قلوب بين رحيلين
الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ
لَمْ يَفْتَحْ هَمَّام مُرَاد مَوْقِعَهُ الإِلِكْتْرُونِيَّ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، مُنْذُ الأُسْبُوعِ الأَخِيرِ الَّذِي قَضَاهُ فِي دِمَشْقَ قَبْلَ الرَّحِيلِ. كَانَ قَدْ أَسَّسَهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، مُدَوَّنَةً بَسِيطَةً يَكْتُبُ فِيهَا مَقَالَاتٍ فِكْرِيَّةً وَقِصَصًا قَصِيرَةً، لَمْ تَجْذِبْ جُمْهُورًا وَاسِعًا، لَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتَمْنَحَهُ شُعُورًا بِأَنَّ صَوْتَهُ يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ مَا، وَلَوْ كَانَ عَدَدًا قَلِيلًا مِنَ القُرَّاءِ.
تَذَكَّرَ وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةِ المُرُورِ المَنْسِيَّةِ فِي ذَاكِرَتِهِ المُرْهَقَةِ، تِلْكَ اللَّيَالِيَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي قَضَاهَا يَكْتُبُ مَقَالَاتِهِ الأُولَى، فِي مَكْتَبِهِ الصَّغِيرِ المُطِلِّ عَلَى حَدِيقَةِ مَنْزِلِهِ فِي دِمَشْقَ، بَيْنَمَا كَانَتْ سَلْمَى تَنَامُ فِي الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ، وَكَرِيم وَرَهَف طِفْلَيْنِ صَغِيرَيْنِ يَبْعَثَانِ فِي البَيْتِ حَيَاةً لَمْ يَكُنْ يُقَدِّرُهَا كَمَا يَنْبَغِي حِينَهَا. بَدَا لَهُ ذَلِكَ الزَّمَنُ الآنَ بَعِيدًا، كَأَنَّهُ يَنْتَمِي إِلَى حَيَاةِ شَخْصٍ آخَرَ تَمَامًا.
جَلَسَ أَمَامَ حَاسُوبِهِ المَحْمُولِ فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ مِنْ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، وَفَتَحَ لَوْحَةَ التَّحَكُّمِ الخَلْفِيَّةَ لِلْمَوْقِعِ، فَوَجَدَ رِسَالَةَ تَحْذِيرٍ حَمْرَاءَ: «اِنْتَهَتْ مُدَّةُ تَجْدِيدِ النِّطَاقِ خِلَالَ أُسْبُوعٍ». شَعَرَ بِذُعْرٍ خَفِيفٍ، وَكَأَنَّ هَذَا التَّحْذِيرَ التِّقْنِيَّ البَسِيطَ يَحْمِلُ رَمْزِيَّةً أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ مُشْكِلَةٍ إِدَارِيَّةٍ: نَافِذَتُهُ الوَحِيدَةُ عَلَى العَالَمِ كَانَتْ عَلَى وَشْكِ أَنْ تُغْلَقَ نِهَائِيًّا، دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهَا أَحَدٌ سِوَاهُ.
دَفَعَ رُسُومَ التَّجْدِيدِ بِسُرْعَةٍ، مُسْتَخْدِمًا بِطَاقَةً مَصْرِفِيَّةً جَدِيدَةً فَتَحَهَا لِلتَّوِّ فِي أَلْمَانِيَا، وَشَعَرَ بِرَاحَةٍ عَابِرَةٍ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ أَنَّ المَوْقِعَ لَنْ يَخْتَفِيَ. لَكِنَّ السُّؤَالَ الأَكْبَرَ ظَلَّ مُعَلَّقًا: مَاذَا سَيَكْتُبُ الآنَ؟
تَصَفَّحَ أَرْشِيفَ مَقَالَاتِهِ القَدِيمَةِ وَهُوَ يَنْتَظِرُ، يُعِيدُ قِرَاءَةَ عَنَاوِينَ كَتَبَهَا قَبْلَ أَشْهُرٍ فَقَطْ: مَقَالَةٌ عَنْ رِوَايَةٍ قَرَأَهَا، أُخْرَى عَنْ ذِكْرَى طُفُولَةٍ فِي حَيِّ بَابِ تُومَا، وَثَالِثَةٌ عَنْ حِوَارٍ دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَائِعِ كُتُبٍ مُسِنٍّ فِي سُوقِ الحَمِيدِيَّةِ. بَدَتْ لَهُ كُلُّ هَذِهِ العَنَاوِينِ الآنَ وَكَأَنَّهَا تَنْتَمِي إِلَى عَالَمٍ مُتَوَقِّفٍ تَمَامًا عَنِ الحَرَكَةِ، عَالَمٍ لَمْ يَعُدْ لَهُ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ إِلَّا فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ الرَّقْمِيَّةِ المَحْفُوظَةِ.
