الِابْنُ الْغَرِيبُ
الفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ
مُنْذُ مُحَادَثَتِهِ مَعَ غَسَّانَ فِي الحَدِيقَةِ، ظَلَّ فُؤَادُ يُفَكِّرُ فِي ابْنِهِ سَامِرَ، ذَلِكَ الشَّابِّ الَّذِي يَعِيشُ مَعَهُ فِي البَيْتِ نَفْسِهِ لَكِنَّهُ يَشْعُرُ تِجَاهَهُ بِمَسَافَةٍ لَا تَقِلُّ عَنْ مَسَافَةِ القَارَّاتِ. كَانَ سَامِرُ، الَّذِي بَلَغَ الخَامِسَةَ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يَعْمَلُ مُحَاسِبًا فِي شَرِكَةٍ صَغِيرَةٍ، هَادِئًا، مُنْطَوِيًا، نَادِرًا مَا يُبَادِرُ بِحَدِيثٍ مَعَ أَبِيهِ إِلَّا فِي أَضْيَقِ الحُدُودِ.
فِي إِحْدَى الأَمْسِيَاتِ، وَبَعْدَ تَرَدُّدٍ طَوِيلٍ، طَرَقَ فُؤَادُ بَابَ غُرْفَةِ سَامِرَ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَفْعَلْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
— سَامِرُ، أَيُمْكِنُ أَنْ أَدْخُلَ؟
رَفَعَ سَامِرُ عَيْنَيْهِ عَنْ حَاسُوبِهِ بِدَهْشَةٍ وَاضِحَةٍ، وَحَاوَلَ بِسُرْعَةٍ أَنْ يُخْفِيَ شَيْئًا فِي دُرْجِ مَكْتَبِهِ:
— بِالتَّأْكِيدِ، يَا أَبِي، تَفَضَّلْ. هَلْ ثَمَّةَ شَيْءٌ؟
جَلَسَ فُؤَادُ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ الكَلِمَاتِ المُنَاسِبَةَ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهِ.
— سَامِرُ، بِصَرَاحَةٍ، جِئْتُ لِأُحَدِّثَكَ، لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَبْدَأُ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى أَبِيهِ بِقَلَقٍ، وَبِيَدٍ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً تَمَامًا:
— أَكُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ يَا أَبِي؟
— نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ. لَكِنْ… لَاحَظْتُ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ، مَعَ كُلِّ مَا حَدَثَ فِي عَائِلَةِ غَسَّانَ، أَنَّنَا، أَنَا وَأَنْتَ، بِصَرَاحَةٍ، لَا نَتَحَدَّثُ كَثِيرًا. وَشَعَرْتُ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ أَكْثَرَ عَنْ حَيَاتِكَ، عَنْ شُعُورِكَ، لَا فَقَطْ عَنْ عَمَلِكَ وَدِرَاسَتِكَ. وَبِصَرَاحَةٍ يَا سَامِرُ، مُنْذُ فَتْرَةٍ وَأَنَا أُلَاحِظُ أَنَّكَ تَبْدُو مُتْعَبًا دَائِمًا، شَاحِبًا، تَنْعَزِلُ فِي غُرْفَتِكَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً، وَبِتَ لَا تَأْكُلُ مَعَنَا كَمَا كُنْتَ.
فُوجِئَ سَامِرُ بِهَذَا الِانْفِتَاحِ غَيْرِ المُعْتَادِ مِنْ أَبِيهِ، وَشَعَرَ بِحَذَرٍ مُبَرَّرٍ:
— أَبِي، هَذَا كَلَامٌ غَرِيبٌ بَعْضَ الشَّيْءِ عَلَيْكَ. هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ؟
ضَحِكَ فُؤَادُ ضَحْكَةً مُتْعَبَةً:
— بِصَرَاحَةٍ، نَعَمْ. كَرِيمٌ، ابْنُ غَسَّانَ، فَتَحَ فِي دَاخِلِي أَسْئِلَةً كَثِيرَةً عَنْ كَيْفَ رَبَّيْتُ، وَكَيْفَ أُرَبِّي. وَشَعَرْتُ أَنِّي، مَعَكَ، كُنْتُ دَائِمًا أُرَكِّزُ عَلَى النَّتَائِجِ: عَلَامَاتِكَ، عَمَلَكَ، مُسْتَقْبَلَكَ المَادِّيَّ. لَكِنِّي لَمْ أَسْأَلْكَ يَوْمًا: سَامِرُ، أَأَنْتَ سَعِيدٌ؟
صَمَتَ سَامِرُ طَوِيلًا، وَالسُّؤَالُ يَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهِ كَصَدًى غَرِيبٍ لَمْ يَعْتَدْ سَمَاعَهُ مِنْ أَبِيهِ.
— بِصَرَاحَةٍ يَا أَبِي؟ لَا، لَسْتُ سَعِيدًا تَمَامًا.
تَوَقَّعَ فُؤَادُ أَنْ يَسْمَعَ شَكْوَى عَنِ العَمَلِ أَوِ المَالِ، لَكِنَّ جَوَابَ سَامِرَ فَاجَأَهُ:
— أَشْعُرُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا وَكَأَنَّ ثِقْلًا يَجْلِسُ عَلَى صَدْرِي طَوَالَ الوَقْتِ. لَا أَسْتَطِيعُ النَّوْمَ، وَلَا أَجِدُ مَعْنًى فِي أَيِّ شَيْءٍ، حَتَّى الأَشْيَاءُ الَّتِي كُنْتُ أُحِبُّهَا صَارَتْ ثَقِيلَةً كَالحِمْلِ. وَفِي مَرْحَلَةٍ مَا، بَدَأْتُ أَلْجَأُ إِلَى أَدْوِيَةٍ مُهَدِّئَةٍ لِأَتَمَكَّنَ مِنَ النَّوْمِ وَمِنْ تَجَاوُزِ يَوْمِي، دُونَ وَصْفَةٍ طِبِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي أَغْلَبِ الأَحْيَانِ، حَتَّى صِرْتُ لَا أَسْتَطِيعُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْهَا.
— وَمُنْذُ مَتَى وَأَنْتَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ؟
فَكَّرَ سَامِرُ طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَجْمَعُ شَجَاعَةً لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا مِنْ قَبْلُ:
— مُنْذُ سَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا بَدَأَ الِاكْتِئَابُ، وَمُنْذُ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ بَدَأَتِ الأَدْوِيَةُ تَتَحَوَّلُ مِنْ حَلٍّ إِلَى مُشْكِلَةٍ. أَخْفَيْتُ هَذَا عَنْكُمَا، أَنْتَ وَأُمِّي، لِأَنِّي أَعْرِفُ كَيْفَ يَنْظُرُ مُجْتَمَعُنَا إِلَى مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ يُعَانِي نَفْسِيًّا، أَوْ بِأَنَّهُ فَقَدَ السَّيْطَرَةَ عَلَى شَيْءٍ كَهَذَا.
جَمَدَ فُؤَادُ فِي مَكَانِهِ، وَشَعَرَ بِصَدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَوَقَّعَهُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ. لِلَحَظَاتٍ طَوِيلَةٍ، لَمْ يَعْرِفْ مَاذَا يَقُولُ، بَيْنَمَا رَاقَبَ سَامِرُ وَجْهَ أَبِيهِ بِقَلَقٍ وَخَوْفٍ حَقِيقِيَّيْنِ، مُتَوَقِّعًا غَضَبًا أَوْ لَوْمًا قَاسِيًا.
— سَامِرُ… قَالَ فُؤَادُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ، لِمَ لَمْ تُحَدِّثْنِي مِنْ قَبْلُ؟ لِمَ حَمَلْتَ كُلَّ هَذَا وَحْدَكَ؟
— لِأَنِّي كُنْتُ خَائِفًا، يَا أَبِي. خَائِفًا أَنْ تَنْظُرَ إِلَيَّ نَظْرَةَ شَفَقَةٍ أَوِ احْتِقَارٍ، خَائِفًا أَنْ تَشْعُرَ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ مِنِّي، خَائِفًا أَنْ تَشْعُرَ أَنَّ ابْنَكَ… ضَعِيفٌ، أَوْ لَيْسَ الِابْنَ الَّذِي كُنْتَ تَتَمَنَّاهُ.
كَانَتِ الدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْ سَامِرَ، وَشَعَرَ فُؤَادُ بِأَلَمٍ حَادٍّ، لَيْسَ مِنَ الِاكْتِشَافِ نَفْسِهِ بِقَدْرِ مَا هُوَ مِنْ إِدْرَاكِهِ أَنَّ ابْنَهُ عَاشَ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ مِنَ الأَلَمِ وَالوَحْدَةِ، تَحْتَ سَقْفِ بَيْتِهِ، دُونَ أَنْ يَشْعُرَ فُؤَادُ بِشَيْءٍ.
— سَامِرُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا… لَا أَعْرِفُ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَشْعُرَ بِهِ الآنَ. هَذَا كَبِيرٌ عَلَيَّ، وَبَعِيدٌ كَثِيرًا عَنْ كُلِّ مَا كُنْتُ أَتَصَوَّرُهُ عَنْكَ. لَكِنَّ الَّذِي أَنَا مُتَأَكِّدٌ مِنْهُ، أَنَّكَ ابْنِي، وَمَحَبَّتِي لَكَ لَا تَتَغَيَّرُ بِسَبَبِ مَرَضٍ تُعَانِي مِنْهُ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى أَبِيهِ بِأَمَلٍ حَذِرٍ:
— يَعْنِي… لَنْ تَغْضَبَ؟
— سَامِرُ، كَيْفَ لِي أَنْ أَغْضَبَ مِنِ ابْنِي المَرِيضِ؟ لَكِنْ بِصَرَاحَةٍ، أَحْتَاجُ وَقْتًا لِأَسْتَوْعِبَ، وَأُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ أَكْثَرَ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّنَا بِحَاجَةٍ، أَنَا وَأَنْتَ مَعًا، أَنْ نُحَدِّثَ طَبِيبًا مُخْتَصًّا، حَتَّى نَعْرِفَ كَيْفَ نُوَاجِهُ هَذَا الأَمْرَ عَلَى نَحْوٍ صَحِيحٍ وَآمِنٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نُؤْذِيَ أَنْفُسَنَا بِرَدَّةِ فِعْلٍ خَاطِئَةٍ أَوْ بِتَجَاهُلٍ خَطِيرٍ.
