لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 05

لم يقلها لأحد
الفصل الخامس
فُوجِئَ الْجَمِيعُ حِينَ أَعْلَنَتْ سَلْمَى خِطْبَتَهَا مِنْ رَجُلٍ أَلْمَانِيِّ الْأَصْلِ الْتَقَتْهُ فِي عَمَلِهَا، هَادِئِ الطِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُ عَنْ سُورِيَا إِلَّا مَا رَوَتْهُ لَهُ هِيَ بِنَفْسِهَا.
زَارَتْ لَيْلَى صَدِيقَتَهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي لِلْإِعْلَانِ، فَوَجَدَتْهَا فِي حَالَةٍ غَرِيبَةٍ مِنَ الْهُدُوءِ، لَا تُشْبِهُ حَمَاسَةَ الْمَخْطُوبَاتِ الْمُعْتَادَ.
— لَيْلَى: أَلْفُ مَبْرُوكٍ، سَلْمَى. لَكِنَّنِي، بِصَرَاحَةٍ، مُسْتَغْرِبَةٌ. أَلَسْتِ أَنْتِ مَنْ كُنْتِ تُرَدِّدِينَ دَائِمًا أَنَّكِ لَنْ تَتَزَوَّجِي مِنْ جَدِيدٍ؟
— سَلْمَى: لَمْ يَتَغَيَّرْ رَأْيِي فِي الزَّوَاجِ، يَا لَيْلَى، بَلْ تَغَيَّرَتْ شُرُوطِي. هَذِهِ الْمَرَّةَ، أَنَا مَنْ وَضَعَتِ الشُّرُوطَ كُلَّهَا: لَنْ أَتْرُكَ عَمَلِي، وَلَنْ أُغَيِّرَ اسْمِي وَلَا حَيَاتِيَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَقُلْتُ لَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ: لَسْتُ أَبْحَثُ عَنْ رَجُلٍ يُكْمِلُنِي، فَأَنَا كَامِلَةٌ، لَكِنَّنِي أَرْغَبُ فِي أَنْ أُشَارِكَ حَيَاتِي مَعَ مَنْ يَحْتَرِمُ هَذَا الْكَمَالَ.
— لَيْلَى: وَهَلْ وَافَقَ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الشُّرُوطِ؟
— سَلْمَى: وَافَقَ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي شَيْئًا آخَرَ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْكَبِيرُ بَيْنَ زَوَاجٍ أَوَّلَ وَزَوَاجٍ ثَانٍ، يَا لَيْلَى: فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى تَتَزَوَّجِينَ بِشُرُوطِ أَهْلِكِ وَمُجْتَمَعِكِ. وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، إِنْ كُنْتِ مَحْظُوظَةً، تَتَزَوَّجِينَ بِشُرُوطِكِ أَنْتِ.
ابْتَسَمَتْ لَيْلَى، وَقَدِ اخْتَلَطَ فِي نَفْسِهَا الْفَرَحُ لِصَدِيقَتِهَا بِتَأَمُّلٍ فِي مَسَارِهَا الْخَاصِّ.
— لَيْلَى: أَتَمَنَّى لَكِ كُلَّ السَّعَادَةِ، سَلْمَى. وَبِصَرَاحَةٍ، أَغَارُ مِنْكِ قَلِيلًا: أَنَّكِ عَرَفْتِ كَيْفَ تَأْخُذِينَ دَرْسًا مِنْ تَجْرِبَتِكِ الْأُولَى، بَدَلًا مِنْ أَنْ تُكَرِّرِيهَا.
— سَلْمَى: وَلَا أَنْتِ مُتَأَخِّرَةٌ، يَا لَيْلَى. كُلُّ امْرَأَةٍ تَأْخُذُ دَرْسَهَا فِي وَقْتِهِ.
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ عَوْدَتِهِ الْمُؤَقَّتَةِ إِلَى سُورِيَا، عَادَ مَازِنٌ إِلَى أَلْمَانِيَا رَجُلًا مُخْتَلِفًا بَعْضَ الشَّيْءِ، وَإِنْ ظَلَّ هَذَا الِاخْتِلَافُ دَقِيقًا لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ.