فَتَحَ صَفْحَةً جَدِيدَةً فَارِغَةً، وَبَقِيَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، أَصَابِعُهُ مُعَلَّقَةٌ فَوْقَ لَوْحَةِ المَفَاتِيحِ دُونَ أَنْ تَتَحَرَّكَ. كُلُّ الأَفْكَارِ الَّتِي رَاوَدَتْهُ فِي الأَسَابِيعِ المَاضِيَةِ بَدَتْ لَهُ فَجْأَةً إِمَّا تَافِهَةً جِدًّا أَوْ ثَقِيلَةً جِدًّا لِتُكْتَبَ فِي مَقَالَةٍ عَامَّةٍ.
أَغْلَقَ الحَاسُوبَ أَخِيرًا دُونَ أَنْ يَكْتُبَ حَرْفًا وَاحِدًا، وَشَعَرَ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ مِنْ نَفْسِهِ.
لَاحَظَ كَرِيم وَالِدَهُ جَالِسًا أَمَامَ الحَاسُوبِ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ أَنْ يَكْتُبَ شَيْئًا، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَسَأَلَهُ:
— مَا الأَمْرُ يَا أَبِي؟ تَبْدُو مُحْبَطًا.
أَجَابَ هَمَّام بِصِدْقٍ:
— جَدَّدْتُ مَوْقِعِي الإِلِكْتْرُونِيَّ اليَوْمَ، لَكِنَّنِي عَاجِزٌ عَنِ الكِتَابَةِ فِيهِ. كُلُّ الأَفْكَارِ الَّتِي أَمْلِكُهَا تَبْدُو لِي إِمَّا صَغِيرَةً جِدًّا أَوْ كَبِيرَةً جِدًّا لِأَتَعَامَلَ مَعَهَا.
جَلَسَ كَرِيم بِجَانِبِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الشَّاشَةِ الفَارِغَةِ:
— رُبَّمَا المُشْكِلَةُ أَنَّكَ تُحَاوِلُ أَنْ تَكْتُبَ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ فِي دِمَشْقَ، بَيْنَمَا أَنْتَ الآنَ شَخْصٌ مُخْتَلِفٌ يَعِيشُ تَجْرِبَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا.
نَظَرَ هَمَّام إِلَى اِبْنِهِ بِدَهْشَةٍ، مُنْدَهِشًا مِنْ عُمْقِ مُلَاحَظَتِهِ:
— قَدْ تَكُونُ مُحِقًّا. لَكِنْ كَيْفَ أَكْتُبُ بِصَوْتٍ جَدِيدٍ لَا أَعْرِفُهُ بَعْدُ؟
قَالَ كَرِيم، بِمَنْطِقِهِ العَمَلِيِّ المُعْتَادِ:
— رُبَّمَا تَكْتُبُ أَوَّلًا عَنْ هَذَا العَجْزِ نَفْسِهِ. عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَكْتُبُ بِصَوْتِهِ الجَدِيدِ. قَدْ يَكُونُ هَذَا أَصْدَقَ نَصٍّ تَكْتُبُهُ مُنْذُ وُصُولِنَا.
فَكَّرَ هَمَّام فِي اِقْتِرَاحِ اِبْنِهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ فِيهِ بِذْرَةً حَقِيقِيَّةً تَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُطَبِّقْهَا فَوْرًا.
فِي المَسَاءِ، تَحَدَّثَ مَعَ سَلْمَى عَنْ هَذَا الجُمُودِ المُفَاجِئِ، وَهُمَا يَتَمَشَّيَانِ فِي حَدِيقَةِ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ بَعْدَ العَشَاءِ.
قَالَ بِإِحْبَاطٍ وَاضِحٍ:
— جَدَّدْتُ المَوْقِعَ اليَوْمَ، لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَاذَا أَكْتُبُ فِيهِ بَعْدَ الآنَ. كُلُّ شَيْءٍ أُفَكِّرُ فِيهِ إِمَّا يَبْدُو تَافِهًا أَمَامَ حَجْمِ مَا نَعِيشُهُ، أَوْ ثَقِيلًا جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّنِي أَخَافُ أَنْ أَفْتَحَ هَذَا البَابَ.
