قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 01

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
الْبَابُ الَّذِي لَا يُغْلَق
وُصُولُ عَائِلَةِ مُرَادٍ إِلَى أَلْمَانْيَا، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ فِي السَّكَنِ الْمُؤَقَّتِ
• • •
قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ فَقَطْ، كَانَ هَمَّامٌ مُرَادٌ يَقِفُ فِي صَالَةِ الْمُغَادَرَةِ بِمَطَارِ دِمَشْقَ الدُّوَلِيِّ، يَحْمِلُ حَقِيبَةً وَاحِدَةً، وَيَتَجَنَّبُ النَّظَرَ إِلَى وُجُوهِ الْجُنُودِ عِنْدَ الْبَوَّابَةِ الْأَخِيرَةِ، خَشْيَةَ أَنْ تُقْرَأَ فِي عَيْنَيْهِ فِكْرَةٌ لَمْ يَبُحْ بِهَا لِأَحَدٍ: أَنَّهُ لَنْ يَعُودَ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَدَاعٌ كَبِيرٌ. صَافَحَهُ عَمُّهُ الْعَجُوزُ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبْ، وَلَا تَلْتَفِتْ. الِالْتِفَاتُ هُنَا بَاهِظُ الثَّمَنِ.» وَلَمْ يُدْرِكْ هَمَّامٌ حِينَهَا أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ سَتُلَازِمُهُ أَشْهُراً طَوِيلَةً بَعْدَهَا، كُلَّمَا حَاوَلَ أَنْ يَنْسَى شَيْئاً فَلَمْ يُفْلِحْ.
الطَّرِيقُ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ، فِي مَمَرِّ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ الْأَلْمَانِيِّ، لَمْ يَكُنْ خَطّاً مُسْتَقِيماً. كَانَ بَحْراً، وَحُدُوداً، وَمَكَاتِبَ تَسْجِيلٍ، وَلَيَالِيَ فِي الْعَرَاءِ، وَأَيَّاماً لَا يَتَذَكَّرُ مِنْهَا هَمَّامٌ إِلَّا إِرْهَاقَ أَطْفَالِهِ وَصَمْتَ زَوْجَتِهِ الطَّوِيلَ. لَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَدَا الْآنَ، أَمَامَ هَذَا الْبَابِ الْحَدِيدِيِّ الْبَسِيطِ، وَكَأَنَّهُ حَدَثَ لِرَجُلٍ آخَرَ.
لَمْ يَكُنِ الْبَابُ ثَقِيلاً، لَكِنَّهُ بَدَا كَذَلِكَ فِي يَدِ هَمَّامٍ مُرَادٍ. دَفَعَهُ بِكَتِفِهِ لَا بِيَدِهِ، لِأَنَّ يَدَيْهِ كَانَتَا مُثْقَلَتَيْنِ بِحَقِيبَتَيْنِ لَا تُشْبِهَانِ حَجْمَهُ وَلَا عُمْرَهُ: وَاحِدَةٌ تَحْمِلُ أَوْرَاقَ الْعَائِلَةِ كُلَّهَا، وَأُخْرَى تَحْمِلُ ثِيَاباً لَا تَكْفِي لِفَصْلِ شِتَاءٍ أَلْمَانِيٍّ لَمْ يَخْتَبِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ قَبْلُ.
فِي مُنْتَصَفِ الْمَمَرِّ، مَرَّتْ بِهِمْ عَائِلَةٌ أُخْرَى قَادِمَةٌ مِنَ الِاتِّجَاهِ الْمُعَاكِسِ: رَجُلٌ أَنِيقٌ رَغْمَ التَّعَبِ، يَرْتَدِي نَظَّارَةً طِبِّيَّةً حَدِيثَةً، وَامْرَأَةٌ تَحْمِلُ حَقِيبَةَ يَدٍ جِلْدِيَّةً تَبْدُو غَرِيبَةً تَمَاماً عَنْ سِيَاقِ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ. تَبَادَلَ الرَّجُلُ مَعَ هَمَّامٍ نَظْرَةً سَرِيعَةً، نَظْرَةَ تَعَارُفٍ صَامِتٍ بَيْنَ غَرِيبَيْنِ يَعْرِفَانِ أَنَّهُمَا سَيَلْتَقِيَانِ مُجَدَّداً، ثُمَّ تَابَعَ طَرِيقَهُ قَائِلاً لِزَوْجَتِهِ بِصَوْتٍ وَاثِقٍ: «لَا تَقْلَقِي، سَأَذْهَبُ صَبَاحَ غَدٍ إِلَى الْمُسْتَشْفَى الْجَامِعِيِّ لِأَسْأَلَ عَنْ مُعَادَلَةِ الشَّهَادَةِ. لَنْ يَسْتَغْرِقَ الْأَمْرُ طَوِيلاً.» كَانَ ذَلِكَ الدُّكْتُورَ فِرَاسَ الْعَبْدَ اللهِ، وَلَمْ يَكُنْ هَمَّامٌ يَعْلَمُ بَعْدُ أَنَّ طَرِيقَيْهِمَا سَيَتَقَاطَعَانِ مِرَاراً فِي السَّنَوَاتِ الْقَادِمَةِ.
