الِابْنُ الْغَرِيبُ
الفَصْلُ الرَّابِعُ
لَمْ يَنَمْ غَسَّانُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. ظَلَّ مُسْتَلْقِيًا إِلَى جَانِبِ سَلْمَى النَّائِمَةِ، عَيْنَاهُ مَفْتُوحَتَانِ فِي العَتْمَةِ، وَذِهْنُهُ يَرْتَدُّ، رَغْمًا عَنْهُ، إِلَى بَيْتٍ آخَرَ، أَقْدَمَ مِنْ هَذَا البَيْتِ بِعُقُودٍ، حَيْثُ كَبِرَ هُوَ نَفْسُهُ صَبِيًّا صَامِتًا فِي ظِلِّ أَبٍ لَمْ يَعْرِفْ يَوْمًا مَعْنَى الحِوَارِ.
تَذَكَّرَ أَبَاهُ، الحَاجَّ سَلِيمًا، رَجُلًا طَوِيلَ القَامَةِ، ثَقِيلَ الصَّوْتِ، لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى الصُّرَاخِ لِيُطَاعَ؛ كَانَتْ نَظْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُ كَافِيَةً لِتُخْرِسَ أَيَّ اعْتِرَاضٍ. تَذَكَّرَ كَيْفَ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ المَائِدَةِ، وَكَيْفَ كَانَ الجَمِيعُ، زَوْجَتُهُ وَأَبْنَاؤُهُ السَّبْعَةُ، يَنْتَظِرُونَ إِشَارَةً مِنْهُ لِيَبْدَؤُوا الأَكْلَ، وَكَيْفَ كَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ تُقَالُ فِي حَضْرَتِهِ تُوزَنُ أَلْفَ مَرَّةٍ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الفَمِ.
نَهَضَ غَسَّانُ مِنْ فِرَاشِهِ بِهُدُوءٍ كَيْ لَا يُوقِظَ سَلْمَى، وَنَزَلَ إِلَى الصَّالُونِ، وَجَلَسَ فِي العَتْمَةِ يَسْتَعِيدُ مَشْهَدًا لَمْ يُفَارِقْهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا: كَانَ فِي الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ أَبَاهُ بِرَغْبَتِهِ فِي دِرَاسَةِ الرَّسْمِ، بَعْدَ أَنِ اكْتَشَفَ مُعَلِّمُ الفُنُونِ فِي مَدْرَسَتِهِ أَنَّ لَدَيْهِ مَوْهِبَةً حَقِيقِيَّةً. تَذَكَّرَ كَيْفَ تَدَرَّبَ عَلَى الجُمْلَةِ طَوِيلًا، وَكَيْفَ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ فِي المَسَاءِ، وَكَيْفَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَبُوهُ حَتَّى أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ عَنْ جَرِيدَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
— الرَّسْمُ؟ يَا بُنَيَّ، الرَّسْمُ لِمَنْ لَا شُغْلَ يَشْغَلُ وَقْتَهُ. أَنْتَ ابْنِي، وَسَتَتَعَلَّمُ التِّجَارَةَ، كَمَا تَعَلَّمْتُ أَنَا مِنْ جَدِّكَ.
لَمْ يُجَادِلْ غَسَّانُ يَوْمَهَا. لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَصْلًا أَنَّ الجِدَالَ مُمْكِنٌ. طَوَى حُلْمَ الرَّسْمِ فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ ذَاكِرَتِهِ، وَحَمَلَ بَدَلًا مِنْهُ دَفْتَرَ حِسَابَاتٍ، وَتَعَلَّمَ التِّجَارَةَ كَمَا أَرَادَ أَبُوهُ، وَكَبِرَ، وَأَصْبَحَ تَاجِرًا نَاجِحًا، وَنَسِيَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ نَسِيَ، ذَلِكَ الصَّبِيَّ الَّذِي أَرَادَ يَوْمًا أَنْ يَرْسُمَ.
جَلَسَ الآنَ، بَعْدَ أَرْبَعِينَ عَامًا، يُفَكِّرُ: كَمْ مَرَّةً، وَهُوَ يُرَبِّي أَبْنَاءَهُ، كَرَّرَ نَفْسَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَالَهَا أَبُوهُ لَهُ، بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ؟ كَمْ مَرَّةً أَسْكَتَ سُؤَالًا فِي عَيْنَيْ كَرِيمٍ، أَوْ زِيَادٍ، أَوْ حَتَّى رِيمَا، دُونَ أَنْ يَعِيَ أَنَّهُ كَانَ يُكَرِّرُ صَدَى صَوْتِ أَبِيهِ بِالضَّبْطِ؟
فِي الصَّبَاحِ، زَارَهُ أَخُوهُ فُؤَادُ لِتَنَاوُلِ القَهْوَةِ، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُمَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ. جَلَسَا فِي الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالشَّمْسُ بَدَأَتْ لِلتَّوِّ تُدْفِئُ الصَّبَاحَ البَارِدَ.
— غَسَّانُ، يَبْدُو أَنَّكَ لَمْ تَنَمْ جَيِّدًا.
— صَحِيحٌ. فَكَّرْتُ كَثِيرًا البَارِحَةَ.
— فِيمَ؟
تَرَدَّدَ غَسَّانُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ لَمْ يَعْتَدْ فُؤَادُ سَمَاعَهُ مِنْهُ:
— فِي أَبِينَا. فِي كَيْفَ رَبَّانَا.
نَظَرَ فُؤَادُ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ: — لِمَاذَا خَطَرَ لَكَ هَذَا الآنَ؟
— كَرِيمٌ قَالَ جُمْلَةً، إِنَّ الاحْتِرَامَ لَا يَعْنِي الصَّمْتَ. وَظَلَلْتُ أُفَكِّرُ: نَحْنُ، يَا فُؤَادُ، تَرَبَّيْنَا عَلَى الصَّمْتِ. وَصِرْنَا نُرَبِّي أَوْلَادَنَا عَلَى الصَّمْتِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَعِيَ أَنَّنَا هَكَذَا نَفْعَلُ.
هَزَّ فُؤَادُ رَأْسَهُ بِرَفْضٍ وَاضِحٍ: — غَسَّانُ، أَبُونَا كَانَ رَجُلًا مِنْ زَمَنِهِ. كَانَ صَارِمًا، لَكِنَّهُ كَانَ عَادِلًا. وَرَبَّانَا جَيِّدًا، انْظُرْ أَيْنَ وَصَلْنَا.
— وَصَلْنَا إِلَى أَيْنَ يَا فُؤَادُ؟ أَنْتَ، بِصَرَاحَةٍ، أَسَعِيدٌ بِحَيَاتِكَ؟
تَوَقَّفَ فُؤَادُ عَنِ الشُّرْبِ، وَنَظَرَ إِلَى أَخِيهِ بِحَذَرٍ:
— مَا هَذَا السُّؤَالُ الغَرِيبُ؟
— سُؤَالٌ بَسِيطٌ. أَأَنْتَ سَعِيدٌ؟
صَمَتَ فُؤَادُ طَوِيلًا، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَرَى فِيهَا غَسَّانُ أَخَاهُ الأَكْبَرَ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ، الحَارِسَ الدَّائِمَ لِثَوَابِتِ العَائِلَةِ، يَبْدُو تَائِهًا أَمَامَ سُؤَالٍ بِهَذِهِ البَسَاطَةِ.
— لَا أَعْرِفُ يَا غَسَّانُ. بِصَرَاحَةٍ، لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ هَذَا السُّؤَالَ مُنْذُ زَمَنٍ. أَنَا… سَعِيدٌ، لَكِنَّنِي… أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّ حَيَاتِي كُلَّهَا كَانَتْ وَاجِبَاتٍ: وَاجِبٌ نَحْوَ أَبِي، وَاجِبٌ نَحْوَ العَائِلَةِ، وَاجِبٌ نَحْوَ السُّمْعَةِ. لَا أَعْرِفُ أَيْنَ أَنَا فِيهَا، أَنَا شَخْصِيًّا.
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَعْتَرِفُ فِيهَا فُؤَادُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، حَتَّى لِنَفْسِهِ، وَشَعَرَ غَسَّانُ أَنَّ أَخَاهُ، خَلْفَ كُلِّ صَرَامَتِهِ الظَّاهِرَةِ، كَانَ يَحْمِلُ السُّؤَالَ ذَاتَهُ الَّذِي بَدَأَ غَسَّانُ يَطْرَحُهُ عَلَى نَفْسِهِ لِلتَّوِّ.
— رُبَّمَا يَا فُؤَادُ، نَحْنُ الِاثْنَانِ، طَوَالَ عُمْرِنَا، كُنَّا خَائِفَيْنِ مِنْ أَنْ نَسْأَلَ هَذَا السُّؤَالَ، لِأَنَّنَا كُنَّا خَائِفَيْنِ مِنَ الجَوَابِ.
— وَمَا الجَوَابُ؟
— لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ ابْنِي كَرِيمَ، حِينَ عَادَ وَسَأَلَنِي: ‹أَتَغَيَّرْتَ؟›، شَعَرْتُ بِالغَضَبِ أَوَّلَ الأَمْرِ. لَكِنِّي الآنَ، بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، بَدَأْتُ أَفْهَمُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ وَحْدَهُ مَنْ تَغَيَّرَ. أَنَا أَيْضًا، فِي دَاخِلِي، ثَمَّةَ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ، وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُوقِفُهُ، وَلَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُوقِفَهُ أَصْلًا.
نَظَرَ فُؤَادُ إِلَى أَخِيهِ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنَ المُعْتَادِ:
— أَتَعْرِفُ يَا غَسَّانُ، أَنَا أَيْضًا لِي وَلَدٌ، سَامِرُ، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنِّي كَثِيرًا، لَا جُغْرَافِيًّا، بَلْ… عَاطِفِيًّا. لَا يُحَدِّثُنِي بِشَيْءٍ، وَأَنَا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَفْتَحُ مَعَهُ حَدِيثًا. رُبَّمَا، بِصَرَاحَةٍ، خِفْتُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ اليَوْمَ لِأَنَّهُ ذَكَّرَنِي بِهِ.
— وَلِمَ لَمْ تُجَرِّبْ أَنْ تُحَدِّثَهُ كَمَا جَرَّبْنَا الآنَ؟
— لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَبْدَأُ. أَرْبَعُونَ سَنَةً وَأَنَا أَتَحَدَّثُ بِلُغَةِ الأَوَامِرِ، لَا بِلُغَةِ القَلْبِ. مِنَ الصَّعْبِ أَنْ تَتَعَلَّمَ لُغَةً جَدِيدَةً فِي هَذَا العُمْرِ.
— رُبَّمَا لَيْسَ مُسْتَحِيلًا، فَقَطْ صَعْبًا. عَلَّمَنِي كَرِيمٌ كَلِمَةً اليَوْمَ: إِنَّ الِاعْتِرَافَ بِالخَوْفِ لَيْسَ ضَعْفًا، هُوَ أَوَّلُ خُطْوَةٍ نَحْوَ الشَّجَاعَةِ الحَقِيقِيَّةِ.
ابْتَسَمَ فُؤَادُ ابْتِسَامَةَ تَعَبٍ صَادِقَةً:
— ابْنُكَ ذَكِيٌّ يَا غَسَّانُ. وَأَنَا، رَغْمَ كُلِّ مَا قُلْتُهُ البَارِحَةَ عَلَى المَائِدَةِ، بِصَرَاحَةٍ، مُعْجَبٌ بِهِ.
كَانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، القَادِمَةُ مِنْ فُؤَادَ بِالذَّاتِ، حَارِسِ التَّقَالِيدِ المُعْلَنِ، مُفَاجَأَةً حَقِيقِيَّةً لِغَسَّانَ، وَأَدْرَكَ أَنَّ التَّغَيُّرَ الَّذِي بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَكُنْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَعَلَى أَبْنَائِهِ، بَلْ بَدَأَ، بِبُطْءٍ خَفِيٍّ، يَلْمَسُ حَتَّى أَكْثَرَ الأَفْرَادِ تَمَسُّكًا بِالثَّوَابِتِ القَدِيمَةِ.
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، يَرْشُفَانِ قَهْوَتَهُمَا، وَالشَّمْسُ تَرْتَفِعُ فَوْقَ الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ، حَتَّى قَالَ فُؤَادُ أَخِيرًا:
— غَسَّانُ، إِنْ تَحَدَّثْتَ مَرَّةً أُخْرَى مَعَ كَرِيمٍ عَنْ هَذِهِ المَوَاضِيعِ، خُذْنِي مَعَكَ. رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِأَتَعَلَّمَ أَنَا أَيْضًا أَنْ أَسْأَلَ ابْنِي الأَسْئِلَةَ ذَاتَهَا.
— بِالتَّأْكِيدِ يَا فُؤَادُ. لَا يَنْبَغِي أَنْ نَخُوضَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ وَحِيدَيْنِ.