كَانَ هَذَا الرَّدُّ، رَغْمَ عَدَمِ اكْتِمَالِهِ، أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَهُ سَامِرُ، الَّذِي كَانَ يَخْشَى الأَسْوَأَ: الِاسْتِخْفَافَ، أَوِ اللَّوْمَ، أَوِ الصَّمْتَ البَارِدَ.
— أَبِي، شُكْرًا… شُكْرًا لِأَنَّكَ لَمْ تَلُمْنِي عَلَى الأَقَلِّ.
— سَامِرُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا نَفْسِي مُتَفَاجِئٌ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِي. رُبَّمَا كُلُّ هَذَا الَّذِي حَدَثَ فِي عَائِلَةِ غَسَّانَ، عَنِ الصِّدْقِ وَالِاعْتِرَافِ وَالإِصْغَاءِ، عَلَّمَنِي، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَدْرِيَ، أَنَّ أَوَّلَ رَدِّ فِعْلٍ غَاضِبٍ لَيْسَ دَائِمًا الرَّدَّ الصَّحِيحَ، وَأَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالضَّعْفِ لَيْسَ عَيْبًا، بَلْ بِدَايَةَ العِلَاجِ.
________________________________________
فِي اليَوْمِ التَّالِي، زَارَ فُؤَادُ أَخَاهُ غَسَّانَ، وَحَكَى لَهُ، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ، عَمَّا سَمِعَهُ مِنْ سَامِرَ، طَالِبًا نَصِيحَتَهُ. اسْتَمَعَ غَسَّانُ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ قَالَ، بِحَذَرٍ:
— فُؤَادُ، بِصَرَاحَةٍ، هَذَا مَوْضُوعٌ صَعْبٌ وَخَطِيرٌ، وَلَيْسَتْ عِنْدِي كُلُّ الأَجْوِبَةِ. لَكِنِّي أَعْتَقِدُ، مِمَّا تَعَلَّمْنَاهُ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ، أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ الآنَ لَيْسَ أَنْ تَحُلَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَنْ تَبْقَى قَرِيبًا مِنْ سَامِرَ، تَسْمَعُهُ، وَتُسَاعِدَهُ عَلَى طَلَبِ مُسَاعَدَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَلَا تَدَعُهُ يَشْعُرُ أَنَّ مَحَبَّتَكَ لَهُ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَكُونَ قَوِيًّا دَائِمًا.
— لَكِنْ، يَا غَسَّانُ، المُجْتَمَعُ، نَظْرَةُ النَّاسِ إِلَى المَرَضِ النَّفْسِيِّ، مَاذَا سَنَفْعَلُ بِكُلِّ هَذَا؟
— لَا أَعْرِفُ يَا فُؤَادُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ سَامِرَ ابْنُكَ، وَعَاشَ سَنَتَيْنِ بِأَلَمٍ وَوَحْدَةٍ تَحْتَ سَقْفِكَ. رُبَّمَا أَوَّلُ خُطْوَةٍ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ الأَسْئِلَةِ الكَبِيرَةِ، أَنْ تَجْعَلَهُ يَشْعُرُ أَنَّ البَيْتَ صَارَ مَكَانًا آمِنًا يَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ يَطْلُبَ العَوْنَ، لَا مَكَانًا يَجِبُ أَنْ يُخْفِيَ فِيهِ ضَعْفَهُ.
فَكَّرَ فُؤَادُ طَوِيلًا فِي كَلِمَاتِ أَخِيهِ، وَشَعَرَ بِثِقْلِ مَسْؤُولِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ كُلِّ مَا تَعَامَلَ مَعَهُ مِنْ قَبْلُ، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَيْضًا أَنَّ الصِّدْقَ الَّذِي بَدَأَ يَنْتَشِرُ فِي هَذَا البَيْتِ الكَبِيرِ، بَيْتًا بَعْدَ بَيْتٍ، قَدْ وَصَلَ الآنَ إِلَى زَاوِيَةٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَوَقَّعُهَا.
عَادَ فُؤَادُ إِلَى بَيْتِهِ فِي المَسَاءِ، وَجَلَسَ مَعَ سَامِرَ مُجَدَّدًا، وَقَالَ لَهُ بِبَسَاطَةٍ:
— سَامِرُ، لَيْسَتْ عِنْدِي كُلُّ الأَجْوِبَةِ، وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ سَتَتَطَوَّرُ الأُمُورُ. لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ: أَنْتَ ابْنِي، وَبَيْتُنَا بَيْتُكَ، وَسَنُوَاجِهُ هَذَا مَعًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ.
عَانَقَ سَامِرُ أَبَاهُ بِحَرَارَةٍ لَمْ يَعْهَدْهَا بَيْنَهُمَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَشَعَرَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَنَّهُ لَيْسَ وَحِيدًا تَمَامًا فِي هَذَا العَالَمِ.
________________________________________
بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، حَكَى غَسَّانُ لِكَرِيمٍ، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ وَسِرِّيَّةٍ تَامَّةٍ، عَنْ حَدِيثِهِ مَعَ فُؤَادَ، دُونَ أَنْ يَذْكُرَ التَّفَاصِيلَ الكَامِلَةَ، مُكْتَفِيًا بِالقَوْلِ:
— كَرِيمُ، فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ أَعْقَدُ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ. فُؤَادُ يَمُرُّ بِأَمْرٍ صَعْبٍ مَعَ سَامِرَ، وَطَلَبَ مِنِّي نَصِيحَةً، وَبِصَرَاحَةٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي، شَعَرْتُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي جَوَابٌ جَاهِزٌ، لَكِنَّ عِنْدِي اسْتِعْدَادًا لِأَسْمَعَ وَأَتَفَهَّمَ قَبْلَ أَنْ أَحْكُمَ.
لَمْ يَسْتَفْسِرْ كَرِيمٌ عَنِ التَّفَاصِيلِ، مُحْتَرِمًا خُصُوصِيَّةَ عَمِّهِ وَابْنِ عَمِّهِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ تِجَاهَ أَبِيهِ، الَّذِي، رَغْمَ كُلِّ صَرَامَتِهِ السَّابِقَةِ، بَدَأَ يُظْهِرُ مُرُونَةً وَحِكْمَةً لَمْ يَكُنْ كَرِيمٌ يَتَخَيَّلُ أَنْ يَرَاهَا فِيهِ يَوْمًا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ:
«اليَوْمَ أَدْرَكْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الَّذِي بَدَأَ فِي بَيْتِنَا لَمْ يَبْقَ مَحْصُورًا بَيْنَنَا، بَلْ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ، بِطُرُقٍ لَا أَعْرِفُ تَفَاصِيلَهَا الكَامِلَةَ، إِلَى بُيُوتٍ أُخْرَى، وَقِصَصٍ أُخْرَى، رُبَّمَا أَكْثَرَ تَعْقِيدًا وَحَسَاسِيَّةً مِمَّا عِشْنَاهُ نَحْنُ. لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْأَلَةِ الحُرِّيَّةِ فِي اخْتِيَارِ مِهْنَةٍ أَوْ شَرِيكِ حَيَاةٍ، بَلِ امْتَدَّ لِيَشْمَلَ أَسْئِلَةً أَعْمَقَ عَنِ الأَلَمِ الصَّامِتِ الَّذِي قَدْ يَحْمِلُهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْنَا دُونَ أَنْ نَعْرِفَ. وَأَدْرَكْتُ أَنَّ الشَّجَاعَةَ عَلَى الصِّدْقِ، حِينَ تَبْدَأُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، قَدْ تَفْتَحُ أَبْوَابًا لَا يُمْكِنُ التَّنَبُّؤُ بِمَدَاهَا، لَكِنَّهَا أَبْوَابٌ ضَرُورِيَّةٌ، مَهْمَا كَانَتْ صَعْبَةً، لِبِنَاءِ بُيُوتٍ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً وَصِدْقًا مَعَ الجِيلِ القَادِمِ.»
الفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ
لَاحَظَتِ الجَدَّةُ زَهْرَةُ، بِحِكْمَتِهَا الهَادِئَةِ، أَنَّ كَرِيمًا، فِي الأَسَابِيعِ الأَخِيرَةِ، صَارَ يَحْمِلُ دَفْتَرَهُ الصَّغِيرَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، يُدَوِّنُ فِيهِ مُلَاحَظَاتٍ عَنْ كُلِّ شَخْصٍ يُقَابِلُهُ: عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ مُنَى، عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَأَخِيهِ، وَكَأَنَّهُ يَجْمَعُ مَادَّةً لِكِتَابٍ يَكْتُبُهُ عَنْ عَائِلَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.
فِي إِحْدَى الأَمْسِيَاتِ، بَيْنَمَا كَانَا يَجْلِسَانِ مَعًا فِي غُرْفَتِهَا، سَأَلَتْهُ بِصَرَاحَتِهَا المُعْتَادَةِ:
— كَرِيمُ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا، وَأُرِيدُ أَنْ تَسْمَحَ لِجَدَّتِكَ أَنْ تَكُونَ صَرِيحَةً مَعَكَ.