الْتَقَاهُ سَامِرٌ فِي الْمَقْهَى الْمُعْتَادِ، وَسَأَلَهُ عَنْ رِحْلَتِهِ.
— سَامِر: كَيْفَ كَانَتِ الرِّحْلَةُ؟ هَلْ وَجَدْتَ مَا كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْهُ؟
— مَازِن: بِصَرَاحَةٍ؟ لَا. ذَهَبْتُ أَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ لِسُؤَالٍ قَدِيمٍ، وَعُدْتُ بِسُؤَالٍ جَدِيدٍ بَدَلًا مِنْهُ.
— سَامِر: يَعْنِي مَاذَا حَدَثَ؟
— مَازِن: وَجَدْتُ الْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي قَلْبِي، يَا سَامِرُ. صَارَتْ جَدَّةً الْآنَ، تَعِيشُ حَيَاةً أُخْرَى تَمَامًا، وَلَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيَّ حِينَ رَأَتْنِي أَوَّلَ مَرَّةٍ. وَشَعَرْتُ… شَعَرْتُ بِرَاحَةٍ غَرِيبَةٍ. لَيْسَ لِأَنِّي نَسِيتُهَا، بَلْ لِأَنِّي أَدْرَكْتُ أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي حَمَلْتُهُ طَوَالَ حَيَاتِي لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْهَا، بَلْ عَنْ نَفْسِي: هَلْ كَانَ مُمْكِنًا أَنْ أَعِيشَ حَيَاةً أُخْرَى لَوْ تَجَرَّأْتُ؟
— سَامِر: وَهَلْ وَجَدْتَ جَوَابًا؟
— مَازِن: وَجَدْتُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ جَوَابٌ وَاحِدٌ. رُبَّمَا كَانَ مُمْكِنًا أَنْ أَعِيشَ حَيَاةً أُخْرَى، نَعَمْ، وَلَيْسَ مُؤَكَّدًا أَنَّهَا كَانَتْ سَتَكُونُ أَفْضَلَ. لَكِنَّ الْمُهِمَّ أَنَّنِي الْآنَ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، تَوَقَّفْتُ عَنْ مُقَارَنَةِ حَيَاتِي الرَّاهِنَةِ بِحَيَاةٍ لَمْ أَعِشْهَا. صِرْتُ قَادِرًا عَلَى أَنْ أَعِيشَ مَا لَدَيَّ، مِنْ غَيْرِ شَبَحِ مَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ.
قَالَ هَذَا بِهُدُوءِ رَجُلٍ تَصَالَحَ مَعَ نَفْسِهِ، لَا بِحَمَاسَةِ مَنِ اكْتَشَفَ حَلًّا سِحْرِيًّا.
— مَازِن: قَرَّرْتُ أَمْرًا آخَرَ، يَا سَامِرُ: سَأَزُورُ سُورِيَا كُلَّ عَامٍ، لَا لِأَبْحَثَ عَنْ حَيَاةٍ لَمْ أَعِشْهَا، بَلْ لِأَبْقَى قَرِيبًا مِنْ جُذُورِي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَهْرُبَ مِنْ حَيَاتِي هُنَا. بَيْنَ بَلَدَيْنِ، لَسْتُ ضَائِعًا، لَكِنَّنِي مُوَزَّعٌ. وَقَدْ صِرْتُ مُرْتَاحًا مَعَ هَذَا التَّوْزِيعِ.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ، وَهُوَ يُفَكِّرُ فِي الْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي قَطَعَهَا صَدِيقُهُ، مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُ صَمْتًا ثَقِيلًا، إِلَى رَجُلٍ تَصَالَحَ مَعَ أَسْئِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدَ لَهَا إِجَابَاتٍ نِهَائِيَّةً.
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ لِقَائِهِمَا الْأَخِيرِ، وَصَلَتْ رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ مِنْ نُورٍ، تُخْبِرُهُ فِيهَا أَنَّهَا قَرَّرَتِ الِانْتِقَالَ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى، لِتَبْدَأَ وَظِيفَةً جَدِيدَةً طَالَمَا أَرَادَتْهَا.
