامِرٌ يَحْمِلُ هَاتِفَهُ إِلَى غُرْفَةٍ أُخْرَى حِينَ يَرِنُّ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا تَمَامًا، لَكِنَّ سُرْعَتَهُ فِي ذَلِكَ كَانَتْ جَدِيدَةً. وَكَانَ يَبْتَسِمُ أَحْيَانًا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَةِ، ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً لَا تُشْبِهُ ابْتِسَامَاتِهِ الْمُعْتَادَةَ.
فِي أَحَدِ الْأَمْسِيَاتِ، بَيْنَمَا كَانَ يُرَتِّبُ أَوْرَاقَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، جَلَسَتْ لَيْلَى أَمَامَهُ مُبَاشَرَةً.
— لَيْلَى: سَامِر، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا، وَأُرِيدُ جَوَابًا صَادِقًا، لَا جَوَابًا يُطَمْئِنُنِي فَقَطْ.
— سَامِر: تَفَضَّلِي.
— لَيْلَى: هَلْ تَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّكَ بَعِيدٌ عَنِّي؟ لَيْسَ جَسَدِيًّا، أَقْصِدُ… أَشْعُرُ أَنَّ جُزْءًا مِنْكَ لَيْسَ هُنَا مَعِي.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عَنْ تَرْتِيبِ الأَوْرَاقِ. لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ السُّؤَالَ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ قَادِمٌ، وَكَانَ قَدِ اسْتَشْعَرَ اِقْتِرَابَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ، فِي نَظَرَاتِ لَيْلَى الَّتِي تَطُولُ قَلِيلًا أَكْثَرَ مِنَ المُعْتَادِ، وَفِي صَمْتِهَا الَّذِي بَدَأَ يَحْمِلُ وَزْنًا لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُهُ مِنْ قَبْلُ.
— سَامِر: لَيْلَى… لِمَاذَا تَسْأَلِينَنِي هَذَا السُّؤَالَ الآنَ بِالذَّاتِ؟
— لَيْلَى: لِأَنَّنِي أَشْعُرُ بِهِ. مُنْذُ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ. لَيْسَ بِيَقِينٍ، لَكِنَّنِي أَشْعُرُ بِهِ. وَبَدَلَ أَنْ أَنْتَظِرَ وَأُخَمِّنَ، فَضَّلْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ مُبَاشَرَةً.
كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَكْذِبَ. كَانَتِ الكَذْبَةُ جَاهِزَةً تَقْرِيبًا فِي فَمِهِ: «مُتْعَبٌ مِنَ العَمَلِ»، «مَشْغُولٌ بِالكِتَابَةِ»، «لَا شَيْءَ، أَنْتِ فَقَطْ مُتَوَتِّرَةٌ قَلِيلًا». لَكِنَّهُ، لِسَبَبٍ لَمْ يَفْهَمْهُ تَمَامًا، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا. رُبَّمَا لِأَنَّ وَجْهَ لَيْلَى، بِتِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ طُمَأْنَةً، بَلْ كَانَ يَطْلُبُ حَقِيقَةً، مَهْمَا كَانَ ثَمَنُهَا.
— سَامِر: بِصَرَاحَةٍ؟ هُنَاكَ شَيْءٌ، لَكِنْ لَيْسَ كَمَا ظَنَنْتِ. تَعَرَّفْتُ عَلَى اِمْرَأَةٍ فِي أُمْسِيَةٍ أَدَبِيَّةٍ، كَاتِبَةٍ، نَتَبَادَلُ رَسَائِلَ عَنْ نُصُوصٍ وَأَفْكَارٍ. لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ، لَكِنَّنِي… شَعَرْتُ بِارْتِيَاحٍ فِي الحَدِيثِ مَعَهَا لَمْ أَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
لَمْ تَصْرُخْ لَيْلَى، وَلَمْ تَنْهَضْ مِنْ مَكَانِهَا. جَلَسَتْ بِصَمْتٍ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، تُرَاقِبُ وَجْهَهُ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَقْرَأَ فِيهِ مَا لَمْ تَقُلْهُ الكَلِمَاتُ بَعْدُ، ذَلِكَ الخَلِيطَ الغَرِيبَ مِنَ الذَّنْبِ وَالصِّدْقِ وَالاِرْتِبَاكِ الَّذِي كَانَ يَعْلُو مَلَامِحَهُ.