فِي المَسَاءِ، حِينَ عَادَ غَسَّانُ إِلَى البَيْتِ، وَجَدَ سَلْمَى تَجْلِسُ وَحْدَهَا فِي الشُّرْفَةِ، تَحْتَسِي كُوبَ شَايٍ، فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِهَا بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَالَ:
— تَحَدَّثْتُ مَعَ فُؤَادَ اليَوْمَ عَنْ أَبِينَا، وَعَنْ كَيْفَ رَبَّانَا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِدَهْشَةٍ، فَهَذَا مَوْضُوعٌ لَمْ يَفْتَحْهُ مَعَهَا مِنْ قَبْلُ قَطُّ.
— وَمَاذَا قُلْتَ لَهُ؟
— قُلْتُ لَهُ إِنَّنَا تَرَبَّيْنَا عَلَى الصَّمْتِ، وَصِرْنَا نُوَرِّثُهُ لِأَوْلَادِنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نَعِيَ. وَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِنَتَعَلَّمَ لُغَةً أُخْرَى.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً لَمْ يَرَهَا غَسَّانُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، ابْتِسَامَةَ امْرَأَةٍ تَرَى أَخِيرًا بَصِيصَ أَمَلٍ فِي زَوْجِهَا الَّذِي عَرَفَتْهُ صَامِتًا مُعْظَمَ حَيَاتِهِمَا المُشْتَرَكَةِ.
— غَسَّانُ، هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ تُحَدِّثُنِي فِيهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
— أَعْرِفُ. وَأَعْتَذِرُ لِأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أُحَدِّثُكِ أَكْثَرَ. لَكِنْ مِنَ الصَّعْبِ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَنْ تَفْتَحَ قَلْبَكَ وَأَنْتَ قَدْ تَرَبَّيْتَ طَوَالَ عُمْرِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا ضَعْفٌ.
— لَيْسَ ضَعْفًا يَا غَسَّانُ. هَذَا أَقْوَى شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَهُ.
أَمْسَكَ غَسَّانُ بِيَدِ زَوْجَتِهِ، بِحَرَكَةٍ بَسِيطَةٍ لَكِنَّهَا غَيْرُ مُعْتَادَةٍ بَيْنَهُمَا مُنْذُ زَمَنٍ، وَنَظَرَا مَعًا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَوْقَ البَلْدَةِ الصَّغِيرَةِ، بِصَمْتٍ مُخْتَلِفٍ هَذِهِ المَرَّةَ، صَمْتٍ لَا يُخْفِي شَيْئًا، بَلْ يَسْتَرِيحُ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، فِي سَكِينَةٍ صَادِقَةٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ بَدَآ، وَلَوْ مُتَأَخِّرَيْنِ، رِحْلَةَ تَعَلُّمِ لُغَةٍ جَدِيدَةٍ مَعًا.
بَعْدَ ظُهْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، زَارَ كَرِيمٌ جَدَّتَهُ زَهْرَةَ فِي غُرْفَتِهَا، كَمَا وَعَدَهَا، فَوَجَدَهَا تَفْرَزُ صُوَرًا قَدِيمَةً مِنْ صُنْدُوقٍ خَشَبِيٍّ كَانَتْ تَحْتَفِظُ بِهِ مُنْذُ عُقُودٍ.
— جَدَّتِي، مَا هَذِهِ؟
— صُوَرٌ قَدِيمَةٌ يَا حَبِيبِي. مِنْ زَمَنٍ كَانَ أَبُوكَ وَعَمُّكَ فِيهِ صَغِيرَيْنِ.
جَلَسَ كَرِيمٌ إِلَى جَانِبِهَا، وَتَصَفَّحَ الصُّوَرَ بِبُطْءٍ: صُورَةٌ لِأَبِيهِ غَسَّانَ، صَبِيًّا نَحِيلًا، يَقِفُ إِلَى جَانِبِ رَجُلٍ ضَخْمِ القَامَةِ، عَابِسِ الوَجْهِ.
— مَنْ هَذَا يَا جَدَّتِي؟
— هَذَا جَدُّكَ، الحَاجُّ سَلِيمٌ، رَحِمَهُ اللهُ.
— يَبْدُو صَارِمًا جِدًّا.
ابْتَسَمَتْ زَهْرَةُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً:
— كَانَ أَشَدَّ صَرَامَةً مِنْ ذَلِكَ يَا كَرِيمُ. أَبُوكَ، طَوَالَ طُفُولَتِهِ، لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى أَنْ يُحَدِّثَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ. حَتَّى أَنَا، كَزَوْجَةٍ لِابْنِهِ… أَيْ حَمَاتِي، كَانَتْ هِيَ مَنْ تَحْكُمُ البَيْتَ، وَكُنْتُ أَنَا مُضْطَرَّةً لِأَنْ أُطِيعَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ.
— وَأَنْتِ، جَدَّتِي، أَكُنْتِ رَاضِيَةً عَنْ هَذِهِ الحَيَاةِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ زَهْرَةُ نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
— لَا يَا كَرِيمُ. بِصَرَاحَةٍ، لَا. لَكِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ خِيَارٌ آخَرُ. المَرْأَةُ فِي جِيلِي لَمْ تَكُنْ تُسْأَلُ إِنْ كَانَتْ رَاضِيَةً أَمْ لَا. كَانَتْ فَقَطْ تَتَزَوَّجُ، وَتَخْدُمُ بَيْتَ زَوْجِهَا، وَتُرَبِّي أَوْلَادَهُ، وَتَصْمُتُ.
— وَالآنَ، وَأَنْتِ تُحَدِّثِينَنِي بِهَذَا الحَدِيثِ، كَيْفَ تَشْعُرِينَ؟
— أَشْعُرُ بِرَاحَةٍ غَرِيبَةٍ يَا كَرِيمُ. كَأَنَّ أَحَدًا رَفَعَ عَنِّي حِمْلًا كُنْتُ أَحْمِلُهُ وَحْدِي كُلَّ هَذِهِ السِّنِينَ.
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ، البَسِيطَةُ فِي ظَاهِرِهَا، عَمِيقَةً فِي جَوْهَرِهَا: امْرَأَةٌ تَجَاوَزَتِ الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهَا، تَعْتَرِفُ لِحَفِيدِهَا، لِلْمَرَّةِ الأُولَى، بِأَنَّ حَيَاةً كَامِلَةً مِنَ الطَّاعَةِ الصَّامِتَةِ لَمْ تَكُنِ اخْتِيَارَهَا، بَلْ قَدَرًا فُرِضَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا حَمَلَتْ هَذَا الِاعْتِرَافَ بِصَمْتٍ طَوَالَ عُمْرِهَا، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُفْهَمَ تَمَرُّدًا أَوْ جُحُودًا.
— جَدَّتِي، لِمَ لَمْ تُحَدِّثِي أَبِي بِهَذَا؟ رُبَّمَا كَانَ يَفْهَمُ أَكْثَرَ لَوْ عَرَفَ أَنَّكِ عَانَيْتِ مِثْلَمَا يُعَانِي هُوَ الآنَ.
— رُبَّمَا يَا كَرِيمُ. لَكِنَّ جِيلَنَا لَمْ يَتَعَلَّمْ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْ مُعَانَاتِهِ. تَعَلَّمَ أَنْ يَتَحَمَّلَ بِصَمْتٍ، وَيُوَرِّثَ الصَّمْتَ نَفْسَهُ لِلْجِيلِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ.
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى جَدَّتِهِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ مَا يُوَاجِهُهُ فِي بَيْتِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ صِرَاعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، بَلْ حَلْقَةً طَوِيلَةً مِنْ صَمْتٍ مُتَوَارَثٍ، امْتَدَّتْ مِنْ جَدِّهِ الحَاجِّ سَلِيمٍ، إِلَى أَبِيهِ غَسَّانَ، وَكَادَتْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهِ هُوَ وَإِلَى زِيَادٍ، لَوْلَا أَنَّ أَحَدًا، فِي مَرْحَلَةٍ مَا، قَرَّرَ أَنْ يَكْسِرَ هَذَا التَّوَارُثَ الصَّامِتَ بِسُؤَالٍ صَرِيحٍ.
— جَدَّتِي، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا، وَأُرِيدُ جَوَابًا صَادِقًا: هَلْ تَتَمَنَّيْنَ لَوْ كَانَتِ الأُمُورُ مُخْتَلِفَةً؟ لَوْ أَنَّ أَحَدًا سَأَلَكِ، مُنْذُ زَمَنٍ، مَاذَا تُرِيدِينَ مِنْ حَيَاتِكِ؟
دَمَعَتْ عَيْنَا زَهْرَةَ، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ حَفِيدِهَا بِقُوَّةٍ:
— كُلَّ يَوْمٍ يَا كَرِيمُ. كُلَّ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِي.
صَمَتَا قَلِيلًا، ثُمَّ تَابَعَتْ زَهْرَةُ، وَكَأَنَّ بَابًا قَدِيمًا قَدِ انْفَتَحَ أَخِيرًا فِي دَاخِلِهَا:
— أُخْبِرُكَ سِرًّا لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا، وَلَا حَتَّى أَبَاكَ. أَنَا، قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ جَدَّكَ، كَانَ ثَمَّةَ شَابٌّ آخَرُ، يُحِبُّنِي، وَكُنْتُ أُحِبُّهُ. كَانَ اسْمُهُ تَوْفِيقَ. لَكِنَّ أَهْلِي رَفَضُوا، لِأَنَّ عَائِلَتَهُ لَمْ تَكُنْ ‹مُنَاسِبَةً›، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ. وَزَوَّجُونِي لِجَدِّكَ، الحَاجِّ سَلِيمٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلُونِي.
فُوجِئَ كَرِيمٌ بِهَذَا الِاعْتِرَافِ، وَنَظَرَ إِلَى جَدَّتِهِ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَزِيجٍ مِنَ الحُزْنِ وَالدَّهْشَةِ:
— جَدَّتِي… وَلِمَ لَمْ تُحَدِّثِينِي بِهَذَا مِنْ قَبْلُ؟
— لِأَنَّهُ، يَا كَرِيمُ، مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ حِكَايَةَ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ عَنْ حُبٍّ قَدِيمٍ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً؟ وَبَعْدَ ذَلِكَ، خِفْتُ لَوْ حَدَّثْتُكَ أَنْ يَحْسَبُونِي نَادِمَةً عَلَى حَيَاتِي، وَأَنَا لَسْتُ نَادِمَةً تَمَامًا. أَحْبَبْتُ أَوْلَادِي، وَأَحْبَبْتُ جَدَّكَ بِطَرِيقَتِي، مَعَ الوَقْتِ. لَكِنْ ظَلَّ فِي دَاخِلِي سُؤَالٌ صَغِيرٌ، لَا يَذْهَبُ أَبَدًا: مَاذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لَوْ تَرَكُونِي أَخْتَارُ؟
— وَمَاذَا حَدَثَ بِتَوْفِيقَ؟
— تَزَوَّجَ امْرَأَةً أُخْرَى، وَعَاشَ حَيَاتَهُ. وَأَنَا سَمِعْتُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. وَحِينَ سَمِعْتُ الخَبَرَ، بَكَيْتُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْرِفَ بِالضَّبْطِ لِمَاذَا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ.
أَخَذَ كَرِيمٌ نَفَسًا عَمِيقًا، وَقَالَ بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالتَّعَاطُفِ:
— جَدَّتِي، هَذِهِ الحِكَايَةُ تُؤْلِمُنِي كَثِيرًا. لَكِنِّي أَشْكُرُكِ لِأَنَّكِ حَدَّثْتِنِي بِهَا.
— وَأَنَا أَشْكُرُكَ يَا كَرِيمُ، لِأَنَّكَ سَأَلْتَ. لِأَنَّهُ، بِصَرَاحَةٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا فِي هَذَا البَيْتِ يَهْتَمُّ أَنْ يَسْمَعَ حِكَايَتِي الحَقِيقِيَّةَ، لَا فَقَطْ دَوْرِي كَجَدَّةٍ تُوَزِّعُ الحَلْوَى وَتَحْكِي حِكَايَاتٍ لِلْأَطْفَالِ.
فِي المَسَاءِ، وَبَعْدَ أَنْ وَدَّعَ جَدَّتَهُ، اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِلِينَا عَبْرَ الفِيدِيُو، وَشَعَرَ بِحَاجَةٍ مُلِحَّةٍ إِلَى أَنْ يُشَارِكَهَا كُلَّ مَا سَمِعَهُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
— لِينَا، اليَوْمَ سَمِعْتُ حِكَايَةً غَيَّرَتْ نَظْرَتِي إِلَى كُلِّ شَيْءٍ هُنَا.
حَكَى لَهَا عَنْ جَدَّتِهِ زَهْرَةَ، عَنْ تَوْفِيقَ الَّذِي أَحَبَّتْهُ وَلَمْ تَتَزَوَّجْهُ، عَنْ سِتِّينَ عَامًا مِنْ سُؤَالٍ صَغِيرٍ لَمْ يُجَبْ عَنْهُ أَبَدًا. اسْتَمَعَتْ لِينَا بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتِهَا الهَادِئِ المُعْتَادِ:
— كَرِيمُ، هَذَا يُفَسِّرُ الكَثِيرَ عَمَّا تَحَدَّثْنَا عَنْهُ سَابِقًا. أَنْتَ لَا تُحَارِبُ فَقَطْ أَبَاكَ أَوْ تَقَالِيدَ بَيْتِكَ، أَنْتَ تُحَاوِلُ أَنْ تَكْسِرَ نَمَطًا امْتَدَّ أَجْيَالًا.
