الِابْنُ الْغَرِيبُ 01

الِابْنُ الْغَرِيبُ – غَرِيبٌ بَينَ أَهْلِهِ (رواية)


الِابْنُ الْغَرِيبُ
غَرِيبٌ بَينَ أَهْلِهِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ إِلَى الْبَيْتِ طَوِيلًا بِقَدْرِ مَا كَانَ غَرِيبًا. كُلُّ شَيْءٍ بَدَا كَمَا تَرَكَهُ: الْمُنْعَطَفُ الْحَادُّ عِنْدَ مَدْخَلِ الْبَلْدَةِ، وَصَفُّ أَشْجَارِ الْحَوَرِ الَّتِي غَرَسَهَا أَهْلُ الْحَيِّ مُنْذُ عُقُودٍ، وَذَلِكَ الْمَقْهَى الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يُبَدِّلْ طَاوِلَاتِهِ مُنْذُ أَنْ كَانَ كَرِيمٌ صَبِيًّا يَشْتَرِي مِنْهُ عُلْبَةَ عَصِيرٍ بَعْدَ الْمَدْرَسَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ كَرِيمٌ يَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ تَبَدَّلَ، لَا فِي الْأَشْيَاءِ، بَلْ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَنْظُرُ بِهَا إِلَيْهَا.
جَلَسَ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ لِلسَّيَّارَةِ الْأُجْرَةِ، يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ كَمَنْ يُرَاجِعُ امْتِحَانًا قَدِيمًا يَعْرِفُ إِجَابَاتِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَاثِقًا مِنْهَا. سَبْعُ سَنَوَاتٍ. سَبْعُ سَنَوَاتٍ مِنَ الدِّرَاسَةِ وَالْعَمَلِ فِي مَدِينَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ بَارِدَةٍ، تَعَلَّمَ فِيهَا أَنْ يَسْأَلَ قَبْلَ أَنْ يُوَافِقَ، وَأَنْ يَشْرَحَ رَأْيَهُ بَدَلَ أَنْ يَبْتَلِعَهُ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَيْسَ خِيَانَةً. وَالْآنَ، وَهُوَ عَلَى بُعْدِ دَقَائِقَ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، شَعَرَ أَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ قَدْ يَكُونُ عِبْئًا أَكْثَرَ مِنْهُ زَادًا.
قَالَ السَّائِقُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمِرْآةِ:
“أَوَّلُ مَرَّةٍ تَرْجِعُ مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ؟”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ: “سَبْعُ سِنِينَ.”
“بَارَكَ اللهُ فِيكَ، لَا بُدَّ أَنَّهُمْ سَعِيدُونَ بِعَوْدَتِكَ.”
لَمْ يُجِبْ كَرِيمٌ. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ كَلِمَةَ “سَعِيدِينَ” كَبِيرَةٌ جِدًّا عَلَى مَا يَنْتَظِرُهُ.
________________________________________
تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ أَمَامَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ، ذَلِكَ الَّذِي بَنَاهُ جَدُّهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ أَبُوهُ غَسَّانُ، وَالَّذِي تَوَسَّعَ طَابِقًا بَعْدَ طَابِقٍ كُلَّمَا كَبُرَتِ الْعَائِلَةُ، حَتَّى صَارَ أَشْبَهَ بِخَرِيطَةٍ لِكُلِّ الْأَجْيَالِ الَّتِي عَاشَتْ فِيهِ. وَقَفَ كَرِيمٌ لَحْظَةً أَمَامَ الْبَابِ الْحَدِيدِيِّ، يَدَاهُ عَلَى حَقِيبَتِهِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ لَا تُشْبِهُ فَرْحَةَ الْعَوْدَةِ، بَلْ تُشْبِهُ أَكْثَرَ خَوْفًا مِنِ امْتِحَانٍ لَمْ يَدْرُسْ لَهُ.
فُتِحَ الْبَابُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَعَ الْجَرَسَ. كَانَتْ سَلْمَى قَدْ سَمِعَتْ صَوْتَ السَّيَّارَةِ مِنْ بَعِيدٍ، فَانْدَفَعَتْ نَحْوَهُ بِخُطُوَاتِ امْرَأَةٍ نَسِيَتْ لِوَهْلَةٍ أَنَّهَا تَجَاوَزَتِ الْخَمْسِينَ.
“كَرِيمُ! يَا حَبِيبِي!”
احْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ، وَبَكَتْ دُونَ أَنْ تُحَاوِلَ إِخْفَاءَ ذَلِكَ. شَمَّ كَرِيمٌ رَائِحَةَ أُمِّهِ، رَائِحَةَ الْقِرْفَةِ وَالزَّيْتِ وَالصَّابُونِ الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ مُنْذُ طُفُولَتِهِ، وَشَعَرَ لِلَحْظَةٍ أَنَّ كُلَّ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي حَمَلَهَا مَعَهُ مِنْ أَلْمَانْيَا قَدْ تَبَخَّرَتْ.
“اشْتَقْتُ إِلَيْكِ يَا أُمِّي.”
“وَأَنَا وَاللهِ، كُلَّ يَوْمٍ أَسْأَلُ رَبِّي أَنْ يُعِيدَكَ سَالِمًا.”
تَرَاجَعَتْ قَلِيلًا لِتَتَأَمَّلَهُ: “طَالَ شَعْرُكَ.”
“وَأَنْتِ ازْدَدْتِ جَمَالًا.”
ضَحِكَتْ، وَمَسَحَتْ دَمْعَهَا بِطَرَفِ مِنْدِيلِهَا: “دَعْكَ مِنَ الْكَلَامِ الْمَعْسُولِ، فِيكَ شَبَهٌ مِنْ أَبِيكَ تَمَامًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ هَكَذَا.”
عِنْدَ ذِكْرِ أَبِيهِ، شَعَرَ كَرِيمٌ بِشَيْءٍ يَضِيقُ فِي صَدْرِهِ. سَأَلَ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ عَادِيًّا: “أَيْنَ وَالِدِي؟”
“فِي الدَّاخِلِ، جَالِسٌ فِي الصَّالُونِ. خَرَجَ مِنَ الْعَمَلِ بَاكِرًا الْيَوْمَ… مِنْ أَجْلِكَ، لَكِنَّكَ تَعْرِفُ طَبْعَهُ.”
________________________________________
دَخَلَ كَرِيمٌ إِلَى الصَّالُونِ الْكَبِيرِ، ذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ مُنْذُ سَبْعِ سَنَوَاتٍ: الْأَرِيكَةُ الْجِلْدِيَّةُ الدَّاكِنَةُ، صُورَةُ الْجَدِّ الْمُعَلَّقَةُ فَوْقَ الْخِزَانَةِ، رَائِحَةُ الْقَهْوَةِ الَّتِي لَا تُفَارِقُ الْبَيْتَ أَبَدًا. كَانَ غَسَّانُ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ الْمُعْتَادِ، يَقْرَأُ الْجَرِيدَةَ كَأَنَّ ابْنَهُ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا سَبْعَ سَنَوَاتٍ، بَلْ خَارِجًا مُنْذُ سَاعَةٍ.
رَفَعَ غَسَّانُ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ، وَنَظَرَ إِلَى كَرِيمٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، لَمْ يَقُمْ فِيهَا، وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ، بَلْ قَالَ فَقَطْ:
“أَهْلًا بِكَ.”
وَقَفَ كَرِيمٌ فِي مَكَانِهِ، لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِيُعَانِقَ أَبَاهُ أَمْ يَنْتَظِرَ إِشَارَةً مِنْهُ. تَقَدَّمَ أَخِيرًا، وَانْحَنَى قَلِيلًا لِيُقَبِّلَ رَأْسَ أَبِيهِ، كَمَا تَعَلَّمَ مُنْذُ صِغَرِهِ أَنْ يَفْعَلَ. شَعَرَ بِيَدِ غَسَّانَ تُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِهِ بِخِفَّةٍ، لَا أَكْثَرَ.
“كَيْفَ حَالُكَ يَا وَالِدِي؟”
“الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَكَانَ الطَّرِيقُ مُتْعِبًا؟”
“بَعْضَ الشَّيْءِ.”
جَلَسَ كَرِيمٌ مُقَابِلَ أَبِيهِ، وَالصَّمْتُ بَيْنَهُمَا أَثْقَلُ مِنْ أَيِّ حَدِيثٍ. أَخِيرًا، بَعْدَ دَقِيقَةٍ طَوِيلَةٍ، رَفَعَ غَسَّانُ عَيْنَيْهِ عَنِ الْجَرِيدَةِ، وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةً فَاحِصَةً، كَمَنْ يَقْرَأُ تَقْرِيرًا طِبِّيًّا.
“تَغَيَّرْتَ.”
قَالَهَا بِلَا مُقَدِّمَةٍ، وَبِلَا نَبْرَةٍ وَاضِحَةٍ، فَلَمْ يَعْرِفْ كَرِيمٌ إِنْ كَانَتْ مُلَاحَظَةً، أَمِ اتِّهَامًا، أَمْ حَتَّى مُجَامَلَةً مُقَنَّعَةً.
“فِي أَيِّ شَيْءٍ يَا أَبِي؟”
لَمْ يُجِبْ غَسَّانُ مُبَاشَرَةً. طَوَى الْجَرِيدَةَ، وَوَضَعَهَا جَانِبًا، وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ كَمَنْ يُهَيِّئُ نَفْسَهُ لِحَدِيثٍ طَوِيلٍ لَمْ يُقَرِّرْ بَعْدُ إِنْ كَانَ سَيَخُوضُهُ الْآنَ أَمْ يُؤَجِّلُهُ.
“فِي طَرِيقَةِ كَلَامِكَ. فِي طَرِيقَةِ جُلُوسِكَ. حَتَّى فِي طَرِيقَةِ نَظَرِكَ إِلَيَّ الْآنَ.”
“نَظْرَتِي؟”
“نَعَمْ. فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ قَبْلُ. كَأَنَّكَ تُحَلِّلُنِي.”
ابْتَلَعَ كَرِيمٌ رِيقَهُ. لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ تَبْدَأَ الْمُوَاجَهَةُ مِنَ الدَّقِيقَةِ الْأُولَى، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ أَبَاهُ، بِحِسِّهِ الْفِطْرِيِّ الَّذِي لَا يُخْطِئُ، قَدِ الْتَقَطَ شَيْئًا حَقِيقِيًّا: نَعَمْ، كَانَ كَرِيمٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَيْنٍ تَعَلَّمَتْ أَنْ تَسْأَلَ “لِمَاذَا”، لَا أَنْ تَكْتَفِيَ بِـ”هَكَذَا هُوَ الْحَالُ“.
“لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أُحَلِّلَكَ يَا أَبِي. غَيْرَ أَنِّي رُبَّمَا تَعَلَّمْتُ هُنَاكَ أَنْ أُلَاحِظَ أَشْيَاءَ أَكْثَرَ.”
“وَمَاذَا لَاحَظْتَ؟”
كَانَ السُّؤَالُ مُبَاشِرًا، يَكَادُ يَكُونُ تَحَدِّيًا. شَعَرَ كَرِيمٌ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ سَيَقُولُهَا الْآنَ سَتُبْنَى عَلَيْهَا الْأَشْهُرُ الْقَادِمَةُ كُلُّهَا.
“لَاحَظْتُ أَنَّنَا هُنَا، فِي الْبَيْتِ، لَا نَتَحَدَّثُ كَثِيرًا عَنْ مَشَاعِرِنَا. نَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَاجِبِ، عَنِ الْعَيْبِ، عَمَّا سَيَقُولُهُ النَّاسُ. لَكِنَّنَا لَا نَتَحَدَّثُ: كَيْفَ حَالُكَ؟ مِمَّ تَخَافُ؟ مَاذَا تُحِبُّ؟”
صَمَتَ غَسَّانُ طَوِيلًا. لَمْ يَكُنِ الْغَضَبُ هُوَ مَا ظَهَرَ عَلَى وَجْهِهِ، بَلْ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالتَّعَبِ.
“لَمْ نُرَبَّ عَلَى أَنْ نَتَحَدَّثَ هَكَذَا يَا كَرِيمُ. رُبِّينَا عَلَى أَنْ نَعْمَلَ، وَأَنْ نُؤَمِّنَ الْبَيْتَ، وَأَنْ نَحْمِيَ الْعَائِلَةَ. أَمَّا الْمَشَاعِرُ… فَالْمَشَاعِرُ رَفَاهِيَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ النَّاسِ أَنْ يَسْمَحُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِهَا.”
“لَكِنَّهَا لَيْسَتْ رَفَاهِيَةً يَا أَبِي. إِنَّهَا… أَسَاسٌ. إِنْ لَمْ نَتَحَدَّثْ عَنْ مَشَاعِرِنَا، سَنَظَلُّ نُكَرِّرُ الْخَطَأَ نَفْسَهُ دُونَ أَنْ نَعْرِفَ لِمَاذَا.”
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةً فِيهَا خَلِيطٌ مِنَ الْفَخْرِ وَالْقَلَقِ، فَخْرٌ بِأَنَّ ابْنَهُ صَارَ رَجُلًا يُفَكِّرُ، وَقَلَقٌ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّفْكِيرَ قَدْ يَقْلِبُ بَيْتًا بَنَاهُ بِيَدَيْهِ عَلَى مَدَى ثَلَاثِينَ عَامًا.