قَالَ الْمُوَظَّفُ الْأَلْمَانِيُّ، مُشِيراً إِلَى الْغُرْفَةِ رَقْمَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ الْمُؤَقَّتِ: «مِنْ فَضْلِكُمْ، هَذِهِ غُرْفَتُكُمْ إِلَى حِينِ اسْتِكْمَالِ إِجْرَاءَاتِ السَّكَنِ الدَّائِمِ. الْحَمَّامُ فِي نِهَايَةِ الْمَمَرِّ، مُشْتَرَكٌ مَعَ الْعَائِلَةِ الْمُجَاوِرَةِ.»
تَرْجَمَ هَمَّامٌ الْجُمْلَةَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَكَأَنَّهُ يَقْرَأُ نَشْرَةَ أَخْبَارٍ لَا تَخُصُّهُ.
وَضَعَتْ سَلْمَى حَقِيبَتَهَا الصَّغِيرَةَ عَلَى السَّرِيرِ الْحَدِيدِيِّ الضَّيِّقِ، وَسَأَلَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا:
— حَمَّامٌ مُشْتَرَكٌ؟
— نَعَمْ.
— مَعَ مَنْ؟
— لَا أَعْرِفُ. عَائِلَةٌ أُخْرَى، عَلَى مَا يَبْدُو.
لَمْ تُعَلِّقْ. جَلَسَتْ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ فَحَسْبُ، وَيَدَاهَا فَوْقَ رُكْبَتَيْهَا، كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ أَنْ يُخْبِرَهَا أَحَدٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ خَطَأٌ، وَأَنَّ ثَمَّةَ بَيْتاً حَقِيقِيّاً فِي مَكَانٍ مَا يَنْتَظِرُهُمْ.
فَتَحَ كَرِيمٌ النَّافِذَةَ الصَّغِيرَةَ الْمُطِلَّةَ عَلَى حَدِيقَةٍ خَلْفِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، مَلِيئَةٍ بِأَشْجَارٍ لَا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا، وَقَالَ بِصَوْتٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ مَرِحاً:
— عَلَى الْأَقَلِّ الْهَوَاءُ هُنَا نَقِيٌّ.
لَمْ يَضْحَكْ أَحَدٌ.
جَلَسَتْ رَهَفُ عَلَى السَّرِيرِ الْآخَرِ، وَوَضَعَتْ سَمَّاعَتَيْهَا فِي أُذُنَيْهَا دُونَ أَنْ تُشَغِّلَ شَيْئاً، لِتَخْلُقَ فَحَسْبُ مَسَافَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْغُرْفَةِ كُلِّهَا.
وَقَفَ هَمَّامٌ عِنْدَ الْبَابِ دَقَائِقَ، يَنْظُرُ إِلَى عَائِلَتِهِ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ يَتَوَزَّعُونَ فِي غُرْفَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِتْراً مُرَبَّعاً، وَيُفَكِّرُ فِي جُمْلَةٍ لَمْ يَجْرُؤْ أَنْ يَقُولَهَا بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ:
هَذَا هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي دَفَعْنَا كُلَّ شَيْءٍ لِنَصِلَ إِلَيْهِ.
• • •
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الْحَرَكَةُ فِي الْمَمَرِّ الْمُشْتَرَكِ، طَرَقَ أَحَدُهُمُ الْبَابَ.
كَانَتِ امْرَأَةً فِي الْأَرْبَعِينَ تَقْرِيباً، تَرْتَدِي وِشَاحاً مُلَوَّناً، وَيُرَافِقُهَا طِفْلٌ صَغِيرٌ يُمْسِكُ بِطَرَفِ ثَوْبِهَا.
قَالَتْ بِلَهْجَةٍ يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنَ الرِّيفِ الشَّرْقِيِّ، لَكِنَّهَا لَطَّفَتْهَا بِمُفْرَدَاتٍ فَصِيحَةٍ:
— مَرْحَباً، نَحْنُ جِيرَانُكُمْ. أَنَا أُمُّ خَالِدٍ، وَزَوْجِي أَبُو خَالِدٍ يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ، فَهُوَ نَائِمٌ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، أَوَّلَ ابْتِسَامَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مُنْذُ الصَّبَاحِ، وَقَالَتْ:
— أَهْلاً وَسَهْلاً، تَفَضَّلِي. أَنَا سَلْمَى، وَهَذَا هَمَّامٌ زَوْجِي.
دَخَلَتْ أُمُّ خَالِدٍ خُطْوَتَيْنِ، وَنَظَرَتْ حَوْلَهَا بِعَيْنِ مَنِ اعْتَادَ تَقْيِيمَ الْأَمَاكِنِ بِسُرْعَةٍ:
— مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟
— مِنْ دِمَشْقَ.
— نَحْنُ مِنْ رِيفِ دَيْرِ الزَّوْرِ. اللهُ يُعِينُ الْجَمِيعَ، كَانَ الطَّرِيقُ طَوِيلاً.