سَامِرُ،
قَرَّرْتُ الِانْتِقَالَ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى. لَيْسَ هَرَبًا مِنْكَ، وَلَا مِنْ هُنَا، بَلْ لِأَنِّي شَعَرْتُ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِأَبْدَأَ فَصْلًا جَدِيدًا فِي حَيَاتِي.
أُرِيدُ أَنْ أَشْكُرَكَ عَلَى أَمْرٍ لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ: عَلَّمْتَنِي أَنَّ الصِّدْقَ لَيْسَ سَهْلًا دَائِمًا، وَأَنَّ أَصْعَبَ قَرَارٍ أَحْيَانًا هُوَ أَنْ تَخْتَارَ الطَّرِيقَ الْأَصْعَبَ لِأَنَّهُ الْأَصَحُّ.
أَتَمَنَّى لَكَ وَلِلَيْلَى كُلَّ الصَّفَاءِ الَّذِي تَسْتَحِقَّانِهِ.
نُور
قَرَأَ سَامِرٌ الرِّسَالَةَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَغْلَقَ الْحَاسُوبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْفَوْرِ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُقَالُ أَكْثَرَ مِمَّا قِيلَ بِالْفِعْلِ فِي ذَلِكَ الْمَقْهَى الْأَخِيرِ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
قَرَأْتُ رِسَالَةَ نُورٍ، وَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِإِغْلَاقِ بَابٍ بِهُدُوءٍ، لَا بِقُوَّةٍ.
لَمْ أَشْعُرْ بِالْحُزْنِ الَّذِي تَوَقَّعْتُهُ يَوْمًا لَوِ انْتَهَتْ هَذِهِ الْعَلَاقَةُ، وَلَا بِالِارْتِيَاحِ الْكَامِلِ أَيْضًا. شَعَرْتُ بِشَيْءٍ بَيْنَ بَيْنَ: امْتِنَانٍ لِمَرْحَلَةٍ كَشَفَتْ لِي أَشْيَاءَ عَنْ نَفْسِي لَمْ أَكُنْ لِأَرَاهَا بِوُضُوحٍ لَوْلَاهَا، وَوَعْيٍ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ انْتَهَتْ لِأَنَّهَا أَنْجَزَتْ مُهِمَّتَهَا، لَا لِأَنَّهَا فَشِلَتْ.
رُبَّمَا هَذَا مَا تَعْنِيهِ بَعْضُ الْعَلَاقَاتِ فِي حَيَاتِنَا: لَيْسَتْ دَائِمًا وِجْهَةً، بَلْ أَحْيَانًا مِرْآةً نَرَى فِيهَا لَحْظَةً، ثُمَّ تُغَادِرُ الْمَشْهَدَ بِمُجَرَّدِ أَنْ تَنْتَهِيَ مُهِمَّتُهَا.
لَمْ أَقُلْ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدُ، وَلَا حَتَّى لِلَيْلَى بِهَذِهِ الصِّيَاغَةِ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنِي سَأُخْبِرُهَا، لِأَنَّنِي وَعَدْتُ نَفْسِي أَلَّا أَحْمِلَ وَحْدِي أَيَّ حَقِيقَةٍ تَخُصُّنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْيَوْمِ.
فِي عَشَاءٍ جَمَعَ الْأَصْدِقَاءَ كُلَّهُمْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَشْهُرٍ، جَلَسَ الْجَمِيعُ حَوْلَ طَاوِلَةٍ وَاحِدَةٍ: كَرِيمٌ وَرِيمَا، اللَّذَانِ أَصَرَّا رَغْمَ انْفِصَالِهِمَا عَلَى أَنْ يَحْضُرَا مَعًا كَصَدِيقَيْنِ مُطَلَّقَيْنِ لَا يَزَالَانِ يَحْتَرِمَانِ تَارِيخَهُمَا الْمُشْتَرَكَ؛ وَسَلْمَى وَخَطِيبُهَا الْجَدِيدُ؛ وَزِيَادٌ وَهِبَةُ، أَصْغَرُ الْحَاضِرِينَ سِنًّا وَأَكْثَرُهُمْ يَقِينًا؛ وَمَازِنٌ، الَّذِي بَدَا أَخَفَّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
لَمْ يَكُنْ أَبُو فِرَاسٍ وَأُمُّ فِرَاسٍ حَاضِرَيْنِ؛ فَقَدْ فَضَّلَا أُمْسِيَةً هَادِئَةً فِي الْبَيْتِ، كَمَا صَارَتْ عَادَتَهُمَا.