“أَتَرَى يَا كَرِيمُ؟ مُنْذُ أَوَّلِ دَقِيقَةٍ، وَأَنْتَ تُحَاوِلُ أَنْ تُغَيِّرَ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِنَا. نَحْنُ لَسْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَأْتِي مِنَ الْخَارِجِ لِيُعَلِّمَنَا كَيْفَ نَشْعُرُ.”
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ شَرَارَةٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَشْتَعِلْ. دَخَلَتْ سَلْمَى تَحْمِلُ صِينِيَّةَ قَهْوَةٍ، وَكَسَرَتِ التَّوَتُّرَ بِجُمْلَةٍ عَابِرَةٍ:
“يَا اللهُ، دَعَاكُمَا الْكَلَامَ السِّيَاسِيَّ، اتْرُكَا الْوَلَدَ يَسْتَرِيحُ، فَقَدْ أَتَى لِتَوِّهِ مِنْ عَنَاءِ السَّفَرِ.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ لِأُمِّهِ، مُمْتَنًّا لِتَدَخُّلِهَا، بَيْنَمَا بَقِيَ غَسَّانُ صَامِتًا، يُحَدِّقُ فِي فِنْجَانِهِ، كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ لَمْ يَقُلْهُ بَعْدُ.
________________________________________
قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ، مَرَّ أَمَامَ بَابِ غُرْفَةِ جَدَّتِهِ زَهْرَةَ، فَوَجَدَهُ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، وَرَأَى ضَوْءَ الْمِصْبَاحِ الْخَافِتَ يَتَسَلَّلُ مِنْهُ. دَفَعَ الْبَابَ بِرِفْقٍ.
“جَدَّتِي؟”
كَانَتْ زَهْرَةُ جَالِسَةً عَلَى سَرِيرِهَا، تُمْسِكُ بِمِسْبَحَتِهَا كَعَادَتِهَا، فَابْتَسَمَتْ حِينَ رَأَتْهُ ابْتِسَامَةً وَاسِعَةً كَشَفَتْ عَنْ قِلَّةِ أَسْنَانِهَا.
“يَا قُرَّةَ عَيْنِي، كَرِيمُ! تَعَالَ، تَعَالَ، دَعْنِي أَرَاكَ جَيِّدًا.”
جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ بَيْنَ يَدَيْهَا الْمُتَجَعِّدَتَيْنِ، وَتَفَحَّصَتْ وَجْهَهُ طَوِيلًا كَمَنْ يَقْرَأُ فِي خُطُوطِهِ فُصُولًا لَمْ تُرْوَ بَعْدُ.
“حَفِظَكَ اللهُ لِي. اشْتَقْتُ إِلَيْكَ كَثِيرًا يَا حَبِيبِي. كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَسْأَلُ رَبِّي أَنْ يُعِيدَكَ سَالِمًا.”
“وَأَنَا اشْتَقْتُ إِلَيْكِ يَا جَدَّتِي. كَيْفَ حَالُكِ؟ أَصِحَّتُكِ جَيِّدَةٌ؟”
“الْحَمْدُ لِلَّهِ، غَيْرَ أَنَّ الْعُمْرَ عُمْرٌ، لَا يَرْجِعُ إِلَى الْوَرَاءِ. الْمُهِمُّ كَيْفَ حَالُكَ أَنْتَ؟ سَمِعْتُ أَنَّهُ صَارَتْ لَدَيْكَ أَفْكَارٌ جَدِيدَةٌ هُنَاكَ، فِي أَلْمَانْيَا.”
ضَحِكَ كَرِيمٌ بِخِفَّةٍ: “بَعْضَ الشَّيْءِ يَا جَدَّتِي. تَعَلَّمْتُ أَشْيَاءَ، وَرَأَيْتُ حَيَاةً مُخْتَلِفَةً عَنِ الَّتِي عِشْنَاهَا هُنَا.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ زَهْرَةُ نَظْرَةً فِيهَا حِكْمَةُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَمْ يَعْتَدْهُ مِنْهَا:
“أَعْرِفُ يَا كَرِيمُ أَنَّ وَالِدَكَ يَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ هَذَا التَّغَيُّرَ بِسُرْعَةٍ. لَيْسَ رَجُلًا قَاسِيًا، لَكِنَّهُ رَجُلٌ خَائِفٌ. وَأَنَا… كُنْتُ خَائِفَةً طَوَالَ عُمْرِي، وَلَمْ يُعَلِّمْنِي أَحَدٌ غَيْرَ ذَلِكَ.”
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَسْمَعُ فِيهَا كَرِيمٌ جَدَّتَهُ تَتَحَدَّثُ عَنِ الْخَوْفِ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ، وَشَعَرَ أَنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْقَصِيرَةِ حِكَايَةً كَامِلَةً لَمْ تُرْوَ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُلِحَّ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ، فَاكْتَفَى بِأَنْ قَبَّلَ يَدَهَا وَقَالَ:
“سَنَتَحَدَّثُ كَثِيرًا يَا جَدَّتِي، لَدَيَّ وَقْتٌ الْآنَ.”
“إِنْ شَاءَ اللهُ يَا حَبِيبِي. إِنْ شَاءَ اللهُ.”
________________________________________
خَرَجَ مِنْ غُرْفَةِ جَدَّتِهِ لِيَجِدَ أَخَاهُ الْأَصْغَرَ زِيَادَ وَاقِفًا فِي الْمَمَرِّ، يَنْتَظِرُهُ بِصَمْتٍ خَجُولٍ، كَمَنْ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَبْدَأُ حَدِيثًا مَعَ أَخٍ لَمْ يَرَهُ مُنْذُ كَانَ فِي الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، وَالْآنَ صَارَ شَابًّا فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ.
“زِيَادُ! يَا لَهُ مِنْ كِبَرٍ!”
عَانَقَهُ كَرِيمٌ بِحَرَارَةٍ، وَشَعَرَ بِفَرْحَةِ زِيَادَ الْحَقِيقِيَّةِ، غَيْرِ الْمُصْطَنَعَةِ، تِلْكَ الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ بَعْدُ أَثْقَالَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ.
“كُنْتُ فِي انْتِظَارِ وُصُولِكَ، لَكِنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أُزْعِجَكَ وَأَنْتَ مُتْعَبٌ.”
“لَا، انْتَهَى الْأَمْرُ، تَعَالَ اجْلِسْ مَعِي قَلِيلًا.”
جَلَسَا فِي غُرْفَةِ كَرِيمٍ، وَبَدَأَ زِيَادُ، بِحَذَرِ مَنْ يَخْتَبِرُ تُرْبَةً جَدِيدَةً، يَسْأَلُ عَنْ أَلْمَانْيَا، عَنِ الْجَامِعَةِ، عَنِ الْحَيَاةِ هُنَاكَ، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ فُضُولَ طِفْلٍ لَمْ يَكْبُرْ بَعْدُ، وَشَوْقَ شَابٍّ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ إِنْ كَانَ ثَمَّةَ طَرِيقٌ آخَرُ غَيْرُ الَّذِي رُسِمَ لَهُ.
“كَرِيمُ… حِينَ رَحَلْتَ، أَكُنْتَ خَائِفًا؟”
“كَثِيرًا. لَكِنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْبَقَاءِ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ خَوْفِ الرَّحِيلِ.”
“وَالْآنَ؟ أَتَشْعُرُ بِأَنَّكَ نَادِمٌ؟”
فَكَّرَ كَرِيمٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ: “لَا. غَيْرَ أَنِّي أَشْعُرُ أَنَّ الْعَوْدَةَ أَصْعَبُ مِنَ الرَّحِيلِ. لِأَنِّي حِينَ رَحَلْتُ، كُنْتُ أَنَا وَحْدِي مَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَغَيَّرَ. أَمَّا الْآنَ، فَكُلُّ مَا حَوْلِي عَلَيْهِ أَنْ يَتَغَيَّرَ مَعِي، وَهَذَا أَمْرٌ لَيْسَ بِيَدِي.”
نَظَرَ زِيَادُ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، كَأَنَّهُ يَبُوحُ بِسِرٍّ:
“أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ الْهَنْدَسَةَ خَارِجَ الْبِلَادِ أَنَا أَيْضًا. لَكِنَّ وَالِدِي يَرْفُضُ ذَلِكَ تَمَامًا. يَقُولُ إِنَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَبْقَى هُنَا، وَأُكْمِلَ فِي الْجَامِعَةِ الْمَحَلِّيَّةِ، ثُمَّ أَعْمَلَ مَعَهُ فِي الْمَحَلِّ.”
“وَأَنْتَ، مَاذَا تُرِيدُ؟”
“لَا أَدْرِي. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، الْخَجُولَةُ، تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا كُلَّ الصِّرَاعِ الَّذِي سَيَعِيشُهُ كَرِيمٌ مَعَ نَفْسِهِ فِي الْأَشْهُرِ الْقَادِمَةِ: كَيْفَ يُشَجِّعُ أَخَاهُ عَلَى أَنْ يَحْلُمَ، دُونَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ يَزْرَعُ بَذْرَةَ الشِّقَاقِ الْجَدِيدَةَ فِي بَيْتٍ لَمْ يَتَعَافَ بَعْدُ مِنْ شِقَاقِهِ الْقَدِيمِ؟
“دَعْنَا نَأْخُذْ وَقْتَنَا يَا زِيَادُ. الْمَوْضُوعُ لَيْسَ بَسِيطًا، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَدْفَعَكَ إِلَى قَرَارٍ بِسُرْعَةٍ. لَكِنَّ الَّذِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِدَكَ بِهِ: سَأَكُونُ مَعَكَ، وَلَنْ أَتْرُكَكَ وَحِيدًا كَمَا كُنْتُ أَنَا.”
ابْتَسَمَ زِيَادُ ابْتِسَامَةَ امْتِنَانٍ صَادِقَةً، وَخَرَجَ مِنَ الْغُرْفَةِ وَهُوَ يَشْعُرُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَنَّ أَحَدًا فِي هَذَا الْبَيْتِ الْكَبِيرِ قَدْ أَصْغَى إِلَيْهِ حَقًّا.
________________________________________
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ كَرِيمٌ فِي غُرْفَتِهِ الْقَدِيمَةِ ـ تِلْكَ الَّتِي بَقِيَتْ كَمَا تَرَكَهَا، بِمُلْصَقَاتِ فِرْقَتِهِ الْمُوسِيقِيَّةِ الْمُفَضَّلَةِ عَلَى الْحَائِطِ، وَسَرِيرِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي بَدَا لَهُ الْآنَ أَصْغَرَ مِمَّا يَتَذَكَّرُ ـ نَزَلَ إِلَى الْمَطْبَخِ لِيَشْرَبَ كَأْسَ مَاءٍ، فَوَجَدَ أُخْتَهُ رِيمَا جَالِسَةً وَحْدَهَا عَلَى طَاوِلَةِ الْمَطْبَخِ، تُحَدِّقُ فِي هَاتِفِهَا بِلَا تَرْكِيزٍ.
“رِيمَا! لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكِ هُنَا.”
نَهَضَتْ وَعَانَقَتْهُ بِحَرَارَةٍ أَقَلَّ مِنْ حَرَارَةِ أُمِّهَا، لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ: “أَتَيْتُ لِزِيَارَةِ أُمِّي، وَإِذْ عَلِمْتُ أَنَّكَ سَتَصِلُ الْيَوْمَ، أَحْبَبْتُ أَنْ أَرَاكَ.”
جَلَسَا مَعًا، وَسَأَلَهَا كَرِيمٌ عَنْ حَيَاتِهَا، عَنْ زَوْجِهَا، عَنِ ابْنَتِهَا الصَّغِيرَةِ. أَجَابَتْ بِجُمَلٍ قَصِيرَةٍ، مُقْتَضَبَةٍ، فِيهَا ابْتِسَامَةٌ مُعْتَادَةٌ لَا تُخْفِي تَمَامًا شَيْئًا آخَرَ تَحْتَهَا.
“تَبْدِينَ مُتْعَبَةً يَا رِيمَا.”
“لَا، غَيْرَ أَنَّهَا الْحَيَاةُ، تَعْرِفُ.”
“لَا، لَا أَعْرِفُ. حَدِّثِينِي.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ رِيمَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهَا تَزِنُ إِنْ كَانَ أَخُوهَا، بَعْدَ سَبْعِ سَنَوَاتِ غِيَابٍ، لَا يَزَالُ يَسْتَحِقُّ أَنْ تُشَارِكَهُ شَيْئًا حَقِيقِيًّا.
“بِصَرَاحَةٍ يَا كَرِيمُ؟ أَنَا مُتْعَبَةٌ مِنْ أَنِّي دَائِمًا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ بِخَيْرٍ. مِنْ أَنِّي تَزَوَّجْتُ وَأَنَا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي، وَلَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ إِنْ كَانَ هَذَا قَرَارِي الْحَقِيقِيَّ أَمْ قَرَارَ الْجَمِيعِ مِنْ حَوْلِي.”
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ جُمْلَةٍ تُقَالُ فِي هَذَا الْبَيْتِ تُشْبِهُ مَا كَانَ كَرِيمٌ يَبْحَثُ عَنْهُ: اعْتِرَافٌ صَادِقٌ، لَا يُخْفِي وَرَاءَ الْعَادَةِ وَالتَّقْلِيدِ.