جَلَسَتْ سَلْمَى وَأُمُّ خَالِدٍ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ تَتَحَدَّثَانِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ عَنِ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْبَحْرِ، وَعَنِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ نَامُوا فِي الْعَرَاءِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، بَيْنَمَا وَقَفَ هَمَّامٌ قُرْبَ النَّافِذَةِ يَسْتَمِعُ دُونَ أَنْ يُشَارِكَ، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ يَخُصُّهُ مِنْ بَعِيدٍ فَقَطْ.
سَأَلَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي كَرِيمٍ:
— هَلْ سَتُصْبِحُونَ أَلْمَاناً؟
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ قَالَ كَرِيمٌ بِابْتِسَامَةٍ نِصْفِ جَادَّةٍ:
— لَا، سَنُصْبِحُ شَيْئاً جَدِيداً، لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ.
ضَحِكَ الطِّفْلُ دُونَ أَنْ يَفْهَمَ، وَضَحِكَتْ أُمُّ خَالِدٍ مَعَهُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً سُرْعَانَ مَا خَفَتَتْ.
• • •
بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ أُمُّ خَالِدٍ، سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي الْغُرْفَةِ.
كَسَرَتْ رَهَفُ الصَّمْتَ أَوَّلاً:
— أَبِي، لِمَاذَا لَمْ تَتَكَلَّمْ طَوَالَ الْوَقْتِ؟
رَفَعَ هَمَّامٌ نَظَرَهُ إِلَيْهَا، مُتَفَاجِئاً قَلِيلاً مِنْ مُبَاشَرَةِ السُّؤَالِ.
— كُنْتُ أُفَكِّرُ.
— فِي مَاذَا؟
تَوَقَّفَ قَلِيلاً، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
— كُنْتُ أُفَكِّرُ أَنَّنَا، مُنْذُ الْآنَ، صِرْنَا لَاجِئِينَ. لَا كُتَّاباً، وَلَا أَطِبَّاءَ، وَلَا مُهَنْدِسِينَ… لَاجِئِينَ. وَهَذَا الِاسْمُ سَيَسْبِقُنَا إِلَى كُلِّ مَكَانٍ نَذْهَبُ إِلَيْهِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِحِدَّةٍ خَفِيفَةٍ:
— وَمَا الْمُشْكِلَةُ؟ نَحْنُ فِعْلاً لَاجِئُونَ. لَا دَاعِيَ أَنْ نَخْجَلَ.
— لَمْ أَقُلْ إِنَّنَا نَخْجَلُ. قُلْتُ إِنَّ الِاسْمَ سَيَسْبِقُنَا. وَهَذَا أَمْرٌ آخَرُ.
لَمْ تَرُدَّ سَلْمَى. أَطْفَأَتِ الضَّوْءَ الرَّئِيسِيَّ، وَتَرَكَتْ مِصْبَاحاً صَغِيراً بِجَانِبِ السَّرِيرِ، وَكَأَنَّهَا أَرَادَتْ إِنْهَاءَ النِّقَاشِ دُونَ أَنْ تَخُوضَهُ.
• • •
فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، اسْتَيْقَظَ هَمَّامٌ عَلَى صَوْتٍ خَافِتٍ مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ: صَوْتُ رَجُلٍ يَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةِ السَّاحِلِ السُّورِيِّ، يُجَادِلُ بِهُدُوءٍ زَوْجَتَهُ حَوْلَ أَمْرٍ لَمْ يَفْهَمْهُ هَمَّامٌ بِالْكَامِلِ، لَكِنَّهُ مَيَّزَ كَلِمَةَ «الْجَيْشِ» تَتَكَرَّرُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ صَمْتاً طَوِيلاً بَعْدَهَا.
لَمْ يَسْتَطِعِ النَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
خَرَجَ بِهُدُوءٍ إِلَى الْمَمَرِّ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ بَلَاسْتِيكِيٍّ بِجَانِبِ آلَةِ قَهْوَةٍ مُعَطَّلَةٍ، يَنْظُرُ إِلَى الظَّلَامِ مِنَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ فِي نِهَايَةِ الْمَمَرِّ.
بَعْدَ دَقَائِقَ، خَرَجَ رَجُلٌ آخَرُ، طَوِيلُ الْقَامَةِ، يَرْتَدِي قَمِيصاً رِيَاضِيّاً قَدِيماً، وَجَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُقَابِلِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، وَكَأَنَّ الْغُرَبَاءَ هُنَا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ.
قَالَ الرَّجُلُ:
— أَلَا تَسْتَطِيعُ النَّوْمَ أَنْتَ أَيْضاً؟
— لَا. الصَّمْتُ هُنَا غَرِيبٌ.
ضَحِكَ الرَّجُلُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً مُرَّةً.
— الصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ غَرِيباً، إِنَّهُ صَمْتٌ آخَرُ فَحَسْبُ. عِنْدَنَا كَانَ ثَمَّةَ صَمْتٌ تَحْتَ التَّهْدِيدِ. وَهُنَا صَمْتٌ تَحْتَ التَّعَبِ. لَيْسَا الْأَمْرَ نَفْسَهُ، لَكِنَّهُمَا صَمْتٌ فِي النِّهَايَةِ.
مَدَّ يَدَهُ:
— زِيَادٌ. زِيَادٌ .
— هَمَّامٌ مُرَادٌ.
— كَاتِبٌ؟ سَمِعْتُ اسْمَكَ… فِي مَوْقِعٍ صَغِيرٍ، إِنْ لَمْ أُخْطِئْ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ الصَّبَاحِ:
— كُنْتُ أَكْتُبُ مُنْذُ زَمَنٍ، لَكِنْ بِلَا اسْمٍ كَبِيرٍ.
— الْآنَ الْأَسْمَاءُ الصَّغِيرَةُ صَارَتْ أَهَمَّ شَيْءٍ، لِأَنَّهَا الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَقُولُ الْحَقِيقَةَ. الْأَسْمَاءُ الْكَبِيرَةُ كُلُّهَا مُرْتَبِطَةٌ بِشَيْءٍ مَا.
جَلَسَا صَامِتَيْنِ دَقَائِقَ، ثُمَّ أَضَافَ زِيَادٌ:
— أَرَأَيْتَ الْجِيرَانَ؟ عَائِلَةٌ مِنَ السَّاحِلِ، بِجِوَارِي. كَانَ الرَّجُلُ ضَابِطاً، لَيْسَ كَبِيراً، لَكِنَّهُ ضَابِطٌ. وَالْآنَ يَتَحَدَّثُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ نَسْمَعَهُ.
— وَمَا الْمُشْكِلَةُ؟
— الْمُشْكِلَةُ أَنَّنَا هُنَا، فِي أَلْمَانْيَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَحْمِلُ حُمُولَةً مُخْتَلِفَةً. أَنَا هَرَبْتُ مِنْ نِظَامٍ. هُوَ هَرَبَ… لَا أَعْرِفُ مِمَّ بِالضَّبْطِ. أَنْتَ هَرَبْتَ مِنْ صَمْتٍ. وَكُلُّ وَاحِدٍ يَجِبُ أَنْ يَجِدَ طَرِيقَةً يَعِيشُ بِهَا بِجِوَارِ الْآخَرِ دُونَ أَنْ يُحَاكِمَهُ.
لَمْ يُعَلِّقْ هَمَّامٌ، لَكِنَّ الْجُمْلَةَ بَقِيَتْ مَعَهُ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ:
— وَلِمَاذَا تَرَكْتَ سُورِيَا أَنْتَ؟
ابْتَسَمَ زِيَادٌ ابْتِسَامَةً لَا يَشُوبُهَا فَرَحٌ:
— كَتَبْتُ مَقَالَةً سَخِرْتُ فِيهَا مِنْ خِطَابٍ رَسْمِيٍّ. مَقَالَةً صَغِيرَةً، لَمْ تَكُنْ تَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا. لَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِأَنْ يَصِلَ اسْمِي إِلَى مَكَانٍ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ. هَرَبْتُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، دُونَ أَنْ أُوَدِّعَ حَتَّى جِيرَانِي.
— نَادِمٌ؟
— عَلَى مَاذَا بِالضَّبْطِ؟ عَلَى الْمَقَالَةِ؟ لَا. عَلَى أَنَّنِي لَمْ أَكْتُبْهَا أَبْكَرَ؟ رُبَّمَا. لَكِنَّ النَّدَمَ، يَا هَمَّامُ، رَفَاهِيَةٌ تَحْتَاجُ وَقْتاً، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي وَقْتٌ. كَانَ عِنْدِي قَرَارٌ فَحَسْبُ.
نَظَرَ هَمَّامٌ إِلَى يَدَيْهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
— أَنَا لَمْ يَكُنْ عِنْدِي قَرَارٌ. كَانَ عِنْدِي صَمْتٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ صَارَ هَذَا الصَّمْتُ أَثْقَلَ مِنْ أَيِّ قَرَارٍ.
هَزَّ زِيَادٌ رَأْسَهُ مُوَافِقاً:
— الصَّمْتُ قَرَارٌ أَيْضاً، لَكِنَّهُ يَتَأَخَّرُ فِي الِاعْتِرَافِ بِنَفْسِهِ. هَلْ تَعْتَرِفُ الْآنَ؟
لَمْ يُجِبْ هَمَّامٌ. نَظَرَ فَقَطْ إِلَى النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ، حَيْثُ بَدَأَ الْفَجْرُ يَرْسُمُ خَطّاً رَمَادِيّاً بَاهِتاً فَوْقَ سُطُوحِ الْمَدِينَةِ الْغَرِيبَةِ.