سَأَلَتْهُ سَلْمَى:
— مَاذَا كُنْتَ تَكْتُبُ هُنَاكَ، فِي دِمَشْقَ؟
— أَفْكَارًا عَامَّةً، مُرَاجَعَاتِ كُتُبٍ، أَحْيَانًا قِصَصًا قَصِيرَةً عَنْ حَيَاةِ النَّاسِ العَادِيِّينَ. لَمْ أَكُنْ أَكْتُبُ عَنِ السِّيَاسَةِ مُبَاشَرَةً أَبَدًا، كُنْتُ أَخْشَى ذَلِكَ دَوْمًا.
قَالَتْ سَلْمَى بِتَفْكِيرٍ هَادِئٍ:
— وَهَلْ تَشْعُرُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الكِتَابَةِ لَمْ يَعُدْ يُنَاسِبُكَ الآنَ؟
فَكَّرَ هَمَّام قَلِيلًا، ثُمَّ أَجَابَ بِصِدْقٍ:
— أَشْعُرُ أَنَّنِي، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي، أَمْلِكُ قِصَّةً أَكْبَرَ مِنْ نَفْسِي لِأَرْوِيَهَا: قِصَّةَ كُلِّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ مِنْ حَوْلِي، أَبُو خَالِد وَأُمُّ خَالِد، فِرَاس وَمَنَال، سَلِيم وَوَفَاء، جُورْج وَمِيرَا، وَكُلِّ العَائِلَاتِ الأُخْرَى. لَكِنَّنِي أَخَافُ أَنْ أَكْتُبَ عَنْهُمْ، فَقَدْ لَا يَرْغَبُونَ فِي أَنْ تُرْوَى قِصَصُهُمْ، أَوْ قَدْ أَخُونُ تَفَاصِيلَ حَسَّاسَةً اِئْتَمَنُونِي عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ ثِقَتِهِمْ بِي كَصَدِيقٍ.
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، تَتَأَمَّلُ كَلَامَهُ، ثُمَّ قَالَتْ:
— أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الخَوْفَ نَفْسَهُ يَقُولُ شَيْئًا مُهِمًّا عَنْكَ، يَا هَمَّام: أَنَّكَ تَحْتَرِمُ النَّاسَ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَرِمُ رَغْبَتَكَ الشَّخْصِيَّةَ فِي الكِتَابَةِ. لَكِنْ، أَلَا تَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَةً تَحْفَظُ بِهَا هَذَا الاِحْتِرَامَ وَتَكْتُبُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا هَمَّام بِإِعْجَابٍ:
— رُبَّمَا. لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِالضَّبْطِ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِحِكْمَةٍ عَمَلِيَّةٍ اِعْتَادَتْ أَنْ تَطْرَحَهَا فِي اللَّحَظَاتِ الصَّعْبَةِ:
— رُبَّمَا لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَعْرِفَ الإِجَابَةَ الكَامِلَةَ الآنَ. اِبْدَأْ بِالكِتَابَةِ، وَسَتَكْتَشِفُ الطَّرِيقَةَ تَدْرِيجِيًّا، كَمَا اِكْتَشَفْنَا نَحْنُ جَمِيعًا كَيْفَ نَعِيشُ هَذِهِ الحَيَاةَ الجَدِيدَةَ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، دُونَ خُطَّةٍ كَامِلَةٍ جَاهِزَةٍ مِنَ البِدَايَةِ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي، اِلْتَقَى بِزِيَاد فِي قَاعَةِ الطَّعَامِ المُشْتَرَكَةِ، وَأَخْبَرَهُ بِمُعْضِلَتِهِ.
اِسْتَمَعَ زِيَاد بِاهْتِمَامٍ، ثُمَّ قَالَ:
— هَذِهِ مُعْضِلَةٌ قَدِيمَةٌ يُوَاجِهُهَا كُلُّ كَاتِبٍ يَعِيشُ قَرِيبًا جِدًّا مِنْ مَادَّتِهِ. الحَلُّ لَيْسَ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ الكِتَابَةِ عَنْهُمْ، بَلْ أَنْ تَجِدَ طَرِيقَةً تَحْمِي فِيهَا خُصُوصِيَّتَهُمْ مَعَ نَقْلِ جَوْهَرِ تَجَارِبِهِمْ.