“وَلِمَاذَا لَمْ تَقُولِي لِي هَذَا مِنْ قَبْلُ؟”
“لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ. وَأَنْتَ… رَحَلْتَ. وَأَنَا بَقِيتُ. وَكُلُّ وَاحِدٍ فِينَا صَارَ يَحْمِلُ حِكَايَتَهُ وَحْدَهُ.”
شَعَرَ كَرِيمٌ بِثِقَلٍ فِي صَدْرِهِ، لَيْسَ ذَنْبًا بِالضَّبْطِ، بَلْ شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى إِدْرَاكٍ مُتَأَخِّرٍ: أَنَّهُ بَيْنَمَا كَانَ يَبْنِي حَيَاةً جَدِيدَةً لِنَفْسِهِ بَعِيدًا، بَقِيَ أَهْلُهُ هُنَا يَعِيشُونَ حَيَاتَهُمْ دُونَ أَنْ يُشَارِكَهُمْ أَحَدٌ أَسْئِلَتَهُمْ.
“أَنَا آسِفٌ يَا رِيمَا.”
“لَا تَعْتَذِرْ. أَنْتَ فَعَلْتَ مَا شَعَرْتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ. غَيْرَ أَنَّكَ الْآنَ، إِذْ عُدْتَ، لَا تَظُنَّنَّ أَنَّ عَوْدَتَكَ سَتُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ. الْبَيْتُ تَغَيَّرَ، وَأَنْتَ تَغَيَّرْتَ، وَلَنْ يَكُونَ سَهْلًا أَنْ نَلْتَقِيَ مِنْ جَدِيدٍ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ كَافِيَةً لِتَتْرُكَ كَرِيمًا مُسْتَيْقِظًا حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، يُعِيدُ التَّفْكِيرَ فِي كُلِّ مَا قَالَهُ أَبُوهُ، وَكُلِّ مَا لَمْ تَقُلْهُ أُمُّهُ، وَكُلِّ مَا اعْتَرَفَتْ بِهِ أُخْتُهُ لِتَوِّهَا. شَعَرَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ بَعْدُ إِلَى بَيْتٍ، بَلْ عَادَ إِلَى مُعَادَلَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنْ مَشَاعِرَ مُتَرَاكِمَةٍ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدْ جَرُؤَ عَلَى النُّطْقِ بِهَا مِنْ قَبْلُ.
________________________________________
وَفِي غُرْفَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، فَتَحَ هَاتِفَهُ وَكَتَبَ رِسَالَةً لِلِينَا، حَبِيبَتِهِ الَّتِي بَقِيَتْ فِي أَلْمَانْيَا:
“وَصَلْتُ. الْبَيْتُ كَمَا هُوَ، لَكِنِّي أَشْعُرُ أَنِّي أَنَا مَنْ تَغَيَّرَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي. أَهْلِي يُحِبُّونَنِي، هَذَا أَكِيدٌ. لَكِنَّ حُبَّهُمْ يَأْتِي مَعَ قَائِمَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّوَقُّعَاتِ لَمْ أَعُدْ مُتَأَكِّدًا أَنِّي قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ بِهَا كُلِّهَا.”
رَدَّتْ عَلَيْهِ بَعْدَ قَلِيلٍ: “خُذْ وَقْتَكَ. لَسْتَ مُضْطَرًّا أَنْ تَحُلَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ.”
كَتَبَ لَهَا مُجَدَّدًا: “الْمُشْكِلَةُ أَنَّ الْوَقْتَ نَفْسَهُ هُنَا لَيْسَ مِلْكِي. لِكُلِّ شَيْءٍ جَدْوَلٌ: الْعِيدُ، الزِّيَارَاتُ، انْتِظَارَاتُ أَبِي، انْتِظَارَاتُ أُمِّي. حَتَّى وَقْتِي مَعَ نَفْسِي عَلَيَّ أَنْ أَسْرِقَهُ سَرِقَةً.”
“أَلَا تَظُنُّ أَنَّكَ تُبَالِغُ قَلِيلًا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ؟”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ رَغْمًا عَنْهُ أَمَامَ الشَّاشَةِ. كَانَتْ لِينَا مُحِقَّةً، دَائِمًا، بِطَرِيقَتِهَا الْهَادِئَةِ الَّتِي لَا تَحْمِلُ حُكْمًا، بَلْ سُؤَالًا يَفْتَحُ بَابًا. لَكِنَّهُ شَعَرَ أَيْضًا أَنَّ ثَمَّةَ مَسَافَةً لَا يُمْكِنُ لِلِينَا أَنْ تَفْهَمَهَا كَامِلَةً: هِيَ لَمْ تَكْبُرْ فِي بَيْتٍ يُقَاسُ فِيهِ الْحُبُّ بِمِقْدَارِ الطَّاعَةِ، وَلَمْ تَتَعَلَّمْ أَنَّ كَلِمَةَ “لَا” يُمْكِنُ أَنْ تُفْهَمَ خِيَانَةً.
“رُبَّمَا. لَكِنَّكِ لَمْ تَكْبُرِي هُنَا. لَيْسَ سَهْلًا أَنْ أَشْرَحَ لَكِ أَشْيَاءَ كَهَذِهِ عَنْ بُعْدٍ.”
“أَعْرِفُ. لِهَذَا لَا أُحَاوِلُ أَنْ أَشْرَحَ لَكَ شُعُورَكَ، إِنَّمَا أُذَكِّرُكَ فَقَطْ أَنْ تَتَنَفَّسَ. الْبَيْتُ لَنْ يَنْهَارَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْتَ أَيْضًا لَسْتَ مُضْطَرًّا أَنْ تُصْلِحَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.”
أَغْلَقَ الْهَاتِفَ بَعْدَ أَنْ تَبَادَلَا كَلِمَاتِ حُبٍّ مُخْتَصَرَةً، وَبَقِيَ مُسْتَلْقِيًا فِي الْعَتْمَةِ، يَنْظُرُ إِلَى سَقْفِ غُرْفَتِهِ الَّذِي رَافَقَ نَوْمَهُ مُنْذُ الطُّفُولَةِ، يُحَاوِلُ أَنْ يُرَتِّبَ فِي ذِهْنِهِ مَا جَرَى فِي هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ: أَبٌ لَمْ يَمْنَحْهُ أَكْثَرَ مِنْ مُصَافَحَةٍ بَارِدَةٍ وَجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ قَاسِيَةٍ بِقَدْرِ مَا هِيَ صَادِقَةٌ، أُمٌّ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَنَانُهَا، أُخْتٌ تَحْمِلُ نَدَمًا لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى الْبَوْحِ بِهِ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، جَدَّةٌ تَعْتَرِفُ فَجْأَةً بِخَوْفٍ قَدِيمٍ، وَأَخٌ صَغِيرٌ يَبْحَثُ فِي عَيْنَيْهِ عَنْ إِذْنٍ لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَحَهُ إِيَّاهُ.
________________________________________
وَفِي الطَّابِقِ السُّفْلِيِّ، بَيْنَمَا كَانَ الْبَيْتُ كُلُّهُ يَغْرَقُ فِي نَوْمِهِ، كَانَ غَسَّانُ لَا يَزَالُ مُسْتَيْقِظًا، جَالِسًا وَحِيدًا فِي الصَّالُونِ الْمُعْتِمِ، يُدِيرُ فِي يَدِهِ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ بَارِدٍ لَمْ يَعُدْ يَشْرَبُهُ، وَيَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهِ جُمْلَةَ ابْنِهِ: “لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مَشَاعِرِنَا”.
لَمْ يَكُنْ غَسَّانُ رَجُلًا يَعْتَرِفُ بِسُهُولَةٍ، لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ، لَكِنَّهُ، فِي هَذَا الصَّمْتِ اللَّيْلِيِّ الَّذِي لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، سَمَحَ لِنَفْسِهِ أَنْ يُفَكِّرَ: أَكَانَ قَاسِيًا أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي حِينَ اسْتَقْبَلَ ابْنَهُ بِجُمْلَةٍ نَاقِصَةِ الدِّفْءِ؟ أَكَانَ الْخَوْفُ مِنْ فُقْدَانِ السَّيْطَرَةِ عَلَى بَيْتِهِ هُوَ مَا تَكَلَّمَ بَدَلَ قَلْبِهِ؟ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ إِجَابَةً وَاضِحَةً، لَكِنَّهُ شَعَرَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، أَنَّ ثَمَّةَ سُؤَالًا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ، سُؤَالًا لَمْ يَكُنْ يَجْرُؤُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى عَلَى صِيَاغَتِهِ:
“أَأَنَا الْأَبُ الَّذِي أَرَدْتُ أَنْ أَكُونَهُ، أَمِ الْأَبُ الَّذِي عُلِّمْتُ أَنْ أَكُونَهُ؟”
أَطْفَأَ النُّورَ فِي الصَّالُونِ، وَصَعِدَ إِلَى غُرْفَتِهِ بِخُطًى ثَقِيلَةٍ، تَارِكًا خَلْفَهُ بَيْتًا هَادِئًا فِي ظَاهِرِهِ، لَكِنَّهُ، تَحْتَ هَذَا الْهُدُوءِ، قَدْ بَدَأَ لِلتَّوِّ يَتَحَرَّكُ نَحْوَ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ سَاكِنِيهِ مُسْتَعِدًّا تَمَامًا لِمُوَاجَهَتِهِ.
________________________________________
فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، لَمْ يَكُنْ كَرِيمٌ قَدْ نَامَ بَعْدُ. كَانَ يَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهِ، بِلَا قَصْدٍ، صُورَةَ الْيَوْمِ الَّذِي غَادَرَ فِيهِ هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ: الْحَقِيبَةَ نَفْسَهَا الَّتِي حَمَلَهَا الْيَوْمَ، لَكِنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ أَخَفَّ بِكَثِيرٍ، وَوَجْهَ أُمِّهِ الَّذِي بَكَى حِينَئِذٍ كَمَا بَكَى الْيَوْمَ، لَكِنْ بِدَمْعٍ يَحْمِلُ خَوْفًا مِنَ الْمَجْهُولِ لَا فَرَحًا بِالْعَوْدَةِ. تَذَكَّرَ كَيْفَ وَقَفَ أَمَامَ الْبَابِ ذَاتِهِ، وَكَيْفَ نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ السَّيَّارَةَ إِلَى الْمَطَارِ، وَاعِدًا نَفْسَهُ بِأَنَّهُ سَيَعُودُ يَوْمًا رَجُلًا أَفْضَلَ، قَادِرًا أَنْ يَمْنَحَ هَذَا الْبَيْتَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُ حِينَ غَادَرَ.
وَالْآنَ، بَعْدَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ، عَادَ فِعْلًا رَجُلًا مُخْتَلِفًا، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ، وَهُوَ يَسْتَعِيدُ تَفَاصِيلَ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ، أَنَّ “الْأَفْضَلَ” الَّذِي حَلَمَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بِالضَّرُورَةِ هُوَ “الْأَفْضَلَ” الَّذِي يَنْتَظِرُهُ بَيْتُهُ. فَمَا تَعَلَّمَهُ هُنَاكَ مِنْ قِيمَةِ السُّؤَالِ وَالْمُصَارَحَةِ وَالِاخْتِيَارِ الْحُرِّ، قَدْ يَكُونُ هُوَ بِالضَّبْطِ مَا سَيُقْرَأُ هُنَا خَطَرًا يُهَدِّدُ نِظَامًا قَدِيمًا، لَا هَدِيَّةً يُقَدِّمُهَا ابْنٌ عَائِدٌ لِأَهْلِهِ.
فَكَّرَ فِي وَجْهِ أَبِيهِ حِينَ قَالَ “تَغَيَّرْتَ”، وَحَاوَلَ أَنْ يَفْهَمَ: أَكَانَتْ كَلِمَةَ حُزْنٍ عَلَى شَيْءٍ ضَائِعٍ، أَمْ كَلِمَةَ خَوْفٍ مِنْ شَيْءٍ قَادِمٍ، أَمْ، وَهَذَا مَا بَدَأَ كَرِيمٌ يَخْشَاهُ أَكْثَرَ، كَلِمَةَ تَحْذِيرٍ مُبَطَّنٍ بِأَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ لَنْ يُقَابَلَ بِالتَّرْحِيبِ الَّذِي كَانَ يَتَمَنَّاهُ؟
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ أَخِيرًا، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّيَالِيَ الْقَادِمَةَ لَنْ تَكُونَ أَسْهَلَ مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، لَكِنَّهُ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، شَعَرَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ السَّكِينَةَ الْغَرِيبَةَ: فَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ، أَدْرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الصَّبِيَّ الَّذِي كَانَ يَخَافُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَأْيِهِ. لَقَدْ عَادَ رَجُلًا يَعْرِفُ أَنَّ الْفَهْمَ، مَهْمَا كَلَّفَ، أَفْضَلُ مِنْ صَمْتٍ يَطُولُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
وَهَكَذَا انْتَهَى أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ عَوْدَةِ الْغَرِيبِ إِلَى بَيْتِهِ، لَا بِمُصَالَحَةٍ، وَلَا بِقَطِيعَةٍ، بَلْ بِشَيْءٍ أَدَقَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْعَبَ: بِدَايَةُ سُؤَالٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْبَيْتِ الْكَبِيرِ مُسْتَعِدًّا بَعْدُ لِأَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِصِدْقٍ كَامِلٍ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِعَوْدَتِهِ، خَرَجَ كَرِيمٌ مِنَ الْبَيْتِ بَاكِرًا، قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ أَحَدٌ، هَارِبًا مِنْ نَظَرَاتِ الصَّبَاحِ الْمُحَمَّلَةِ بِأَسْئِلَةٍ لَمْ يَجِدْ بَعْدُ إِجَابَاتٍ لَهَا. مَشَى فِي شَوَارِعِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ، حَيْثُ لَا يَزَالُ الْجَمِيعُ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ، وَحَيْثُ كُلُّ بَابٍ يُفْتَحُ يَحْمِلُ اسْمَ عَائِلَةٍ يَعْرِفُهَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ. تَوَقَّفَ أَخِيرًا أَمَامَ مَحَلٍّ صَغِيرٍ لِبَيْعِ قِطَعِ غِيَارِ السَّيَّارَاتِ، كُتِبَ عَلَيْهِ بِخَطٍّ عَرِيضٍ: “طَارِقٌ لِلتِّجَارَةِ”.