— بِالضَّبْطِ. وَهَذَا مَا يُخِيفُنِي، لِأَنِّي أَشْعُرُ أَنَّ المَسْؤُولِيَّةَ أَكْبَرُ مِنِّي.
— لَيْسَتْ مَسْؤُولِيَّتَكَ وَحْدَكَ أَنْ تُصْلِحَ كُلَّ شَيْءٍ يَا كَرِيمُ. أَنْتَ فَقَطْ أَوَّلُ مَنْ تَجَرَّأَ أَنْ يَسْأَلَ السُّؤَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ. هَذَا يَكْفِي كَبِدَايَةٍ.
فَكَّرَ كَرِيمٌ قَلِيلًا، ثُمَّ سَأَلَهَا بِصِدْقٍ:
— لِينَا، وَأَنْتِ، أَتَشْعُرِينَ أَنِّي… بَعِيدٌ عَنْكِ الآنَ، بِمَعْنَى، ذِهْنِيًّا؟ أَشْعُرُ أَنِّي غَارِقٌ فِي هَذِهِ الحِكَايَاتِ، وَنَاسٍ أَنْ أَسْأَلَكِ كَيْفَ حَالُكِ أَنْتِ.
ابْتَسَمَتْ لِينَا ابْتِسَامَةً دَافِئَةً:
— أَنَا بِخَيْرٍ، كَرِيمُ. وَأَفْهَمُ أَنَّ هَذَا الوَقْتَ ضَرُورِيٌّ لَكَ. فَقَطْ لَا تَنْسَ، وَأَنْتَ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْتَحَ كُلَّ هَذِهِ الأَبْوَابَ لِعَائِلَتِكَ، أَنْ تَتْرُكَ لِنَفْسِكَ أَيْضًا مَسَاحَةً تَتَنَفَّسُ فِيهَا، لَا أَنْ تَحْمِلَ حُزْنَ الجَمِيعِ عَلَى كَتِفَيْكَ وَحْدَكَ.
كَانَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ، البَسِيطَةُ وَالحَكِيمَةُ، تَذْكِيرًا ضَرُورِيًّا لِكَرِيمٍ بِأَنَّهُ، وَسَطَ انْغِمَاسِهِ فِي مُحَاوَلَةِ فَهْمِ بَيْتِهِ وَأَهْلِهِ، قَدْ بَدَأَ يَنْسَى أَنْ يَعْتَنِيَ بِنَفْسِهِ أَيْضًا، وَأَنَّ مَعْرَكَةَ كَسْرِ حَلْقَةِ الصَّمْتِ الطَّوِيلَةِ هَذِهِ لَنْ تُحْسَمَ فِي أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، بَلْ تَحْتَاجُ صَبْرًا يَمْتَدُّ لِأَشْهُرٍ، وَرُبَّمَا سَنَوَاتٍ.
أَغْلَقَ المُكَالَمَةَ وَهُوَ يَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِلِينَا، وَلِقُدْرَتِهَا عَلَى أَنْ تَمْنَحَهُ المَسَافَةَ الكَافِيَةَ لِيَرَى الأُمُورَ بِوُضُوحٍ دُونَ أَنْ تَفْرِضَ عَلَيْهِ رَأْيًا جَاهِزًا. ثُمَّ عَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي المَسَاءِ، يَحْمِلُ مَعَهُ ثِقْلَ هَذَا الِاعْتِرَافِ الجَدِيدِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
«اليَوْمَ فَهِمْتُ أَنَّ مَا أُوَاجِهُهُ لَيْسَ أَبِي وَحْدَهُ، بَلْ سِلْسِلَةٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الصَّمْتِ المَوْرُوثِ. جَدِّي عَلَّمَ أَبِي أَنْ يَصْمُتَ، وَأَبِي كَادَ يُعَلِّمُنِي نَفْسَ الدَّرْسِ، لَوْلَا أَنِّي غَادَرْتُ وَتَعَلَّمْتُ لُغَةً أُخْرَى لِلتَّعْبِيرِ عَنْ نَفْسِي. لَكِنَّ جَدَّتِي زَهْرَةَ، الَّتِي لَمْ تُغَادِرْ يَوْمًا هَذَا البَيْتَ، كَانَتْ تَحْمِلُ السُّؤَالَ ذَاتَهُ الَّذِي أَحْمِلُهُ أَنَا، طَوَالَ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ عَامًا، بِصَمْتٍ. رُبَّمَا مُهِمَّتِي الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ أَنْ أُغَيِّرَ أَبِي، بَلْ أَنْ أَفْتَحَ لِهَذَا البَيْتِ كُلِّهِ فُرْصَةً لِيَتَكَلَّمَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بِصَوْتِهِ الحَقِيقِيِّ، لَا بِصَوْتِ مَنْ سَبَقَهُ.»
الفَصْلُ الخَامِسُ
فِي اليَوْمِ التَّالِي، وَبَيْنَمَا كَانَ البَيْتُ هَادِئًا فِي سَاعَةِ الظَّهِيرَةِ، دَخَلَ كَرِيمٌ إِلَى المَطْبَخِ فَوَجَدَ أُمَّهُ سَلْمَى جَالِسَةً وَحْدَهَا أَمَامَ آلَةِ خِيَاطَةٍ قَدِيمَةٍ، مُغَطَّاةً بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ صَفْرَاءَ، بَدَتْ وَكَأَنَّهَا لَمْ تُفْتَحْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
— أُمِّي، مَا هَذِهِ؟ لَمْ أَرَهَا مِنْ قَبْلُ.
انْتَفَضَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، كَأَنَّهَا فُوجِئَتْ بِدُخُولِهِ، ثُمَّ ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً خَجُولَةً:
— آلَةُ خِيَاطَةٍ قَدِيمَةٌ. كَانَتْ لِأُمِّي، رَحِمَهَا اللهُ. مُنْذُ زَمَنٍ وَضَعْتُهَا فِي هَذِهِ الخِزَانَةِ.
جَلَسَ كَرِيمٌ إِلَى جَانِبِهَا، وَلَاحَظَ أَنَّ يَدَيْهَا كَانَتَا تُلَامِسَانِ القُمَاشَ بِحَنَانٍ غَرِيبٍ، كَمَنْ يُعِيدُ لَمْسَ شَيْءٍ عَزِيزٍ فَقَدَهُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
— أُمِّي، أَكُنْتِ تَخِيطِينَ قَدِيمًا؟
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى عَنِ الحَرَكَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَى ابْنِهَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهَا تُقَرِّرُ إِنْ كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لِفَتْحِ بَابٍ لَمْ تَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ.
— كَرِيمُ، أُطْلِعُكَ عَلَى سِرٍّ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا، حَتَّى أَبَاكَ. أَنَا، قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ، كَانَ لِي حُلْمٌ أَنْ أُصْبِحَ مُصَمِّمَةَ أَزْيَاءٍ. كُنْتُ أَخِيطُ لِبَنَاتِ الجِيرَانِ فَسَاتِينَ، وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِي: ‹سَلْمَى، إِنَّكِ مَوْهُوبَةٌ، لَا بُدَّ أَنْ تَدْرُسِي هَذَا الفَنَّ›.
— وَلِمَ لَمْ تَدْرُسِيهِ؟
ضَحِكَتْ سَلْمَى ضَحْكَةً حَزِينَةً:
— لِأَنَّهُ، يَا كَرِيمُ، فِي جِيلِي، الفَتَاةُ حِينَ تَبْلُغُ سِنَّ الزَّوَاجِ، تَنْسَى كُلَّ حُلْمٍ آخَرَ. قَالَ أَهْلِي: ‹الدِّرَاسَةُ وَالعَمَلُ لِلرِّجَالِ، وَعَلَيْكِ أَنْ تَتَزَوَّجِي وَتُرَبِّي بَيْتًا›. وَأَنَا، كَمَا تَعْلَمُ، لَمْ يَكُنْ أَمَامِي كَثِيرٌ مِنَ الخِيَارَاتِ.
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى أُمِّهِ بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِحُزْنٍ:
— أُمِّي، لِمَ لَمْ تُحَدِّثِينِي بِهَذِهِ الحِكَايَةِ مِنْ قَبْلُ؟ مُنْذُ زَمَنٍ وَأَنَا أَعْرِفُكِ بِوَصْفِكِ أُمًّا فَقَطْ، أَشْعُرُ أَنِّي لَا أَعْرِفُكِ كَامْرَأَةٍ لَهَا حُلْمٌ خَاصٌّ بِهَا.
— لِأَنَّهُ، يَا كَرِيمُ، الأُمَّهَاتُ فِي هَذَا المُجْتَمَعِ يُتَوَقَّعُ مِنْهُنَّ أَنْ يَكُنَّ أُمَّهَاتٍ فَقَطْ. لَا أَحَدَ يَسْأَلُ الأُمَّ عَمَّا كَانَتْ تَحْلُمُ بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ أُمًّا.
جَلَسَا صَامِتَيْنِ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
— وَأَصْعَبُ مَا فِي الأَمْرِ، أَنِّي، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، وَأَنَا أَرَى ابْنَتِي رِيمَا تَعِيشُ القِصَّةَ نَفْسَهَا، وَلَمْ أَقْدِرْ أَنْ أُوقِفَهَا.
تَوَقَّفَ كَرِيمٌ فَجْأَةً، وَشَعَرَ أَنَّ حَدِيثًا مُهِمًّا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ.
— مَاذَا تَقْصِدِينَ يَا أُمِّي؟
تَرَدَّدَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَرَّرَتْ أَنْ تُكْمِلَ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ ثِقْلَ اعْتِرَافٍ طَالَ انْتِظَارُهُ:
— رِيمَا، حِينَ كَانَتْ فِي العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا، كَانَ لَهَا شَابٌّ يُحِبُّهَا، مِنَ الجَامِعَةِ، اسْمُهُ سَامِي. وَكَانَتْ تُحِبُّهُ هِيَ أَيْضًا. لَكِنَّ أَبَاهَا، وَأَنَا مَعَهُ، رَفَضْنَا، لِأَنَّ سَامِي لَمْ يَكُنْ مِنْ عَائِلَةٍ ‹مُنَاسِبَةٍ›، وَلَمْ يَكُنْ وَضْعُهُ المَادِّيُّ جَيِّدًا حِينَهَا. وَزَوَّجْنَاهَا لِزَوْجِهَا الحَالِيِّ، الَّذِي كَانَ وَضْعُهُ أَفْضَلَ، وَعَائِلَتُهُ مَعْرُوفَةٌ.
شَعَرَ كَرِيمٌ بِصَدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ:
— أُمِّي… رِيمَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّ زَوَاجَهَا كَانَ قَرَارَهَا. لَمْ تُحَدِّثْنِي عَنْ سَامِي هَذَا.
— لِأَنَّ رِيمَا نَفْسَهَا، مَعَ الوَقْتِ، اقْتَنَعَتْ أَنَّ هَذَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ، وَحَاوَلَتْ أَنْ تَنْسَى سَامِي، وَأَنْ تَعِيشَ حَيَاتَهَا. لَكِنِّي أَنَا، كَأُمِّهَا، أَعْرِفُ الحَقِيقَةَ: أَنَّنِي وَأَبَاهَا ضَغَطْنَا عَلَيْهَا، وَخَوَّفْنَاهَا مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وَجَعَلْنَاهَا تَتَنَازَلُ عَنْ حُبِّهَا.
دَمَعَتْ عَيْنَا سَلْمَى، وَاسْتَمَرَّتْ:
— وَأَصْعَبُ مَا فِي الأَمْرِ، أَنِّي الآنَ، وَأَنَا أَرَاكَ عُدْتَ مِنْ أَلْمَانِيَا بِأَفْكَارٍ جَدِيدَةٍ عَنِ الحُرِّيَّةِ وَالِاخْتِيَارِ، أَشْعُرُ بِذَنْبٍ كَبِيرٍ، لِأَنِّي أَنَا نَفْسِي، يَا كَرِيمُ، حَرَمْتُ ابْنَتِي مِنْ هَذَا الِاخْتِيَارِ، بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا الَّتِي حُرِمْتُ فِيهَا أَنَا مِنْ حُلْمِي.
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ مِنْ أَصْعَبِ اللَّحَظَاتِ الَّتِي عَاشَهَا كَرِيمٌ مُنْذُ عَوْدَتِهِ: أَنْ يَسْمَعَ أُمَّهُ، الَّتِي عَرَفَهَا دَائِمًا قُوَّةً هَادِئَةً تَحْمِلُ البَيْتَ بِصَبْرٍ، تَعْتَرِفُ بِخَطَإٍ طَالَمَا حَمَلَتْهُ بِصَمْتٍ، خَطَإٍ لَمْ يَكُنْ نَابِعًا مِنْ قَسْوَةٍ، بَلْ مِنْ خَوْفٍ مَوْرُوثٍ، هُوَ نَفْسُهُ الخَوْفُ الَّذِي جَعَلَ جَدَّتَهُ زَهْرَةَ تَصْمُتُ طَوَالَ حَيَاتِهَا، وَالَّذِي جَعَلَ أَبَاهُ غَسَّانَ يَصْمُتُ أَمَامَ حُلْمِ الرَّسْمِ.