سَأَلَهُ هَمَّام:
— كَيْفَ؟
أَجَابَ زِيَاد:
— غَيِّرِ الأَسْمَاءَ، اِدْمُجْ تَفَاصِيلَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ فِي شَخْصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، غَيِّرْ بَعْضَ الوَقَائِعِ الصَّغِيرَةِ غَيْرِ الجَوْهَرِيَّةِ. لَنْ تَكْتُبَ سِيرَةً ذَاتِيَّةً دَقِيقَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بَلْ سَتَكْتُبُ شَيْئًا أَعْمَقَ: صُورَةً أَدَبِيَّةً لِتَجْرِبَةٍ جَمَاعِيَّةٍ، مُسْتَوْحَاةً مِنْ حَيَوَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ لَكِنْ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ عَنْهَا حَرْفِيًّا.
فَكَّرَ هَمَّام فِي هَذَا الاِقْتِرَاحِ طَوِيلًا:
— يَعْنِي أَنْ أَكْتُبَ رِوَايَةً، لَا مَقَالَاتٍ مُتَفَرِّقَةً؟
اِبْتَسَمَ زِيَاد:
— رُبَّمَا هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَحْتَاجُهُ. مَقَالَاتُكَ القَدِيمَةُ كَانَتْ مُنَاسِبَةً لِحَيَاةٍ أُخْرَى، حَيَاةٍ أَكْثَرَ اِسْتِقْرَارًا وَأَقَلَّ دَرَامَاتِيكِيَّةً. مَا تَعِيشُهُ الآنَ، أَنْتَ وَمَنْ حَوْلَكَ، يَسْتَحِقُّ شَكْلًا أَدَبِيًّا أَكْبَرَ، يَتَّسِعُ لِكُلِّ هَذَا التَّعْقِيدِ وَالتَّنَاقُضِ.
سَأَلَهُ هَمَّام، بِقَلَقٍ حَقِيقِيٍّ:
— وَمَاذَا لَوْ تَعَرَّفَ أَحَدُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فِي الشَّخْصِيَّاتِ رَغْمَ كُلِّ التَّمْوِيهِ؟ وَمَاذَا لَوْ غَضِبَ مِنِّي لِأَنَّنِي حَوَّلْتُ مُعَانَاتَهُ إِلَى مَادَّةٍ أَدَبِيَّةٍ؟
فَكَّرَ زِيَاد قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
— هَذَا اِحْتِمَالٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَنْ أَزْعُمَ لَكَ أَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ. لَكِنِ اِسْمَحْ لِي أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ مِنْ تَجْرِبَتِي الخَاصَّةِ كَكَاتِبٍ: كُلُّ قِصَّةٍ تُرْوَى بِصِدْقٍ وَاحْتِرَامٍ لِإِنْسَانِيَّةِ أَصْحَابِهَا، حَتَّى لَوْ تَعَرَّفَ عَلَيْهَا البَعْضُ، غَالِبًا مَا تُقَابَلُ فِي النِّهَايَةِ بِالفَهْمِ أَكْثَرَ مِنَ الغَضَبِ، خُصُوصًا إِنْ شَعَرَ القَارِئُ أَنَّ الكَاتِبَ لَمْ يَسْخَرْ مِنْهُ، بَلْ حَاوَلَ أَنْ يُضِيءَ تَجْرِبَتَهُ لِلْآخَرِينَ.
أَضَافَ زِيَاد، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً:
— وَالخِيَارُ الآخَرُ أَسْوَأُ بِكَثِيرٍ: أَنْ تَصْمُتَ تَمَامًا، وَتَتْرُكَ كُلَّ هَذِهِ القِصَصِ الثَّمِينَةِ تَتَلَاشَى دُونَ أَنْ تُرْوَى لِأَحَدٍ. أَظُنُّ أَنَّ المُخَاطَرَةَ المَحْسُوبَةَ، مَعَ الحِرْصِ عَلَى التَّمْوِيهِ الكَافِي، أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ الكَامِلِ.
اِسْتَمَعَ هَمَّام بِاِنْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، وَشَعَرَ أَنَّ كَلِمَاتِ زِيَاد بَدَأَتْ تَفْتَحُ أَمَامَهُ أُفُقًا لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ بِهَذَا الوُضُوحِ قَبْلَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ.