دَخَلَ، فَرَأَى صَدِيقَ طُفُولَتِهِ وَاقِفًا خَلْفَ الطَّاوِلَةِ، أَسْمَنَ قَلِيلًا مِمَّا يَتَذَكَّرُهُ، لَكِنَّ ابْتِسَامَتَهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
“يَا لَلْعَجَبِ! كَرِيمُ! أَأَنْتَ هُنَا حَقًّا؟”
خَرَجَ طَارِقٌ مِنْ خَلْفِ الطَّاوِلَةِ مُسْرِعًا، وَعَانَقَ كَرِيمًا عِنَاقًا طَوِيلًا، ثُمَّ أَمْسَكَ بِكَتِفَيْهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ بِفَخْرٍ وَدَهْشَةٍ مَعًا.
“يَا رَجُلُ، صِرْتَ سَيِّدًا أَنِيقًا! تَبَدَّلَتْ هَيْئَتُكَ كَثِيرًا.”
ضَحِكَ كَرِيمٌ: “وَأَنْتَ، صِرْتَ صَاحِبَ مَحَلٍّ! مَبْرُوكٌ.”
“مَحَلُّ وَالِدِي، لَا مَحَلِّي. غَيْرَ أَنَّهُ، عَلَى كُلِّ حَالٍ، هُوَ الرِّزْقُ.”
أَغْلَقَ طَارِقٌ الْمَحَلَّ مُؤَقَّتًا، وَجَلَسَا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قَرِيبٍ، عَلَى طَاوِلَةٍ بِجَانِبِ النَّافِذَةِ، حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَرَيَا الشَّارِعَ دُونَ أَنْ يُرَيَا كَثِيرًا مِنْهُ.
طَلَبَا قَهْوَتَيْنِ، وَبَدَأَ الْحَدِيثُ خَفِيفًا: عَنْ أَيَّامِ الْمَدْرَسَةِ، عَنْ مُعَلِّمِ الرِّيَاضِيَّاتِ الَّذِي كَانَ يُخِيفُهُمَا، عَنْ مُبَارَاةِ كُرَةِ قَدَمٍ لَعِبَاهَا مَعًا قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا وَمَا زَالَا يَتَذَكَّرَانِ تَفَاصِيلَهَا. لَكِنَّ كَرِيمًا، الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ الْأَحَادِيثَ السَّطْحِيَّةَ بَعْدَ كُلِّ مَا جَرَى فِي الْبَيْتِ، سَأَلَ فَجْأَةً:
“طَارِقُ، بِصَرَاحَةٍ، أَأَنْتَ سَعِيدٌ؟”
تَوَقَّفَ طَارِقٌ عَنِ الِابْتِسَامِ لِلَحْظَةٍ، كَمَنْ فُوجِئَ بِسُؤَالٍ لَمْ يُسْأَلْهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
“مَاذَا تَعْنِي بِسَعِيدٍ؟”
“أَعْنِي… حَيَاتَكَ. زَوَاجَكَ. عَمَلَكَ. أَكَانَتْ كُلُّهَا اخْتِيَارَكَ، أَمْ كَانَتْ مَرْسُومَةً قَبْلَ أَنْ تَعِيَ عَلَيْهَا؟”
ضَحِكَ طَارِقٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، فِيهَا مَرَارَةٌ أَكْثَرُ مِمَّا تَحْمِلُهُ الضَّحْكَةُ عَادَةً.
“يَا كَرِيمُ، كُنْتَ دَائِمًا هَكَذَا، تَسْأَلُ أَسْئِلَةً لَا يَسْأَلُهَا أَحَدٌ. مُنْذُ أَيَّامِ الْمَدْرَسَةِ.”
“أَوَهَذَا أَمْرٌ سَيِّئٌ؟”
“لَا. لَكِنَّهُ صَعْبٌ. لِأَنَّهُ حِينَ تَسْأَلُ، عَلَيْكَ أَنْ تَسْمَعَ الْجَوَابَ، وَأَنَا لَسْتُ مُتَأَكِّدًا أَنِّي مُسْتَعِدٌّ لِأَسْمَعَ جَوَابِي أَنَا.”
صَمَتَ قَلِيلًا، يُقَلِّبُ فِنْجَانَ الْقَهْوَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
“بِصَرَاحَةٍ؟ أَنَا تَزَوَّجْتُ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَازِمًا. كَانَ عُمْرِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَامًا، وَبَدَأَ أَهْلِي يَسْأَلُونَ: لِمَاذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدُ؟ أَفِيكَ عَيْبٌ؟ وَكَانَتْ هُنَاكَ ابْنَةُ الْجِيرَانِ، مَنَالُ، فَتَاةٌ طَيِّبَةٌ، مِنْ عَائِلَةٍ كَرِيمَةٍ، وَهَكَذَا كَانَ الْعُرْسُ.”
“أَلَمْ تَكُنْ تُحِبُّهَا؟”
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهَا أَصْلًا مَعْرِفَةً تَكْفِي لِأُحِبَّهَا أَوْ أَلَّا أُحِبَّهَا. كُنْتُ فَقَطْ… مُوَافِقًا. كَمَا يُوَافِقُ الْجَمِيعُ.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى صَدِيقِهِ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَافَ، بِهُدُوئِهِ الْمُرْعِبِ، يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ مَا كَانَتْ أُخْتُهُ رِيمَا قَدْ قَالَتْهُ قَبْلَ يَوْمَيْنِ.
“وَالْآنَ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ؟”
“الْآنَ أُحِبُّهَا. صِرْتُ أُحِبُّهَا، لَا لِأَنَّهُ حُبٌّ مِنْ أَوَّلِ نَظْرَةٍ، بَلْ لِأَنَّنَا عِشْنَا مَعًا، وَرَبَّيْنَا أَوْلَادًا مَعًا، وَصَارَ بَيْنَنَا شَيْءٌ حَقِيقِيٌّ. غَيْرَ أَنَّ…”
تَوَقَّفَ طَارِقٌ، وَنَظَرَ مِنَ النَّافِذَةِ، كَمَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَاتِ فِي الشَّارِعِ الْخَارِجِيِّ.
“غَيْرَ أَنَّ مَاذَا؟”
“غَيْرَ أَنِّي مَا زِلْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي أَحْيَانًا: مَاذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لَوِ اخْتَرْتُ أَنَا؟ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَغْطٌ، وَلَا عَيْبٌ، وَلَا سُؤَالُ ‘مَاذَا سَيَقُولُ النَّاسُ؟’ رُبَّمَا كَانَ سَيَحْدُثُ الشَّيْءُ نَفْسُهُ تَمَامًا. غَيْرَ أَنِّي رُبَّمَا كُنْتُ سَأَشْعُرُ أَنِّي أَنَا مَنِ اخْتَارَهُ، لَا أَنَّهُ حَدَثَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يَرْفُضَ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا، تَحْمِلُ كُلَّ ثِقَلِ مَا جَاءَ كَرِيمٌ يَبْحَثُ عَنْهُ مُنْذُ عَوْدَتِهِ: لَيْسَ أَنَّ الْقَرَارَاتِ كَانَتْ خَاطِئَةً بِالضَّرُورَةِ، بَلْ أَنَّ غِيَابَ حُرِّيَّةِ الِاخْتِيَارِ كَانَ يُفْرِغُهَا مِنْ مَعْنَى الِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، حَتَّى لَوْ جَاءَتِ النَّتِيجَةُ طَيِّبَةً فِي النِّهَايَةِ.
“طَارِقُ، لِمَاذَا لَمْ تُحَدِّثْنِي بِهَذَا الْكَلَامِ قَبْلَ أَنْ أَرْحَلَ؟”
ضَحِكَ طَارِقٌ ضَحْكَةً حَزِينَةً: “لِأَنَّكَ كُنْتَ رَاحِلًا، وَأَنَا كُنْتُ عَلَى وَشْكِ الزَّوَاجِ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا كَانَ مَشْغُولًا بِطَرِيقِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ صَعْبٌ أَنْ يَتَحَدَّثَ الْمَرْءُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، فَتَشْعُرُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا، وَاثِقًا، لَا حَائِرًا.”
“وَالْآنَ، أَلَسْتَ حَائِرًا؟”
“الْآنَ أَكْثَرُ، غَيْرَ أَنِّي صِرْتُ أُتْقِنُ إِخْفَاءَ حَيْرَتِي أَفْضَلَ.”
صَمَتَا قَلِيلًا، وَالْمَقْهَى مِنْ حَوْلِهِمَا يَعِجُّ بِأَصْوَاتِ الزَّبَائِنِ، وَضَجِيجِ فِنْجَانٍ يُوضَعُ، وَسَيَّارَةٍ تَمُرُّ فِي الْخَارِجِ، لَكِنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ قَدْ تَقَلَّصَتْ إِلَى حَدٍّ لَمْ يَعْرِفَاهُ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.
“وَأَنْتَ يَا كَرِيمُ؟ أَكَانَتْ حَيَاتُكَ فِي الْخَارِجِ هِيَ مَا أَرَدْتَهُ؟”
فُوجِئَ كَرِيمٌ بِالسُّؤَالِ مَعْكُوسًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ، بَعْدَ لَحْظَةِ تَفْكِيرٍ، قَرَّرَ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا كَمَا كَانَ طَارِقٌ لِتَوِّهِ.
“بِصَرَاحَةٍ، لَيْسَ دَائِمًا. فِي أَلْمَانْيَا، تَعَلَّمْتُ أَنْ أَسْأَلَ، وَأَنْ أَخْتَارَ، وَأَنْ أَرْفُضَ. غَيْرَ أَنِّي هُنَا، أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ اخْتِيَارَاتِي تَأْتِي مَعَ ثَمَنٍ: ثَمَنُ أَنْ أُخَيِّبَ أَمَلَ وَالِدِي، ثَمَنُ أَنْ أُوجِعَ أُمِّي، ثَمَنُ أَنْ أَصِيرَ ‘الْغَرِيبَ’ فِي عَيْنَيْ أَهْلِي وَبَيْتِي أَيْضًا.”
“أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا لَسْتَ حُرًّا تَمَامًا؟”
“رُبَّمَا لَا أَحَدَ حُرٌّ تَمَامًا يَا طَارِقُ. غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ أَنْ تَخْتَارَ وَتَتَحَمَّلَ ثَمَنَ اخْتِيَارِكَ، وَبَيْنَ أَلَّا تَخْتَارَ أَصْلًا وَتَتَحَمَّلَ الثَّمَنَ نَفْسَهُ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ لِمَاذَا.”
هَزَّ طَارِقٌ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يَسْتَوْعِبُ فِكْرَةً كَبِيرَةً جِدًّا عَلَى قَهْوَةِ صَبَاحٍ عَادِيَّةٍ.
طَلَبَ طَارِقٌ قَهْوَةً ثَانِيَةً، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُطِيلَ هَذَا الْحَدِيثَ النَّادِرَ أَطْوَلَ مَا يُمْكِنُ، ثُمَّ قَالَ، بِنَبْرَةِ مَنْ يَفْتَحُ بَابًا كَانَ مُغْلَقًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ:
“أَعْرِفُ أَنَّ وَالِدِي هُوَ أَيْضًا تَزَوَّجَ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا. وَجَدِّي مِنْ قَبْلِهِ. صَارَ عِنْدَنَا فِي الْعَائِلَةِ كَأَنَّهُ قَانُونٌ: تَكْبَرُ، تُنْهِي الْمَدْرَسَةَ أَوِ الْجَامِعَةَ، تَعْمَلُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ أَوَّلَ فَتَاةٍ مُنَاسِبَةٍ تَأْتِي فِي طَرِيقِكَ. لَمْ يَسْأَلْ أَحَدٌ جَدِّي إِنْ كَانَ يُحِبُّ جَدَّتِي. وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَدٌ وَالِدِي إِنْ كَانَ يُحِبُّ أُمِّي. الْجَمِيعُ افْتَرَضَ فَقَطْ أَنَّ الْحُبَّ سَيَأْتِي بَعْدَ الْعَقْدِ، كَشَيْءٍ يَأْتِي تِلْقَائِيًّا.”