— أُمِّي، هَلْ فَكَّرْتِ أَنْ تَعْتَذِرِي لِرِيمَا؟
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهِ بِذُعْرٍ خَفِيفٍ:
— أَعْتَذِرُ؟ كَيْفَ أَعْتَذِرُ عَنْ شَيْءٍ حَدَثَ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا؟ وَمَاذَا يُفِيدُ الِاعْتِذَارُ الآنَ؟
— رُبَّمَا لَا يُغَيِّرُ المَاضِيَ، لَكِنَّهُ يُغَيِّرُ كَيْفَ تَشْعُرُ رِيمَا تِجَاهَ نَفْسِهَا وَتِجَاهَكِ. رُبَّمَا هِيَ أَيْضًا تَحْمِلُ ذَنْبَ أَنَّهَا ‹لَمْ تُقَاوِمْ كِفَايَةً›، وَلَا تَعْرِفُ أَنَّكِ كُنْتِ خَائِفَةً أَكْثَرَ مِنْهَا.
فَكَّرَتْ سَلْمَى طَوِيلًا، وَدُمُوعُهَا تَنْهَمِرُ بِصَمْتٍ:
— أَخَافُ يَا كَرِيمُ. أَخَافُ أَنِّي لَوْ تَحَدَّثْتُ، تَكْرَهَنِي رِيمَا أَكْثَرَ مِمَّا تَكْرَهُنِي الآنَ، إِنْ كَانَتْ أَصْلًا تَكْرَهُنِي.
— أُمِّي، رِيمَا لَا تَكْرَهُكِ. عَلَى العَكْسِ، هِيَ فَقَطْ تُرِيدُ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ، أَنْ يَسْمَعَهَا. وَأَنْتِ أَقْدَرُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، لِأَنَّكِ عِشْتِ التَّجْرِبَةَ نَفْسَهَا.
جَلَسَتَا صَامِتَتَيْنِ قَلِيلًا، ثُمَّ سَأَلَهَا كَرِيمٌ، بِفُضُولٍ مَمْزُوجٍ بِحَذَرٍ:
— أُمِّي، وَالآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَتُفَكِّرِينَ أَنْ تَعُودِي إِلَى حُلْمِكِ؟ الخِيَاطَةِ، التَّصْمِيمِ؟
ضَحِكَتْ سَلْمَى ضَحْكَةً فِيهَا مَزِيجٌ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالحَنِينِ:
— فِي هَذَا العُمْرِ يَا كَرِيمُ؟ مَنْ سَيَشْتَرِي مِنَ امْرَأَةٍ فِي عُمْرِي؟
— أُمِّي، العُمْرُ لَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ فِعْلِ مَا يُحِبُّهُ. رَأَيْتُ فِي أَلْمَانِيَا نِسَاءً فِي عُمْرِ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، يَبْدَأْنَ مَشَارِيعَ جَدِيدَةً، وَيَدْرُسْنَ مِنْ جَدِيدٍ. العُمْرُ رَقْمٌ فَقَطْ، لَا حُكْمُ إِعْدَامٍ عَلَى الأَحْلَامِ.
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى ابْنِهَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، وَكَأَنَّهَا تَزِنُ كَلَامَهُ بِجِدِّيَّةٍ لَمْ تَعْتَدْهَا مِنْ قَبْلُ.
— رُبَّمَا… رُبَّمَا فَقَطْ أَخِيطُ لِنَفْسِي، لِلْبَيْتِ، لَا لِلتِّجَارَةِ. لَكِنْ أَعُودُ لِأَلْمِسَ القُمَاشَ، لِأَرَى إِنْ كَانَتْ هَذِهِ المَوْهِبَةُ لَا تَزَالُ فِيَّ.
— هَذَا يَكْفِي كَبِدَايَةٍ يَا أُمِّي. لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونِي مُصَمِّمَةً عَالَمِيَّةً، يَكْفِي أَنْ تَعُودِي لِتَشْعُرِي بِالفَرْحَةِ الَّتِي كُنْتِ تَشْعُرِينَ بِهَا وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ.
كَانَتْ هَذِهِ المُحَادَثَةُ، البَسِيطَةُ فِي ظَاهِرِهَا، إِحْدَى أَهَمِّ اللَّحَظَاتِ الَّتِي عَاشَهَا كَرِيمٌ مَعَ أُمِّهِ مُنْذُ عَوْدَتِهِ: لِلْمَرَّةِ الأُولَى، لَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا بِوَصْفِهَا «الأُمَّ» الَّتِي تُدِيرُ البَيْتَ وَتَطْبُخُ وَتَنْتَظِرُ، بَلْ بِوَصْفِهَا امْرَأَةً لَهَا حُلْمٌ خَاصٌّ، تَأَجَّلَ طَوِيلًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.
فِي المَسَاءِ، وَبَعْدَ تَرَدُّدٍ طَوِيلٍ، قَرَّرَتْ سَلْمَى أَنْ تَزُورَ رِيمَا فِي بَيْتِهَا، بِحُجَّةِ إِحْضَارِ بَعْضِ الحَلْوَى المُتَبَقِّيَةِ مِنَ العَشَاءِ. جَلَسَتَا فِي صَالُونِ بَيْتِ رِيمَا الصَّغِيرِ، بَيْنَمَا كَانَتِ ابْنَةُ رِيمَا نَائِمَةً فِي غُرْفَتِهَا.
— رِيمَا، أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكِ بِشَيْءٍ، مُنْذُ زَمَنٍ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَمْ أَقْدِرْ.
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَى أُمِّهَا بِقَلَقٍ: — مَا الأَمْرُ يَا أُمِّي؟ هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ؟
— لَا، لَكِنْ… أُرِيدُ أَنْ أَعْتَذِرَ مِنْكِ، عَنْ سَامِي.
تَجَمَّدَتْ رِيمَا فِي مَكَانِهَا، وَالِاسْمُ الَّذِي لَمْ تَسْمَعْهُ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا كَادَ يُوقِظُ فِيهَا ذِكْرَى ظَنَّتْ أَنَّهَا دَفَنَتْهَا إِلَى الأَبَدِ.
— أُمِّي… لِمَ الآنَ؟
— لِأَنَّ كَرِيمَ عَادَ، وَجَعَلَنِي أُفَكِّرُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَتْ مَدْفُونَةً فِي دَاخِلِي. وَشَعَرْتُ أَنِّي إِنْ لَمْ أَعْتَذِرْ، سَأَظَلُّ أَحْمِلُ هَذَا الذَّنْبَ حَتَّى أَمُوتَ.
بَدَأَتْ دُمُوعُ رِيمَا تَنْهَمِرُ، دُمُوعٌ طَالَ كِتْمَانُهَا:
— أُمِّي، أَنَا أَحْبَبْتُ سَامِي كَثِيرًا. وَكُلَّ يَوْمٍ، طَوَالَ هَذِهِ العِشْرِينَ سَنَةً، كَانَ فِي دَاخِلِي جُزْءٌ يَسْأَلُ: مَاذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ؟
— أَعْرِفُ يَا حَبِيبَتِي. وَأَنَا آسِفَةٌ. كُنْتُ خَائِفَةً عَلَيْكِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، لَكِنِّي بِطَرِيقَتِي هَذِهِ حَرَمْتُكِ مِنِ اخْتِيَارِكِ.
عَانَقَتْ رِيمَا أُمَّهَا بِقُوَّةٍ، وَبَكَتَا مَعًا، بُكَاءً لَمْ يَكُنْ حُزْنًا خَالِصًا، بَلْ تَحَرُّرًا مِنْ ثِقْلٍ حَمَلَتَاهُ مَعًا، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهَا، طَوَالَ عِشْرِينَ عَامًا.
— أُمِّي، أَنَا لَسْتُ نَادِمَةً عَلَى حَيَاتِي الآنَ. أُحِبُّ زَوْجِي، وَابْنَتِي أَغْلَى مَا عِنْدِي. لَكِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَعْتَرِفَ أَحَدٌ بِأَنَّ القَرَارَ لَمْ يَكُنْ قَرَارِي الكَامِلَ.
— اعْتَرَفْتُ يَا رِيمَا. وَاعْتِرَافِي لَا يُغَيِّرُ المَاضِيَ، لَكِنَّهُ رُبَّمَا يَجْعَلُنَا، نَحْنُ الِاثْنَتَيْنِ، نَتَعَامَلُ مَعَ بَعْضِنَا بِصِدْقٍ أَكْبَرَ مِمَّا مَضَى وَمَا هُوَ آتٍ.
بَعْدَ لَحَظَاتٍ مِنَ الصَّمْتِ المُشْتَرَكِ، سَأَلَتْ رِيمَا أُمَّهَا، بِفُضُولٍ لَمْ تَجْرُؤْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ:
— أُمِّي، وَأَبِي؟ هَلْ كَانَ هُوَ أَيْضًا مُوَافِقًا عَلَى رَفْضِ سَامِي، أَمْ أَنَّكِ أَنْتِ مَنْ ضَغَطَتْ؟
تَرَدَّدَتْ سَلْمَى قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ:
— كَانَ أَبُوكِ قَلِقًا مِنْ وَضْعِ سَامِي المَادِّيِّ وَقْتَهَا، لَكِنِّي، بِصَرَاحَةٍ، كُنْتُ الأَكْثَرَ إِصْرَارًا. كُنْتُ خَائِفَةً عَلَيْكِ، وَشَعَرْتُ أَنَّ الأَمَانَ المَادِّيَّ أَهَمُّ مِنَ المَشَاعِرِ. الآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ نَسْأَلَكِ أَنْتِ، لَا أَنْ نُقَرِّرَ عَنْكِ.
— وَلِمَ لَمْ تَسْأَلُونِي؟
— لِأَنَّ جِيلَنَا، يَا رِيمَا، لَمْ يَتَعَلَّمْ أَنْ يَسْأَلَ. تَعَلَّمَ أَنْ يُقَرِّرَ، وَيَفْتَرِضَ أَنَّ قَرَارَهُ هُوَ الأَصْوَبُ، لِأَنَّهُ نَابِعٌ مِنْ خِبْرَةٍ وَخَوْفٍ عَلَى الأَبْنَاءِ.
هَزَّتْ رِيمَا رَأْسَهَا بِفَهْمٍ مُتَأَخِّرٍ لَكِنَّهُ صَادِقٌ:
— أُمِّي، بِصَرَاحَةٍ، كُنْتُ غَاضِبَةً مِنْكِ سِنِينَ طَوِيلَةً، لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أُعَبِّرُ عَنْ هَذَا الغَضَبِ. اليَوْمَ، وَأَنْتِ تَحَدَّثْتِ، شَعَرْتُ أَنَّ الغَضَبَ بَدَأَ يَخِفُّ.
كَانَتْ هَذِهِ المُصَالَحَةُ، الهَادِئَةُ وَالمُؤْلِمَةُ مَعًا، وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ اللَّحَظَاتِ فِي مَسِيرَةِ هَذَا البَيْتِ نَحْوَ كَسْرِ حَلْقَةِ الصَّمْتِ الطَّوِيلَةِ: أُمٌّ تَعْتَرِفُ بِخَطَئِهَا، وَابْنَةٌ تُسَامِحُ لَا لِأَنَّ المَاضِيَ تَغَيَّرَ، بَلْ لِأَنَّ الصِّدْقَ أَخِيرًا حَلَّ مَحَلَّ الصَّمْتِ.
عَادَ كَرِيمٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى البَيْتِ، فَوَجَدَ أَبَاهُ غَسَّانَ يَجْلِسُ وَحْدَهُ فِي الصَّالُونِ، يَبْدُو عَلَيْهِ القَلَقُ.
— كَرِيمُ، أَحَدَّثَتْكَ أُمُّكَ بِشَيْءٍ؟ عَادَتْ مِنْ عِنْدِ رِيمَا وَشَكْلُهَا مُتَغَيِّرٌ، لَكِنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِمَا حَدَثَ.
فَكَّرَ كَرِيمٌ قَلِيلًا، مُتَحَيِّرًا إِنْ كَانَ لَهُ الحَقُّ أَنْ يُشَارِكَ أَبَاهُ مَا عَرَفَهُ، ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا دُونَ أَنْ يَتَجَاوَزَ ثِقَةَ أُمِّهِ:
— أَبِي، جَرَى حَدِيثٌ مُهِمٌّ بَيْنَ أُمِّي وَرِيمَا، عَنْ قَرَارَاتٍ قَدِيمَةٍ. لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ الأَصْوَبَ أَنْ تَسْأَلَ أُمِّي مُبَاشَرَةً، لَا أَنْ تَسْأَلَنِي.
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةً فِيهَا احْتِرَامٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ:
— صِرْتَ حَكِيمًا يَا كَرِيمُ.
— تَعَلَّمْتُ مِنْ هَذَا البَيْتِ الكَثِيرَ هَذِهِ الأَيَّامَ يَا أَبِي، أَكْثَرَ مِمَّا تَعَلَّمْتُ فِي سَبْعِ سَنَوَاتِ غُرْبَةٍ.