عَادَ هَمَّام إِلَى غُرْفَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَفَتَحَ مِلَفًّا جَدِيدًا عَلَى حَاسُوبِهِ، لَا لِمَقَالَةٍ قَصِيرَةٍ هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ لِمُخَطَّطٍ أَوَّلِيٍّ لِعَمَلٍ أَطْوَلَ. كَتَبَ فِي الصَّفْحَةِ الأُولَى عُنْوَانًا مُؤَقَّتًا: «قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ»، ثُمَّ تَوَقَّفَ، مُتَفَاجِئًا مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ اِخْتَارَ هَذَا العُنْوَانَ بِالذَّاتِ دُونَ تَفْكِيرٍ مُسْبَقٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَخْتَمِرُ فِي دَاخِلِهِ مُنْذُ أَسَابِيعَ دُونَ أَنْ يَعِيَهُ.
بَدَأَ يَكْتُبُ قَائِمَةً أَوَّلِيَّةً بِالشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَسْتَلْهِمَ مِنْهَا: عَائِلَةٌ تُشْبِهُ أَبَا خَالِد وَأُمَّ خَالِد، لَكِنْ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ عَائِلَةٌ تُشْبِهُ فِرَاس وَمَنَال، بِطُمُوحٍ طِبِّيٍّ مُمَاثِلٍ؛ عَائِلَةٌ تَحْمِلُ ثِقْلَ مَاضٍ عَسْكَرِيٍّ كَسَلِيم وَوَفَاء؛ وَهَكَذَا، عَائِلَةً تِلْوَ الأُخْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْمِلُ مَلَامِحَ مُسْتَوْحَاةً مِنْ وَاقِعٍ مُحِيطٍ بِهِ، لَكِنْ مُعَادَ تَشْكِيلِهَا بِخَيَالٍ أَدَبِيٍّ يَحْمِي الحَقِيقَةَ الأَصْلِيَّةَ وَيَكْشِفُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ جَوْهَرَهَا الإِنْسَانِيَّ العَمِيقَ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ كُلِّ اِسْمٍ يَكْتُبُهُ، يُفَكِّرُ مُطَوَّلًا فِي كَيْفِيَّةِ تَحْوِيرِهِ بِمَا يَكْفِي لِحِمَايَةِ الشَّخْصِ الحَقِيقِيِّ، مَعَ الحِفَاظِ عَلَى جَوْهَرِ التَّجْرِبَةِ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهَا. غَيَّرَ أَبَا خَالِد إِلَى اِسْمٍ آخَرَ، وَأَضَافَ إِلَى شَخْصِيَّتِهِ تَفَاصِيلَ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ اِلْتَقَاهُ فِي طَابُورِ المَكْتَبِ الحُكُومِيِّ، لِيُصْبِحَ مَزِيجًا لَا يُشِيرُ بِوُضُوحٍ إِلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ صِدْقَ التَّجْرِبَةِ الجَمَاعِيَّةِ لِرِجَالٍ كَثِيرِينَ يُشْبِهُونَهُ.
شَعَرَ وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمُتْعَةٍ غَرِيبَةٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ أَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ: مُتْعَةُ البِنَاءِ، مُتْعَةُ تَحْوِيلِ الفَوْضَى الحَقِيقِيَّةِ إِلَى شَكْلٍ لَهُ مَعْنًى وَمَنْطِقٌ دَاخِلِيٌّ، حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا المَنْطِقُ مِنْ صُنْعِ خَيَالِهِ وَحْدَهُ.
كَتَبَ فِي أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ مُلَاحَظَةً لِنَفْسِهِ: «تَذَكَّرْ: القِصَّةُ لَيْسَتْ عَنْ سَلْمَى وَهَمَّام تَحْدِيدًا، بَلْ عَنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ يُعِيدَانِ تَعْرِيفَ عَلَاقَتِهِمَا تَحْتَ ضَغْطِ ظُرُوفٍ لَمْ يَخْتَارَاهَا. اِسْتَخْدِمْ تَفَاصِيلَ حَقِيقِيَّةً مِنْ حَيَاتِنَا، لَكِنِ اِمْزُجْهَا بِتَفَاصِيلَ أُخْرَى مِنْ عَائِلَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى يَشْعُرَ القَارِئُ أَنَّهُ يَقْرَأُ عَنْ تَجْرِبَةٍ أَوْسَعَ مِنْ قِصَّةٍ فَرْدِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.»