“وَأَتَى؟”
“عِنْدَ وَالِدَيَّ، نَعَمْ، أَشْعُرُ أَنَّهُمَا يُحِبَّانِ بَعْضَهُمَا الْآنَ. غَيْرَ أَنِّي رَأَيْتُ فِي عَيْنَيْهِمَا أَحْيَانًا، خَاصَّةً عَيْنَيْ وَالِدِي، نَظْرَةً… لَيْسَتْ نَدَمًا بِالضَّبْطِ، بَلْ شَيْئًا أَشْبَهَ بِسُؤَالٍ لَمْ يُحَلَّ أَبَدًا: مَاذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لَوِ اخْتَرْتُ أَنَا؟”
“وَأَنْتَ خَائِفٌ أَنْ تَصِيرَ مِثْلَهُمَا بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا؟”
“لَسْتُ خَائِفًا بِالضَّبْطِ. غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ، لَوِ اسْتَطَعْتُ، أَلَّا يَعِيشَ ابْنِي، حِينَ يَكْبُرُ، السُّؤَالَ نَفْسَهُ. أُحِبُّ أَنْ يَخْتَارَ هُوَ، لَا أَنْ يُوَافِقَ فَقَطْ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ، بِصِدْقِهَا الْهَادِئِ، أَقْرَبَ مَا سَمِعَهُ كَرِيمٌ مُنْذُ عَوْدَتِهِ إِلَى مَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ: لَيْسَ رَفْضًا لِلتَّقْلِيدِ بِحَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ رَغْبَةً فِي أَنْ يُصْبِحَ الِاخْتِيَارُ، وَلَوِ الْمُتَمَاشِي مَعَ التَّقْلِيدِ، اخْتِيَارًا حَقِيقِيًّا لَا مُجَرَّدَ اسْتِسْلَامٍ لَهُ.
“طَارِقُ، أَفَكَّرْتَ يَوْمًا فِي أَنْ تُحَدِّثَ وَالِدَكَ بِهَذَا الْكَلَامِ؟ أَنْ تَسْأَلَهُ كَيْفَ كَانَ شُعُورُهُ فِعْلًا؟”
ضَحِكَ طَارِقٌ ضَحْكَةً فِيهَا اسْتِغْرَابٌ: “وَالِدِي؟ يَا كَرِيمُ، وَالِدِي لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ مَشَاعِرِهِ حَتَّى وَهُوَ وَحْدَهُ مَعَ نَفْسِهِ. فَكَيْفَ يُحَدِّثُ بِهَا ابْنَهُ؟”
“رُبَّمَا هَكَذَا تَرَبَّى. غَيْرَ أَنَّكَ، أَجَرَّبْتَ؟”
تَوَقَّفَ طَارِقٌ عَنِ الضَّحِكِ، وَنَظَرَ إِلَى كَرِيمٍ نَظْرَةً جَادَّةً فَجْأَةً: “لَا، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أُجَرِّبْ. أَخْشَى أَنْ يَشْعُرَ بِهَا إِهَانَةً، أَنَّنِي أُشَكِّكُ بِحَيَاتِهِ كُلِّهَا.”
“أَوْ رُبَّمَا يَشْعُرُ بِهَا رَاحَةً، أَنَّ أَحَدًا أَخِيرًا سَأَلَهُ.”
صَمَتَ طَارِقٌ طَوِيلًا، وَشَرِبَ مِنْ قَهْوَتِهِ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ: “رُبَّمَا. سَأُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ.”
وَهَكَذَا، مَضَتْ دَقَائِقُ أُخْرَى بَيْنَهُمَا، تَنَقَّلَ خِلَالَهَا الْحَدِيثُ بَيْنَ الْجَدِّ وَمَزْرَعَتِهِ الْقَدِيمَةِ، وَأُمِّ طَارِقٍ وَقِصَّةِ زَوَاجِهَا هِيَ الْأُخْرَى، وَحَتَّى شَقِيقَةِ طَارِقٍ الَّتِي رَفَضَتِ الزَّوَاجَ الْمُرَتَّبَ لَهَا قَبْلَ سَنَتَيْنِ، وَمَا زَالَتْ تَدْفَعُ ثَمَنَ ذَلِكَ الْقَرَارِ فِي نَظَرَاتِ الْجِيرَانِ وَتَعْلِيقَاتِهِمْ، رَغْمَ أَنَّهَا الْيَوْمَ أُسْتَاذَةٌ جَامِعِيَّةٌ سَعِيدَةٌ بِحَيَاتِهَا.
“أَتَرَى؟ حَتَّى مَنْ يَرْفُضُ، يَدْفَعُ ثَمَنًا. وَحَتَّى مَنْ يُوَافِقُ، يَدْفَعُ ثَمَنًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ. الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْقَرَارِ نَفْسِهِ يَا كَرِيمُ، الْمُشْكِلَةُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْأَلُ قَبْلَ أَنْ يُتَّخَذَ الْقَرَارُ عَنْكَ.”
“صَحِيحٌ. وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحِبُّ أَنْ أُغَيِّرَهُ. لَيْسَ أَنْ يَرْفُضَ الْجَمِيعُ التَّقْلِيدَ، بَلْ أَنْ يَتَّخِذَ الْجَمِيعُ قَرَارَهُ وَعَيْنُهُ مَفْتُوحَةٌ، لَا مُغْمَضَةً.”
“صَعْبٌ هَذَا الْكَلَامُ يَا كَرِيمُ. غَيْرَ أَنَّهُ… مُرِيحٌ أَيْضًا. مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ لَمْ أَتَحَدَّثْ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَحَدٍ.”
“وَلَا مَعَ مَنَالَ؟”
“مَنَالُ زَوْجَتِي، وَأُحِبُّهَا، غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهَا زَوْجَتَكَ، لَيْسَ لِأَنَّكَ لَا تَثِقُ بِهَا، بَلْ لِأَنَّكَ تَخْشَى أَنْ تُخَيِّبَ أَمَلَهَا فِيكَ، أَنْ تَجْعَلَهَا تَشْعُرُ أَنَّ الْحَيَاةَ الَّتِي بَنَيْتُمَاهَا مَعًا كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا تَسْتَحِقُّ.”
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَسْمَعُ فِيهَا كَرِيمٌ رَجُلًا فِي مُنْتَصَفِ عِشْرِينِيَّاتِ عُمْرِهِ يَتَحَدَّثُ بِهَذَا الْعُمْقِ عَنِ الْخَوْفِ مِنْ خَيْبَةِ أَمَلِ الْآخَرِينَ، لَا الْخَوْفِ مِنَ الْفَشَلِ نَفْسِهِ، بَلِ الْخَوْفِ مِنْ أَنْ يُرَى فَاشِلًا فِي عُيُونِ مَنْ أَحَبَّهُ.
“طَارِقُ، مَاذَا سَتَفْعَلُ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي تَحَدَّثْنَا بِهِ الْيَوْمَ؟”
فَكَّرَ طَارِقٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ: “لَا أَدْرِي. غَيْرَ أَنَّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ رُبَّمَا أَنْ أَتَوَقَّفَ عَنْ إِخْفَاءِ حَيْرَتِي بِقَدْرِ مَا كُنْتُ أَفْعَلُ. لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أُحَدِّثَ مَنَالَ بِكُلِّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَكِنَّنِي رُبَّمَا أَبْدَأُ أَتَحَدَّثُ أَكْثَرَ عَنْ شُعُورِي، لَا فَقَطْ عَنْ عَمَلِي وَأَوْلَادِي.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَتَيْتُ أَتَحَدَّثُ عَنْهُ مَعَ وَالِدِي، فَلَمْ يَفْهَمْهُ.”
“رُبَّمَا وَالِدُكَ يَحْتَاجُ وَقْتًا أَطْوَلَ مِنْكَ، يَا كَرِيمُ. أَنْتَ تَعَلَّمْتَ هَذَا الْكَلَامَ فِي أَلْمَانْيَا، بِسَنَوَاتِ دَرْسٍ وَقِرَاءَةٍ. هُوَ تَعَلَّمَ عَكْسَهُ، بِسَنَوَاتِ حَيَاةٍ وَخَوْفٍ. لَيْسَ سَهْلًا أَنْ تُغَيِّرَ شَيْئًا تَعَلَّمْتَهُ طَوَالَ عُمْرِكَ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.”
كَانَتْ مُلَاحَظَةُ طَارِقٍ، رَغْمَ بَسَاطَةِ صِيَاغَتِهَا، أَعْمَقَ مِمَّا تَوَقَّعَهُ كَرِيمٌ مِنْ صَدِيقٍ لَمْ يُغَادِرِ الْبَلْدَةَ يَوْمًا. أَدْرَكَ، وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِ، أَنَّ الْفَهْمَ لَا يَحْتَاجُ بِالضَّرُورَةِ إِلَى شَهَادَةٍ جَامِعِيَّةٍ أَوْ سَنَوَاتِ غُرْبَةٍ، بَلْ إِلَى اسْتِعْدَادٍ صَادِقٍ لِمُوَاجَهَةِ الذَّاتِ، وَهَذَا الِاسْتِعْدَادُ كَانَ طَارِقٌ، رَغْمَ كُلِّ الظُّرُوفِ، قَدْ بَدَأَ يَمْتَلِكُهُ لِتَوِّهِ.
قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، أَمْسَكَ طَارِقٌ بِيَدِ كَرِيمٍ وَقَالَ:
“كَرِيمُ، لَا تَرْحَلْ بَعِيدًا كَثِيرًا هَذِهِ الْمَرَّةَ. أَهْلُكَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْكَ، وَأَنَا أَيْضًا، وَاللهِ، فِي حَاجَةٍ إِلَى أَحَدٍ أُحَدِّثُهُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ دُونَ خَوْفٍ.”
“سَأَبْقَى قَرِيبًا يَا طَارِقُ. وَأَعِدُكَ، سَنَتَحَدَّثُ أَكْثَرَ.”
خَرَجَ كَرِيمٌ مِنَ الْمَقْهَى وَهُوَ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ فِي دَاخِلِهِ: لَمْ يَعُدْ يَرَى فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ الَّذِي عَادَ إِلَيْهِ مُجَرَّدَ مَنْظُومَةٍ جَامِدَةٍ مِنَ الْقُيُودِ وَالتَّوَقُّعَاتِ، بَلْ بَدَأَ يَرَى، خَلْفَ كُلِّ وَجْهٍ مَأْلُوفٍ، إِنْسَانًا يَحْمِلُ حَيْرَتَهُ الْخَاصَّةَ، وَنَدَمَهُ الْخَاصَّ، وَأَسْئِلَتَهُ الَّتِي لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى طَرْحِهَا بِصَوْتٍ عَالٍ. وَأَدْرَكَ أَنَّ مُهِمَّتَهُ رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ أَنْ يُقْنِعَ أَهْلَهُ بِأَنْ يَتَغَيَّرُوا كَمَا يُرِيدُ هُوَ، بَلْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ، بِصَبْرٍ، الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ طَارِقٌ لِتَوِّهِ أَمَامَهُ: بَابَ الِاعْتِرَافِ الْهَادِئِ، الْبَعِيدِ عَنِ الِاتِّهَامِ، الْقَرِيبِ مِنَ الْفَهْمِ.
________________________________________
وَبَيْنَمَا كَانَ يَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ، مَرَّ بِجَانِبِ مَحَلٍّ صَغِيرٍ لِبَيْعِ الْحَلْوَيَّاتِ، فَتَذَكَّرَ فَجْأَةً أَنَّ الْيَوْمَ هُوَ ذِكْرَى زَوَاجِ وَالِدَيْهِ، وَأَنَّ الْعَائِلَةَ كُلَّهَا سَتَجْتَمِعُ فِي الْمَسَاءِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عَوْدَتِهِ، بِكُلِّ مَا يَحْمِلُهُ هَذَا الِاجْتِمَاعُ مِنْ فُرَصٍ لِلْفَهْمِ، وَمَخَاطِرَ لِلِانْفِجَارِ فِي آنٍ مَعًا.
مَشَى بِبُطْءٍ، يُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا سَمِعَهُ مِنْ طَارِقٍ، وَيُقَارِنُهُ بِصَمْتٍ بِمَا عَاشَهُ هُوَ نَفْسُهُ فِي أَلْمَانْيَا. هُنَاكَ، كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مَسْأَلَةُ جُغْرَافْيَا: أَنْ تَبْتَعِدَ عَنْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لِتُصْبِحَ حُرًّا. لَكِنَّهُ، بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ، بَدَأَ يُدْرِكُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ أَعْقَدُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: طَارِقٌ لَمْ يُغَادِرِ الْبَلْدَةَ يَوْمًا، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ وَعْيًا حَادًّا بِمَا فَقَدَهُ، بَيْنَمَا هُوَ، كَرِيمٌ، الَّذِي عَبَرَ قَارَّةً كَامِلَةً بَحْثًا عَنْ هَذَا الْوَعْيِ، عَادَ لِيَجِدَهُ هُنَا، فِي مَحَلِّ قِطَعِ غِيَارٍ صَغِيرٍ، عِنْدَ صَدِيقٍ لَمْ يَقْرَأْ يَوْمًا كِتَابًا فِي الْفَلْسَفَةِ، لَكِنَّهُ فَهِمَ بِالْفِطْرَةِ وَالتَّجْرِبَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ كَرِيمٌ إِلَّا بِالْكُتُبِ وَالْمَسَافَةِ.