وَفِي لَحْظَةٍ مَا، رَفَعَتْ رِيمَا كَأْسَهَا وَقَالَتْ مَازِحَةً:
— رِيمَا: أَلَاحَظْتُمْ؟ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَصَلَ إِلَى مَكَانٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَمَّا كَانَ يَتَوَقَّعُهُ. مَنْ كَانَ يَتَصَوَّرُ، قَبْلَ عَامَيْنِ، أَنَّنِي وَكَرِيمًا سَنَبْقَى أَصْدِقَاءَ أَفْضَلَ مِمَّا كُنَّا أَزْوَاجًا؟
— كَرِيم: وَلَا أَنَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَمْرًا كَهَذَا. لَكِنَّ الصَّرَاحَةَ، الْآنَ أَسْتَطِيعُ أَنَا وَرِيمَا أَنْ نَتَحَدَّثَ بِصَرَاحَةٍ لَمْ نَكُنْ نَقْدِرُ عَلَيْهَا وَنَحْنُ مُتَزَوِّجَيْنِ.
— سَلْمَى: وَأَنَا كُنْتُ مُتَأَكِّدَةً أَنَّنِي لَنْ أَتَزَوَّجَ ثَانِيَةً فِي حَيَاتِي. وَهَا أَنَا الْآنَ.
— زِيَاد: وَأَنَا وَهِبَةُ، بِصَرَاحَةٍ، كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الزَّوَاجَ السُّورِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يُشْبِهَ زَوَاجَ أَهْلِنَا. فَاكْتَشَفْنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُشْبِهَنَا نَحْنُ فَقَطْ.
نَظَرَ سَامِرٌ حَوْلَهُ، إِلَى كُلِّ هَذِهِ الْمَصَائِرِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجِدَ نَمَطًا وَاحِدًا يَجْمَعُهَا. فَلَا الزَّوَاجُ الْقَدِيمُ نَجَا كَمَا كَانَ، وَلَا الزَّوَاجُ الْجَدِيدُ ضَمِنَ نَجَاحًا، وَلَا الِانْفِصَالُ كَانَ نِهَايَةَ الْعَالَمِ، وَلَا الْبَقَاءُ كَانَ دَائِمًا حَلًّا.
— مَازِن: بِصَرَاحَةٍ، أَرَى أَمْرًا وَاحِدًا مُشْتَرَكًا بَيْنَنَا جَمِيعًا: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَصَلَ إِلَى مَكَانِهِ حِينَ تَوَقَّفَ عَنْ مُقَارَنَةِ حَيَاتِهِ بِحَيَاةٍ لَمْ يَعِشْهَا، أَوْ بِحَيَاةِ أَهْلِهِ، أَوْ حَتَّى بِحَيَاةِ أَصْدِقَائِهِ.
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ، لَيْسَ صَمْتَ تَجَنُّبٍ، بَلْ صَمْتَ تَأَمُّلٍ مُشْتَرَكٍ، قَبْلَ أَنْ تَعْلُوَ الضَّحِكَاتُ مِنْ جَدِيدٍ، وَيَتَشَعَّبَ الْحَدِيثُ فِي اتِّجَاهَاتٍ أُخْرَى أَخَفَّ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
نَظَرْتُ حَوْلِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَرَأَيْتُ مَا لَا يُمْكِنُ اخْتِصَارُهُ فِي عِبْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ نَصِيحَةٍ جَاهِزَةٍ: كُلُّ زَوْجَيْنِ وَصَلَا إِلَى مَكَانٍ مُخْتَلِفٍ، بِمَنْطِقٍ مُخْتَلِفٍ، بِحَسَبِ مَا حَمَلَاهُ مَعَهُمَا مِنْ سُورِيَا، وَمَا بَنَيَاهُ هُنَا.
لَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَمْلِكُ وَصْفَةً جَاهِزَةً لِمَا يَحْدُثُ لِعَلَاقَةٍ حِينَ تُنْتَزَعُ مِنْ سِيَاقِهَا الْأَصْلِيِّ وَتُزْرَعُ فِي أَرْضٍ جَدِيدَةٍ. فَبَعْضُهَا يَنْهَارُ، وَبَعْضُهَا يَزْدَهِرُ، وَبَعْضُهَا يَبْقَى مُعَلَّقًا بَيْنَ حَالَةٍ وَأُخْرَى، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَصَائِرِ صَحِيحَةٌ بِطَرِيقَتِهَا، لِأَنَّهَا بِبَسَاطَةٍ مَا حَدَثَ فِعْلًا، لَا مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْدُثَ.
أَمَّا أَنَا وَلَيْلَى، فَلَمْ نَصِلْ بَعْدُ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ نِهَائِيٍّ. مَا زِلْنَا فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، نُحَاوِلُ أَنْ نَبْنِيَ شَيْئًا جَدِيدًا فَوْقَ أَنْقَاضِ الْقِنَاعِ الْقَدِيمِ. لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنَّا سَنَنْجَحُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، نُحَاوِلُ بِوَعْيٍ، لَا بِعَادَةٍ.
كَانَ الصَّبَاحُ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَشْهُرِ، يُشْبِهُ الصَّبَاحَ الْأَوَّلَ مِنَ الرِّوَايَةِ فِي تَفَاصِيلِهِ الظَّاهِرَةِ: الْقَهْوَةُ نَفْسُهَا، وَالشُّرْفَةُ نَفْسُهَا، وَالصَّمْتُ نَفْسُهُ فِي الظَّاهِرِ. لَكِنَّ شَيْئًا جَوْهَرِيًّا قَدْ تَغَيَّرَ تَحْتَ السَّطْحِ.
دَخَلَتْ لَيْلَى الْمَطْبَخَ، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ تَمُرَّ صَامِتَةً كَعَادَتِهَا، جَلَسَتْ أَمَامَ سَامِرٍ مُبَاشَرَةً.
— لَيْلَى: صَبَاحَ الْخَيْرِ. أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِأَمْرٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الْيَوْمُ: نِمْتُ الْبَارِحَةَ وَأَنَا قَلِقَةٌ بَعْضَ الشَّيْءِ.
— سَامِر: قَلِقَةٌ؟ لِمَاذَا؟
— لَيْلَى: قَلِقَةٌ مِنِ اجْتِمَاعِ الْعَمَلِ غَدًا. أَخْشَى أَلَّا أَكُونَ مُسْتَعِدَّةً بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.
كَانَتْ جُمْلَةً بَسِيطَةً، لَا تَحْمِلُ أَزْمَةً كُبْرَى، لَكِنَّهَا كَانَتْ جَدِيدَةً بِمَعْنًى عَمِيقٍ: فَلَيْلَى، الَّتِي اعْتَادَتْ أَنْ تُخْفِيَ قَلَقَهَا خَلْفَ وَاجِهَةِ السَّيْطَرَةِ الْكَامِلَةِ، بَدَأَتْ تُشَارِكُ سَامِرًا تَفَاصِيلَ ضَعْفِهَا الصَّغِيرَةَ، لَا أَسْئِلَتَهُ الْكُبْرَى وَحْدَهَا.
— سَامِر: بِصَرَاحَةٍ؟ وَأَنَا أَيْضًا قَلِقٌ مِنْ أَمْرٍ، لَكِنْ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْعَمَلِ.
— لَيْلَى: قَلِقٌ مِمَّاذَا؟
— سَامِر: قَلِقٌ أَنْ أَقَعَ فِي الْخَطَإِ نَفْسِهِ: أَنْ أَبْدَأَ بِإِخْفَاءِ أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ عَنْكِ بِحُجَّةِ أَنِّي لَا أُرِيدُ إِزْعَاجَكِ بِهَا. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي نُخْفِيهَا هِيَ الَّتِي تَتَرَاكَمُ حَتَّى تُصْبِحَ كَبِيرَةً.
ابْتَسَمَتْ لَيْلَى ابْتِسَامَةً هَادِئَةً.