— بِالطَّبْعِ يَا جَدَّتِي، تَفَضَّلِي.
— هَذَا الدَّفْتَرُ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَعَكَ دَائِمًا، وَتَكْتُبُ فِيهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا… هَلْ فَكَّرْتَ يَوْمًا أَنْ تَكْتُبَ فِيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ عَنْ أَخْطَائِكَ أَنْتَ، لَا فَقَطْ عَنْ أَخْطَاءِ الآخَرِينَ الَّذِينَ تُسَاعِدُهُمْ عَلَى اكْتِشَافِهَا؟
تَوَقَّفَ كَرِيمٌ فَجْأَةً، وَشَعَرَ بِصَدْمَةٍ خَفِيفَةٍ أَمَامَ هَذَا السُّؤَالِ المُبَاشِرِ مِنْ جَدَّتِهِ.
— جَدَّتِي، بِصَرَاحَةٍ، أَكْتُبُ عَنْ مَشَاعِرِي وَأَفْكَارِي فِي هَذَا الدَّفْتَرِ.
— نَعَمْ، لَكِنَّكَ تَكْتُبُ عَنْ مَشَاعِرِكَ تِجَاهَ مَا يَحْدُثُ مَعَ الآخَرِينَ. مَتَى كَانَتْ آخِرُ مَرَّةٍ كَتَبْتَ فِيهَا عَنْ خَطَإٍ أَنْتَ ارْتَكَبْتَهُ، لَا خَطَإٍ رَأَيْتَهُ عِنْدَ أَحَدٍ آخَرَ؟
جَلَسَ كَرِيمٌ صَامِتًا طَوِيلًا، يُعِيدُ التَّفْكِيرَ فِي أَسَابِيعَ كَامِلَةٍ مِنَ المُلَاحَظَاتِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ جَدَّتَهُ مُحِقَّةٌ: كَانَ قَدْ أَصْبَحَ، دُونَ أَنْ يَعِيَ، شَخْصًا يُرَاقِبُ أَخْطَاءَ الآخَرِينَ وَيُسَاعِدُهُمْ عَلَى مُوَاجَهَتِهَا، لَكِنَّهُ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، تَجَنَّبَ بِعِنَايَةٍ أَنْ يُوَاجِهَ أَخْطَاءَهُ الخَاصَّةَ بِالصِّدْقِ نَفْسِهِ الَّذِي يَطْلُبُهُ مِنَ الآخَرِينَ.
— جَدَّتِي، بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ.
ابْتَسَمَتْ زَهْرَةُ ابْتِسَامَةً حَانِيَةً:
— ابْدَأْ مِنْ رَحِيلِكَ الأَوَّلِ، يَا كَرِيمُ. مِنْ سَبْعِ سَنَوَاتٍ. حَدِّثْنِي، كَيْفَ كَانَ فِعْلًا، لَا النُّسْخَةَ الَّتِي تَحْكِيهَا لِنَفْسِكَ وَلِغَيْرِكَ؟
أَخَذَ كَرِيمٌ نَفَسًا عَمِيقًا، وَشَعَرَ أَنَّ جَدَّتَهُ، بِحِكْمَتِهَا الهَادِئَةِ، كَانَتْ تَدْفَعُهُ نَحْوَ اعْتِرَافٍ طَالَ تَجَنُّبُهُ.
— جَدَّتِي، الحَقِيقَةُ… رَحِيلِي الأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ فَقَطْ عَنْ حُلْمٍ أَوْ طُمُوحٍ. كَانَ فِيهِ غَضَبٌ كَبِيرٌ. غَضَبٌ مِنْ أَبِي، لِأَنَّهُ رَفَضَ أَنْ يَسْمَعَنِي يَوْمَ حَدَّثْتُهُ عَنْ رَغْبَتِي فِي دِرَاسَةِ الهَنْدَسَةِ المِعْمَارِيَّةِ خَارِجَ البَلَدِ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ أُحَاوِلَ إِقْنَاعَهُ بِصَبْرٍ، قَرَّرْتُ أَنْ أُثْبِتَ لَهُ أَنِّي قَادِرٌ عَلَى أَنْ أَعِيشَ حَيَاتِي وَحْدِي، مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَتِهِ.
— وَمَاذَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
— أَوَّلَ سَنَةٍ فِي أَلْمَانِيَا، قَطَعْتُ التَّوَاصُلَ شِبْهَ الكَامِلِ مَعَ البَيْتِ. كُنْتُ أَرُدُّ عَلَى مُكَالَمَاتِ أُمِّي فَقَطْ، بِجُمَلٍ قَصِيرَةٍ، وَلَمْ أَكُنْ أُحَدِّثُ أَبِي إِطْلَاقًا. كُنْتُ… كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُعَاقِبَهُ، يَا جَدَّتِي، بِصَمْتِي، كَمَا عَاقَبَنِي هُوَ بِرَفْضِهِ.
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَعْتَرِفُ فِيهَا كَرِيمٌ، حَتَّى لِنَفْسِهِ، بِأَنَّ انْقِطَاعَهُ الأَوَّلَ عَنِ العَائِلَةِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَاجَةٍ طَبِيعِيَّةٍ لِلتَّأَقْلُمِ مَعَ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ كَانَ فِعْلًا انْتِقَامِيًّا وَاعِيًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْلَنٍ، تِجَاهَ أَبِيهِ.
— وَهَلْ تَعْرِفُ كَمْ عَانَتْ أُمُّكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ؟
— بِصَرَاحَةٍ، لَا، لَيْسَ بِالتَّفْصِيلِ. لَكِنِّي أَتَخَيَّلُ أَنَّهُ كَانَ صَعْبًا عَلَيْهَا.
— كَرِيمُ، أُمُّكَ بَكَتْ كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيبًا فِي تِلْكَ السَّنَةِ الأُولَى. كَانَتْ تَشْعُرُ أَنَّهَا فَقَدَتِ ابْنَهَا، لَا جُغْرَافِيًّا فَقَطْ، بَلْ عَاطِفِيًّا أَيْضًا. وَأَنْتَ، بِصَمْتِكَ، كُنْتَ تُعَاقِبُ أَبَاكَ، لَكِنَّكَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ كُنْتَ تَجْرَحُ أُمَّكَ، الَّتِي لَا ذَنْبَ لَهَا فِي الخِلَافِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِيكَ.
شَعَرَ كَرِيمٌ بِثِقْلِ هَذَا الِاعْتِرَافِ يَجْثِمُ عَلَى صَدْرِهِ: أَنَّهُ، فِي سَعْيِهِ لِإِثْبَاتِ اسْتِقْلَالِيَّتِهِ وَتَحَرُّرِهِ، تَسَبَّبَ بِأَلَمٍ حَقِيقِيٍّ لِأُمِّهِ، دُونَ أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً، لَكِنْ أَيْضًا دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ يَوْمًا لِيُفَكِّرَ فِي هَذَا الثَّمَنِ الجَانِبِيِّ لِقَرَارِهِ.
— جَدَّتِي، لِمَ لَمْ يُحَدِّثْنِي أَحَدٌ بِهَذَا مِنْ قَبْلُ؟
— لِأَنَّهُ، يَا كَرِيمُ، حِينَ عُدْتَ، كَانَ الجَمِيعُ مُرَكِّزًا عَلَى اسْتِقْبَالِكَ، عَلَى مُحَاوَلَةِ فَهْمِ التَّغَيُّرِ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْكَ، لَا عَلَى مُحَاسَبَتِكَ عَلَى المَاضِي. لَكِنِّي أَنَا، بِحُكْمِ عُمْرِي، أَرَى الأَشْيَاءَ الَّتِي تَبْقَى مَخْفِيَّةً تَحْتَ السَّطْحِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُحَدِّثْ عَنْهَا أَحَدٌ.
— وَمَاذَا تُرِيدِينَ مِنِّي الآنَ؟
— أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَعْتَرِفَ، لَا لِي، بَلْ لِأُمِّكَ، وَلِأَبِيكَ أَيْضًا، أَنَّ رَحِيلَكَ الأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ قَرَارًا نَقِيًّا بِالكَامِلِ. كَانَ فِيهِ حِكْمَةٌ وَطُمُوحٌ حَقِيقِيٌّ، لَكِنْ كَانَ فِيهِ أَيْضًا غَضَبٌ وَغُرُورٌ خَفِيٌّ، شُعُورٌ بِأَنَّكَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِلَتِكَ لِأَنَّكَ «تَجَرَّأْتَ» وَهُمْ «خَافُوا». وَهَذَا الغُرُورُ، يَا كَرِيمُ، لَا يَزَالُ مَوْجُودًا بَعْضَ الشَّيْءِ فِيكَ، حَتَّى وَأَنْتَ تُحَاوِلُ أَنْ تُسَاعِدَ الجَمِيعَ عَلَى اكْتِشَافِ أَخْطَائِهِمْ.
كَانَتْ هَذِهِ أَصْعَبَ لَحْظَةٍ يُوَاجِهُهَا كَرِيمٌ مُنْذُ عَوْدَتِهِ: أَنْ يَرَى نَفْسَهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَيْسَ فَقَطْ كَضَحِيَّةٍ لِصَمْتِ عَائِلَتِهِ، بَلْ أَيْضًا كَمُسَاهِمٍ فِعْلِيٍّ فِي الأَلَمِ الَّذِي عَاشَتْهُ، بِقَرَارَاتٍ نَابِعَةٍ مِنْ غَضَبٍ وَغُرُورٍ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِمَا مِنْ قَبْلُ.