ابْتَسَمَ غَسَّانُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، نَادِرَةً، ثُمَّ قَالَ:
— سَأُحَدِّثُ أُمَّكَ اللَّيْلَةَ.
وَبِالفِعْلِ، بَعْدَ أَنْ أَوَى الجَمِيعُ إِلَى غُرَفِهِمْ، جَلَسَ غَسَّانُ مَعَ سَلْمَى فِي غُرْفَتِهِمَا، وَسَأَلَهَا بِهُدُوءٍ لَمْ تَعْتَدْهُ مِنْهُ:
— سَلْمَى، مَاذَا جَرَى بَيْنَكِ وَبَيْنَ رِيمَا اليَوْمَ؟
تَرَدَّدَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَرَّرَتْ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً تَمَامًا، كَمَا كَانَتْ مَعَ ابْنَتِهَا قَبْلَ سَاعَاتٍ:
— غَسَّانُ، اعْتَرَفْتُ لِرِيمَا أَنَّنَا ضَغَطْنَا عَلَيْهَا لِتَرْفُضَ سَامِي وَتَتَزَوَّجَ زَوْجَهَا الحَالِيَّ، وَأَنَّنَا لَمْ نَسْأَلْهَا مَا الَّذِي تُرِيدُهُ حَقًّا.
تَوَقَّعَ غَسَّانُ أَنْ يَشْعُرَ بِدِفَاعِيَّةٍ فَوْرِيَّةٍ، لَكِنَّهُ، لِدَهْشَتِهِ، وَجَدَ نَفْسَهُ يَسْتَمِعُ بِصَمْتٍ، يُفَكِّرُ فِي كَلِمَاتِ زَوْجَتِهِ دُونَ أَنْ يُقَاطِعَهَا.
— وَلِمَ شَعَرْتِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَعْتَرِفِي الآنَ، بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا؟
— لِأَنِّي، يَا غَسَّانُ، رَأَيْتُ كَرِيمَ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْتَحَ كُلَّ هَذِهِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ فِي هَذَا البَيْتِ، وَشَعَرْتُ أَنَّ لِي أَنَا أَيْضًا بَابًا مُغْلَقًا، وَإِنْ لَمْ أَفْتَحْهُ، سَيَظَلُّ يُؤْلِمُنِي حَتَّى أَمُوتَ.
فَكَّرَ غَسَّانُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ فِيهِ اعْتِرَافٌ غَيْرُ مُبَاشِرٍ:
— أَنَا أَيْضًا، يَا سَلْمَى، اتَّخَذْتُ قَرَارَاتٍ فِي حَيَاةِ أَبْنَائِنَا دُونَ أَنْ أَسْأَلَهُمْ. وَالآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الحَدِيثِ، أَشْعُرُ أَنِّي كُنْتُ مُخْطِئًا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِدَهْشَةٍ، فَهَذَا اعْتِرَافٌ لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الوُضُوحِ:
— غَسَّانُ، هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ تَقُولُ فِيهَا مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ.
— أَعْرِفُ. لَكِنْ مِنَ الصَّعْبِ أَنْ تَعْتَرِفَ بِخَطَئِكَ وَأَنْتَ قَدْ تَرَبَّيْتَ طَوَالَ عُمْرِكَ عَلَى أَنَّ الأَبَ لَا يُخْطِئُ.
أَمْسَكَتْ سَلْمَى بِيَدِ زَوْجِهَا:
— لَسْتَ مُضْطَرًّا أَنْ تَكُونَ كَامِلًا يَا غَسَّانُ. يَكْفِي أَنْ تُحَاوِلَ أَنْ تُصْلِحَ مَا فَاتَ، وَأَنْ تَنْتَبِهَ أَكْثَرَ لِمَا هُوَ آتٍ.
جَلَسَا صَامِتَيْنِ، يَدَاهُمَا مُتَشَابِكَتَانِ، وَشَعَرَا مَعًا بِشَيْءٍ لَمْ يَشْعُرَا بِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ: أَنَّ الصَّمْتَ الَّذِي حَكَمَ بَيْتَهُمَا لِعُقُودٍ قَدْ بَدَأَ، بِبُطْءٍ، يَتَحَوَّلُ إِلَى حِوَارٍ حَقِيقِيٍّ، مُؤْلِمٍ أَحْيَانًا، لَكِنَّهُ صَادِقٌ أَخِيرًا.
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ، يَشْعُرُ أَنَّ هَذَا البَيْتَ، الَّذِي بَدَا لَهُ عِنْدَ عَوْدَتِهِ حِصْنًا مَنِيعًا مِنَ الصَّمْتِ وَالثَّوَابِتِ، قَدْ بَدَأَ فِعْلًا، فَصْلًا بَعْدَ فَصْلٍ، يَتَعَلَّمُ لُغَةً جَدِيدَةً: لُغَةَ الِاعْتِرَافِ، وَالِاعْتِذَارِ، وَالإِصْغَاءِ الصَّادِقِ. وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
«اليَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالخَطَإِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ أَعْمَقُ أَشْكَالِ الحُبِّ. أُمِّي، الَّتِي حَمَلَتْ ذَنْبَهَا بِصَمْتٍ لِعِشْرِينَ عَامًا، وَجَدَتْ أَخِيرًا الشَّجَاعَةَ لِتَقُولَ: أَنَا أَخْطَأْتُ. وَرِيمَا، الَّتِي حَمَلَتْ حُزْنَهَا بِصَمْتٍ طَوَالَ المُدَّةِ ذَاتِهَا، وَجَدَتِ الشَّجَاعَةَ لِتُسَامِحَ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ مَا يَنْقُصُ بَيْتَنَا كُلَّهُ: لَيْسَ مُحَاكَمَةَ الأَخْطَاءِ، بَلِ الشَّجَاعَةَ عَلَى تَسْمِيَتِهَا بِصِدْقٍ، ثُمَّ المُضِيَّ قُدُمًا مَعًا.»
الفَصْلُ السَّادِسُ
فِي نِهَايَةِ الأُسْبُوعِ، سَافَرَ كَرِيمٌ إِلَى دِمَشْقَ لِيَلْتَقِيَ بِصَدِيقِهِ الجَامِعِيِّ عَلِيٍّ، الَّذِي عَرَفَهُ فِي سَنَوَاتِ دِرَاسَتِهِ الأُولَى قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ إِلَى أَلْمَانِيَا. كَانَ عَلِيٌّ، كَمَا تَذَكَّرَهُ كَرِيمٌ دَائِمًا، شَخْصِيَّةً اسْتِثْنَائِيَّةً: خَطِيبًا مُفَوَّهًا، يَحْفَظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ أَفْكَارَ كِبَارِ المُفَكِّرِينَ العَرَبِ وَالغَرْبِيِّينَ، وَنَاقِدًا لَاذِعًا لِكُلِّ أَشْكَالِ القَمْعِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ، حَتَّى إِنَّ أَصْدِقَاءَ الجَامِعَةِ كَانُوا يُلَقِّبُونَهُ بِـ«الثَّوْرِيِّ».
الْتَقَيَا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قُرْبَ الجَامِعَةِ، مَقْهًى لَا يَزَالُ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الكُتُبِ وَالنِّقَاشَاتِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي مَيَّزَتْ أَيَّامَهُمَا هُنَاكَ.
— كَرِيمُ! يَا صَاحِبِي، غِيَابُكَ طَالَ. حَدِّثْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي أَلْمَانِيَا.
جَلَسَا، وَبَدَأَ عَلِيٌّ، كَعَادَتِهِ، بِحَدِيثٍ نَظَرِيٍّ طَوِيلٍ عَنِ الفُرُوقِ بَيْنَ المُجْتَمَعَاتِ الغَرْبِيَّةِ وَالشَّرْقِيَّةِ، عَنِ الحُرِّيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، عَنْ ضَرُورَةِ أَنْ يَتَحَرَّرَ الإِنْسَانُ العَرَبِيُّ مِنْ «قُيُودِ القَبِيلَةِ وَالدِّينِ وَالعَائِلَةِ»، بِلُغَةٍ حَمَاسِيَّةٍ بَدَتْ لِكَرِيمٍ مَأْلُوفَةً تَمَامًا مِنْ أَيَّامِ الجَامِعَةِ، لَكِنَّهُ لَاحَظَ هَذِهِ المَرَّةَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا: تَنَاقُضًا خَفِيًّا بَيْنَ حَمَاسَةِ الخِطَابِ وَشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالتَّعَبِ فِي عَيْنَيْ صَدِيقِهِ.
— عَلِيُّ، بِصَرَاحَةٍ، عِنْدِي سُؤَالٌ مُبَاشِرٌ: أَنْتَ تَقُولُ هَذَا الكَلَامَ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ. مَاذَا تَغَيَّرَ فِعْلِيًّا فِي حَيَاتِكَ أَنْتَ، تَطْبِيقًا لِهَذِهِ الأَفْكَارِ؟
تَوَقَّفَ عَلِيٌّ فَجْأَةً، كَمَنْ صُدِمَ بِسُؤَالٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ مِنْ صَدِيقٍ قَدِيمٍ.
— مَاذَا تَقْصِدُ؟
— أَقْصِدُ أَنَّكَ تَنْتَقِدُ الزَّوَاجَ التَّقْلِيدِيَّ، وَتَنْتَقِدُ سُلْطَةَ العَائِلَةِ، وَتَنْتَقِدُ كُلَّ شَيْءٍ. لَكِنَّكَ أَنْتَ، شَخْصِيًّا، لَا تَزَالُ تَعِيشُ فِي بَيْتِ أَهْلِكَ، وَسَمِعْتُ أَنَّكَ خَطَبْتَ مُنْذُ شَهْرَيْنِ، فَتَاةً اخْتَارَهَا أَهْلُكَ، لَا أَنْتَ.
احْمَرَّ وَجْهُ عَلِيٍّ، وَبَدَا عَلَيْهِ ارْتِبَاكٌ وَاضِحٌ:
— هَذَا… هَذَا مَوْضُوعٌ مُخْتَلِفٌ يَا كَرِيمُ.
— لِمَ مُخْتَلِفٌ؟
صَمَتَ عَلِيٌّ طَوِيلًا، يُقَلِّبُ فِنْجَانَ قَهْوَتِهِ، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ فَقَدَ فَجْأَةً كُلَّ حَمَاسَتِهِ الخِطَابِيَّةَ:
— لِأَنَّهُ، بِصَرَاحَةٍ، مِنَ السَّهْلِ أَنْ تَكُونَ ثَوْرِيًّا بِالكَلَامِ، بِالنِّقَاشَاتِ، بِالمَقَالَاتِ الَّتِي تَكْتُبُهَا. الصَّعْبُ أَنْ تَكُونَ ثَوْرِيًّا فِي قَرَارَاتِكَ الشَّخْصِيَّةِ، حِينَ يَكُونُ لِهَذِهِ الثَّوْرَةِ ثَمَنٌ حَقِيقِيٌّ.
— وَمَا الثَّمَنُ الَّذِي تَخَافُ مِنْهُ؟
— الثَّمَنُ أَنْ أَخْسَرَ عَائِلَتِي. أَبِي رَجُلٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ، مَرِيضُ قَلْبٍ، وَأُمِّي تَتَوَسَّلُ إِلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ أَنْ أُرْضِيَهُ بِهَذَا الزَّوَاجِ. لَوْ رَفَضْتُ، وَرَفَضْتُ الفَتَاةَ الَّتِي اخْتَارُوهَا، رُبَّمَا تَحْدُثُ قَطِيعَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَحَمَّلَ هَذِهِ الفِكْرَةَ.
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَعْتَرِفُ فِيهَا عَلِيٌّ بِهَذَا الصِّدْقِ أَمَامَ أَحَدٍ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ أَنَّ صَدِيقَهُ، خَلْفَ كُلِّ خِطَابِهِ الثَّوْرِيِّ المُتْقَنِ، كَانَ يَحْمِلُ الصِّرَاعَ نَفْسَهُ الَّذِي يَحْمِلُهُ هُوَ، وَالصِّرَاعَ نَفْسَهُ الَّذِي حَمَلَهُ طَارِقٌ، وَرِيمَا، وَزِيَادٌ: الصِّرَاعَ بَيْنَ الرَّغْبَةِ الحَقِيقِيَّةِ وَالخَوْفِ مِنْ ثَمَنِ اخْتِيَارِهَا.
— طَيِّبٌ يَا عَلِيُّ، حَدِّثْنِي عَنِ الفَتَاةِ الَّتِي خَطَبُوكَ إِيَّاهَا. مَنْ هِيَ؟ أَرَأَيْتَهَا قَبْلَ الخِطْبَةِ؟
— رَأَيْتُهَا مَرَّتَيْنِ، فِي زِيَارَاتٍ عَائِلِيَّةٍ رَسْمِيَّةٍ، بِحُضُورِ الجَمِيعِ. اسْمُهَا سَنَاءُ، فَتَاةٌ طَيِّبَةٌ، مُتَعَلِّمَةٌ، تَعْمَلُ مُمَرِّضَةً. لَكِنِّي، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَتَحَدَّثْ مَعَهَا وَحْدَنَا يَوْمًا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ دَقَائِقَ.