— لَيْلَى: بِصَرَاحَةٍ، وَأَنَا أَيْضًا أُحَاوِلُ أَنْ أَتَعَلَّمَ أَمْرًا: أَلَّا أُرَاقِبَكَ حَتَّى أَطْمَئِنَّ، بَلْ أَنْ أَسْأَلَكَ حَتَّى أَعْرِفَ. فَثَمَّةَ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، اكْتَشَفْتُهُ مُتَأَخِّرَةً بَعْضَ الشَّيْءِ.
لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَدِيثُ حَلًّا نِهَائِيًّا لِكُلِّ مَا مَرَّا بِهِ، لَكِنَّهُ كَانَ بِدَايَةً مُخْتَلِفَةً: مُحَادَثَةً صَغِيرَةً عَنْ قَلَقٍ صَغِيرٍ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى أَزْمَةٍ كُبْرَى تَدْفَعُهُمَا إِلَيْهَا.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ ظَاهِرِيًّا هَذَا الصَّبَاحَ. الْقَهْوَةُ نَفْسُهَا، وَالشُّرْفَةُ نَفْسُهَا، وَالصَّمْتُ نَفْسُهُ الَّذِي يَبْدُو مِنَ الْخَارِجِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَزَحْزَحْ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ الْآنَ الْفَرْقَ الَّذِي تَحَدَّثَتْ عَنْهُ خَالَةُ لَيْلَى مُنْذُ أَشْهُرٍ: هَذَا لَيْسَ سُكُوتًا بَعْدُ، هَذَا هُدُوءٌ حَقِيقِيٌّ، لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانَتْ مُعَلَّقَةً بَدَأَتْ تُقَالُ، قِطْعَةً قِطْعَةً، صَبَاحًا بَعْدَ صَبَاحٍ.
لَمْ أَعُدْ أَخَافُ مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ كَمَا كُنْتُ فِي الصَّفْحَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ. مَا زِلْتُ أَخَافُ، هَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ خَوْفٌ مُخْتَلِفٌ الْآنَ: خَوْفٌ لَا أَهْرُبُ مِنْهُ، بَلْ أَدْخُلُ فِيهِ بِوَعْيٍ، عَارِفًا أَنَّ الْأَمَانَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي تَجَنُّبِ الْخَوْفِ، بَلْ فِي مُوَاجَهَتِهِ مَعَ مَنْ تُحِبُّ، لَا وَحْدَكَ، وَلَا مَعَ أَحَدٍ سِوَاهَا.
رُبَّمَا هَذَا مَا لَمْ أَكُنْ أَفْهَمُهُ فِي الْبِدَايَةِ: أَنَّ قِصَّتِي لَمْ تَكُنْ يَوْمًا عَنِ الِاخْتِيَارِ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، بَلْ عَنْ تَعَلُّمِ كَيْفَ أَكُونُ صَادِقًا مَعَ نَفْسِي أَوَّلًا، حَتَّى أَسْتَطِيعَ أَنْ أَكُونَ صَادِقًا مَعَ مَنْ أُحِبُّ.
لَاحَظَ سَامِرٌ أَنَّ يُوسُفَ، الَّذِي اعْتَادَ الِانْزِوَاءَ فِي غُرْفَتِهِ، بَدَأَ يَخْرُجُ أَكْثَرَ فِي الْأُمْسِيَاتِ الْأَخِيرَةِ، وَيَجْلِسُ مَعَهُمْ وَقْتًا أَطْوَلَ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
وَفِي أَحَدِ الْمَسَاءَاتِ، وَبَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ كِرِيسْتِينُ إِلَى غُرْفَتِهَا، بَقِيَ يُوسُفُ جَالِسًا، يَتَرَدَّدُ فِي قَوْلِ شَيْءٍ.
— يُوسُف: بَابَا، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِأَمْرٍ، لَكِنْ لَا أُرِيدُكَ أَنْ تَزْعَلَ.
— سَامِر: قُلْ، يَا يُوسُفُ. مَهْمَا كَانَ.