فَكَّرَ أَيْضًا فِي جُمْلَةِ طَارِقٍ الْأَخِيرَةِ: “الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْقَرَارِ نَفْسِهِ، الْمُشْكِلَةُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْأَلُ قَبْلَ أَنْ يُتَّخَذَ الْقَرَارُ عَنْكَ.” كَانَتْ هَذِهِ، فِي جَوْهَرِهَا، الْفِكْرَةَ نَفْسَهَا الَّتِي حَاوَلَ أَنْ يَشْرَحَهَا لِأَبِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى، لَكِنَّهَا الْآنَ بَدَتْ لَهُ أَوْضَحَ وَأَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً، لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ مِنْ نَظَرِيَّةٍ قَرَأَهَا فِي جَامِعَةٍ أُورُبِّيَّةٍ، بَلْ مِنْ رَجُلٍ يَعِيشُ نَتَائِجَهَا كُلَّ يَوْمٍ.
اقْتَرَبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَرَأَى مِنْ بَعِيدٍ عَمَّهُ فُؤَادَ يَقِفُ أَمَامَ الْبَابِ، يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ بَعْضَ الشَّيْءِ مَعَ غَسَّانَ، وَبَدَا مِنْ إِيمَاءَاتِ يَدَيْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَعَلَّقُ بِتَرْتِيبَاتِ اجْتِمَاعِ الْمَسَاءِ. تَوَقَّفَ كَرِيمٌ لَحْظَةً عِنْدَ الزَّاوِيَةِ، غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ لِلِانْضِمَامِ إِلَى هَذَا النِّقَاشِ الَّذِي شَعَرَ، مِنْ نَبْرَتِهِ، أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُ بُذُورَ مُوَاجَهَةٍ أُخْرَى.
تَذَكَّرَ حِينَئِذٍ كَلِمَاتِ جَدَّتِهِ زَهْرَةَ: “وَالِدُكَ لَيْسَ رَجُلًا قَاسِيًا، هُوَ رَجُلٌ خَائِفٌ.” وَتَسَاءَلَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ تَنْطَبِقُ أَيْضًا عَلَى عَمِّهِ فُؤَادَ، الَّذِي عُرِفَ دَوْمًا بِتَشَدُّدِهِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ “سُمْعَةِ الْعَائِلَةِ”، وَإِنْ كَانَ خَلْفَ هَذَا التَّشَدُّدِ أَيْضًا خَوْفٌ قَدِيمٌ لَمْ يَبُحْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدُ.
اقْتَرَبَ أَكْثَرَ، فَلَاحَظَهُ فُؤَادُ أَوَّلًا، وَنَادَاهُ بِصَوْتٍ لَا يَخْلُو مِنْ فَحْصٍ:
“كَرِيمُ! أَتَيْتَ أَخِيرًا! أَيْنَ كُنْتَ الصَّبَاحَ كُلَّهُ؟”
“عِنْدَ طَارِقٍ، يَا عَمِّي، صَدِيقِي الْقَدِيمِ.”
“طَارِقٌ ابْنُ أَبِي مَحْمُودٍ؟ فَتًى طَيِّبٌ. حَسَنًا، تَعَالَ، عَلَيْنَا أَنْ نَتَحَدَّثَ قَبْلَ اجْتِمَاعِ اللَّيْلَةِ.”
جَلَسَ كَرِيمٌ مُضْطَرًّا، بَيْنَمَا وَاصَلَ فُؤَادُ حَدِيثَهُ مَعَ غَسَّانَ وَكَأَنَّ كَرِيمًا لَمْ يَكُنْ قَدْ وَصَلَ لِتَوِّهِ:
“أَقُولُ لِأَخِي، عَلَيْنَا اللَّيْلَةَ أَنْ نَتَحَدَّثَ بِوُضُوحٍ أَمَامَ الْجَمِيعِ. لَيْسَ مَعْقُولًا أَنْ يَذْهَبَ الْمَرْءُ سَبْعَ سِنِينَ وَيَعُودَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ. هُنَاكَ أُمُورٌ يَجِبُ أَنْ تَتَّضِحَ، وَهُنَاكَ احْتِرَامٌ لِلْكَبِيرِ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى كَمَا كَانَ.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى عَمِّهِ بِهُدُوءٍ حَاوَلَ أَنْ يَتَصَنَّعَهُ: “يَا عَمِّي، أَنَا لَمْ آتِ لِأُخَالِفَ أَحَدًا. أَتَيْتُ لِأَنَّ هَذَا بَيْتِي وَعَائِلَتِي، وَأُحِبُّ أَنْ نَفْهَمَ بَعْضَنَا أَكْثَرَ.”
“الْفَهْمُ حَسَنٌ يَا كَرِيمُ، غَيْرَ أَنَّ لِلْفَهْمِ حُدُودًا. لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يُنَاقَشَ. هُنَاكَ أُمُورٌ فِي الْحَيَاةِ تُسَمَّى ثَوَابِتَ، وَثَبَاتُ الْعَائِلَةِ مِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الثَّوَابِتِ.”
كَانَ فُؤَادُ يَتَحَدَّثُ بِثِقَةِ رَجُلٍ لَمْ يُشَكِّكْ يَوْمًا فِي مُسَلَّمَاتِهِ، لَكِنَّ كَرِيمًا، وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِ، تَذَكَّرَ فَجْأَةً حَدِيثَ طَارِقٍ عَنِ الْخَوْفِ الْكَامِنِ خَلْفَ كُلِّ تَشَدُّدٍ، وَتَسَاءَلَ بِصَمْتٍ: أَيُّ ثَابِتٍ يَخْشَى فُؤَادُ أَنْ يَهْتَزَّ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ بِصِدْقٍ؟ لَمْ يُجِبِ الْعَمُّ مُبَاشَرَةً، بَلْ قَالَ بِهُدُوءٍ:
“يَا عَمِّي، أَنَا مُحْتَرِمٌ لِأَبِي وَلَكَ وَلِكُلِّ كِبَارِ الْعَائِلَةِ. غَيْرَ أَنَّ الِاحْتِرَامَ يَنْبَغِي أَلَّا يَمْنَعَنَا مِنْ أَنْ نَتَحَدَّثَ بِصَرَاحَةٍ. رُبَّمَا هَكَذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَبْنِيَ شَيْئًا أَقْوَى مِنَ الصَّمْتِ.”
لَمْ يُجِبْ فُؤَادُ، بَلْ نَظَرَ إِلَى غَسَّانَ كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنْهُ أَنْ يَحْسِمَ الْأَمْرَ، فَقَالَ غَسَّانُ، بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ لَمْ يَعْتَدْهُ كَرِيمٌ مِنْهُ:
“كَفَى يَا فُؤَادُ، دَعْنَا نُؤَجِّلِ الْحَدِيثَ لِلْمَسَاءِ. الْوَلَدُ لَا يَزَالُ مُتْعَبًا مِنَ السَّفَرِ.”
غَادَرَ فُؤَادُ وَهُوَ يَهُزُّ رَأْسَهُ بِامْتِعَاضٍ خَفِيفٍ، تَارِكًا كَرِيمًا مَعَ أَبِيهِ فِي صَمْتٍ قَصِيرٍ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ غَسَّانُ إِلَى الْبَيْتِ دُونَ أَنْ يُضِيفَ كَلِمَةً.
دَخَلَ كَرِيمٌ الْبَيْتَ أَخِيرًا، وَالشَّمْسُ بَدَأَتْ تَمِيلُ نَحْوَ الْغُرُوبِ، وَفِي دَاخِلِهِ شُعُورٌ غَرِيبٌ مُزْدَوِجٌ: قَلَقٌ مِنِ اجْتِمَاعِ الْمَسَاءِ الَّذِي يَقْتَرِبُ، وَامْتِنَانٌ صَامِتٌ لِصَدَاقَةٍ أَعَادَتْ لَهُ، فِي صَبَاحٍ وَاحِدٍ، إِيمَانًا كَانَ قَدْ بَدَأَ يَهْتَزُّ: إِيمَانًا بِأَنَّ التَّغْيِيرَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَبْدَأُ بِخِطَابٍ كَبِيرٍ أَوْ قَرَارٍ حَاسِمٍ، بَلْ بِجُمْلَةٍ صَادِقَةٍ وَاحِدَةٍ، تُقَالُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، بَيْنَ صَدِيقَيْنِ، فَوْقَ فِنْجَانَيْ قَهْوَةٍ لَمْ يَبْرُدَا بَعْدُ.
اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَوَجَدَهُ يَعِجُّ بِحَرَكَةٍ لَمْ يَأْلَفْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ: أُمُّهُ سَلْمَى تَتَنَقَّلُ بَيْنَ الْمَطْبَخِ وَالصَّالُونِ، تُشْرِفُ عَلَى تَحْضِيرِ عَشَاءِ ذِكْرَى زَوَاجِهَا مِنْ غَسَّانَ، بَيْنَمَا فَاحَتْ مِنْ كُلِّ زَاوِيَةٍ رَائِحَةٌ عَرَفَهَا كَرِيمٌ مُنْذُ طُفُولَتِهِ، وَلَمْ يَنْسَهَا يَوْمًا رَغْمَ بُعْدِهِ: رَائِحَةُ وَرَقِ الْعِنَبِ وَهُوَ يُطْهَى بِبُطْءٍ عَلَى نَارٍ هَادِئَةٍ، مَمْزُوجَةً بِرَائِحَةِ الْقِرْفَةِ مِنْ صِينِيَّةِ الْحَلْوَى الَّتِي كَانَتْ جَدَّتُهُ زَهْرَةُ تُشْرِفُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهَا رَغْمَ تَقَدُّمِهَا فِي السِّنِّ.
وَقَفَ كَرِيمٌ عِنْدَ بَابِ الْمَطْبَخِ لَحْظَةً، يَتَنَفَّسُ تِلْكَ الرَّائِحَةَ، فَشَعَرَ أَنَّ الزَّمَنَ كُلَّهُ يَتَكَثَّفُ فِيهَا: طُفُولَتُهُ، أَعْيَادُ الْمِيلَادِ، لَيَالِي الشِّتَاءِ حِينَ كَانَ يَجْلِسُ قُرْبَ الْمَوْقِدِ يَسْتَمِعُ لِحِكَايَاتِ جَدَّتِهِ، وَحَتَّى تِلْكَ السَّنَوَاتُ السَّبْعُ فِي أَلْمَانِيَا، حَيْثُ حَاوَلَ عَبَثًا أَنْ يُعِيدَ صُنْعَ طَبَقٍ مِنْ وَرَقِ الْعِنَبِ يُشْبِهُ طَبَقَ أُمِّهِ، فَلَمْ يَنْجَحْ أَبَدًا.
“كَرِيمُ! لَا تَقِفْ هَكَذَا عِنْدَ الْبَابِ، تَعَالَ سَاعِدْنِي.”
ابْتَسَمَ، وَدَخَلَ، وَبَدَأَ يُقَطِّعُ الْبَقْدُونِسَ كَمَا كَانَتْ أُمُّهُ تُعَلِّمُهُ مُنْذُ كَانَ فِي الْعَاشِرَةِ، بَيْنَمَا رَاحَتْ سَلْمَى تَتَحَدَّثُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَنْ تَفَاصِيلِ الْعَشَاءِ، عَمَّنْ سَيَحْضُرُ، وَمَاذَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَدِيَ، وَعَنْ أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ كَثِيرَةٍ بَدَتْ لِكَرِيمٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ حَجْمِهَا الْحَقِيقِيِّ؛ كَأَنَّ هَذَا الْعَشَاءَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ احْتِفَالٍ بِذِكْرَى زَوَاجٍ، بَلِ امْتِحَانًا غَيْرَ مُعْلَنٍ لِعَوْدَتِهِ، وَلِمَدَى قُدْرَةِ الْعَائِلَةِ عَلَى اسْتِيعَابِ “الِابْنِ الَّذِي تَغَيَّرَ”.
قَالَ: “أُمِّي، لِمَاذَا هَذَا الْعَشَاءُ مُهِمٌّ إِلَى هَذَا الْحَدِّ؟ أَلَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرَى زَوَاجٍ؟”
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى عَنِ الْعَمَلِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى ابْنِهَا نَظْرَةً فِيهَا تَعَبٌ يَفُوقُ عُمْرَهَا.
“لِأَنَّ هَذَا الْعَشَاءَ، يَا كَرِيمُ، أَوَّلُ مَرَّةٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا كُلُّ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ مُنْذُ سَاعَةِ عَوْدَتِكَ. وَأَبُوكَ… أَبُوكَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ لِلْجَمِيعِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، وَأَنَّ عَوْدَتَكَ لَمْ تَقْلِبْ شَيْئًا.”
“وَهَلْ هُوَ فِعْلًا عَلَى مَا يُرَامُ؟”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى عَمَلِهَا بِصَمْتٍ، وَقَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: “أَعْرِفُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِيكَ كَلَامًا كَثِيرًا لَمْ يُقَلْ بَعْدُ. لَكِنِ اللَّيْلَةَ، أَرْجُوكَ، دَعْنَا نُمْضِيهَا بِسَلَامٍ. وَبَعْدَهَا، تَحَدَّثَا قَدْرَ مَا شِئْتُمَا.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بَسِيطَةً كَمَا بَدَتْ، تَحْمِلُ ثِقْلَ امْرَأَةٍ عَاشَتْ حَيَاتَهَا كُلَّهَا مُوَازِنَةً بَيْنَ رَغْبَتِهَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَخَوْفِهَا مِنَ الْفَوْضَى الَّتِي قَدْ تَجْلِبُهَا الْحَقِيقَةُ نَفْسُهَا. أَدْرَكَ كَرِيمٌ أَنَّ أُمَّهُ لَمْ تَكُنْ تَرْفُضُ الْحِوَارَ الَّذِي يُرِيدُهُ، بَلْ كَانَتْ تَخْشَى تَوْقِيتَهُ فَقَطْ، وَهَذَا فَرْقٌ دَقِيقٌ، لَكِنَّهُ مُهِمٌّ.