قَالَ زِيَادٌ، وَهُوَ يَقِفُ مُسْتَعِدّاً لِلْعَوْدَةِ إِلَى غُرْفَتِهِ:
— لَا تَقْلَقْ كَثِيراً مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا جَارُكَ أَبُو خَالِدٍ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُصْبِحُ شَيْئاً جَدِيداً هُنَا، لَكِنْ لَسْنَا جَمِيعاً سَنُصْبِحُ النَّوْعَ الْجَدِيدَ نَفْسَهُ. وَهَذَا أَجْمَلُ مَا فِي الْأَمْرِ، لَوْ فَكَّرْتَ فِيهِ جَيِّداً.
• • •
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، اجْتَمَعَتِ الْعَائِلَةُ حَوْلَ طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ فِي قَاعَةِ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكَةِ.
كَانَتْ أُمُّ خَالِدٍ هُنَاكَ أَيْضاً، تَسْكُبُ الشَّايَ لِزَوْجِهَا أَبِي خَالِدٍ، رَجُلٍ فِي الْخَمْسِينَ، عَرِيضِ الْمَنْكِبَيْنِ، صَامِتٍ فِي الْبِدَايَةِ، يَنْظُرُ إِلَى الْمَكَانِ بِعَيْنٍ لَا تُخْفِي الرِّيبَةَ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ فَجْأَةً، مُخَاطِباً هَمَّاماً دُونَ مُقَدِّمَاتٍ:
— مَا عَمَلُكَ؟
— كُنْتُ أَكْتُبُ.
— تَكْتُبُ مَاذَا؟
— مَقَالَاتٍ، أَفْكَاراً…
هَزَّ أَبُو خَالِدٍ رَأْسَهُ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ تَمَاماً:
— نَحْنُ هُنَا لِنَعْمَلَ وَنُرَبِّيَ أَوْلَادَنَا، لَا لِنُفَكِّرَ كَثِيراً. التَّفْكِيرُ الْكَثِيرُ يُوجِعُ الرَّأْسَ.
ابْتَسَمَتْ أُمُّ خَالِدٍ بِحَرَجٍ خَفِيفٍ، وَقَالَتْ:
— أَبُو خَالِدٍ يَمْزَحُ.
— لَا أَمْزَحُ. أَقُولُهَا بِجِدِّيَّةٍ.
تَدَخَّلَتْ أُمُّ خَالِدٍ مُحَاوِلَةً تَلْطِيفَ الْجَوِّ:
— أَبُو خَالِدٍ يُحِبُّ أَنْ يَتَحَدَّثَ هَكَذَا، لَكِنَّ قَلْبَهُ طَيِّبٌ. مُنْذُ وَصَلْنَا وَهُوَ مُنْشَغِلُ التَّفْكِيرِ كَيْفَ نُؤَمِّنُ مَصْرُوفَ الْبَيْتِ وَمَاذَا سَنُعَلِّمُ أَوْلَادَنَا.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ قَلِيلاً هَذِهِ الْمَرَّةَ:
— لَمْ أَقْصِدْ إِهَانَةَ أَحَدٍ. لَكِنَّنِي رَجُلُ عَمَلٍ. طَوَالَ عُمْرِي فِي الرِّيفِ، الْأَرْضُ لَا تُفَكِّرُ، بَلْ تَعْمَلُ وَتُعْطِي. وَالْآنَ صِرْتُ أَخْشَى أَنْ يَتَعَلَّمَ أَوْلَادِي، هُنَا، كَثْرَةَ التَّفْكِيرِ، وَيَنْسَوُا الْعَمَلَ.
قَالَ هَمَّامٌ بِهُدُوءٍ:
— رُبَّمَا نَحْتَاجُ الِاثْنَيْنِ مَعاً، يَا أَبَا خَالِدٍ. الْعَمَلُ يُؤَمِّنُ الْعَيْشَ، وَالتَّفْكِيرُ يُعَرِّفُ الْإِنْسَانَ لِمَاذَا يَعِيشُ أَصْلاً.
نَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو خَالِدٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، لَمْ تَكُنْ عَدَائِيَّةً هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ أَقْرَبَ إِلَى فُضُولِ رَجُلٍ الْتَقَى لِلتَّوِّ نَوْعاً مِنَ الرِّجَالِ لَمْ يَعْتَدِ التَّعَامُلَ مَعَهُ:
— أَنْتَ غَرِيبٌ بَعْضَ الشَّيْءِ يَا أُسْتَاذُ هَمَّامٌ. لَكِنْ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الْغَرَابَةِ الَّذِي يُزْعِجُ.
لَمْ يَرُدَّ هَمَّامٌ. اكْتَفَى بِابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ، لَكِنْ فِي دَاخِلِهِ بَدَأَتْ جُمْلَةٌ تَتَشَكَّلُ، جُمْلَةٌ سَيَكْتُبُهَا لَاحِقاً فِي دَفْتَرِهِ الْخَاصِّ:
«فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لَنَا هُنَا، سَمِعْتُ رَجُلاً يَقُولُ إِنَّ التَّفْكِيرَ يُوجِعُ الرَّأْسَ. وَلَمْ أَعْرِفْ إِنْ كَانَ يُحَذِّرُنِي، أَمْ يَحْسُدُنِي عَلَى أَنَّنِي مَا زِلْتُ أَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ التَّفْكِيرِ.»