— لَيْلَى: شُكْرًا لِأَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَيَّ.
* * *
بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ، أَضَافَتْ لَيْلَى، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَمْ يَحْمِلْ غَضَبًا بِقَدْرِ مَا حَمَلَ وُضُوحًا مُقْلِقًا:
— لَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا، يَا سَامِر. الاِرْتِيَاحُ الَّذِي شَعَرْتَ بِهِ مَعَهَا، رُبَّمَا لَيْسَ فِيهَا هِيَ بِالذَّاتِ شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ هَذَا الاِرْتِيَاحَ. رُبَّمَا هُوَ غِيَابُ الثِّقْلِ. غِيَابُ كُلِّ السِّنِينَ الَّتِي عِشْنَاهَا مَعًا. أَنَا وَأَنْتَ لَنَا تَارِيخٌ، لَنَا جِرَاحٌ قَدِيمَةٌ، لَنَا أَشْيَاءُ لَمْ تُقَلْ بَعْدُ. مَعَهَا، كُلُّ شَيْءٍ جَدِيدٌ، خَفِيفٌ، بِلَا ثَمَنٍ. لَكِنَّ هَذِهِ الخِفَّةَ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، يَا سَامِر. هَذِهِ الخِفَّةُ لَا تُوجَدُ إِلَّا لِأَنَّكَ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ تَدْفَعُ ثَمَنَهَا.
لَمْ يُجِبْ. كَانَتْ جُمْلَتُهَا دَقِيقَةً إِلَى دَرَجَةٍ مُؤْلِمَةٍ.
— لَيْلَى: لَا أُرِيدُ أَنْ أَمْنَعَكَ مِنْ مُرَاسَلَتِهَا. لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ إِنْ هَرَبْتَ مِنْ ثِقْلِ تَارِيخِنَا إِلَيْهَا، سَتَصِلُ يَوْمًا وَتُصْبِحُ هِيَ أَيْضًا تَارِيخًا، وَسَتَبْحَثُ عَنْ خِفَّةٍ جَدِيدَةٍ بَعْدَهَا.
نَهَضَتْ وَغَادَرَتِ الغُرْفَةَ، تَارِكَةً سَامِرًا وَحْدَهُ أَمَامَ صَرَاحَتِهَا الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا.
* * *
بَقِيَ سَامِرٌ جَالِسًا وَحِيدًا فِي الغُرْفَةِ الَّتِي غَادَرَتْهَا لَيْلَى لِلتَّوِّ، وَرَاحَ صَوْتُهَا يَتَرَدَّدُ فِي رَأْسِهِ أَعْلَى مِنْ أَيِّ صَوْتٍ آخَرَ. تَوَقَّعَ كُلَّ شَيْءٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا هَذَا: أَنْ تَكُونَ لَيْلَى أَذْكَى مِنْ غَيْرَتِهَا، وَأَنْ تَقُولَ لَهُ الحَقِيقَةَ بَدَلَ أَنْ تَتَّهِمَهُ.
قَالَتْ إِنَّ الخِفَّةَ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا مَعَ نُور لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهَا بَعْدُ. كَانَ هَذَا صَحِيحًا عَلَى الأَرْجَحِ. لَكِنَّ الأَصَحَّ أَنَّهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ أَيَّ جُزْءٍ مِنْ كَلَامِهَا يَخْشَاهُ أَكْثَرَ: أَنْ تَكُونَ مُخْطِئَةً، أَمْ أَنْ تَكُونَ مُحِقَّةً تَمَامًا.
لَمْ يَكْذِبْ عَلَيْهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ سَيَكْذِبُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُرْهَقًا مِنَ الكَذِبِ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا. لَمْ يَكُنِ الصِّدْقُ هُنَا شَجَاعَةً كَامِلَةً، بَلْ كَانَ نَفَادَ صَبْرٍ مِنَ التَّمْثِيلِ.