— وَمَا رَأْيُكَ فِيهَا، كَإِنْسَانَةٍ، لَا كَـ«زَوْجَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ»؟
فَكَّرَ عَلِيٌّ طَوِيلًا، وَكَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِذَاتِهِ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ:
— بِصَرَاحَةٍ؟ لَا أَعْرِفُ. كُلُّ لِقَاءٍ كَانَ مُرَكَّزًا عَلَى «هَلْ هِيَ مُنَاسِبَةٌ»، لَا عَلَى «هَلْ نُحِبُّ أَنْ نَتَعَرَّفَ أَكْثَرَ عَلَى بَعْضِنَا». حَتَّى أَنَا، رَغْمَ كُلِّ أَفْكَارِي عَنِ الحُرِّيَّةِ، دَخَلْتُ هَذِهِ العَلَاقَةَ بِالعَقْلِيَّةِ ذَاتِهَا الَّتِي أَنْتَقِدُهَا.
— يَعْنِي أَنْتَ وَسَنَاءُ، الِاثْنَانِ، ضَحِيَّتَا النِّظَامِ نَفْسِهِ، لَا خَصْمَانِ لِبَعْضِكُمَا؟
تَوَقَّفَ عَلِيٌّ، وَبَدَتِ الفِكْرَةُ جَدِيدَةً تَمَامًا عَلَيْهِ:
— لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا هَكَذَا. كُنْتُ أَرَى نَفْسِي فَقَطْ، الضَّحِيَّةَ الوَحِيدَةَ. لَكِنَّهُ صَحِيحٌ، رُبَّمَا هِيَ أَيْضًا لَمْ تُمْنَحْ فُرْصَةً لِتَعْرِفَ إِنْ كَانَتْ تُرِيدُنِي فِعْلًا، أَمْ أَنَّهَا وَافَقَتْ فَقَطْ لِأَنَّ «الشَّابَّ مُنَاسِبٌ».
— رُبَّمَا، يَا عَلِيُّ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تُفَكِّرَ فِي القَطِيعَةِ أَوِ الرَّفْضِ القَاطِعِ، تُجَرِّبُ أَنْ تَتَحَدَّثَ مَعَهَا وَحْدَهَا، بِصَرَاحَةٍ، وَتَسْأَلَهَا: هَلْ هِيَ مُرْتَاحَةٌ لِهَذَا القَرَارِ؟ هَلْ تُحِبُّ أَنْ نَتَعَرَّفَ أَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ نُكْمِلَ؟
أَضَاءَ وَجْهُ عَلِيٍّ فَجْأَةً بِفِكْرَةٍ لَمْ تَخْطُرْ لَهُ مِنْ قَبْلُ:
— رُبَّمَا هَذَا أَذْكَى حَلٍّ. لَا رَفْضٌ قَاطِعٌ يَكْسِرُ قَلْبَ أَهْلِي، وَلَا اسْتِسْلَامٌ كَامِلٌ يَخْنُقُنِي، بَلْ مُحَاوَلَةٌ صَادِقَةٌ أَعْرِفُ فِيهَا سَنَاءَ، وَأُعْطِيهَا فُرْصَةً لِتَعْرِفَنِي، قَبْلَ أَنْ نُقَرِّرَ مَعًا، لَا أَنَا وَحْدِي وَلَا أَهْلِي وَحْدَهُمْ.
— بِالضَّبْطِ. رُبَّمَا الحَلُّ لَيْسَ دَائِمًا بَيْنَ «نَعَمْ» مُطْلَقَةٍ وَ«لَا» مُطْلَقَةٍ. أَحْيَانًا ثَمَّةَ مَسَاحَةٌ ثَالِثَةٌ، لَوْ كَانَ أَحَدٌ شُجَاعًا بِمَا يَكْفِي لِيَفْتَحَهَا.
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، وَالمَقْهَى مِنْ حَوْلِهِمَا يَعِجُّ بِطُلَّابٍ يَتَحَدَّثُونَ بِحَمَاسَةٍ عَنْ مَوَاضِيعَ أُخْرَى، أَفْكَارٍ أُخْرَى، بَيْنَمَا كَانَ صَدِيقَانِ قَدِيمَانِ يُوَاجِهَانِ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى بِصِدْقٍ كَامِلٍ، الفَجْوَةَ العَمِيقَةَ بَيْنَ مَا يُؤْمِنَانِ بِهِ وَمَا يَجْرُؤَانِ عَلَى فِعْلِهِ.
— عَلِيُّ، مَاذَا سَتَفْعَلُ الآنَ؟
— لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. لَكِنْ رُبَّمَا، أَوَّلُ خُطْوَةٍ، أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ أُمِّي، قَبْلَ أَبِي، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَيَّ، وَقَدْ تَفْهَمُ أَكْثَرَ.
— خُطْوَةٌ طَيِّبَةٌ. لَكِنْ لَا تَسْتَعْجِلْ الحُكْمَ عَلَى النَّتِيجَةِ قَبْلَ أَنْ تُجَرِّبَ.
قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، أَمْسَكَ عَلِيٌّ بِيَدِ كَرِيمٍ وَقَالَ:
— كَرِيمُ، مُنْذُ زَمَنٍ لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ أَحَدًا يَفْهَمُنِي فِعْلًا، لَا أَنَّهُ فَقَطْ يُصَفِّقُ لِأَفْكَارِي. شُكْرًا لِأَنَّكَ كُنْتَ صَادِقًا مَعِي.
— وَأَنَا أَشْكُرُكَ يَا عَلِيُّ، لِأَنَّكَ ذَكَّرْتَنِي أَنَّ حَتَّى أَكْثَرَ النَّاسِ ثِقَةً بِأَفْكَارِهِمْ، يَحْمِلُونَ خَوْفَهُمُ الخَاصَّ، وَهَذَا أَمْرٌ إِنْسَانِيٌّ، لَا ضَعْفٌ.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَى البَلْدَةِ، اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِلِينَا، وَحَكَى لَهَا عَنْ لِقَائِهِ بِعَلِيٍّ، وَعَنِ المُفَارَقَةِ الغَرِيبَةِ بَيْنَ خِطَابِهِ الثَّوْرِيِّ وَحَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ المُتَنَاقِضَةِ مَعَهُ.
— كَرِيمُ، أَتَعْرِفُ؟ هَذَا لَيْسَ غَرِيبًا كَمَا يَبْدُو. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فِي كُلِّ الثَّقَافَاتِ، يَجِدُونَ أَنَّ الدِّفَاعَ عَنْ مَبْدَإٍ أَسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ مُمَارَسَتِهِ حِينَ يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِمَنْ يُحِبُّونَهُمْ.
— لَكِنَّ المُفَارَقَةَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ دَائِمًا أَكْثَرَنَا حَمَاسَةً لِلتَّغْيِيرِ. وَالآنَ يَتَّضِحُ أَنَّهُ حَتَّى هُوَ خَائِفٌ مِنْ تَطْبِيقِهِ.
— رُبَّمَا هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ قِصَّتَهُ مُؤَثِّرَةً، لَا مُخْجِلَةً. الشَّجَاعَةُ لَيْسَتْ غِيَابَ الخَوْفِ، بَلْ مُوَاجَهَتَهُ رَغْمَ وُجُودِهِ. وَعَلِيٌّ، كَمَا تَصِفُهُ، بَدَأَ لِلتَّوِّ يُوَاجِهُ خَوْفَهُ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُخْفِيَهُ خَلْفَ الخَطَابَةِ.
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ، مُمْتَنًّا كَعَادَتِهِ لِقُدْرَةِ لِينَا عَلَى أَنْ تَرَى الأُمُورَ مِنْ زَاوِيَةٍ أَهْدَأَ وَأَكْثَرَ رَحْمَةً مِمَّا يَرَاهَا هُوَ أَحْيَانًا.
— لِينَا، أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ أَلْقَاهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ يُعَلِّمُنِي شَيْئًا جَدِيدًا عَنْ نَفْسِي وَعَنِ النَّاسِ مِنْ حَوْلِي.
— وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ رِحْلَتَكَ لَيْسَتْ فَقَطْ عَنْ بَيْتِكَ، بَلْ عَنْ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلْإِنْسَانِ بِشَكْلٍ عَامٍّ. لَا تَسْتَعْجِلْ، وَدَعْ كُلَّ حِكَايَةٍ تُعَلِّمُكَ مَا تَحْتَاجُ أَنْ تَتَعَلَّمَهُ، فِي وَقْتِهَا الخَاصِّ.
أَغْلَقَ كَرِيمٌ المُكَالَمَةَ وَهُوَ يَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ، وَوَاصَلَ طَرِيقَهُ إِلَى البَلْدَةِ، يُفَكِّرُ فِي كُلِّ الوُجُوهِ الَّتِي الْتَقَاهَا مُنْذُ عَوْدَتِهِ: طَارِقٌ، بِصِدْقِهِ الهَادِئِ رَغْمَ بَسَاطَتِهِ الظَّاهِرِيَّةِ؛ زِيَادٌ، بِحَيْرَتِهِ الشَّابَّةِ؛ رِيمَا وَسَلْمَى، بِمُصَالَحَتِهِمَا المُؤْلِمَةِ؛ وَعَلِيٌّ، بِمُفَارَقَتِهِ الفِكْرِيَّةِ العَمِيقَةِ.
وَأَدْرَكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى طَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ، كَانَ يَخُوضُ مَعْرَكَةً صَامِتَةً بَيْنَ مَا يُرِيدُهُ حَقًّا وَمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ، وَأَنَّ مُهِمَّتَهُ رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ أَنْ يَحُلَّ مَعَارِكَهُمْ عَنْهُمْ، بَلْ أَنْ يَمْنَحَهُمْ، بِصِدْقِهِ وَأَسْئِلَتِهِ الهَادِئَةِ، الشَّجَاعَةَ لِيَخُوضُوا مَعَارِكَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ.
بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، اتَّصَلَ عَلِيٌّ بِكَرِيمٍ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ نَبْرَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ تَرَدُّدِهِ فِي المَقْهَى.
— كَرِيمُ! تَحَدَّثْتُ مَعَ سَنَاءَ.
— مَاذَا حَدَثَ؟
— جَلَسْنَا وَحْدَنَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، فِي مَقْهًى بَعِيدٍ عَنْ أَعْيُنِ العَائِلَتَيْنِ. وَتَحَدَّثْتُ مَعَهَا بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ: قُلْتُ لَهَا إِنِّي قَلِقٌ مِنْ أَنَّ قَرَارَنَا صَارَ بِضَغْطِ العَائِلَتَيْنِ، لَا بِاخْتِيَارِنَا الحَقِيقِيِّ، وَسَأَلْتُهَا إِنْ كَانَتْ تَشْعُرُ بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ.
— وَمَاذَا رَدَّتْ؟
ضَحِكَ عَلِيٌّ ضَحْكَةً فِيهَا رَاحَةٌ وَاضِحَةٌ:
— بِصَرَاحَةٍ، ارْتَاحَتْ كَثِيرًا لِأَنِّي سَأَلْتُ. قَالَتْ إِنَّهَا هِيَ أَيْضًا كَانَتْ خَائِفَةً أَنْ تَتَحَدَّثَ، لِأَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا مُتَحَمِّسِينَ كَثِيرًا لِهَذَا الزَّوَاجِ، وَلَا تُرِيدُ أَنْ تُخَيِّبَ أَمَلَهُمْ. لَكِنْ حِينَ تَحَدَّثْنَا، اكْتَشَفْنَا أَنَّ كِلَيْنَا مُعْجَبٌ بِالآخَرِ فِعْلًا، لَكِنَّنَا نَحْتَاجُ وَقْتًا أَطْوَلَ لِنَتَعَرَّفَ عَلَى بَعْضِنَا قَبْلَ أَنْ نُكْمِلَ بِخُطُوَاتِ الزَّوَاجِ الرَّسْمِيَّةِ.
— يَعْنِي، مَاذَا قَرَّرْتُمَا؟
— قَرَّرْنَا أَنْ نَطْلُبَ مِنَ العَائِلَتَيْنِ تَأْجِيلَ مَوْعِدِ كَتْبِ الكِتَابِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، نَسْتَخْدِمُهَا لِنَتَعَرَّفَ عَلَى بَعْضِنَا أَكْثَرَ، مِنْ غَيْرِ ضَغْطٍ. أَهْلِي لَيْسُوا مَسْرُورِينَ تَمَامًا، لَكِنَّهُمْ تَقَبَّلُوا الفِكْرَةَ حِينَ رَأَوْا أَنِّي وَسَنَاءَ مُتَّفِقَانِ، لَا مُخْتَلِفَانِ.
شَعَرَ كَرِيمٌ بِفَرْحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِصَدِيقِهِ:
— عَلِيُّ، هَذَا أَشْجَعُ قَرَارٍ يُمْكِنُ أَنْ تَتَّخِذَهُ. مُبَارَكٌ عَلَيْكَ هَذَا القَرَارُ.