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، اِتَّصَلَ بِصَدِيقٍ قَدِيمٍ لَهُ فِي دِمَشْقَ، كَاتِبٍ أَيْضًا، لَمْ يَتَحَدَّثْ مَعَهُ مُنْذُ أَسَابِيعَ بِسَبَبِ صُعُوبَةِ الاِتِّصَالِ وَتَشَتُّتِ الاِنْتِبَاهِ بَيْنَ كُلِّ تَفَاصِيلِ اللُّجُوءِ الجَدِيدَةِ.
قَالَ الصَّدِيقُ، بَعْدَ أَنْ تَبَادَلَا أَخْبَارَ الصِّحَّةِ وَالعَائِلَةِ:
— سَمِعْتُ أَنَّكَ وَصَلْتَ إِلَى أَلْمَانِيَا. كَيْفَ حَالُكَ مَعَ الكِتَابَةِ؟
أَجَابَ هَمَّام بِصِدْقٍ:
— تَوَقَّفْتُ تَمَامًا مُنْذُ الرَّحِيلِ، لَكِنَّنِي بَدَأْتُ أَمْسِ أُخَطِّطُ لِعَمَلٍ جَدِيدٍ، رِوَايَةً هَذِهِ المَرَّةَ، لَا مَقَالَاتٍ مُتَفَرِّقَةً.
أَبْدَى الصَّدِيقُ حَمَاسَةً وَاضِحَةً:
— هَذَا خَبَرٌ رَائِعٌ! عَمَّ سَتَكُونُ؟
فَكَّرَ هَمَّام قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
— عَنْ كُلِّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ مِنْ حَوْلِي هُنَا، السُّورِيِّينَ الَّذِينَ يُعِيدُونَ بِنَاءَ حَيَاتِهِمْ فِي أَلْمَانِيَا، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ، تَبَعًا لِخَلْفِيَّتِهِ وَتَارِيخِهِ وَمُعْتَقَدِهِ. أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ عَنِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ مَا نَحْمِلُهُ مِنَ المَاضِي وَمَا يُطْلَبُ مِنَّا أَنْ نُصْبِحَ عَلَيْهِ هُنَا.
قَالَ الصَّدِيقُ بِحَمَاسَةٍ مُتَزَايِدَةٍ:
— مَوْضُوعٌ غَنِيٌّ جِدًّا، وَلَمْ يُكْتَبْ عَنْهُ بِعُمْقٍ كَافٍ حَتَّى الآنَ. أَظُنُّكَ تَحْمِلُ مَادَّةً اِسْتِثْنَائِيَّةً بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَطِ اُكْتُبْهَا بِصِدْقٍ، دُونَ خَوْفٍ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهَا.
سَأَلَهُ هَمَّام، بِقَلَقٍ مَا زَالَ يُرَاوِدُهُ مُنْذُ حَدِيثِهِ مَعَ زِيَاد:
— أَلَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ حَسَّاسًا جِدًّا؟ أَنْ يُتَّهَمَ الكَاتِبُ بِاِبْتِزَازِ مُعَانَاةِ الآخَرِينَ لِصَالِحِ عَمَلٍ أَدَبِيٍّ؟
فَكَّرَ الصَّدِيقُ قَلِيلًا، ثُمَّ أَجَابَ بِحِكْمَةٍ:
— هَذَا الخَطُّ الرَّفِيعُ مَوْجُودٌ دَائِمًا فِي أَيِّ كِتَابَةٍ تَسْتَلْهِمُ مِنْ وَاقِعٍ حَقِيقِيٍّ، يَا هَمَّام. الفَارِقُ بَيْنَ الاِبْتِزَازِ وَالفَنِّ الصَّادِقِ يَكْمُنُ فِي النِّيَّةِ وَالمُعَالَجَةِ: هَلْ تَكْتُبُ لِتُظْهِرَ تَفَوُّقَكَ الأَدَبِيَّ عَلَى حِسَابِ أَلَمِ الآخَرِينَ، أَمْ تَكْتُبُ لِتُضِيءَ تَجْرِبَتَهُمْ بِشَكْلٍ يُكْرِمُهَا وَيَمْنَحُهَا مَعْنًى أَوْسَعَ؟ مِنْ أَعْرِفُكَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، أَثِقُ أَنَّ نِيَّتَكَ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي.
شَعَرَ هَمَّام بِاِمْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ الثِّقَةِ، وَقَالَ:
— شُكْرًا لَكَ. أَحْتَاجُ هَذَا التَّشْجِيعَ تَحْدِيدًا فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ بِالذَّاتِ.