———————
فِي اليَوْمِ التَّالِي، جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ أُمِّهِ وَأَبِيهِ مَعًا، وَقَالَ لَهُمَا، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ مِنْ صِدْقٍ نَادِرٍ:
— بَابَا، أُمِّي، أُرِيدُ أَنْ أَعْتَرِفَ لَكُمَا بِشَيْءٍ. رَحِيلِي الأَوَّلُ، قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ، لَمْ يَكُنْ فَقَطْ عَنْ حُلْمٍ. كَانَ فِيهِ غَضَبٌ كَبِيرٌ مِنِّي تِجَاهَكَ يَا بَابَا، وَقَرَّرْتُ أَنْ أُعَاقِبَكَ بِصَمْتِي، لَكِنَّ هَذَا الصَّمْتَ آذَى أُمِّي أَيْضًا، وَهِيَ لَا ذَنْبَ لَهَا.
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى ابْنِهَا بِدَهْشَةٍ وَدُمُوعٍ بَدَأَتْ تَتَجَمَّعُ فِي عَيْنَيْهَا:
— كَرِيمُ، لِمَ تَقُولُ هَذَا الكَلَامَ الآنَ؟
— لِأَنِّي، يَا أُمِّي، تَعَلَّمْتُ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ أَنَّ الصِّدْقَ لَيْسَ فَقَطْ لِفَضْحِ أَخْطَاءِ الآخَرِينَ، هُوَ أَيْضًا لِمُوَاجَهَةِ أَخْطَائِنَا نَحْنُ. وَأَنَا، بِصَرَاحَةٍ، آسِفٌ عَلَى سَنَتِي الأُولَى مِنَ الصَّمْتِ، وَعَلَى الأَلَمِ الَّذِي سَبَّبْتُهُ لَكِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مُبَاشِرٍ.
بَكَتْ سَلْمَى بِصَمْتٍ، بَيْنَمَا نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا مَزِيجٌ مِنَ الفَخْرِ وَالتَّأَثُّرِ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا أَيْضًا كُنْتُ مُخْطِئًا يَوْمَهَا، حِينَ رَفَضْتُ أَنْ أَسْمَعَكَ بِصَبْرٍ. لَكِنَّ اعْتِرَافَكَ الآنَ… يَعْنِي لِي الكَثِيرَ.
عَانَقَ الثَّلَاثَةُ بَعْضَهُمْ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، صَمْتٍ مُخْتَلِفٍ هَذِهِ المَرَّةَ عَنْ كُلِّ الصَّمْتِ الَّذِي عَرَفَهُ هَذَا البَيْتُ مِنْ قَبْلُ: صَمْتُ اعْتِرَافٍ مُتَبَادَلٍ، لَا صَمْتُ كِتْمَانٍ أَوْ خَوْفٍ.
———————
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ فِي دَفْتَرِهِ، اتَّصَلَ بِلِينَا، وَحَكَى لَهَا عَنِ اعْتِرَافِهِ لِأَهْلِهِ. اسْتَمَعَتْ لِينَا بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصِدْقٍ لَمْ تَعْتَدْهُ مَعَهُ مِنْ قَبْلُ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا سَعِيدَةٌ أَنَّكَ اعْتَرَفْتَ بِهَذَا. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ لَاحَظْتُهُ أَنَا أَيْضًا، مُنْذُ عَوْدَتِكَ.
— تَفَضَّلِي، يَا لِينَا.
— أَحْيَانًا، فِي مُكَالَمَاتِنَا الأَخِيرَةِ، كُنْتَ تُحَدِّثُنِي كَثِيرًا عَنْ قِصَصِ الآخَرِينَ، عَنْ طَارِقٍ وَعَلِيٍّ وَمُنَى وَعَائِلَتِكَ، لَكِنَّكَ نَادِرًا مَا كُنْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ يَوْمِي، عَنْ مَشَاعِرِي تِجَاهَ غِيَابِكَ الطَّوِيلِ، أَوْ حَتَّى عَنْ قَلَقِي بِشَأْنِ مُسْتَقْبَلِنَا مَعًا. كَأَنَّكَ، وَأَنْتَ مُنْشَغِلٌ بِمُسَاعَدَةِ الجَمِيعِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ، نَسِيتَ أَنْ تَكُونَ حَاضِرًا مَعِي بِالصِّدْقِ نَفْسِهِ.
كَانَتْ هَذِهِ المُلَاحَظَةُ، بِهُدُوئِهَا، صَدْمَةً إِضَافِيَّةً لِكَرِيمٍ: أَنَّهُ، حَتَّى مَعَ الشَّخْصِ الَّذِي يُحِبُّهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ أَحَدٍ آخَرَ، كَانَ قَدْ وَقَعَ فِي النَّمَطِ نَفْسِهِ الَّذِي اكْتَشَفَهُ لِلتَّوِّ مَعَ نَفْسِهِ: الِانْشِغَالُ بِمُرَاقَبَةِ الآخَرِينَ وَإِصْلَاحِهِمْ، عَلَى حِسَابِ الحُضُورِ الحَقِيقِيِّ وَالِاهْتِمَامِ المُتَبَادَلِ فِي عَلَاقَتِهِ الخَاصَّةِ.
— لِينَا، أَنَا آسِفٌ. أَنْتِ مُحِقَّةٌ تَمَامًا. كُنْتُ غَارِقًا فِي كُلِّ هَذِهِ الحِكَايَاتِ، وَنَاسِيًا أَنِّي أَيْضًا يَجِبُ أَنْ أَعْتَنِيَ بِعَلَاقَتِنَا، لَا فَقَطْ بِعَلَاقَتِي مَعَ أَهْلِي.
— لَا بَأْسَ يَا كَرِيمُ، أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ أَقُولَهَا بِصَرَاحَةٍ، كَمَا تَعَلَّمْتَ أَنْ تَفْعَلَ مَعَ الآخَرِينَ. أُرِيدُكَ أَنْ تُطَبِّقَ الدَّرْسَ نَفْسَهُ مَعِي أَيْضًا.
— أَعِدُكِ، مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا، سَأَسْأَلُكِ عَنْ يَوْمِكِ، عَنْ مَشَاعِرِكِ، قَبْلَ أَنْ أُحَدِّثَكِ عَنْ أَيِّ أَحَدٍ آخَرَ.
ابْتَسَمَتْ لِينَا عَبْرَ الهَاتِفِ:
— هَذَا كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ. لَيْسَ أَنْ تَكُونَ مِثَالِيًّا، بَلْ أَنْ تَكُونَ حَاضِرًا بِالصِّدْقِ نَفْسِهِ الَّذِي تَمْنَحُهُ لِعَائِلَتِكَ.
بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ المُكَالَمَةَ، جَلَسَ كَرِيمٌ يُفَكِّرُ طَوِيلًا فِي هَذَا اليَوْمِ المُزْدَوِجِ مِنَ الِاعْتِرَافَاتِ: اعْتِرَافُهُ لِأَهْلِهِ بِغُرُورِهِ القَدِيمِ، وَاعْتِرَافُ لِينَا لَهُ بِإِهْمَالِهِ الحَاضِرِ. وَأَدْرَكَ أَنَّ رِحْلَةَ الصِّدْقِ الَّتِي بَدَأَهَا فِي هَذَا البَيْتِ لَمْ تَكُنْ مُوَجَّهَةً فَقَطْ نَحْوَ الخَارِجِ، بَلْ كَانَتِ اخْتِبَارًا مُسْتَمِرًّا لَهُ هُوَ نَفْسُهُ، اخْتِبَارًا لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ، وَلَنْ يَنْتَهِيَ، عَلَى الأَرْجَحِ، لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ قَادِمَةٍ.
فَتَحَ دَفْتَرَهُ أَخِيرًا، وَكَتَبَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، سَطْرًا عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ:
«اليَوْمَ اعْتَرَفْتُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لِنَفْسِي وَلِأَهْلِي، أَنَّ رَحِيلِي الأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ قَرَارًا نَقِيًّا بِالكَامِلِ، بَلْ حَمَلَ فِي طَيَّاتِهِ غَضَبًا وَغُرُورًا خَفِيًّا لَمْ أُوَاجِهْهُمَا مِنْ قَبْلُ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ السَّعْيَ لِمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ عَلَى مُوَاجَهَةِ أَخْطَائِهِمْ لَا يُعْفِينِي مِنْ وَاجِبِ مُوَاجَهَةِ أَخْطَائِي أَنَا، وَأَنَّ الصِّدْقَ الحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ بِالنَّظَرِ إِلَى الدَّاخِلِ بِالجُرْأَةِ نَفْسِهَا الَّتِي نَنْظُرُ بِهَا إِلَى الخَارِجِ.»
الفصل الخامس عشر
كَانَتِ الْخَالَةُ أَمَلُ، شَقِيقَةُ سَلْمَى الصُّغْرَى، حَاضِرَةً دَائِمًا فِي خَلْفِيَّةِ أَحْدَاثِ الْعَائِلَةِ: تُسَاعِدُ فِي تَحْضِيرِ الْوَلَائِمِ، وَتُصْغِي بِصَمْتٍ لِمَشَاكِلِ الْجَمِيعِ، وَتُدَافِعُ عَنْ كَرِيمٍ بِحَذَرٍ كُلَّمَا انْتَقَدَهُ أَحَدٌ، لَكِنَّهَا نَادِرًا مَا تَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِهَا، وَكَأَنَّ دَوْرَهَا فِي هَذِهِ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ اقْتَصَرَ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْخَالَةَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تُسَاعِدُ الْجَمِيعَ، دُونَ أَنْ تُسْأَلَ يَوْمًا عَنْ حَيَاتِهَا الْخَاصَّةِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَ كَرِيمٌ يُسَاعِدُهَا فِي تَرْتِيبِ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ الْقَدِيمَةِ فِي مَخْزَنِ الْبَيْتِ، وَجَدَ صُنْدُوقًا صَغِيرًا يَحْمِلُ اسْمَهَا، مَلِيئًا بِرَسَائِلَ قَدِيمَةٍ وَصُوَرٍ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ.