• • •
بَعْدَ الْإِفْطَارِ، خَرَجَتِ الْعَائِلَةُ إِلَى الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِيَّةِ الصَّغِيرَةِ. كَانَ الْجَوُّ بَارِداً لَكِنَّهُ صَافِياً، وَالشَّمْسُ تُحَاوِلُ أَنْ تُدْفِئَ مَكَاناً لَمْ يَعْتَدِ الدِّفْءَ.
جَلَسَتْ رَهَفُ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ، تَكْتُبُ رِسَالَةً عَلَى هَاتِفِهَا ثُمَّ تَمْحُوهَا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَتَالِيَةٍ.
سَأَلَتْهَا سَلْمَى، وَهِيَ تَجْلِسُ بِجَانِبِهَا:
— لِمَنْ تَكْتُبِينَ؟
— لِأَحَدٍ مِنْ صَفِّ اللُّغَةِ، سَجَّلُونَا فِيهِ أَمْسِ عَلَى الْوَرَقَةِ.
— مَا اسْمُهُ؟
تَوَقَّفَتْ رَهَفُ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِحَذَرٍ:
— لَمْ أَتَعَرَّفْ إِلَيْهِ جَيِّداً بَعْدُ، لَكِنْ يَبْدُو شَابّاً لَطِيفاً.
لَمْ تُعَلِّقْ سَلْمَى، لَكِنَّهَا نَظَرَتْ إِلَيْهَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، نَظْرَةَ أُمٍّ تَعْرِفُ أَنَّ ابْنَتَهَا بَدَأَتْ تَدْخُلُ عَالَماً لَا تَمْلِكُ هِيَ مَفَاتِيحَهُ كَامِلَةً.
بَعْدَ قَلِيلٍ، سَأَلَتْ رَهَفُ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَكَأَنَّهَا تَخْتَبِرُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ تَخْطُوَ عَلَيْهَا:
— أُمِّي، هَلْ خِفْتِ مِنْ أَبِي حِينَ تَعَرَّفْتِ إِلَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟
تَفَاجَأَتْ سَلْمَى مِنَ السُّؤَالِ، لَكِنَّهَا لَمْ تُظْهِرْ ذَلِكَ:
— لِمَاذَا هَذَا السُّؤَالُ الْآنَ؟
— كُنْتُ أُفَكِّرُ فَحَسْبُ… كَيْفَ يَثِقُ الْإِنْسَانُ بِشَخْصٍ جَدِيدٍ كُلِّيّاً عَلَيْهِ. غَرِيبٍ عَنْهُ.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً بَعِيدَةً، وَكَأَنَّهَا تَعُودُ بِذَاكِرَتِهَا إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا فِي دِمَشْقَ:
— خِفْتُ، نَعَمْ. لَكِنَّ خَوْفِي لَمْ يَكُنْ مِنْ كَوْنِهِ غَرِيباً عَنِّي. كَانَ خَوْفِي أَنَّنِي سَأُصْبِحُ أَنَا غَرِيبَةً عَنْ نَفْسِي وَأَنَا مَعَهُ. وَهَذَا أَصْعَبُ أَنْوَاعِ الْخَوْفِ.
لَمْ تَفْهَمْ رَهَفُ الْجُمْلَةَ تَمَاماً، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِثِقَلِهَا. بَقِيَتْ صَامِتَةً، تَنْظُرُ إِلَى هَاتِفِهَا دُونَ أَنْ تَكْتُبَ شَيْئاً هَذِهِ الْمَرَّةَ.
أَضَافَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تُرَبِّتُ عَلَى يَدِ ابْنَتِهَا:
— الْمُهِمُّ يَا رَهَفُ، أَلَّا تُخْفِي عَنِّي الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ. أَخْطِئِي إِنْ شِئْتِ، لَكِنْ لَا تُخْفِي.
قَالَتْ رَهَفُ بِصَوْتٍ شِبْهِ مَسْمُوعٍ:
— وَأَنْتِ يَا أُمِّي، أَلَا تُخْفِينَ شَيْئاً عَنْ أَبِي؟
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى لَحْظَةً أَطْوَلَ مِنَ اللَّازِمِ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
— فِي كُلِّ بَيْتٍ أُمُورٌ صَغِيرَةٌ لَا تُقَالُ. لَيْسَ لِأَنَّهَا أَسْرَارٌ خَطِيرَةٌ، بَلْ لِأَنَّ ثَمَّةَ أَشْيَاءَ تَبْقَى بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَنَفْسِهِ.
لَمْ تُكْمِلِ الْجُمْلَةَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهَا هِيَ نَفْسُهَا فُوجِئَتْ بِمَا قَالَتْهُ لِلتَّوِّ.
اقْتَرَبَ كَرِيمٌ مِنْ وَالِدِهِ، وَجَلَسَ بِجَانِبِهِ عَلَى حَافَّةِ الْحَدِيقَةِ، يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ حِذَائِهِ بِحَرَكَةٍ عَصَبِيَّةٍ خَفِيفَةٍ.