أَضَافَ الصَّدِيقُ قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَا المُكَالَمَةَ:
— أَرْسِلْ لِي فُصُولًا حِينَ تَكْتُبُهَا، إِنْ أَرَدْتَ رَأْيًا مِنَ الخَارِجِ، مِنْ شَخْصٍ يَعْرِفُ دِمَشْقَ الَّتِي تَرَكْتَهَا، لَكِنَّهُ لَا يَعِيشُ تَفَاصِيلَ حَيَاتِكَ اليَوْمِيَّةِ فِي أَلْمَانِيَا. قَدْ يَكُونُ هَذَا التَّوَازُنُ مُفِيدًا لَكَ.
وَافَقَ هَمَّام بِاِمْتِنَانٍ، وَأَنْهَى المُكَالَمَةَ بِعَزِيمَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ طَوِيلَةٍ.
فِي المَسَاءِ، أَخْبَرَ سَلْمَى بِقَرَارِهِ النِّهَائِيِّ، وَهِيَ تَجْلِسُ بِجَانِبِهِ فِي الغُرْفَةِ.
قَالَ بِحَمَاسَةٍ لَمْ تَعْتَدْهَا مِنْهُ فِي الأَسَابِيعِ الأَخِيرَةِ:
— قَرَّرْتُ أَنْ أَكْتُبَ رِوَايَةً عَنْ تَجْرِبَتِنَا هُنَا، وَتَجَارُبِ كُلِّ العَائِلَاتِ مِنْ حَوْلِنَا. لَنْ أَذْكُرَ أَسْمَاءً حَقِيقِيَّةً، لَكِنَّنِي سَأَسْتَلْهِمُ مِنْ كُلِّ مَا نَعِيشُهُ.
سَأَلَتْهُ سَلْمَى، بِمَزِيجٍ مِنَ الفَخْرِ وَالقَلَقِ:
— وَهَلْ سَتَكْتُبُ عَنَّا أَيْضًا؟ عَنِّي وَعَنْكَ؟
تَوَقَّفَ هَمَّام، مُدْرِكًا حَسَاسِيَّةَ هَذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ:
— نَعَمْ، سَأَكْتُبُ عَنَّا أَيْضًا، لَكِنْ بِشَخْصِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ أَسْمَائِنَا الحَقِيقِيَّةِ. أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ صَادِقًا فِي نَقْلِ التَّجْرِبَةِ، دُونَ أَنْ أَفْضَحَ تَفَاصِيلَ حَمِيمَةً بَيْنَنَا أَمَامَ الجَمِيعِ.
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، وَسَأَلَتْ بِجِدِّيَّةٍ:
— هَلْ سَتَكْتُبُ عَنْ خِلَافَاتِنَا؟ عَنِ الأَوْقَاتِ الَّتِي شَعَرْتُ فِيهَا أَنَّكَ بَعِيدٌ عَنِّي، أَوِ الَّتِي شَعَرْتَ فِيهَا أَنَّنِي أُرَاقِبُكَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي؟
اِسْتَغْرَقَ هَمَّام لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ كَامِلٍ:
— أَظُنُّ أَنَّنِي سَأَضْطَرُّ لِذَلِكَ، إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ شَيْئًا صَادِقًا حَقًّا. القِصَصُ المِثَالِيَّةُ الَّتِي تُخْفِي كُلَّ التَّوَتُّرِ لَا تُشْبِهُ الحَيَاةَ الحَقِيقِيَّةَ، وَلَنْ تُلَامِسَ أَحَدًا يَقْرَؤُهَا. لَكِنَّنِي أَعِدُكِ أَنْ أَكْتُبَ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ بِعَدْلٍ: لَا أُظْهِرُكِ كَاِمْرَأَةٍ مُسَيْطِرَةٍ فَقَطْ، وَلَا أُظْهِرُ نَفْسِي كَضَحِيَّةٍ صَامِتَةٍ فَقَطْ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَنْقُلَ تَعْقِيدَ الاِثْنَيْنِ مَعًا.
قَالَتْ سَلْمَى، بَعْدَ صَمْتٍ تَأَمَّلَتْ فِيهِ كَلَامَهُ طَوِيلًا:
— أَثِقُ بِكَ فِي هَذَا يَا هَمَّام. فَقَطْ، عِدْنِي بِأَمْرٍ وَاحِدٍ: إِنْ كَتَبْتَ عَنْ لَحْظَةِ ضَعْفٍ أَوْ خِلَافٍ بَيْنَنَا، اِجْعَلْهَا تَخْدُمُ القِصَّةَ، لَا أَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ تَفْرِيغٍ لِغَضَبٍ أَوْ أَلَمٍ شَخْصِيٍّ غَيْرِ مَحْلُولٍ بَيْنَنَا.