— شُكْرًا يَا كَرِيمُ. وَبِصَرَاحَةٍ، هَذَا كُلُّهُ بَدَأَ مِنْ سُؤَالِكَ المُبَاشِرِ فِي المَقْهَى. جَعَلْتَنِي أَرَى نَفْسِي فِي مِرْآةٍ لَمْ أَكُنْ أَرَاهَا مِنْ قَبْلُ.
— وَأَنَا تَعَلَّمْتُ مِنْكَ دَرْسًا مُهِمًّا يَا عَلِيُّ: أَنَّ الشَّجَاعَةَ لَيْسَتْ أَنْ تَكْسِرَ كُلَّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ أَنْ تَفْتَحَ مَسَاحَةً صَغِيرَةً لِلصِّدْقِ، وَتَرَى إِلَى أَيْنَ تَقُودُكَ.
بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ المُكَالَمَةَ، عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي المَسَاءِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
«اليَوْمَ تَعَلَّمْتُ مِنْ عَلِيٍّ دَرْسًا مُهِمًّا: أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَمَاسَةً فِي الدِّفَاعِ عَنِ الحُرِّيَّةِ الفِكْرِيَّةِ، قَدْ يَكُونُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ خَوْفًا مِنْ مُمَارَسَتِهَا فِي حَيَاتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ. وَأَدْرَكْتُ أَنَّ مَا أُحَاوِلُ أَنْ أَفْعَلَهُ فِي بَيْتِي لَيْسَ مُجَرَّدَ قَنَاعَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ تَمْرِينٌ يَوْمِيٌّ صَعْبٌ عَلَى الشَّجَاعَةِ، تَمْرِينٌ لَا يَكْفِي فِيهِ أَنْ تُؤْمِنَ بِالصَّوَابِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَجْرُؤَ عَلَى قَوْلِهِ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لِمَنْ تَخَافُ أَنْ تُخَيِّبَ أَمَلَهُ.»
الفصل السابع
كَانَتْ مُنَى صَدِيقَةً قَدِيمَةً لِلْعَائِلَةِ، عَرَفَهَا كَرِيمٌ مُنْذُ طُفُولَتِهِ جَارَةً قَرِيبَةً كَثِيرَةَ التَّرَدُّدِ عَلَى بَيْتِهِمْ، قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَتَنْتَقِلَ لِلْعَيْشِ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ تَعُودَ بَعْدَ سِنِينَ، مُطَلَّقَةً، لِتَسْكُنَ وَحِيدَةً فِي شُقَّةٍ صَغِيرَةٍ عَلَى أَطْرَافِ الْبَلْدَةِ. وَلَطَالَمَا كَانَ اسْمُهَا حَاضِرًا فِي أَحَادِيثِ النِّسَاءِ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ، تَمْتَزِجُ فِيهَا الشَّفَقَةُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَذَرِ، كَأَنَّ قِصَّتَهَا صَارَتْ تَحْذِيرًا صَامِتًا لِكُلِّ فَتَاةٍ تُفَكِّرُ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْمَسَارِ الْمَرْسُومِ لَهَا سَلَفًا.
زَارَهَا كَرِيمٌ بَعْدَ ظُهْرِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، بِنَاءً عَلَى مَا أَشَارَتْ بِهِ جَدَّتُهُ زَهْرَةُ حِينَ قَالَتْ لَهُ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ يَقِينًا هَادِئًا: “اذْهَبْ وَازُرْ مُنَى، فَهِيَ تَعْرِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَا يَجْرُؤُ أَحَدٌ عَلَى الْبَوْحِ بِهَا.”
اسْتَقْبَلَتْهُ مُنَى بِحَفَاوَةٍ، فِي شُقَّةٍ صَغِيرَةٍ أَنِيقَةٍ، تَمْتَلِئُ جُدْرَانُهَا بِلَوْحَاتٍ رَسَمَتْهَا بِنَفْسِهَا، وَتَصْطَفُّ فِيهَا رُفُوفُ كُتُبٍ مُرَتَّبَةٌ بِعِنَايَةٍ تُشْبِهُ عِنَايَةَ مَنْ يُرَتِّبُ ذَاكِرَتَهُ لَا مَكْتَبَتَهُ وَحْدَهَا.
“كَرِيمُ! يَا لَلَّهِ، كَمْ كَبُرْتَ. آخِرُ مَرَّةٍ رَأَيْتُكَ فِيهَا كُنْتَ لَا تَزَالُ صَبِيًّا صَغِيرًا.”
جَلَسَا فِي صَالُونِهَا الضَّيِّقِ، وَقَدَّمَتْ لَهُ الشَّايَ، وَأَخَذَتْ تَسْأَلُهُ عَنْ أَلْمَانْيَا، عَنْ حَيَاتِهِ هُنَاكَ، قَبْلَ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهَا كَرِيمٌ، بِشَيْءٍ مِنَ التَّرَدُّدِ، السُّؤَالَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ:
“مُنَى، بِصَرَاحَةٍ، سَمِعْتُ حَدِيثًا كَثِيرًا عَنْكِ فِي الْحَيِّ، لَكِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُصَّ عَلَيَّ الْقِصَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ. أَتَسْمَحِينَ لِي أَنْ أَسْأَلَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ، لِمَاذَا انْفَصَلْتِ عَنْ زَوْجِكِ؟”
ابْتَسَمَتْ مُنَى ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ مَنْ يَسْأَلُهَا هَذَا السُّؤَالَ بِصِدْقٍ، لَا بِفُضُولٍ مَرِيضٍ.
“كَرِيمُ، تَزَوَّجْتُ وَأَنَا فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِي، مِنْ رَجُلٍ اخْتَارَهُ أَهْلِي، كَانَ ذَا وَضْعٍ مَادِّيٍّ مُرِيحٍ، وَأُسْرَتُهُ مَحْتَرَمَةٌ فِي نَظَرِ الْجَمِيعِ. لَكِنْ بَعْدَ أَوَّلِ سَنَتَيْنِ مِنَ الزَّوَاجِ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ زَوْجِي كَانَ يُعَامِلُنِي مُعَامَلَةَ الْمُلْكِيَّةِ، لَا مُعَامَلَةَ الزَّوْجَةِ. كُلُّ قَرَارَاتِي، حَتَّى أَبْسَطُهَا، كَانَ لَا بُدَّ أَنْ تَمُرَّ بِمُوَافَقَتِهِ.”
“أَتَسْتَطِيعِينَ أَنْ تُعْطِينِي مِثَالًا؟”
فَكَّرَتْ مُنَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ أَلَمًا قَدِيمًا: “ذَاتَ مَرَّةٍ، رَغِبْتُ فِي الِالْتِحَاقِ بِدَوْرَةٍ لِتَعَلُّمِ الرَّسْمِ فِي مَرْكَزٍ ثَقَافِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، لَا تَتَجَاوَزُ لِقَاءَيْنِ فِي الْأُسْبُوعِ. رَفَضَ رَفْضًا قَاطِعًا، وَقَالَ: زَوْجَتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَتَعَلَّمَ شَيْئًا خَارِجَ الْبَيْتِ. وَفِي مَرَّةٍ أُخْرَى، رَغِبْتُ فِي زِيَارَةِ أُمِّي الْمَرِيضَةِ وَحْدِي، فَأَصَرَّ أَنْ يُوَصِّلَنِي بِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَنْتَظِرَنِي هُنَاكَ، وَكَأَنَّنِي طِفْلَةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْحَرَكَةِ وَحْدَهَا. وَمَعَ الْأَيَّامِ، صِرْتُ أَشْعُرُ أَنَّنِي أَخْتَنِقُ، حَتَّى فَقَدْتُ الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ أُقَرِّرَ مَاذَا آكُلُ عَلَى الْغَدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْتَشِيرَهُ.”
“وَهَلْ حَاوَلْتِ أَنْ تُفْصِحِي لَهُ عَمَّا تَشْعُرِينَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلِي إِلَى قَرَارِ الطَّلَاقِ؟”
“مِرَارًا يَا كَرِيمُ. لَكِنَّهُ كَانَ دَائِمًا يَقُولُ إِنَّنِي أُبَالِغُ، وَإِنَّنِي جَاحِدَةٌ لِنِعْمَتِهِ، لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ لِي كُلَّ شَيْءٍ وَأَنَا لَا يَنْقُصُنِي شَيْءٌ. وَفِعْلًا، مَادِّيًّا، لَمْ يَكُنْ يَنْقُصُنِي شَيْءٌ. لَكِنْ رُوحِيًّا، كُنْتُ خَاوِيَةً تَمَامًا.”
“وَكَيْفَ قَرَّرْتِ الِانْفِصَالَ فِي النِّهَايَةِ؟”
“لَمْ يَكُنْ قَرَارًا سَهْلًا يَا كَرِيمُ. اسْتَغْرَقَ مِنِّي سِنِينَ مِنَ التَّفْكِيرِ، وَأَنَا خَائِفَةٌ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ فِي مُجْتَمَعِنَا تُصْبِحُ حَدِيثَ النَّاسِ الدَّائِمَ: مَاذَا فَعَلَتْ حَتَّى طَلَّقَهَا زَوْجُهَا؟ لَا بُدَّ أَنَّ فِيهَا عَيْبًا مَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَتِ الْحَقِيقَةُ عَلَى النَّقِيضِ تَمَامًا.”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَرِيمٌ بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ: “وَهَلْ نَدِمْتِ يَوْمًا عَلَى قَرَارِكِ؟”
هَزَّتْ مُنَى رَأْسَهَا بِحَزْمٍ: “أَبَدًا. لَكِنِّي دَفَعْتُ ثَمَنًا غَالِيًا. أَهْلِي، بَعْدَ الطَّلَاقِ، عَامَلُونِي وَكَأَنِّي جَلَبْتُ عَارًا لِلْعَائِلَةِ، مَعَ أَنَّنِي أَنَا مَنْ طَلَبْتُ الِانْفِصَالَ هَرَبًا مِنْ ظُلْمٍ حَقِيقِيٍّ. وَابْتَعَدَتْ عَنِّي صَدِيقَاتٌ كَثِيرَاتٌ، خَوْفًا مِنِ انْتِقَالِ الْعَدْوَى إِلَى بُيُوتِهِنَّ، وَكَأَنَّ الطَّلَاقَ دَاءٌ مُعْدٍ. وَحَتَّى حِينَ رَغِبْتُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى الْعَمَلِ وَبِنَاءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، كَانَتْ هُنَاكَ نَظَرَاتٌ وَتَعْلِيقَاتٌ لَا تَنْتَهِي.”
وَبَيْنَمَا كَانَا يَتَحَدَّثَانِ، طُرِقَ الْبَابُ، وَدَخَلَتْ جَارَتُهَا أُمُّ وَلِيدٍ، تَحْمِلُ صَحْنًا مِنَ الْحَلْوَى بِحُجَّةِ الِاطْمِئْنَانِ عَلَى الْجِيرَانِ، غَيْرَ أَنَّ نَظْرَتَهَا الْفَاحِصَةَ إِلَى كَرِيمٍ كَشَفَتْ فُضُولًا حَقِيقِيًّا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ الْجِيرَةِ.
“أَهْلًا مُنَى! لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَكِ ضَيْفًا.” ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى كَرِيمٍ بِابْتِسَامَةٍ مَصْنُوعَةٍ: “أَنْتَ ابْنُ غَسَّانَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِكَ، عُدْتَ مِنَ الْغُرْبَةِ.”
“أَهْلًا خَالَتِي، اللَّهُ يُسَلِّمُكِ.”
جَلَسَتْ أُمُّ وَلِيدٍ دُونَ أَنْ تُدْعَى فِعْلِيًّا، وَأَخَذَتْ تَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ بَعْضَ الشَّيْءِ، مُوَجِّهَةً كَلَامَهَا إِلَى كَرِيمٍ بَيْنَمَا تَقْصِدُ مُنَى بِوُضُوحٍ: “لَكِنِ انْظُرْ يَا كَرِيمُ، مُنَى امْرَأَةٌ طَيِّبَةٌ جِدًّا، لَكِنْ، سَامَحَهَا اللَّهُ، كَانَ بِإِمْكَانِهَا أَنْ تَصْبِرَ قَلِيلًا فِي زَوَاجِهَا. فَالصَّبْرُ مِفْتَاحُ الْفَرَجِ، كَمَا يُقَالُ.”
ابْتَسَمَتْ مُنَى ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، بَدَا وَاضِحًا أَنَّهَا سَمِعَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مِئَاتِ الْمَرَّاتِ مِنْ قَبْلُ، لَكِنَّهَا رَدَّتْ بِهُدُوءٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ أَحَدٌ: “خَالَتِي أُمَّ وَلِيدٍ، صَبَرْتُ سِتَّ سِنِينَ. وَبَعْدَ سِتِّ سِنِينَ، فَهِمْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الظُّلْمِ لَيْسَ فَضِيلَةً، بَلْ هُوَ اسْتِمْرَارٌ فِي الظُّلْمِ لَا غَيْرُ.”