قَالَ دُونَ مُقَدِّمَاتٍ:
— أَبِي، أُرِيدُ أَنْ أُسَجِّلَ فِي الْجَامِعَةِ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ. قَالَ لِيَ الْمُوَظَّفُ إِنَّ ثَمَّةَ طَرِيقاً سَرِيعاً لِبَعْضِ الشَّهَادَاتِ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ أَبْدَأَ بِالْأَوْرَاقِ مِنَ الْآنَ.
— حَسَناً. لَكِنْ خُذْ وَقْتَكَ، مَا زِلْنَا فِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ.
— لَا يَا أَبِي. لَا أُرِيدُ وَقْتاً. كُلُّ يَوْمٍ نُضَيِّعُهُ هُنَا، نُضَيِّعُ سَنَةً كَامِلَةً مِنْ عُمْرِنَا الْحَقِيقِيِّ هُنَاكَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ هَمَّامٌ طَوِيلاً، وَأَدْرَكَ أَنَّ ابْنَهُ، رَغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ، يُفَكِّرُ بِمَنْطِقٍ لَمْ يَمْتَلِكْهُ هُوَ نَفْسُهُ فِي أَوَّلِ أَيَّامِهِ:
— أَخْشَى أَنْ تَحْرِقَ مَرَاحِلَ وَلَا تَشْعُرَ بِهَا.
ضَحِكَ كَرِيمٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، لَا تَخْلُو مِنْ مَرَارَةٍ خَفِيفَةٍ:
— وَأَنْتَ يَا أَبِي؟ مُنْذُ وَصَلْنَا وَأَنْتَ تَشْعُرُ بِكُلِّ مَرْحَلَةٍ، لَكِنَّكَ لَا تَفْعَلُ فِيهَا شَيْئاً. أَنَا أُفَضِّلُ أَنْ أَحْرِقَ مَرَاحِلَ، عَلَى أَنْ أَقِفَ مِثْلَكَ عِنْدَهَا وَلَا أَعْرِفَ مَاذَا أُرِيدُ مِنْهَا.
كَانَتِ الْجُمْلَةُ قَاسِيَةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَاسِيَةً بِنِيَّةِ الْإِيذَاءِ، بَلْ بِصِدْقِ مَنْ لَا يَزَالُ يَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ الْقَوْلِ الْمُبَاشِرِ. لَمْ يَرُدَّ هَمَّامٌ. وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ ابْنِهِ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ سَحَبَهَا، وَكَأَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِصَمْتٍ أَنَّ الْجُمْلَةَ أَصَابَتْ مَكَاناً حَقِيقِيّاً فِيهِ.
وَقَفَ هَمَّامٌ عِنْدَ حَافَّةِ الْحَدِيقَةِ، يَنْظُرُ إِلَى الْجَمِيعِ مِنْ بَعِيدٍ: زَوْجَتُهُ الَّتِي تُرَاقِبُ ابْنَتَهَا بِقَلَقٍ صَامِتٍ، وَابْنُهُ الَّذِي يَرْكُضُ نَحْوَ الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْتِفَاتٍ، وَابْنَتُهُ الَّتِي بَدَأَتْ تَكْتُبُ جُمَلاً لِشَخْصٍ جَدِيدٍ كُلِّيّاً عَلَى حَيَاتِهَا.
وَفَكَّرَ:
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بَدَأَ يَبْنِي بَابَهُ الْخَاصَّ فِي هَذَا الْمَكَانِ. وَأَنَا مَا زِلْتُ وَاقِفاً أَمَامَ بَابٍ لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ يُفْتَحُ إِلَى الدَّاخِلِ أَمْ إِلَى الْخَارِجِ.
• • •
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ الْجَمِيعُ، أَخْرَجَ هَمَّامٌ دَفْتَراً صَغِيراً مِنْ حَقِيبَتِهِ، الدَّفْتَرَ الَّذِي لَمْ يُرِهِ لِأَحَدٍ، لَا لِسَلْمَى وَلَا لِأَصْدِقَائِهِ الْقُدَامَى، وَكَتَبَ:
«الْبَابُ الَّذِي دَخَلْنَا مِنْهُ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ بَابَ بَيْتٍ. كَانَ بَاباً لَا يُغْلَقُ تَمَاماً خَلْفَنَا، لِأَنَّ جُزْءاً مِنَّا بَقِيَ مُعَلَّقاً عِنْدَ الْعَتَبَةِ، بَيْنَ مَنْ كُنَّاهُ وَمَنْ سَنَصِيرُهُ. سَلْمَى تَخْشَى أَنْ تَفْقِدَ أَوْلَادَهَا فِي هَذَا الِاتِّسَاعِ الْجَدِيدِ. كَرِيمٌ يَرْكُضُ لِيُصْبِحَ شَخْصاً آخَرَ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ. رَهَفُ تَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهَا فِي عَيْنَيْ شَابٍّ لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ. وَأَنَا… أَنَا أَقِفُ فَحَسْبُ، أُرَاقِبُ، وَأَخْشَى أَنْ أَعْتَرِفَ أَنَّ جُزْءاً مِنِّي، جُزْءاً صَغِيراً لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ، شَعَرَ اللَّيْلَةَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْحُرِّيَّةَ. وَلَمْ أَقُلْهَا لِأَحَدٍ.