“خَالَتِي أَمَلُ، مَا هَذِهِ الرَّسَائِلُ؟”
تَوَتَّرَتْ أَمَلُ قَلِيلًا، وَحَاوَلَتْ أَنْ تَأْخُذَ الصُّنْدُوقَ مِنْهُ بِلُطْفٍ: “لَا أَهَمِّيَّةَ لَهَا يَا كَرِيمُ، ذِكْرَيَاتٌ قَدِيمَةٌ فَقَطْ.”
لَكِنَّ كَرِيمًا، بِفُضُولِهِ الْمُتَزَايِدِ بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمَهُ عَنْ كِتْمَانِ الْقِصَصِ فِي هَذَا الْبَيْتِ، سَأَلَهَا بِحَذَرٍ: “خَالَتِي، بِصَرَاحَةٍ، لَاحَظْتُ أَنَّكِ دَائِمًا تُسَاعِدِينَ الْجَمِيعَ، لَكِنْ لَا أَحَدَ يَسْأَلُ عَنْ حَيَاتِكِ أَنْتِ. لِمَاذَا لَمْ تَتَزَوَّجِي؟”
جَلَسَتْ أَمَلُ صَامِتَةً طَوِيلًا، تُحَدِّقُ فِي الصُّنْدُوقِ بَيْنَ يَدَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ مُثْقَلٍ بِذِكْرَيَاتٍ لَمْ تُرْوَ مُنْذُ عُقُودٍ: “كَرِيمُ، كَانَتْ عِنْدِي فُرْصَةٌ لِلزَّوَاجِ، فِي الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي. شَابٌّ طَيِّبٌ، اسْمُهُ رِيَاضٌ، كَانَ يُحِبُّنِي وَأُحِبُّهُ. لَكِنَّ أَبِي مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فِي الْفَتْرَةِ نَفْسِهَا، وَكَانَتْ أُمِّي وَحِيدَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِهِ وَحْدَهَا. وَكُنْتُ أَنَا الْعَازِبَةَ الْوَحِيدَةَ بَيْنَ إِخْوَتِي، فَوَقَعَ عَلَيَّ الدَّوْرُ أَنْ أُضَحِّيَ بِزَوَاجِي، وَأَبْقَى أَعْتَنِي بِأَبِي.”
“وَمَاذَا حَدَثَ مَعَ رِيَاضٍ؟”
“انْتَظَرَنِي سَنَتَيْنِ، لَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ، ضَغَطَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ لِيَتَزَوَّجَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِظَارِ أَكْثَرَ، وَأَنَا فَهِمْتُ وَضْعَهُ، وَسَمَحْتُ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ بِحَيَاتِهِ. تَزَوَّجَ مِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَعَاشَ حَيَاتَهُ، وَأَنَا بَقِيتُ أَعْتَنِي بِأَبِي حَتَّى تُوُفِّيَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ.”
“وَبَعْدَ وَفَاةِ جَدِّي، لِمَاذَا لَمْ تُحَاوِلِي أَنْ تَبْنِي حَيَاةً جَدِيدَةً؟”
ابْتَسَمَتْ أَمَلُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً: “فِي سِنِّ الثَّلَاثِينَ، كَرِيمُ، فِي مُجْتَمَعِنَا، صِرْتُ فَتَاةً كَبُرَتْ فِي السِّنِّ، وَقَلَّتِ الْفُرَصُ كَثِيرًا. وَبِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ مِنَ التَّضْحِيَةِ، فَقَدْتُ جُزْءًا مِنْ نَفْسِي، جُزْءًا كَانَ يَحْلُمُ بِحَيَاةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَصِرْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي أَنَّ دَوْرِي فِي الْحَيَاةِ هُوَ مُسَاعَدَةُ الْآخَرِينَ، لَا بِنَاءُ حَيَاتِي الْخَاصَّةِ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ، بِصِدْقِهَا الْمُوجِعِ، إِضَافَةً جَدِيدَةً لِسِلْسِلَةِ الْقِصَصِ الَّتِي جَمَعَهَا كَرِيمٌ مُنْذُ عَوْدَتِهِ: نِسَاءٌ وَرِجَالٌ ضَحَّوْا بِأَحْلَامِهِمْ وَحَيَاتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ مِنْ أَجْلِ وَاجِبَاتٍ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ، دُونَ أَنْ يُسْأَلُوا يَوْمًا إِنْ كَانُوا مُوَافِقِينَ عَلَى هَذِهِ التَّضْحِيَةِ أَوْ رَاغِبِينَ فِيهَا.
“خَالَتِي، هَلْ تُفَكِّرِينَ فِيهِ لَا يَزَالُ؟ فِي رِيَاضٍ؟”
تَوَقَّفَتْ أَمَلُ، وَتَنَهَّدَتْ بِعُمْقٍ: “أَحْيَانًا، كَرِيمُ. لَيْسَ كُلَّ يَوْمٍ، لَكِنْ فِي مُنَاسَبَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، مِثْلَ حِينَ أَرَى زَوْجًا وَزَوْجَةً كَبِيرَيْنِ فِي السِّنِّ يَمْشِيَانِ مَعًا فِي الشَّارِعِ، أُفَكِّرُ: رُبَّمَا هَكَذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَكْلُ حَيَاتِي. سَمِعْتُ أَنَّ رِيَاضًا يَعِيشُ الْآنَ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى، عِنْدَهُ أَوْلَادٌ وَأَحْفَادٌ، وَبِصَرَاحَةٍ، لَا أَتَمَنَّى لَهُ إِلَّا كُلَّ خَيْرٍ.”
“وَهَلْ حَاوَلْتِ أَنْ تَتَوَاصَلِي مَعَهُ يَوْمًا، وَلَوْ لِتَعْرِفِي مَاذَا حَدَثَ لَهُ؟”
“لَا، كَرِيمُ. لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخَوْفِ فَقَطْ، بَلْ لِأَنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ بَعْضَ الْأَبْوَابِ يَظَلُّ إِغْلَاقُهَا بِاحْتِرَامٍ أَفْضَلَ مِنْ فَتْحِهَا بِفُضُولٍ مُتَأَخِّرٍ. لَكِنَّ مَا أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَهُ الْآنَ، بِفَضْلِكَ، أَنَّ إِغْلَاقَ بَابِ الْمَاضِي لَا يَعْنِي إِغْلَاقَ كُلِّ الْأَبْوَابِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ كَذَلِكَ.”
“خَالَتِي، هَلْ أَنْتِ نَادِمَةٌ؟”
فَكَّرَتْ أَمَلُ طَوِيلًا: “عَلَى اعْتِنَائِي بِأَبِي؟ أَبَدًا، كَانَ وَاجِبًا، وَقَدْ أَحْبَبْتُهُ. لَكِنِّي نَادِمَةٌ عَلَى أَنِّي لَمْ أُحَاوِلْ، بَعْدَ وَفَاتِهِ، أَنْ أَبْحَثَ عَنْ فُرْصَةٍ جَدِيدَةٍ لِحَيَاتِي. خِفْتُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَمِنْ نَظْرَتِهِمْ لِامْرَأَةٍ كَبُرَتْ عَنْ سِنِّ الزَّوَاجِ، وَقَبِلْتُ بِالدَّوْرِ الَّذِي حَدَّدُوهُ لِي: الْخَالَةُ الْمُسَاعِدَةُ، مَدَى الْحَيَاةِ.”
“خَالَتِي، لَيْسَ مُتَأَخِّرًا أَنْ تَبْحَثِي عَنْ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ الْآنَ.”
ضَحِكَتْ أَمَلُ ضَحْكَةً مُتْعَبَةً لَكِنْ فِيهَا بَصِيصُ أَمَلٍ: “فِي سِنِّ الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ؟ كَرِيمُ، مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْآنَ؟”
“أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يَا خَالَتِي. رَأَيْتِ جَدَّتِي زَهْرَةَ، عَادَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ حُبِّهَا الْقَدِيمِ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً مِنَ الصَّمْتِ. وَأُمِّي عَادَتْ تُفَكِّرُ فِي حُلْمِهَا بِالْخِيَاطَةِ. الْعُمْرُ رَقْمٌ، لَا حُكْمُ إِعْدَامٍ عَلَى إِمْكَانِيَّةِ التَّغْيِيرِ.”
نَظَرَتْ أَمَلُ إِلَى كَرِيمٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، وَكَأَنَّهَا تُعِيدُ النَّظَرَ فِي افْتِرَاضٍ حَمَلَتْهُ طَوَالَ عِقْدَيْنِ مِنْ حَيَاتِهَا: أَنَّ قِطَارَهَا قَدْ فَاتَ، وَأَنَّ دَوْرَهَا الْوَحِيدَ الْمُمْكِنَ هُوَ خِدْمَةُ الْآخَرِينَ.
“رُبَّمَا… رُبَّمَا أَبْحَثُ عَنْ نَادِي رَسْمٍ، أَوْ حَتَّى أُسَافِرُ رِحْلَةً صَغِيرَةً وَحْدِي، شَيْءٌ لَمْ أُجَرِّبْهُ مُنْذُ زَمَنٍ.”
“هَذِهِ أَوَّلُ خُطْوَةٍ مُمْتَازَةٍ يَا خَالَتِي.”