وَلَمْ يَكُنْ قَدْ قَالَ بَعْدُ لِأَحَدٍ، وَلَا حَتَّى لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ وَاضِحٍ، مَاذَا سَيَفْعَلُ بِتِلْكَ الرَّسَائِلِ. رُبَّمَا لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ أَيَّ قَرَارٍ سَيُجْبِرُهُ عَلَى مُوَاجَهَةِ السُّؤَالِ الَّذِي طَالَمَا هَرَبَ مِنْهُ: أَهُوَ خَائِفٌ مِنْ فُقْدَانِ لَيْلَى، أَمْ خَائِفٌ مِنْ أَنْ يَكْتَشِفَ أَنَّهُ مَا زَالَ يُحِبُّهَا فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَجَاعَةَ أَنْ يَتْرُكَهَا؟
* * *
الْتَقَى سَامِرٌ بِمَازِنٍ فِي الْمَقْهَى الصَّغِيرِ الَّذِي اعْتَادَا الْجُلُوسَ فِيهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. كَانَ مَازِنٌ، خِلَافًا لِعَادَتِهِ، هُوَ مَنْ طَلَبَ اللِّقَاءَ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
جَلَسَا فِي الزَّاوِيَةِ الْمُعْتَادَةِ. طَلَبَ مَازِنٌ قَهْوَتَهُ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْقَائِمَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ مُبَاشَرَةً، بِطَرِيقَةِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَقُولُ شَيْئًا لَنْ يَكُونَ سَهْلًا.
— مَازِن: سَامِر، لَيْلَى حَدَّثَتْ رِيمَا، وَرِيمَا حَدَّثَتْ زَوْجَتِي. أَعْرِفُ بِمَوْضُوعِ الكَاتِبَةِ.
لَمْ يَتَفَاجَأْ سَامِرٌ كَثِيرًا. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ دَائِرَةَ الأَصْدِقَاءِ صَغِيرَةٌ، وَأَنَّ الأَسْرَارَ فِيهَا تَدُورُ بِسُرْعَةِ الهَوَاءِ.
— سَامِر: لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ، يَا مَازِن. رَسَائِلُ فَقَطْ.
— مَازِن: أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ بِالمَعْنَى الَّذِي تَقْصِدُهُ لَيْلَى. لَكِنْ يَا سَامِر، دَعْنِي أُحَدِّثْكَ بِشَيْءٍ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا مِنْ قَبْلُ.
تَوَقَّفَ مَازِنٌ لِلَحْظَةٍ، كَمَنْ يَزِنُ الكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ يُفْرِجَ عَنْهَا.
— مَازِن: كَانَتْ هُنَاكَ امْرَأَةٌ فِي سُورِيَا، قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ زَوْجَتِي بِكَثِيرٍ. لَمْ يَحْدُثْ بَيْنَنَا شَيْءٌ، لَكِنْ كَانَ فِي قَلْبِي تِجَاهَهَا شَيْءٌ لَمْ أَقُلْهُ لِأَحَدٍ، وَلَا حَتَّى لَهَا. وَصَمَتُّ. وَبَقِيتُ صَامِتًا طَوَالَ حَيَاتِي. وَالآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَشْعُرُ بِالنَّدَمِ، لَا لِأَنَّنِي لَمْ أَخُنْ زَوْجَتِي، بَلْ لِأَنَّنِي لَمْ أَقُلِ الحَقِيقَةَ حَتَّى لِنَفْسِي.
— سَامِر: يَعْنِي مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ، يَا مَازِن؟ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ أَتْبَعَ قَلْبِي مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ؟
— مَازِن: لَا، لَيْسَ هَذَا مَا أَقْصِدُهُ. أَقْصِدُ أَنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي المَشَاعِرِ الَّتِي تَشْعُرُ بِهَا. المُشْكِلَةُ أَنَّكَ، مِثْلِي أَنَا فِي زَمَنِي، تَسْتَخْدِمُ الصَّمْتَ طَرِيقَةً لِتَجَنُّبِ القَرَارِ. بَدَلَ أَنْ تُوَاجِهَ لَيْلَى بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ، أَوْ تُوَاجِهَ نَفْسَكَ وَتَعْرِفَ مَاذَا تُرِيدُ فِعْلًا، تَتْرُكُ الأُمُورَ تَمْشِي وَتَنْتَظِرُ أَيْنَ سَتَصِلُ بِنَفْسِهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الحَرَجَ، لِأَنَّ كَلَامَ مَازِنٍ كَانَ دَقِيقًا أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ.