“حَسَنًا يَا أُمِّي. لَكِنْ بَعْدَ اللَّيْلَةِ، لَا بُدَّ أَنْ نَتَحَدَّثَ. أَنَا وَأَبِي، وَأَنْتِ أَيْضًا.”
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ خَفِيفَةٍ: “أَنَا أَيْضًا؟”
“نَعَمْ. أَنْتِ أَيْضًا لَدَيْكِ كَلَامٌ لَمْ تَقُولِيهِ لِأَحَدٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
لَمْ تُجِبْ سَلْمَى، لَكِنَّ يَدَيْهَا ارْتَجَفَتَا قَلِيلًا وَهِيَ تُقَلِّبُ وَرَقَ الْعِنَبِ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ أَنَّهُ لَمَسَ، بِلَا قَصْدٍ، وَتَرًا حَسَّاسًا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ.


بَدَأَ الضُّيُوفُ بِالْوُصُولِ مَعَ اقْتِرَابِ الْمَغْرِبِ: الْعَمُّ فُؤَادٌ وَزَوْجَتُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْخَالَةُ أَمَلُ الَّتِي عَانَقَتْ كَرِيمًا بِحَرَارَةٍ زَائِدَةٍ، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُعَوِّضَهُ عَنْ بُرُودِ اسْتِقْبَالِ آخَرِينَ، ثُمَّ أَخِيرًا رِيمَا وَزَوْجُهَا وَابْنَتُهُمَا الصَّغِيرَةُ، وَزِيَادٌ الَّذِي وَصَلَ مِنَ الْجَامِعَةِ مُبَاشَرَةً، لَا يَزَالُ يَرْتَدِي حَقِيبَةَ ظَهْرِهِ.
جَلَسَ الْجَمِيعُ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ الْكَبِيرَةِ، تِلْكَ الَّتِي شَهِدَتْ عَشَرَاتِ الْمُنَاسَبَاتِ الْعَائِلِيَّةِ عَبْرَ السِّنِينَ، وَبَدَأَ الْحَدِيثُ خَفِيفًا، مُتَنَقِّلًا بَيْنَ أَخْبَارِ الْجِيرَانِ وَأَسْعَارِ السُّوقِ وَأَحْوَالِ الْبَلَدِ، حَتَّى سَأَلَ الْعَمُّ فُؤَادٌ، بِنَبْرَةٍ بَدَتْ عَرَضِيَّةً لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ:
“طَيِّبٌ يَا كَرِيمُ، الْآنَ وَقَدْ عُدْتَ، مَا هِيَ نِيَّتُكَ؟ أَتَبْقَى هُنَا، أَمْ تَعُودُ مِنْ حَيْثُ أَتَيْتَ؟”
خَيَّمَ صَمْتٌ قَصِيرٌ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَنَظَرَ الْجَمِيعُ إِلَى كَرِيمٍ، كَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ كَانَ مَا جَاءُوا جَمِيعًا مِنْ أَجْلِ سَمَاعِ جَوَابِهِ.
“بِصَرَاحَةٍ يَا عَمِّي، لَمْ أُقَرِّرْ بَعْدُ. جِئْتُ الْآنَ لِأَرَى أَهْلِي، وَلِأَفْهَمَ كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ جُزْءًا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ مِنْ دُونِ أَنْ أَتَخَلَّى عَمَّا صِرْتُ عَلَيْهِ.”
“يَعْنِي مَاذَا، ‘مَا صِرْتَ عَلَيْهِ’؟ أَنْتَ ابْنُنَا يَا كَرِيمُ، لَسْتَ غَرِيبًا.”
“أَعْرِفُ يَا عَمِّي. لَكِنَّ الْإِنْسَانَ يَتَغَيَّرُ، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ. السُّؤَالُ لَيْسَ إِنْ كُنْتُ سَأَتَغَيَّرُ أَمْ لَا، السُّؤَالُ هُوَ: هَلْ يَسْتَطِيعُ هَذَا الْبَيْتُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ هَذَا التَّغَيُّرَ، أَمْ سَيَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَعُودَ نَفْسَ الشَّخْصِ الَّذِي رَحَلَ؟”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بِجُرْأَتِهَا الْهَادِئَةِ، أَوَّلَ اخْتِرَاقٍ حَقِيقِيٍّ لِلصَّمْتِ الْمُهَذَّبِ الَّذِي حَاوَلَتْ سَلْمَى أَنْ تُحَافِظَ عَلَيْهِ طَوَالَ الْمَسَاءِ. نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، لَمْ تَحْمِلْ غَضَبًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى التَّقْيِيمِ الصَّامِتِ.
“كَرِيمُ،” قَالَ فُؤَادٌ بِحِدَّةٍ مُتَصَاعِدَةٍ، “فِي أَشْيَاءَ فِي الْحَيَاةِ اسْمُهَا ثَوَابِتُ. الِاحْتِرَامُ، الطَّاعَةُ، تَقْدِيرُ الْكَبِيرِ. هَذِهِ لَيْسَتْ لِلنِّقَاشِ.”
“يَا عَمِّي، أَنَا أَحْتَرِمُكَ، وَأَحْتَرِمُ أَبِي، وَأَحْتَرِمُ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى هَذِهِ الطَّاوِلَةِ. لَكِنَّ الِاحْتِرَامَ، يَا عَمِّي، لَيْسَ مَعْنَاهُ الصَّمْتَ. أَنَا أَحْتَرِمُكَ أَكْثَرَ حِينَ أَقُولُ لَكَ رَأْيِي بِصَرَاحَةٍ، مِنْ أَنْ أَقُولَ لَكَ ‘نَعَمْ’ وَفِي قَلْبِي شَيْءٌ آخَرُ.”
“أَهَكَذَا تَعَلَّمْتَ فِي أَلْمَانِيَا؟”
“لَا يَا عَمِّي. هَكَذَا تَعَلَّمْتُ مِنْ طَارِقٍ، صَدِيقِي، الَّذِي لَمْ يُغَادِرْ هَذِهِ الْبَلْدَةَ يَوْمًا فِي حَيَاتِهِ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ كَافِيَةً لِتُسْكِتَ فُؤَادًا لَحْظَةً، وَتُدْخِلَ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، غَيْرَ مُتَوَقَّعَةٍ، عَلَى وَجْهِ زِيَادٍ الْجَالِسِ فِي نِهَايَةِ الطَّاوِلَةِ، يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِإِعْجَابٍ صَامِتٍ.
لَمْ يَسْتَسْلِمْ فُؤَادٌ بِسُهُولَةٍ، فَتَابَعَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حِدَّةً: “طَيِّبٌ، وَإِذَا كُلُّ وَاحِدٍ صَارَ يَقُولُ رَأْيَهُ بِصَرَاحَةٍ كَمَا تَقُولُ، مَاذَا سَيَحْدُثُ فِي الْعَائِلَةِ؟ فَوْضَى. كُلُّ وَاحِدٍ سَيَفْعَلُ مَا يَحْلُو لَهُ.”
“يَا عَمِّي، لَيْسَ هَذَا قَصْدِي. الصَّرَاحَةُ لَا تَعْنِي الْفَوْضَى، تَعْنِي أَنَّ الْقَرَارَاتِ تُتَّخَذُ عَنْ وَعْيٍ، لَا عَنْ خَوْفٍ فَقَطْ. زِيَادٌ مَثَلًا،” وَهُنَا الْتَفَتَ كَرِيمٌ نَحْوَ أَخِيهِ الْأَصْغَرِ الَّذِي شَعَرَ فَجْأَةً بِثِقْلِ كُلِّ الْأَنْظَارِ عَلَيْهِ، “زِيَادٌ لَدَيْهِ حُلْمٌ يدرسُهُ، وَمَا سَأَلَهُ أَحَدٌ عَنْ حَقِيقَةِ هَذَا الْحُلْمِ أَصْلًا.”
نَظَرَ الْجَمِيعُ إِلَى زِيَادٍ، الَّذِي احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَحَاوَلَ أَنْ يَتَهَرَّبَ مِنَ الْمَوْضُوعِ: “لَيْسَ وَقْتَهُ الْآنَ، دَعُونَا…”
لَكِنَّ غَسَّانَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، رَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ مُبَاشَرَةً إِلَى ابْنِهِ الْأَصْغَرِ: “مَا حُلْمُكَ يَا زِيَادُ؟”
كَانَ السُّؤَالُ، بِبَسَاطَتِهِ، أَشْبَهَ بِزِلْزَالٍ صَغِيرٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَذَكَّرُ مَتَى سَأَلَ غَسَّانُ أَيًّا مِنْ أَبْنَائِهِ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ، بِهَذَا الْوُضُوحِ الْمُبَاشِرِ.
تَلَعْثَمَ زِيَادٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَخْفَتَ مِمَّا أَرَادَ: “أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ الْهَنْدَسَةَ خَارِجَ الْبَلَدِ، يَا أَبِي. مِثْلَ كَرِيمٍ.”
صَمَتَ الْجَمِيعُ، وَانْتَظَرُوا رَدَّ فِعْلِ غَسَّانَ، الَّذِي بَدَا وَكَأَنَّهُ يُعِيدُ التَّفْكِيرَ فِي جُمْلَةٍ سَمِعَهَا لِلتَّوِّ مِنْ فَمِ ابْنِهِ الْأَصْغَرِ، ذَاتِهَا الَّتِي سَمِعَهَا مِنِ ابْنِهِ الْأَكْبَرِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، وَقُوبِلَتْ حِينَهَا بِرَفْضٍ قَاطِعٍ.
“الْآنَ لَيْسَ وَقْتَ هَذَا الْحَدِيثِ،” قَالَ غَسَّانُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ لَا يَحْمِلُ رَفْضًا حَاسِمًا كَسَابِقِ عَهْدِهِ، بَلْ تَرَدُّدًا غَرِيبًا عَلَيْهِ، “لَكِنْ… سَنَتَحَدَّثُ فِيهَا لَاحِقًا.”
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مُوَافَقَةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنِ الرَّفْضَ الْمُعْتَادَ أَيْضًا، وَأَدْرَكَ كَرِيمٌ أَنَّ شَيْئًا مَا، وَلَوْ بِمِقْدَارٍ ضَئِيلٍ جِدًّا، قَدْ بَدَأَ يَتَحَرَّكُ فِي مَوْقِفِ أَبِيهِ، وَلَوْ أَنَّ غَسَّانَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مُسْتَعِدًّا لِلِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ أَمَامَ الْجَمِيعِ.


بَعْدَ الْعَشَاءِ، بَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ صِينِيَّةِ الْحَلْوَى الَّتِي أَعَدَّتْهَا الْجَدَّةُ زَهْرَةُ، خَرَجَ زِيَادٌ إِلَى الْحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ خَلْفَ الْبَيْتِ، فَلَحِقَ بِهِ كَرِيمٌ، وَوَجَدَهُ يَجْلِسُ عَلَى الدَّرَجِ الْحَجَرِيِّ، يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بِصَمْتٍ.
“شُكْرًا لَكَ عَلَى أَنَّكَ تَحَدَّثْتَ عَنِّي أَمَامَ أَبِي.”
“لَمْ أَقُلْ شَيْئًا خَاطِئًا. لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَحْرَجْتُكَ.”
“لَا. عَلَى الْعَكْسِ تَمَامًا. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ شَعَرْتُ أَنَّ أَبِي سَمِعَنِي فِعْلًا، حَتَّى لَوْ لَمْ يُوَافِقْ بَعْدُ.”
جَلَسَ كَرِيمٌ بِجَانِبِهِ، وَنَظَرَا مَعًا إِلَى السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ فَوْقَ الْبَلْدَةِ الصَّغِيرَةِ.
“زِيَادُ، يَنْبَغِي أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا: حَتَّى لَوْ وَافَقَ أَبِي أَوْ رَفَضَ، الْقَرَارُ الْأَهَمُّ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ مَاذَا تُرِيدُ حَقًّا، مِنْ دَاخِلِكَ، لَا أَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ رَدِّ فِعْلٍ عَلَى قَرَارِ غَيْرِكَ.”
“يَعْنِي مَاذَا؟”
“يَعْنِي، لَا تَدْرُسِ الْهَنْدَسَةَ خَارِجَ الْبَلَدِ فَقَطْ لِتَفْعَلَ مِثْلِي، أَوْ لِتُثْبِتَ شَيْئًا لِأَبِي. ادْرُسْهَا إِنْ كُنْتَ تُحِبُّهَا فِعْلًا.”