قَالَ لِي عَمِّي عِنْدَ الْمَطَارِ: لَا تَلْتَفِتْ. وَأَنَا، مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ أَفْعَلْ شَيْئاً سِوَى الِالْتِفَاتِ، فِي الدَّاخِلِ، حَيْثُ لَا يَرَانِي أَحَدٌ. أَخَافُ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ الْجَدِيدِ بِقَدْرِ مَا أَخَافُ مِنْ نَفْسِي الْقَدِيمَةِ الَّتِي حَمَلْتُهَا مَعِي فِي الْحَقِيبَةِ الثَّانِيَةِ، تِلْكَ الْمُمْتَلِئَةِ بِالثِّيَابِ الَّتِي لَنْ تَكْفِيَ، كَمَا لَنْ يَكْفِيَ مَا تَبَقَّى مِنْ يَقِينِي الْقَدِيمِ عَنْ نَفْسِي. رُبَّمَا كَانَ أَبُو خَالِدٍ مُحِقّاً حِينَ قَالَ إِنَّ التَّفْكِيرَ الْكَثِيرَ يُوجِعُ الرَّأْسَ. لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَوَقَّفُ. وَلَا أَظُنُّنِي، فِي أَعْمَاقِي، أُرِيدُ أَنْ أَتَوَقَّفَ.»
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَأَطْفَأَ الضَّوْءَ، وَاسْتَلْقَى بِجَانِبِ سَلْمَى النَّائِمَةِ، وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتِ الْمَطَرِ الْخَفِيفِ الَّذِي بَدَأَ يَتَسَاقَطُ عَلَى سَقْفِ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، مَطَراً لَا يُشْبِهُ أَمْطَارَ دِمَشْقَ، لَكِنَّهُ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، كَانَ مَطَراً حَقِيقِيّاً.
لَمْ تَكُنْ سَلْمَى نَائِمَةً كَمَا ظَنَّ. كَانَتْ مُسْتَلْقِيَةً بِظَهْرِهَا إِلَيْهِ، عَيْنَاهَا مَفْتُوحَتَانِ فِي الْعَتْمَةِ، تَسْتَمِعُ إِلَى خَرْبَشَةِ الْقَلَمِ عَلَى الْوَرَقِ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ عَمَّا يَكْتُبُهُ، لِأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ أَنَّ ثَمَّةَ أَبْوَاباً فِي زَوْجِهَا لَا تُطْرَقُ، بَلْ يُنْتَظَرُ أَنْ تُفْتَحَ مِنَ الدَّاخِلِ.
فَكَّرَتْ، دُونَ أَنْ تَنْطِقَ:
كَمْ مِنَ الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ سَأَتَحَمَّلُ قَبْلَ أَنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ الِانْتِظَارِ؟
ثُمَّ أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا، لَا لِأَنَّهَا اسْتَسْلَمَتْ لِلنَّوْمِ، بَلْ لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ، كَمَا اخْتَارَتْ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً مِنْ قَبْلُ، أَلَّا تَسْأَلَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ.
وَفِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ، كَانَ أَبُو خَالِدٍ يَغُطُّ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، بَيْنَمَا جَلَسَتْ أُمُّ خَالِدٍ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، تُرَاقِبُ طِفْلَهَا النَّائِمَ، وَتُفَكِّرُ فِي كُلِّ الْأَسْمَاءِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي سَيَحْمِلُهَا بَيْتُهَا مِنَ الْآنَ فَصَاعِداً: لَاجِئَةٌ، أَجْنَبِيَّةٌ، امْرَأَةٌ فِي بَلَدٍ لَا تَعْرِفُ لُغَتَهُ، امْرَأَةٌ يَجِبُ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْ جَدِيدٍ كَيْفَ تَكُونُ كُلَّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، لَكِنْ بِلُغَةٍ أُخْرَى.
وَفِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْمَبْنَى، كَانَ زِيَادٌ يَجْلِسُ وَحْدَهُ أَمَامَ حَاسُوبِهِ الْمَحْمُولِ، يَكْتُبُ أَوَّلَ سَطْرٍ فِي مَقَالَةٍ جَدِيدَةٍ، عُنْوَانُهَا الْمُؤَقَّتُ: «عَنِ الرِّجَالِ الَّذِينَ وَصَلُوا وَمَا زَالُوا وَاقِفِينَ عِنْدَ الْبَابِ»، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَلْهَمَهُ هَذَا الْعُنْوَانَ نَائِمٌ عَلَى بُعْدِ جِدَارَيْنِ مِنْهُ، يَحْلُمُ بِبَابٍ لَا يُغْلَقُ، وَلَا يَعْرِفُ بَعْدُ أَيَّ اتِّجَاهٍ سَيَخْتَارُ أَنْ يَفْتَحَهُ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 02


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ (رواية)