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، فُوجِئَتِ الْعَائِلَةُ بِأَنَّ أَمَلَ قَرَّرَتِ التَّسْجِيلَ فِي دَوْرَةِ تَصْوِيرٍ فُوتُوغْرَافِيٍّ فِي مَرْكَزٍ ثَقَافِيٍّ بِالْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ، وَبَدَأَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عُقُودٍ، تُخَصِّصُ وَقْتًا لِنَفْسِهَا، بَعِيدًا عَنْ مُسَاعَدَةِ الْجَمِيعِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ.
زَارَهَا كَرِيمٌ بَعْدَ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ مِنَ الدَّوْرَةِ، فَوَجَدَهَا تَعْرِضُ لَهُ بِحَمَاسَةٍ صُوَرًا الْتَقَطَتْهَا فِي السُّوقِ الْقَدِيمِ: تَفَاصِيلُ صَغِيرَةٌ، أَيْدٍ عَجُوزٌ تَبِيعُ الْخُضَارَ، أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ، ضَوْءُ الشَّمْسِ يَتَسَلَّلُ بَيْنَ الْبُيُوتِ الْحَجَرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ.
“انْظُرْ يَا كَرِيمُ! هَذِهِ الصُّورَةَ الْتَقَطْتُهَا بِنَفْسِي، وَالْمُدَرِّبَةُ قَالَتْ إِنَّ عِنْدِي عَيْنًا حَقِيقِيَّةً لِلتَّفَاصِيلِ.”
أُعْجِبَ كَرِيمٌ فِعْلًا بِجَوْدَةِ الصُّوَرِ: “خَالَتِي، هَذِهِ جَمِيلَةٌ جِدًّا! لِمَاذَا لَمْ تُجَرِّبِي هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلُ؟”
“بِصَرَاحَةٍ، لَمْ يَكُنْ عِنْدِي وَقْتٌ وَلَا شَجَاعَةٌ لِأُفَكِّرَ فِيهِ أَصْلًا. كُلُّ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِي كَانَ مُبَرْمَجًا لِخِدْمَةِ أَحَدٍ: أَبِي، ثُمَّ إِخْوَتِي وَأَوْلَادُهُمْ، ثُمَّ الْجَمِيعُ بِشَكْلٍ عَامٍّ. الْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي أَشْعُرُ فِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا لِأَنِّي أُحِبُّهُ، لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيَّ، كَانَتْ هَذِهِ الدَّوْرَةُ.”
عِنْدَمَا سَأَلَتْهَا سَلْمَى، فِي زِيَارَةٍ لَاحِقَةٍ، عَنْ هَذَا التَّغَيُّرِ الْمُفَاجِئِ، أَجَابَتْ أَمَلُ بِابْتِسَامَةٍ وَاثِقَةٍ: “سَلْمَى، كَرِيمٌ ذَكَّرَنِي أَنَّهُ لَمْ يَفُتِ الْأَوَانُ أَبَدًا لِأَبْدَأَ أَعِيشُ لِنَفْسِي قَلِيلًا، بَعْدَ عُمْرٍ كَامِلٍ عِشْتُهُ لِخِدْمَةِ الْآخَرِينَ.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى أُخْتِهَا بِمَزِيجٍ مِنَ الدَّهْشَةِ وَالْفَخْرِ: “أَمَلُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا فَخُورَةٌ بِكِ. وَأَشْعُرُ بِذَنْبٍ لِأَنِّي لَمْ أَسْأَلْكِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ مِنْ قَبْلُ، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ.”
“وَلَا يَهُمُّكِ يَا سَلْمَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَّا كَانَتْ غَارِقَةً فِي هُمُومِهَا الْخَاصَّةِ. الْمُهِمُّ أَنَّنَا بَدَأْنَا الْآنَ نَسْأَلُ بَعْضَنَا، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ اكْتَشَفْتُ قِصَّةً أُخْرَى مِنْ قِصَصِ التَّضْحِيَةِ الصَّامِتَةِ الَّتِي يَبْدُو أَنَّ هَذَا الْمُجْتَمَعَ يُنْتِجُهَا بِكَثْرَةٍ: خَالَتِي أَمَلُ، الَّتِي ضَحَّتْ بِحُبِّهَا وَشَبَابِهَا مِنْ أَجْلِ وَاجِبٍ عَائِلِيٍّ حَقِيقِيٍّ، لَكِنَّهَا اسْتَمَرَّتْ فِي التَّضْحِيَةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَجْرُؤْ يَوْمًا أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَهَا: مَاذَا أُرِيدُ أَنَا؟ تَعَلَّمْتُ أَنَّ كَسْرَ حَلْقَةِ الصَّمْتِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْأَخْطَاءِ الْمَاضِيَةِ، بَلْ يَمْتَدُّ أَيْضًا إِلَى مَنْحِ النَّفْسِ الْإِذْنَ لِبَدْءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، مَهْمَا تَأَخَّرَ الْوَقْتُ.”
الفصل السادس عشر
مُنْذُ حَدِيثِهِ مَعَ كَرِيمٍ فِي الْمَقْهَى، ظَلَّ طَارِقٌ يُفَكِّرُ فِي كَلِمَاتِهِ الْخَاصَّةِ: “أُرِيدُ أَنْ أَبْدَأَ أَتَحَدَّثُ أَكْثَرَ عَنْ شُعُورِي، لَا فَقَطْ عَنْ عَمَلِي وَأَوْلَادِي.” لَكِنَّ الْفِكْرَةَ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ، بَقِيَتْ صَعْبَةَ التَّطْبِيقِ لِأَسَابِيعَ، حَتَّى قَرَّرَ أَخِيرًا، فِي أَحَدِ الْأَمَاسِي الْهَادِئَةِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ أَطْفَالُهُمَا، أَنْ يَجْلِسَ مَعَ زَوْجَتِهِ مَنَالَ فِي الشُّرْفَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُلْحَقَةِ بِبَيْتِهِمَا.
“مَنَالُ، أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكِ بِأَمْرٍ، وَبِصَرَاحَةٍ، أَنَا مُتَوَتِّرٌ بَعْضَ الشَّيْءِ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ مَنَالُ بِقَلَقٍ، فَهَذَا التَّمْهِيدُ لَمْ تَعْتَدْهُ مِنْ زَوْجِهَا الْهَادِئِ عَادَةً: “مَا بِكَ، طَارِقُ؟ أَثَمَّةَ مُشْكِلَةٌ؟”
“لَا، لَيْسَتْ مُشْكِلَةً بِالْمَعْنَى الْمُبَاشِرِ. لَكِنْ… تَحَدَّثْتُ مَعَ كَرِيمٍ قَبْلَ بِضْعَةِ أَسَابِيعَ، وَسَأَلَنِي سُؤَالًا جَعَلَنِي أُفَكِّرُ كَثِيرًا: هَلْ أَنَا سَعِيدٌ بِحَيَاتِنَا، أَمْ أَنِّي فَقَطْ مُوَافِقٌ عَلَيْهَا؟”
تَوَتَّرَتْ مَنَالُ أَكْثَرَ: “وَمَا جَوَابُكَ؟”
“جَوَابِي، مَنَالُ، أَنِّي أُحِبُّكِ، وَأُحِبُّ أَوْلَادَنَا، وَهَذَا أَكِيدٌ. لَكِنْ بِصَرَاحَةٍ، حِينَ تَزَوَّجْنَا، أَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُكِ جَيِّدًا، وَأَنْتِ لَمْ تَكُونِي تَعْرِفِينَنِي جَيِّدًا. تَزَوَّجْنَا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُنَاسِبًا، لَا لِأَنَّنَا اخْتَرْنَا بَعْضَنَا بِوَعْيٍ كَامِلٍ. وَالْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَشْعُرُ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَكِ أَكْثَرَ، بِصِدْقٍ، لَا فَقَطْ كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ لِأَوْلَادِي.”
جَلَسَتْ مَنَالُ صَامِتَةً طَوِيلًا، تُعَالِجُ هَذَا الِاعْتِرَافَ غَيْرَ الْمُتَوَقَّعِ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ قَلِيلًا: “طَارِقُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا أَيْضًا كَانَ عِنْدِي الشُّعُورُ نَفْسُهُ، مُنْذُ زَمَنٍ، لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أُعَبِّرُ عَنْهُ، خَائِفَةً أَنْ تَفْهَمَنِي خَطَأً، وَتَشْعُرَ أَنِّي غَيْرُ رَاضِيَةٍ بِزَوَاجِنَا.”
“وَأَنَا أَيْضًا كُنْتُ خَائِفًا مِنَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ. لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ أَخْطَرَ شَيْءٍ هُوَ أَنْ نَبْقَى نَحْنُ الِاثْنَيْنِ صَامِتَيْنِ، وَنَعِيشَ حَيَاةً كَامِلَةً جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَعْرِفَ بَعْضَنَا فِعْلًا.”
فَكَّرَتْ مَنَالُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ: “طَارِقُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا أَيْضًا كَانَ عِنْدِي شَابٌّ أُحِبُّهُ قَبْلَكَ، مُنْذُ أَيَّامِ الْمَدْرَسَةِ. رَفَضَهُ أَهْلِي لِأَنَّ عَائِلَتَهُ فَقِيرَةٌ. وَتَزَوَّجْتُكَ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وَكُنْتَ خِيَارًا مَنْطِقِيًّا، عَائِلَتُكَ مُحْتَرَمَةٌ وَوَضْعُكَ الْمَادِّيُّ جَيِّدٌ. لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُكَ، تَمَامًا كَمَا أَنْتَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُنِي.”