فَكَّرَ زِيَادٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ مُفَاجِئٍ: “بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ أَيْضًا إِنْ كَانَ هَذَا مَا أُحِبُّهُ، أَمْ أَنِّي فَقَطْ أُرِيدُ أَنْ أَهْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ مِثْلَكَ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بِصِدْقِهَا الْمُوجِعِ، أَعْمَقَ مِمَّا تَوَقَّعَهُ كَرِيمٌ مِنْ أَخِيهِ الصَّغِيرِ. أَدْرَكَ أَنَّهُ، بِعَوْدَتِهِ وَحَدِيثِهِ عَنِ الْحُرِّيَّةِ وَالِاخْتِيَارِ، رُبَّمَا زَرَعَ فِي زِيَادٍ رَغْبَةً بِالرَّحِيلِ لَمْ تَكُنْ نَابِعَةً بِالْكَامِلِ مِنْ حُلْمٍ حَقِيقِيٍّ، بَلْ مِنِ انْبِهَارٍ بِأَخٍ أَكْبَرَ بَدَا لَهُ، مِنْ بَعِيدٍ، أَكْثَرَ حُرِّيَّةً وَسَعَادَةً.
“زِيَادُ، خُذْ وَقْتَكَ. لَا تَسْتَعْجِلْ. أَنَا رَحَلْتُ لِأَنِّي شَعَرْتُ، بِكُلِّ صِدْقٍ، أَنَّ هَذَا مَا أُرِيدُهُ. لَوْ رَحَلْتَ أَنْتَ فَقَطْ لِتَهْرُبَ، سَتَأْخُذُ مَعَكَ الْمَشَاكِلَ نَفْسَهَا إِلَى مَكَانٍ جَدِيدٍ.”
هَزَّ زِيَادٌ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، مُمْتَنًّا لِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ النَّادِرَةِ، وَعَادَا مَعًا إِلَى الدَّاخِلِ، حَيْثُ كَانَتِ الْجَدَّةُ زَهْرَةُ تُوَزِّعُ الْحَلْوَى بِيَدَيْهَا.


انْسَحَبَتْ رِيمَا إِلَى الشُّرْفَةِ تَأْخُذُ نَفَسًا مِنْ هَوَاءِ الْمَسَاءِ، فَلَحِقَ بِهَا كَرِيمٌ.
“مُتْعَبَةٌ؟”
“قَلِيلًا. هَذِهِ الِاجْتِمَاعَاتُ دَائِمًا تُوَتِّرُنِي. أَشْعُرُ أَنَّنِي يَجِبُ أَنْ أُرَاقِبَ كُلَّ كَلِمَةٍ أَقُولُهَا.”
“لِمَاذَا؟”
“لِأَنَّ الْبَيْتَ هُنَا، يَا كَرِيمُ، يَحْكُمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: كَيْفَ تَتَحَدَّثِينَ، كَيْفَ تَجْلِسِينَ، حَتَّى كَيْفَ تَضْحَكِينَ. وَأَنَا… تَعِبْتُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى أُخْتِهِ، وَتَذَكَّرَ حَدِيثَهُمَا الْأَوَّلَ لَيْلَةَ وُصُولِهِ، حِينَ اعْتَرَفَتْ لَهُ بِنَدَمِهَا الصَّامِتِ.
“رِيمَا، هَلْ فَكَّرْتِ يَوْمًا أَنْ تَقُولِي مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لِأُمِّي؟ أَنْ تُخْبِرِيهَا كَيْفَ تَشْعُرِينَ؟”
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِحُزْنٍ: “أُمِّي لَدَيْهَا هَمٌّ كَافٍ. لَا أُرِيدُ أَنْ أَزِيدَهَا هَمًّا.”
“لَكِنْ رُبَّمَا أُمِّي تَشْعُرُ بِنَفْسِ الشَّيْءِ، وَمَا سَأَلَهَا أَحَدٌ هِيَ أَيْضًا.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ رِيمَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ لَمْ تَخْطُرْ لَهَا مِنْ قَبْلُ: أَنَّ أُمَّهَا، الَّتِي بَدَتْ لَهَا دَائِمًا الْقُوَّةَ الْهَادِئَةَ الَّتِي تَحْمِلُ الْبَيْتَ كُلَّهُ عَلَى كَتِفَيْهَا، قَدْ تَكُونُ هِيَ أَيْضًا تَحْمِلُ حُزْنًا لَمْ تَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى الْبَوْحِ بِهِ.
“لَكِنْ يَا كَرِيمُ، إِنْ كَانَتْ أُمِّي لَدَيْهَا هَمٌّ مَكْتُومٌ مُنْذُ سِنِينَ، لِمَاذَا لَمْ يُلَاحِظْ أَحَدٌ؟ نَحْنُ نَعِيشُ مَعَهَا كُلَّ يَوْمٍ.”
“رُبَّمَا لِأَنَّ أُمِّي تَعَلَّمَتْ أَنْ تُخْفِيَ حُزْنَهَا جَيِّدًا جِدًّا، مِثْلَمَا تَعَلَّمْنَا كُلُّنَا فِي هَذَا الْبَيْتِ. تَذَكَّرِي حِينَ كُنْتِ صَغِيرَةً وَبَكَيْتِ لِأَنَّ لُعْبَةً انْكَسَرَتْ، فَقَالَتْ لَكِ أُمِّي: ‘لَا تَبْكِي، الْكِبَارُ لَا يَبْكُونَ’. رُبَّمَا هِيَ أَيْضًا سَمِعَتْ نَفْسَ الْجُمْلَةِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَظَلَّتْ تُطَبِّقُهَا عَلَى نَفْسِهَا إِلَى الْآنَ.”
صَمَتَتْ رِيمَا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ قَلِيلًا: “أَنَا أَيْضًا أُخْفِي كَثِيرًا أَمَامَ ابْنَتِي. أَتَخَيَّلُ نَفْسِي أَحْيَانًا أَقُولُ لَهَا نَفْسَ الْجُمَلِ الَّتِي قَالَتْهَا أُمِّي لِي، وَأَشْعُرُ أَنَّنِي مُخْطِئَةٌ، لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَفْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ.”
“رُبَّمَا أَوَّلُ خُطْوَةٍ أَنْ تَعْتَرِفِي أَنَّكِ تَشْعُرِينَ بِهَذَا. لَيْسَ عَلَيْكِ أَنْ تُغَيِّرِي كُلَّ شَيْءٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.”
عَانَقَتْهُ رِيمَا بِقُوَّةٍ، عِنَاقًا لَمْ تَعْتَدْهُ مِنْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ: “شُكْرًا لَكَ عَلَى عَوْدَتِكَ يَا كَرِيمُ. حَتَّى لَوْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ صَعْبًا الْآنَ، لَكِنِّي شَعَرْتُ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَرَانِي أَخِيرًا فِي هَذَا الْبَيْتِ.”
عَادَا إِلَى الدَّاخِلِ، حَيْثُ كَانَتِ الْجَدَّةُ زَهْرَةُ تُوَزِّعُ الْحَلْوَى بِيَدَيْهَا، وَتَحْكِي لِزِيَادٍ حِكَايَةً قَدِيمَةً عَنْ جَدِّهِ الَّذِي بَنَى هَذَا الْبَيْتَ حَجَرًا حَجَرًا، بَيْنَمَا جَلَسَ غَسَّانُ فِي زَاوِيَةٍ، صَامِتًا، يُرَاقِبُ ابْنَهُ بِنَظْرَةٍ لَمْ يَفْهَمْهَا كَرِيمٌ بَعْدُ تَمَامًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ نَظْرَةَ رَفْضٍ خَالِصٍ، بَلْ شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى سُؤَالٍ مُعَلَّقٍ، يَنْتَظِرُ لَحْظَةً أُخْرَى، أَهْدَأَ، لِيُطْرَحَ بِصِدْقٍ.


فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَ الْجَمِيعُ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ سَلْمَى تَجْمَعُ الْأَطْبَاقَ الْأَخِيرَةَ عَنِ الطَّاوِلَةِ، وَقَفَ غَسَّانُ فِي عَتَبَةِ الْمَطْبَخِ، يَنْظُرُ إِلَى زَوْجَتِهِ صَامِتًا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ:
“سَلْمَى، أَتَذْكُرِينَ أَوَّلَ عَشَاءٍ أَعْدَدْنَاهُ مَعًا، بَعْدَ عُرْسِنَا بِأُسْبُوعٍ؟”
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى عَنِ الْعَمَلِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ: “لِمَاذَا فَكَّرْتَ فِي هَذَا الْآنَ؟”
“لَا أَعْرِفُ. لَكِنَّ كَرِيمَ… كَرِيمَ جَعَلَنِي أُفَكِّرُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كُنْتُ قَدْ نَسِيتُهَا.”
جَفَّتْ يَدَا سَلْمَى مِنَ الْمَاءِ، وَجَلَسَتْ عَلَى كُرْسِيٍّ قَرِيبٍ، تَنْظُرُ إِلَى زَوْجِهَا الَّذِي لَمْ تَرَهُ بِهَذَا الضَّعْفِ الظَّاهِرِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
“مَا الَّذِي جَعَلَكَ بِالضَّبْطِ تُفَكِّرُ فِيهِ؟”
“حِينَ قَالَ كَرِيمُ: ‘الِاحْتِرَامُ لَيْسَ مَعْنَاهُ الصَّمْتَ’… فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي. أَنَا وَأَبِي، كُنْتُ دَائِمًا صَامِتًا أَمَامَهُ، حَتَّى حِينَ كَانَ مُخْطِئًا. وَالْآنَ أَفْعَلُ نَفْسَ الشَّيْءِ مَعَ كَرِيمٍ، وَحَتَّى مَعَ زِيَادٍ.”
“وَلِمَاذَا يَصْعُبُ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟”
فَكَّرَ غَسَّانُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَاتٍ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا مِنْ قَبْلُ: “لِأَنَّهُ يَا سَلْمَى، لَوْ تَحَدَّثْتُ، لَوَجَبَ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَرِفَ بِأَنِّي رُبَّمَا كُنْتُ مُخْطِئًا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. وَهَذَا صَعْبٌ عَلَى رَجُلٍ فِي عُمْرِي، تَرَبَّى عَلَى أَنَّ الْأَبَ دَائِمًا عَلَى صَوَابٍ.”
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ تَسْمَعُ فِيهَا سَلْمَى زَوْجَهَا يَعْتَرِفُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَشَعَرَتْ بِدُمُوعٍ تَتَجَمَّعُ فِي عَيْنَيْهَا، لَا حُزْنًا، بَلْ شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى الْأَمَلِ الَّذِي كَادَتْ تَنْسَى طَعْمَهُ.
“غَسَّانُ، لَا أَحَدَ يَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا. لَكِنَّنَا، كُلَّنَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، فِي حَاجَةٍ إِلَى أَنْ نَسْمَعَ مِنْكَ أَنَّكَ فَقَطْ… إِنْسَانٌ، مِثْلَ الْجَمِيعِ، يَخَافُ وَيَشُكُّ وَيُخْطِئُ أَحْيَانًا.”
لَمْ يُجِبْ غَسَّانُ، لَكِنَّهُ اقْتَرَبَ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَجَلَسَ بِجَانِبِهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الضُّيُوفِ، وَبَقِيَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، صَمْتًا مُخْتَلِفًا هَذِهِ الْمَرَّةَ عَنْ كُلِّ الصَّمْتِ الَّذِي عَاشَاهُ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ: صَمْتًا بَدَأَ يَحْمِلُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، بَذْرَةَ اعْتِرَافٍ صَادِقٍ، لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، لَكِنَّهُ بَدَأَ.


فِي غُرْفَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، جَلَسَ كَرِيمٌ يَكْتُبُ فِي دَفْتَرٍ صَغِيرٍ كَانَ قَدْ أَحْضَرَهُ مَعَهُ مِنْ أَلْمَانِيَا، عَادَةً تَعَلَّمَهَا هُنَاكَ: أَنْ يُدَوِّنَ فِي نِهَايَةِ كُلِّ يَوْمٍ مَا تَعَلَّمَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ حَوْلَهُ. كَتَبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ فَهِمْتُ أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ لَا يَحْتَاجُ مِنِّي أَنْ أَهْدِمَ شَيْئًا، بَلْ أَنْ أَصْبِرَ عَلَى أَسْئِلَةٍ صَغِيرَةٍ، تُطْرَحُ بِهُدُوءٍ، فِي اللَّحْظَةِ الْمُنَاسِبَةِ. زِيَادٌ يُرِيدُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ حُلْمِهِ. رِيمَا تُرِيدُ أَنْ تُرَى لَا أَنْ تُحْكَمَ عَلَيْهَا. أُمِّي تُرِيدُ أَنْ تُسْمَعَ، لَا أَنْ تُخْفِيَ حُزْنَهَا خَلْفَ صِينِيَّةِ طَعَامٍ. وَأَبِي… أَبِي، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عَوْدَتِي، بَدَا اللَّيْلَةَ أَقْرَبَ إِلَى إِنْسَانٍ خَائِفٍ يَبْحَثُ عَنْ طَرِيقَةٍ لِيَعْتَرِفَ، لَا إِلَى حَارِسٍ صَارِمٍ لِثَوَابِتَ لَا تُنَاقَشُ.”
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَأَطْفَأَ النُّورَ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، رَغْمَ كُلِّ تَوَتُّرِهَا الظَّاهِرِ، كَانَتْ أَوَّلَ لَيْلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مُنْذُ عَوْدَتِهِ يَشْعُرُ فِيهَا أَنَّ بَيْتَهُ، بِكُلِّ تَنَاقُضَاتِهِ وَأَثْقَالِهِ الْقَدِيمَةِ، قَدْ بَدَأَ فِعْلًا، وَلَوْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، يَتَغَيَّرُ مِنَ الدَّاخِلِ.


الِابْنُ الْغَرِيبُ 02