— سَامِر: وَأَنْتَ، مَاذَا كُنْتَ سَتَفْعَلُ مَكَانِي؟
— مَازِن: لَا أَعْرِفُ، بِصَرَاحَةٍ. لَكِنِّي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى وَجْهِ اليَقِينِ: الصَّمْتُ الَّذِي عِشْتُهُ لَمْ يُنْجِنِي، بَلْ جَعَلَنِي أَعِيشُ نِصْفَ حَيَاةٍ. أَعِيشُ مَعَ زَوْجَتِي، وَأُحِبُّهَا، لَكِنَّ جُزْءًا مِنِّي ظَلَّ مُعَلَّقًا عَلَى سُؤَالٍ لَمْ أُجِبْ عَنْهُ أَبَدًا. وَالآنَ صَارَ الوَقْتُ مُتَأَخِّرًا جِدًّا لِأُجِيبَ عَلَيْهِ.
رَشَفَ مَازِنٌ مِنْ قَهْوَتِهِ، ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
— مَازِن: لَسْتُ أَقُولُ لَكَ اُتْرُكْ لَيْلَى، وَلَا أَقُولُ لَكَ اُتْرُكِ الكَاتِبَةَ. أَقُولُ لَكَ اِنْتَبِهْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ الوَقْتُ مُتَأَخِّرًا كَمَا حَدَثَ مَعِي. القَرَارُ الَّذِي تَتَّخِذُهُ وَأَنْتَ وَاعٍ، أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ القَرَارِ الَّذِي يُتَّخَذُ وَحْدَهُ لِأَنَّكَ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُقَرِّرَ.
بَقِيَ الِاثْنَانِ صَامِتَيْنِ لِبُرْهَةٍ، وَالْمَقْهَى مِنْ حَوْلِهِمَا يُوَاصِلُ ضَجِيجَهُ الْهَادِئَ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
قَالَ مَازِنٌ إِنَّهُ عَاشَ نِصْفَ حَيَاةٍ بِسَبَبِ صَمْتِهِ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ هَذَا عَنْهُ رَغْمَ صَدَاقَتِنَا الطَّوِيلَةِ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ لِيُخِيفَنِي: كَمْ مِنَ الرِّجَالِ حَوْلِي يَحْمِلُونَ أَسْئِلَةً لَمْ يُجِيبُوا عَلَيْهَا أَبَدًا، وَيَبْدُونَ مِنَ الْخَارِجِ مُسْتَقِرِّينَ تَمَامًا؟
أَخَافُ أَنْ أَصِيرَ مَازِنَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً: رَجُلًا هَادِئًا فِي الظَّاهِرِ، يُحِبُّ زَوْجَتَهُ فِعْلًا، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي مَكَانٍ مَا سُؤَالًا مُعَلَّقًا لَمْ يَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى مُوَاجَهَتِهِ.
لَكِنَّ الْأَصْعَبَ مِنْ هَذَا الْخَوْفِ هُوَ أَنَّنِي لَا أَعْرِفُ بَعْدُ أَيَّ سُؤَالٍ أُوَاجِهُهُ بِالضَّبْطِ: هَلْ هُوَ سُؤَالٌ عَنْ نُورَ؟ أَمْ سُؤَالٌ أَعْمَقُ عَنْ لَيْلَى؟ أَمْ سُؤَالٌ عَنِّي أَنَا وَحْدِي، لَا عَلَاقَةَ لِأَيٍّ مِنْهُمَا بِهِ؟
لَمْ أَقُلْ هَذَا لِمَازِنٍ. لَمْ أَقُلْهُ لِنَفْسِي بِهَذَا الْوُضُوحِ مِنْ قَبْلُ. لَكِنَّنِي، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، بَدَأْتُ أَشُكُّ أَنَّ نُورَ لَيْسَتِ السُّؤَالَ، بَلْ مُجَرَّدُ الْمِرْآةِ الَّتِي أَظْهَرَتْ لِي أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ مَوْجُودًا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَهَا.

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 03