كَانَ هَذَا الِاعْتِرَافُ، الْقَادِمُ مِنْ مَنَالَ بِالصَّرَاحَةِ نَفْسِهَا الَّتِي اعْتَرَفَ بِهَا طَارِقٌ، كَاشِفًا أَنَّ الزَّوْجَيْنِ كَانَا يَحْمِلَانِ السُّؤَالَ الْمَكْتُومَ نَفْسَهُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ أَيٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْبَوْحِ بِهِ لِلْآخَرِ.
“وَمَنَالُ، بِصَرَاحَةٍ، الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَتُحِبِّينَنِي؟ أَمْ فَقَطِ اعْتَدْتِ عَلَيَّ؟”
نَظَرَتْ مَنَالُ إِلَى زَوْجِهَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، مَلِيئَةً بِمَشَاعِرَ مُتَضَارِبَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ: “طَارِقُ، أُحِبُّكَ. لَكِنَّهُ حُبٌّ مُخْتَلِفٌ عَنِ الَّذِي كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ وَأَنَا صَغِيرَةٌ. حُبٌّ بُنِيَ بِالتَّدْرِيجِ، مِنْ عَيْشِنَا مَعًا، مِنْ تَرْبِيَتِنَا لِأَوْلَادِنَا، مِنْ دَعْمِكَ لِي فِي لَحَظَاتٍ صَعْبَةٍ. لَيْسَ حُبَّ الْأَفْلَامِ السِّينِمَائِيَّةِ، لَكِنَّهُ حُبٌّ حَقِيقِيٌّ، بِطَرِيقَتِهِ.”
“وَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّكِ يَا مَنَالُ، بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا. لَكِنْ بِصَرَاحَةٍ، أُحِبُّ أَنْ نُحَاوِلَ أَنْ نَبْنِيَ هَذَا الْحُبَّ بِوَعْيٍ أَكْبَرَ مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا، لَا أَنْ نَعِيشَهُ فَقَطْ كَأَمْرٍ وَاقِعٍ.”
“مَاذَا تَقْصِدُ بِوَعْيٍ أَكْبَرَ؟”
“أَقْصِدُ، مَثَلًا، أَنْ نُخَصِّصَ وَقْتًا كُلَّ أُسْبُوعٍ نَتَحَدَّثُ فِيهِ مَعَ بَعْضِنَا عَنْ مَشَاعِرِنَا، لَا فَقَطْ عَنْ جَدْوَلِ الْأَوْلَادِ وَالْمَصَارِيفِ. وَنُحَاوِلُ أَنْ نَكْتَشِفَ بَعْضَنَا مِنْ جَدِيدٍ، كَمَا لَوْ كُنَّا لَا نَزَالُ فِي بِدَايَةِ عَلَاقَتِنَا.”
ابْتَسَمَتْ مَنَالُ ابْتِسَامَةً مُتَأَثِّرَةً: “هَذَا كَلَامٌ جَمِيلٌ يَا طَارِقُ. بِصَرَاحَةٍ، مُنْذُ زَمَنٍ لَمْ أَشْعُرْ أَنَّكَ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْهَمَنِي، لَا أَنْ تَتَعَايَشَ مَعِي فَقَطْ.”
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، يَسْتَمْتِعَانِ بِهُدُوءِ الْمَسَاءِ، وَشَعَرَ طَارِقٌ بِرَاحَةٍ غَرِيبَةٍ، وَكَأَنَّ ثِقْلًا كَبِيرًا قَدِ ارْتَفَعَ عَنْ كَتِفَيْهِ بَعْدَ هَذَا الِاعْتِرَافِ الْمُتَبَادَلِ.
“طَارِقُ، لَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئًا آخَرَ: أَتُفَكِّرُ أَحْيَانًا بِالشَّابِّ الَّذِي رَفَضَهُ أَهْلِي؟ كَمَا تَسْأَلُنِي إِنْ كُنْتُ أُفَكِّرُ بِرِيَاضٍ… أَعْنِي، بِصَرَاحَةٍ، هَلْ تَشْعُرُ بِغَيْرَةٍ مِنَ الْمَاضِي؟”
فَكَّرَ طَارِقٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ: “بِصَرَاحَةٍ، لَيْسَتْ غَيْرَةً بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ. لَكِنِّي أَحْيَانًا أَتَسَاءَلُ مَاذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لَوْ تَزَوَّجْتِ أَحَدًا آخَرَ. لَكِنَّ هَذَا التَّسَاؤُلَ لَا يُقَلِّلُ مِنْ مَحَبَّتِي لَكِ الْيَوْمَ. هُوَ فَقَطْ جُزْءٌ مِنْ كَوْنِنَا بَشَرًا، عِنْدَنَا فُضُولٌ عَنِ الطُّرُقِ الْأُخْرَى الَّتِي لَمْ نَسْلُكْهَا.”
“وَأَنَا نَفْسُ الشَّيْءِ بِالضَّبْطِ. أَحْيَانًا أَتَسَاءَلُ عَنْ حَيَاتِي لَوْ تَزَوَّجْتُ أَحَدًا آخَرَ، لَكِنَّ هَذَا التَّسَاؤُلَ لَا يَجْعَلُنِي أَقَلَّ الْتِزَامًا بِكَ أَوْ بِنَا.”
كَانَ هَذَا الِاعْتِرَافُ الْمُتَبَادَلُ، بِصِدْقِهِ النَّادِرِ، قَدْ فَتَحَ بَابًا جَدِيدًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: بَابٌ يَسْمَحُ لَهُمَا بِالِاعْتِرَافِ بِتَعْقِيدَاتِ مَشَاعِرِهِمَا الْإِنْسَانِيَّةِ، دُونَ أَنْ يُهَدِّدَ ذَلِكَ اسْتِقْرَارَ عَلَاقَتِهِمَا، بَلْ رُبَّمَا يُقَوِّيهَا بِمَنْحِهَا مَسَاحَةً أَكْبَرَ لِلصِّدْقِ الْكَامِلِ.
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، بَدَأَ طَارِقٌ وَمَنَالُ بِالْفِعْلِ بِتَخْصِيصِ مَسَاءِ كُلِّ خَمِيسٍ لِجَلْسَةٍ صَرِيحَةٍ بَيْنَهُمَا، بَعِيدًا عَنِ الْأَطْفَالِ وَالْمَشَاغِلِ الْيَوْمِيَّةِ، يَتَحَدَّثَانِ فِيهَا عَنْ مَشَاعِرِهِمَا، وَأَحْلَامِهِمَا الْمُؤَجَّلَةِ، وَحَتَّى مَخَاوِفِهِمَا الْمُشْتَرَكَةِ تِجَاهَ الْمُسْتَقْبَلِ.
فِي إِحْدَى هَذِهِ الْجَلَسَاتِ، اقْتَرَحَتْ مَنَالُ، بِحَمَاسَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، أَنْ تَبْدَأَ هِيَ أَيْضًا بِمَشْرُوعٍ صَغِيرٍ خَاصٍّ بِهَا: مَتْجَرٍ إِلِكْتِرُونِيٍّ بَسِيطٍ لِبَيْعِ الْحَلَوِيَّاتِ الْمَنْزِلِيَّةِ الَّتِي طَالَمَا اشْتَهَرَتْ بِهَا بَيْنَ صَدِيقَاتِهَا وَجَارَاتِهَا.
“طَارِقُ، مَا رَأْيُكَ؟ بِصَرَاحَةٍ، طَالَمَا حَلِمْتُ أَنْ أُطَوِّرَ هَذِهِ الْمَوْهِبَةَ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي وَقْتٌ وَلَا شَجَاعَةٌ لِأُفَكِّرَ فِيهَا بِجِدِّيَّةٍ.”
ابْتَسَمَ طَارِقٌ بِفَخْرٍ: “مَنَالُ، فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ. وَبِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَنَا، صِرْتُ أَفْهَمُ أَنَّ دَعْمِي لَكِ فِي أَحْلَامِكِ لَيْسَ تَنَازُلًا مِنِّي، بَلْ هُوَ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ مَحَبَّتِي الْحَقِيقِيَّةِ لَكِ.”
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ، الْبَسِيطَةُ فِي ظَاهِرِهَا، دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّ الصِّدْقَ الَّذِي بَدَأَهُ طَارِقٌ بِمُحَادَثَةٍ وَاحِدَةٍ صَعْبَةٍ، قَدْ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ إِلَى نَمَطٍ جَدِيدٍ كَامِلٍ فِي عَلَاقَتِهِمَا: نَمَطٌ قَائِمٌ عَلَى الدَّعْمِ الْمُتَبَادَلِ وَالِاكْتِشَافِ الْمُسْتَمِرِّ، بَدَلَ الرُّوتِينِ الْهَادِئِ الَّذِي كَانَ يَسُودُ حَيَاتَهُمَا لِسَنَوَاتٍ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، اتَّصَلَ طَارِقٌ بِكَرِيمٍ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ فَرْحَةً وَاضِحَةً: “كَرِيمُ، تَحَدَّثْتُ مَعَ مَنَالَ، كَمَا اقْتَرَحْتَ.”
“وَكَيْفَ جَرَى الْحَدِيثُ؟”
“أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. اكْتَشَفْنَا أَنَّ كِلَيْنَا، طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ، كُنَّا نَحْمِلُ الْأَسْئِلَةَ وَالشُّكُوكَ نَفْسَهَا، لَكِنَّنَا كُنَّا خَائِفَيْنِ مِنَ الْحَدِيثِ. وَالْآنَ، بَعْدَ أَنْ تَحَدَّثْنَا، شَعَرْتُ أَنَّ عَلَاقَتَنَا صَارَتْ أَقْوَى، لَا أَضْعَفَ، كَمَا كُنْتُ خَائِفًا.”