أَوْمَأَ هَمَّام بِرَأْسِهِ بِجِدِّيَّةٍ:
— أَعِدُكِ بِذَلِكَ. وَسَأُشَارِكُكِ دَائِمًا مَا أَكْتُبُهُ عَنْ خَطِّنَا نَحْنُ تَحْدِيدًا، قَبْلَ أَنْ أَنْشُرَهُ، حَتَّى تَشْعُرِي بِالرَّاحَةِ تِجَاهَهُ.
أَضَافَتْ سَلْمَى، بِاِبْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ تُخْفِي وَرَاءَهَا جِدِّيَّةً حَقِيقِيَّةً:
— وَأُرِيدُ أَيْضًا أَنْ أَقْرَأَ كُلَّ الفُصُولِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهَا أَيُّ شَخْصٍ آخَرَ، حَتَّى قَبْلَ صَدِيقِكَ فِي دِمَشْقَ. مِنْ حَقِّي أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ تُرْوَى قِصَّتُنَا.
ضَحِكَ هَمَّام، وَقَالَ بِاِمْتِنَانٍ:
— اِتَّفَقْنَا. سَتَكُونِينَ قَارِئَتِي الأُولَى دَائِمًا، لِكُلِّ فَصْلٍ أَكْتُبُهُ.
اِبْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَقَالَتْ:
— إِذَنِ، اِبْدَأِ اللَّيْلَةَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ. أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا العَمَلَ قَدْ يَكُونُ أَهَمَّ مَا تَكْتُبُهُ فِي حَيَاتِكَ كُلِّهَا.
جَلَسَا مَعًا فِي صَمْتٍ هَادِئٍ بَعْدَ ذَلِكَ، هَمَّام يُفَكِّرُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ الَّذِي سَيَكْتُبُهُ، وَسَلْمَى تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِفَخْرٍ جَدِيدٍ لَمْ تَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ وُصُولِهِمَا، فَخْرٍ بِرَجُلٍ بَدَأَ أَخِيرًا يَجِدُ طَرِيقَهُ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الضَّيَاعِ، وَلَوْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ كَعَادَتِهِ.
قَبْلَ أَنْ تَنَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، سَأَلَتْهُ سَلْمَى سُؤَالًا أَخِيرًا:
— مَا اِسْمُ الزَّوْجَةِ فِي رِوَايَتِكَ؟ الشَّخْصِيَّةُ المُسْتَوْحَاةُ مِنِّي؟
اِبْتَسَمَ هَمَّام اِبْتِسَامَةً خَجُولَةً قَلِيلًا:
— لَمْ أُفَكِّرْ فِي اِسْمٍ بَعْدُ. لَكِنْ أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأَخْتَارُ اِسْمًا يَلِيقُ بِهَا، بِقُوَّتِهَا وَصَبْرِهَا مَعًا.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تُغْمِضُ عَيْنَيْهَا مُسْتَعِدَّةً لِلنَّوْمِ:
— اِخْتَرِ اِسْمًا يَحْمِلُ مَعْنًى جَمِيلًا، لَا اِسْمًا عَابِرًا فَقَطْ. أُرِيدُهَا أَنْ تَسْتَحِقَّ أَنْ تُرْوَى قِصَّتُهَا.
فَكَّرَ هَمَّام فِي هَذَا الطَّلَبِ طَوِيلًا بَعْدَ أَنْ نَامَتْ سَلْمَى، وَبَدَأَ يُقَلِّبُ فِي ذِهْنِهِ أَسْمَاءً عَدِيدَةً، حَتَّى اِسْتَقَرَّ أَخِيرًا، دُونَ أَنْ يُخْبِرَهَا بَعْدُ، عَلَى اِسْمٍ يَحْمِلُ مَعْنَى السَّلَامِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، اِسْمًا يُشْبِهُ، وَلَوْ مِنْ بَعِيدٍ، تِلْكَ المَرْأَةَ الَّتِي اِخْتَارَتْ أَنْ تَبْقَى بِجَانِبِهِ رَغْمَ كُلِّ تَرَدُّدِهِ وَصَمْتِهِ وَتَخَبُّطِهِ فِي هَذَا العَالَمِ الجَدِيدِ.