— يُوسُف: أَشْعُرُ أَنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَنْ أَكُونُ بِالضَّبْطِ. فِي الْمَدْرَسَةِ، أَصْدِقَائِي الْأَلْمَانُ يَرَوْنَنِي السُّورِيَّ. وَفِي الْبَيْتِ، أَنْتُمْ أَحْيَانًا تَرَوْنَنِي أَلْمَانِيًّا أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي. وَأَنَا… فِي الْمُنْتَصَفِ، لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ الْجُمْلَةِ. كَانَ يَعْرِفُ هَذَا الشُّعُورَ جَيِّدًا، وَإِنْ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ.
— سَامِر: يَا يُوسُفُ، بِصَرَاحَةٍ؟ حَتَّى أَنَا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَعِيشُ الْإِحْسَاسَ نَفْسَهُ أَحْيَانًا. لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ أَمْرًا: هُوِيَّةُ الْمَرْءِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَقَطْ. يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَنَاقُضًا.
— يُوسُف: لَكِنْ كَيْفَ؟ كَيْفَ أَعْرِفُ مَنْ أَكُونُ إِذَا كَانَتْ كُلُّ جِهَةٍ تَجْذِبُنِي بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؟
— سَامِر: لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ ثَمَّةَ جَوَابٌ يَقِينِيٌّ، يَا يُوسُفُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَمْرًا: كَتَبْتُ طَوَالَ حَيَاتِي لِأَفْهَمَ أَسْئِلَةً كَهَذِهِ، وَلَمْ أَجِدْ جَوَابًا نِهَائِيًّا. وَجَدْتُ فَقَطْ أَنَّ الْهُوِيَّةَ لَيْسَتْ شَيْئًا نَصِلُ إِلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَنْتَهِي الْأَمْرُ، بَلْ هِيَ شَيْءٌ نَظَلُّ نَبْنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، مِنَ الْقِطَعِ الَّتِي نَخْتَارُهَا نَحْنُ، لَا الَّتِي يَفْرِضُهَا عَلَيْنَا غَيْرُنَا.
فَكَّرَ يُوسُفُ فِي الْجُمْلَةِ قَلِيلًا.
— يُوسُف: يَعْنِي يُمْكِنُنِي أَنْ أَخْتَارَ أَنْ أَكُونَ سُورِيًّا بِطَرِيقَتِي أَنَا، لَا بِطَرِيقَتِكَ أَنْتَ وَلَا بِطَرِيقَةِ جَدِّي؟
— سَامِر: بِالضَّبْطِ. وَيُمْكِنُكَ أَيْضًا أَنْ تَخْتَارَ أَنْ تَكُونَ أَلْمَانِيًّا بِطَرِيقَتِكَ أَنْتَ، لَا بِطَرِيقَةِ أَصْدِقَائِكَ فِي الْمَدْرَسَةِ. الِاثْنَانِ مَعًا، عَلَى نَحْوِكَ الْخَاصِّ.
ابْتَسَمَ يُوسُفُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، أَوَّلَ ابْتِسَامَةٍ مُرْتَاحَةٍ يَرَاهَا سَامِرٌ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ أَسَابِيعَ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
سَأَلَنِي يُوسُفُ سُؤَالًا ظَنَنْتُ أَنَّنِي تَجَاوَزْتُهُ مُنْذُ زَمَنٍ، لَكِنَّنِي أَدْرَكْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ أَنَّنِي لَمْ أُجِبْ عَنْهُ يَوْمًا إِجَابَةً كَامِلَةً، بَلْ تَعَلَّمْتُ فَقَطْ أَنْ أَعِيشَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ إِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ.
رُبَّمَا هَذَا أَهَمُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ أُوَرِّثَهُ لِأَبْنَائِي: لَيْسَ إِجَابَاتٍ جَاهِزَةً عَنِ الْهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ، بَلِ الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ يَعِيشُوا مَعَ أَسْئِلَةٍ كَهَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكْسِرَهُمْ، وَأَنْ يَبْنُوا هُوِيَّتَهُمْ قِطْعَةً قِطْعَةً، بِوَعْيٍ، لَا بِإِمْلَاءٍ مِنْ أَحَدٍ: لَا مِنِّي، وَلَا مِنْ مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ يُرِيدُ اسْتِيعَابَهُمْ بِالْكَامِلِ، وَلَا مِنْ مُجْتَمَعٍ قَدِيمٍ يُرِيدُ أَنْ يَبْقَوْا كَمَا كَانُوا.