بَدَتْ أُمُّ وَلِيدٍ مُرْتَبِكَةً بَعْضَ الشَّيْءِ مِنْ هَذَا الرَّدِّ الْمُبَاشِرِ، لَكِنَّهَا حَاوَلَتْ أَنْ تَسْتَدْرِكَ: “لَكِنْ مَاذَا سَيَقُولُ النَّاسُ…”
قَاطَعَتْهَا مُنَى بِلُطْفٍ لَكِنْ بِحَزْمٍ: “خَالَتِي، النَّاسُ سَيَتَحَدَّثُونَ مَهْمَا فَعَلْتُ. لَوْ صَبَرْتُ، لَقَالُوا: مِسْكِينَةٌ تَتَحَمَّلُ. وَلَوِ انْفَصَلْتُ، لَقَالُوا: لَا بُدَّ أَنَّ فِيهَا عَيْبًا مَا. فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ ثَمَّةَ حَدِيثٌ. وَقَدْ فَضَّلْتُ أَنْ أَخْتَارَ الْحَدِيثَ الَّذِي يَدَعُنِي أَعِيشُ حَيَاةً صَحِيحَةً، لَا الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيحُ النَّاسَ وَحْدَهُمْ.”
غَادَرَتْ أُمُّ وَلِيدٍ بَعْدَ دَقَائِقَ، وَعَلَى وَجْهِهَا ابْتِسَامَةٌ مُرْتَبِكَةٌ لَمْ تَعْرِفْ كَيْفَ تَرُدُّ بِهَا عَلَى مَنْطِقِ مُنَى الْهَادِئِ، وَمَا إِنْ أُغْلِقَ الْبَابُ خَلْفَهَا حَتَّى ضَحِكَتْ مُنَى ضَحْكَةً مُتْعَبَةً: “أَرَأَيْتَ يَا كَرِيمُ؟ هَكَذَا كُلَّ يَوْمٍ. زِيَارَاتٌ حَرِيصَةٌ فِي الظَّاهِرِ، تُخْفِي وَرَاءَهَا حُكْمًا دَائِمًا.”
“وَكَيْفَ تَتَحَمَّلِينَ هَذَا الضَّغْطَ الْمُسْتَمِرَّ؟”
“بِصَرَاحَةٍ، مَعَ الْوَقْتِ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ رَأْيَ النَّاسِ فِيَّ لَيْسَ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِي. مَسْؤُولِيَّتِي أَنْ أَعِيشَ بِصِدْقٍ مَعَ نَفْسِي. وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَلْأَتْرُكْهُ لِلَّهِ وَلِلزَّمَنِ.”
“وَالْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينِ، كَيْفَ حَيَاتُكِ؟”
ابْتَسَمَتْ مُنَى ابْتِسَامَةً فِيهَا فَخْرٌ هَادِئٌ: “بِصَرَاحَةٍ؟ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ. عُدْتُ إِلَى الرَّسْمِ، ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي طَالَمَا أَحْبَبْتُهُ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِي وَقْتٌ لَهُ وَأَنَا مُتَزَوِّجَةٌ. وَفَتَحْتُ وَرْشَةً صَغِيرَةً أُعَلِّمُ فِيهَا بَنَاتِ الْحَيِّ الرَّسْمَ. لَيْسَتْ حَيَاةً سَهْلَةً، لَكِنَّهَا حَيَاتِي أَنَا، بِكُلِّ قَرَارَاتِهَا.”
“مُنَى، لَوْ عَادَ بِكِ الزَّمَنُ، أَكُنْتِ سَتَتَزَوَّجِينَ الرَّجُلَ نَفْسَهُ؟”
فَكَّرَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ: “لَا. لَكِنْ لَيْسَ لِأَنَّ الزَّوَاجَ فِي ذَاتِهِ خَطَأٌ، بَلْ لِأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ نَفْسِي بِمَا يَكْفِي حِينَئِذٍ لِأَخْتَارَ بِصَوَابٍ. لَمْ يُعَلِّمْنِي أَحَدٌ أَنْ أَسْأَلَ نَفْسِي: مَاذَا أُرِيدُ أَنَا مِنَ الْحَيَاةِ؟ مَاذَا أُرِيدُ مِنْ شَرِيكِ حَيَاتِي؟ كُلُّ مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّ هَذَا الشَّابَّ مُنَاسِبٌ، فَأَيْنَ الْمُشْكِلَةُ إِذًا؟”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بِصِدْقِهَا الْمُوجِعِ، صَدًى لِكُلِّ مَا سَمِعَهُ كَرِيمٌ مِنْ قَبْلُ: مِنْ رِيمَا، وَمِنْ سَلْمَى، وَمِنْ طَارِقٍ، وَمِنْ عَلِيٍّ. جَمِيعُهُمْ، بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، دَخَلُوا قَرَارَاتٍ مَصِيرِيَّةً دُونَ أَنْ يُسْأَلُوا، أَوْ دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا كَيْفَ يَسْأَلُونَ أَنْفُسَهُمْ أَوَّلًا.
“مُنَى، أَتَظُنِّينَ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ، بِحَيْثُ لَا تَدْفَعُ النِّسَاءُ هَذَا الثَّمَنَ الْبَاهِظَ لَوِ اخْتَرْنَ حَيَاةً مُغَايِرَةً؟”
فَكَّرَتْ مُنَى طَوِيلًا، وَهِيَ تَنْظُرُ مِنْ نَافِذَةِ صَالُونِهَا إِلَى شَارِعِ الْبَلْدَةِ الْهَادِئِ. “بِصَرَاحَةٍ، يَتَغَيَّرُ، لَكِنْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَبِثَمَنٍ. كُلُّ امْرَأَةٍ تَتَّخِذُ قَرَارًا جَرِيئًا، كَمَا فَعَلْتُ أَنَا، تَفْتَحُ بَابًا صَغِيرًا لِمَنْ يَأْتِينَ بَعْدَهَا. لَكِنَّ الثَّمَنَ يَظَلُّ قَائِمًا، إِلَى أَنْ يُصْبِحَ عَدَدُ الْجَرِيئَاتِ كَافِيًا لِيَصِيرَ التَّغْيِيرُ أَمْرًا طَبِيعِيًّا، لَا اسْتِثْنَاءً.”
“وَمَاذَا تَتَمَنَّيْنَ لِبَنَاتِ جِيلِ زِيَادٍ، أَوْ حَتَّى بِنْتِ رِيمَا الصَّغِيرَةِ، حِينَ تَكْبُرُ؟”
ابْتَسَمَتْ مُنَى ابْتِسَامَةً حَالِمَةً: “أَتَمَنَّى أَنْ يَكْبُرْنَ فِي عَالَمٍ يَسْأَلُهُنَّ، مُنْذُ صِغَرِهِنَّ: مَاذَا تُرِدْنَ أَنْ تَصِرْنَ؟ مَاذَا تُحْبِبْنَ؟ لَا يَفْتَرِضُ عَنْهُنَّ الْجَوَابَ، وَلَا يُخِيفُهُنَّ مِنْ طَرْحِ السُّؤَالِ أَصْلًا.”
كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَارَةُ، عَلَى قِصَرِهَا، وَاحِدَةً مِنْ أَعْمَقِ اللِّقَاءَاتِ الَّتِي عَاشَهَا كَرِيمٌ مُنْذُ عَوْدَتِهِ: امْرَأَةٌ دَفَعَتْ ثَمَنًا بَاهِظًا لِحُرِّيَّتِهَا، لَكِنَّهَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْأَلَمِ، لَمْ تَنْدَمْ، بَلْ وَجَدَتْ فِي النِّهَايَةِ طَرِيقًا نَحْوَ حَيَاةٍ أَصْدَقَ مَعَ ذَاتِهَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَحِيدًا وَقَاسِيًا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَحَطَّاتِهِ.
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، سَأَلَتْهُ مُنَى: “كَرِيمُ، وَأَنْتَ، مَا نِيَّتُكَ؟ أَسَتَبْقَى تَعِيشُ هُنَا، أَمْ سَتَعُودُ إِلَى هُنَاكَ؟”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ ابْتِسَامَةً تَحْمِلُ تَعَبًا صَادِقًا: “بِصَرَاحَةٍ يَا مُنَى، لَمْ أُقَرِّرْ بَعْدُ. لَكِنَّنِي بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي سَمِعْتُهَا مُنْذُ عَوْدَتِي، بَدَأْتُ أُدْرِكُ أَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ فَقَطْ: أَيْنَ أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ؟ بَلْ: كَيْفَ أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ؟ وَمَعَ مَنْ؟ وَبِأَيِّ شُرُوطٍ؟”
“هَذَا سُؤَالٌ أَهَمُّ بِكَثِيرٍ مِنَ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ يَا كَرِيمُ. وَحِينَ تَصِلُ إِلَى جَوَابِهِ، سَتَعْرِفُ طَرِيقَكَ.”
وَبَيْنَمَا كَانَ يَهُمُّ بِالْمُغَادَرَةِ، تَوَقَّفَ عِنْدَ الْبَابِ وَسَأَلَهَا سُؤَالًا أَخِيرًا: “مُنَى، هَلْ تَشْعُرِينَ بِالْوَحْدَةِ؟ أَعْنِي، هَلْ الثَّمَنُ الَّذِي دَفَعْتِهِ جَعَلَكِ تَخْسَرِينَ فُرْصَةَ بِنَاءِ أُسْرَةٍ جَدِيدَةٍ، حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ أَحَدٍ؟”
فَكَّرَتْ مُنَى طَوِيلًا، وَنَظَرَتْ مِنْ نَافِذَتِهَا إِلَى الشَّارِعِ الْهَادِئِ: “بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ بِالْوَحْدَةِ أَحْيَانًا. لَكِنَّ الْوَحْدَةَ الَّتِي أَشْعُرُ بِهَا الْآنَ، أَخَفُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْوَحْدَةِ الَّتِي كُنْتُ أَشْعُرُ بِهَا وَأَنَا مُتَزَوِّجَةٌ، مُحَاطَةً بِالنَّاسِ، لَكِنْ لَا أَحَدَ يَرَانِي حَقًّا. الْوَحْدَةُ الْحَقِيقِيَّةُ يَا كَرِيمُ لَيْسَتْ غِيَابَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِكَ، بَلْ غِيَابُ الصِّدْقِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ، بِعُمْقِهَا الْهَادِئِ، تَلْخِيصًا لِكُلِّ مَا تَعَلَّمَهُ كَرِيمٌ مِنْ كُلِّ شَخْصٍ الْتَقَاهُ مُنْذُ عَوْدَتِهِ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ غِيَابَ الْأَلَمِ أَوِ الْوَحْدَةِ، بَلْ تَعْنِي أَنْ يُعَاشَ الْأَلَمُ وَالْوَحْدَةُ، إِنْ وُجِدَا، بِصِدْقٍ مَعَ الذَّاتِ، بَدَلًا مِنْ عَيْشِ رَاحَةٍ زَائِفَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى كَذِبَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَتَّفِقُ عَلَيْهَا الْجَمِيعُ.
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ فِي الْمَسَاءِ، يُفَكِّرُ فِي التَّشَابُهِ الْعَمِيقِ بَيْنَ حِكَايَةِ مُنَى وَحِكَايَةِ أُمِّهِ سَلْمَى: كِلْتَاهُمَا امْرَأَتَانِ حُرِمَتَا مِنْ حَقِّ الِاخْتِيَارِ الْحَقِيقِيِّ فِي مَرْحَلَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ إِحْدَاهُمَا، مُنَى، وَجَدَتِ الشَّجَاعَةَ لِتُغَيِّرَ مَسَارَهَا رَغْمَ الثَّمَنِ الْبَاهِظِ، بَيْنَمَا ظَلَّتِ الْأُخْرَى، سَلْمَى، تَحْمِلُ حَسْرَتَهَا صَامِتَةً عُقُودًا طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ تَجِدَ أَخِيرًا مَسَاحَةً لِلِاعْتِرَافِ بِهَا. وَتَسَاءَلَ كَرِيمٌ: كَمْ امْرَأَةً أُخْرَى فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ، وَرُبَّمَا فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ، تَحْمِلُ السُّؤَالَ الْمَكْتُومَ نَفْسَهُ، دُونَ أَنْ تَجِدَ يَوْمًا مَنْ يَسْأَلُهَا إِيَّاهُ بِصِدْقٍ؟
وَقَبْلَ أَنْ يَنَامَ، فَتَحَ دَفْتَرَهُ وَكَتَبَ:
“الْيَوْمَ الْتَقَيْتُ امْرَأَةً دَفَعَتْ ثَمَنًا بَاهِظًا لِحُرِّيَّتِهَا، لَكِنَّهَا لَمْ تَنْدَمْ عَلَى اخْتِيَارِهَا، رَغْمَ كُلِّ الْأَلَمِ الَّذِي رَافَقَهُ. تَعَلَّمْتُ مِنْهَا أَنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى خَطَأِ الْقَرَارِ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ حَقِيقِيٍّ يُوَاجَهُ بِالْمُقَاوَمَةِ، وَأَنَّ الشَّجَاعَةَ لَيْسَتْ فِي تَجَنُّبِ الثَّمَنِ، بَلْ فِي قَبُولِ دَفْعِهِ مِنْ أَجْلِ حَيَاةٍ أَكْثَرَ صِدْقًا مَعَ الذَّاتِ.”