رُبَّمَا نَحْنُ جَمِيعًا، جِيلِي وَجِيلُ أَبْنَائِي، نَبْنِي هُوِيَّتَنَا فِي الْمَنْفَى بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا: قِطْعَةً قِطْعَةً، مِنْ غَيْرِ خَارِطَةٍ جَاهِزَةٍ، وَبِثِقَةٍ مُتَزَايِدَةٍ بِأَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ الْمُتَقَطِّعَ لَا يَعْنِي ضَيَاعًا، بَلْ شَكْلًا جَدِيدًا مِنَ الِانْتِمَاءِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ قَبْلُ.
عَادَ سَامِرٌ إِلَى مَوْقِعِهِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ بَعْدَ غِيَابٍ دَامَ أَسَابِيعَ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَا الَّذِي يُرِيدُ كِتَابَتَهُ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِيَكْتُبَ شَيْئًا لَمْ يَكْتُبْهُ مِنْ قَبْلُ.
فَتَحَ صَفْحَةً جَدِيدَةً، وَبَدَأَ يَكْتُبُ عَنْ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ: نُور، وَلَيْلَى، وَالْقِنَاعُ الَّذِي ارْتَدَاهُ سَنَوَاتٍ، وَمَازِنٌ وَسِرُّهُ الْقَدِيمُ، وَخَالِدٌ وَذَنْبُ النَّجَاةِ، وَكُلُّ الْأَصْوَاتِ الَّتِي مَرَّتْ فِي حَيَاتِهِ ذَلِكَ الْعَامَ.
كَتَبَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً، مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَكَأَنَّ النَّصَّ يَخْرُجُ مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِدَاخِلِهِ.
حِينَ انْتَهَى، قَرَأَ مَا كَتَبَ. كَانَ نَصًّا صَادِقًا بِقَسْوَةٍ، يَكْشِفُ كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا: خَوْفَهُ، وَجُبْنَهُ الْمُقَنَّعَ بِالْحِكْمَةِ، وَصَمْتَهُ الَّذِي سَمَّاهُ احْتِرَامًا، وَهُرُوبَهُ الَّذِي سَمَّاهُ حُرِّيَّةً.
وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِفْتَاحِ النَّشْرِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
لِسَنَوَاتٍ، كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِالنَّشْرِ، وَأَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَبْقَى حَبِيسَةَ الشَّاشَةِ كَأَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ أَصْلًا.
هَذِهِ اللَّيْلَةَ، أَدْرَكْتُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا: بَعْضُ مَا نَكْتُبُهُ لَيْسَ لِلْعَالَمِ، بَلْ لِأَنْفُسِنَا فَقَطْ. هَذَا النَّصُّ، بِكُلِّ صِدْقِهِ، لَمْ أَكْتُبْهُ لِأُقْرَأَ، بَلْ لِأَفْهَمَ. وَلَوْ نَشَرْتُهُ، لَتَحَوَّلَ صِدْقُهُ إِلَى عَرْضٍ، وَلَفَقَدَ شَيْئًا مِنْ نَقَائِهِ الَّذِي جَعَلَهُ مُمْكِنًا أَصْلًا.
أَغْلَقْتُ الصَّفْحَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَنْشُرَ، لَكِنَّنِي احْتَفَظْتُ بِالنَّصِّ. رُبَّمَا يَوْمًا مَا، حِينَ تَكُونُ الْمَسَافَةُ كَافِيَةً، سَأُعِيدُ قِرَاءَتَهُ وَأُقَرِّرُ إِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَقْرَأَهُ أَحَدٌ غَيْرِي. أَوْ رُبَّمَا سَيَبْقَى كَمَا هُوَ: شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ لِأَحَدٍ، لَكِنَّنِي قُلْتُهُ أَخِيرًا لِنَفْسِي، وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ يَكْفِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
نَادَتْنِي لَيْلَى مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ أَنَّ الْعَشَاءَ جَاهِزٌ. أَغْلَقْتُ الْحَاسُوبَ، وَنَهَضْتُ لِأَلْحَقَ بِهَا، خَفِيفًا بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 06