“هَذَا رَائِعٌ يَا طَارِقُ. مَبْرُوكٌ عَلَى هَذِهِ الشَّجَاعَةِ.”
“شُكْرًا لَكَ يَا كَرِيمُ. لَوْلَا سُؤَالُكَ الْمُبَاشِرُ فِي الْمَقْهَى، مَا كُنْتُ لِأَجْرُؤَ عَلَى فَتْحِ هَذَا الْمَوْضُوعِ أَبَدًا. وَبِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ زَوَاجِي الْآنَ، بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ، صَارَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا، لَا مُجَرَّدَ أَمْرٍ وَاقِعٍ قَبِلْتُ بِهِ مُنْذُ زَمَنٍ.”
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ الصِّدْقَ، حِينَ يُمَارَسُ بِشَجَاعَةٍ، لَا يَهْدِمُ الْعَلَاقَاتِ الْآمِنَةَ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ قَدْ يُحَوِّلُهَا مِنْ عَلَاقَاتٍ قَائِمَةٍ عَلَى الْقَبُولِ الصَّامِتِ إِلَى عَلَاقَاتٍ قَائِمَةٍ عَلَى الِاخْتِيَارِ الْوَاعِي الْمُتَجَدِّدِ. طَارِقٌ وَمَنَالُ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّعَايُشِ الْهَادِئِ لَكِنْ غَيْرِ الْمُسْتَكْشَفِ، اكْتَشَفَا أَنَّ الصِّدْقَ حَوْلَ مَاضِيهِمَا وَشُكُوكِهِمَا لَمْ يُفَرِّقْهُمَا، بَلْ قَرَّبَهُمَا أَكْثَرَ، لِأَنَّهُ حَوَّلَ زَوَاجَهُمَا مِنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ وَرِثَاهُ مِنْ قَرَارٍ عَائِلِيٍّ، إِلَى عَلَاقَةٍ يَخْتَارَانِهَا الْآنَ، كُلَّ يَوْمٍ، بِوَعْيٍ كَامِلٍ.”
الفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ
فِي مُنْتَصَفِ لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، اسْتَيْقَظَ البَيْتُ كُلُّهُ عَلَى صَوْتِ أَنِينٍ خَافِتٍ قَادِمٍ مِنْ غُرْفَةِ الجَدَّةِ زَهْرَةَ. كَانَتْ سَلْمَى أَوَّلَ مَنْ سَمِعَتْهُ، فَهَرَعَتْ إِلَى الغُرْفَةِ لِتَجِدَ حَمَاتَهَا العَجُوزَ تَتَعَرَّقُ بِغَزَارَةٍ، وَوَجْهُهَا شَاحِبٌ، وَتَشْكُو أَلَمًا حَادًّا فِي صَدْرِهَا.
— غَسَّانُ! غَسَّانُ! تَعَالَ بِسُرْعَةٍ! أُمُّكَ تَعْبَانَةٌ!
اسْتَيْقَظَ البَيْتُ كُلُّهُ فِي دَقَائِقَ: غَسَّانُ، كَرِيمٌ، زِيَادٌ، حَتَّى رِيمَا الَّتِي جَاءَتْ مُسْرِعَةً مِنْ بَيْتِهَا بَعْدَ اتِّصَالٍ هَاتِفِيٍّ مَذْعُورٍ. حُمِلَتْ زَهْرَةُ إِلَى السَّيَّارَةِ بِسُرْعَةٍ، وَتَوَجَّهَ بِهَا غَسَّانُ وَكَرِيمٌ إِلَى المُسْتَشْفَى الأَقْرَبِ، بَيْنَمَا بَقِيَتْ سَلْمَى مَعَ زِيَادٍ وَرِيمَا فِي البَيْتِ، يَنْتَظِرُونَ الأَخْبَارَ بِقَلَقٍ يَعْتَصِرُ القُلُوبَ.
فِي المُسْتَشْفَى، بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ الِانْتِظَارِ المُرْهِقِ، خَرَجَ الطَّبِيبُ أَخِيرًا لِيُخْبِرَهُمْ أَنَّ زَهْرَةَ أُصِيبَتْ بِنَوْبَةٍ قَلْبِيَّةٍ خَفِيفَةٍ، وَأَنَّهَا بِحَاجَةٍ لِلْبَقَاءِ تَحْتَ المُرَاقَبَةِ لِبِضْعَةِ أَيَّامٍ، لَكِنَّ حَالَتَهَا مُسْتَقِرَّةٌ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ.
جَلَسَ غَسَّانُ وَكَرِيمٌ فِي مَمَرِّ المُسْتَشْفَى الطَّوِيلِ، صَامِتَيْنِ، مُنْهَكَيْنِ مِنَ التَّوَتُّرِ، حَتَّى قَالَ غَسَّانُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ:
— كَرِيمُ، تَخَيَّلْ لَوْ خَسِرْنَاهَا… تَخَيَّلْ لَوْ مَاتَتْ وَنَحْنُ لَمَّا نَقُلْ بَعْدُ لِبَعْضِنَا كُلَّ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ.
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى أَبِيهِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ، رَغْمَ قَسْوَتِهَا، كَانَتْ تَحْمِلُ دَرْسًا عَمِيقًا عَنْ هَشَاشَةِ الوَقْتِ الَّذِي كَثِيرًا مَا نَفْتَرِضُ أَنَّهُ سَيَبْقَى مُتَاحًا إِلَى الأَبَدِ.
— بَابَا، الحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّهَا بِخَيْرٍ الآنَ. لَكِنْ صَحِيحٌ، هَذَا المَوْقِفُ يُذَكِّرُنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ نُؤَجِّلَ الحَدِيثَ المُهِمَّ لِوَقْتٍ «أَنْسَبَ»، لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يَعْرِفُ الوَقْتَ المُتَاحَ فِعْلًا.
فِي اليَوْمِ التَّالِي، حِينَ اسْتَفَاقَتْ زَهْرَةُ وَتَحَسَّنَتْ حَالَتُهَا قَلِيلًا، جَلَسَ حَوْلَهَا كُلُّ أَفْرَادِ العَائِلَةِ فِي غُرْفَتِهَا بِالمُسْتَشْفَى: غَسَّانُ، سَلْمَى، كَرِيمٌ، رِيمَا، زِيَادٌ، وَحَتَّى فُؤَادُ الَّذِي جَاءَ مُسْرِعًا بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ الخَبَرَ.
قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ غُرْفَةَ جَدَّتِهِ، اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِلِينَا مِنْ مَمَرِّ المُسْتَشْفَى، بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ:
— لِينَا، جَدَّتِي دَخَلَتِ المُسْتَشْفَى اللَّيْلَةَ. نَوْبَةٌ قَلْبِيَّةٌ خَفِيفَةٌ، لَكِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ حَالَتَهَا مُسْتَقِرَّةٌ الآنَ.
اسْتَمَعَتْ لِينَا بِقَلَقٍ وَاضِحٍ:
— كَرِيمُ، أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا. كَيْفَ حَالُكَ أَنْتَ؟ أَأَنْتَ بِخَيْرٍ؟
— بِصَرَاحَةٍ، مُتْعَبٌ، وَخَائِفٌ. هَذِهِ اللَّيْلَةُ جَعَلَتْنِي أُفَكِّرُ كَثِيرًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
— هَلْ تَحْتَاجُ أَنْ آتِيَ؟ يُمْكِنُنِي أَنْ أَحْجِزَ تَذْكِرَةَ طَيَرَانٍ غَدًا إِنْ شَعَرْتَ أَنَّكَ بِحَاجَةٍ إِلَيَّ بِجَانِبِكَ.
فُوجِئَ كَرِيمٌ بِهَذَا العَرْضِ السَّخِيِّ، وَشَعَرَ بِدِفْءٍ حَقِيقِيٍّ تِجَاهَ لِينَا:
— لِينَا، هَذَا العَرْضُ يَعْنِي لِي الكَثِيرَ. لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ بَعْدُ إِنْ كَانَ الوَضْعُ يَسْتَحِقُّ خُطْوَةً بِهَذَا الحَجْمِ. دَعِينِي أَرَى كَيْفَ سَتَتَطَوَّرُ الأُمُورُ، وَسَأُخْبِرُكِ.
— حَسَنًا، لَكِنِ اعْلَمْ أَنِّي هُنَا، مُسْتَعِدَّةٌ، إِنِ احْتَجْتَنِي.
كَانَ هَذَا العَرْضُ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَخْدَمْ فِي النِّهَايَةِ، دَلِيلًا إِضَافِيًّا لِكَرِيمٍ عَلَى أَنَّ العَلَاقَةَ الَّتِي يَبْنِيهَا مَعَ لِينَا، رَغْمَ كُلِّ تَعْقِيدَاتِهَا الثَّقَافِيَّةِ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى اسْتِعْدَادٍ حَقِيقِيٍّ لِلْحُضُورِ وَالدَّعْمِ المُتَبَادَلِ، تَمَامًا كَمَا تَعَلَّمَ أَنْ يُمَارِسَهُ مَعَ عَائِلَتِهِ.
حِينَ دَخَلَ كَرِيمٌ أَخِيرًا إِلَى غُرْفَةِ جَدَّتِهِ، وَجَدَ الجَمِيعَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلَهَا. فَتَحَتْ زَهْرَةُ عَيْنَيْهَا بِبُطْءٍ، وَابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً ضَعِيفَةً لَكِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ كُلِّ أَحِبَّائِهَا مُجْتَمِعِينَ حَوْلَهَا.
— مَا كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ القَلِقَةِ؟ أَنَا بِخَيْرٍ وَالحَمْدُ لِلَّهِ، مُجَرَّدُ نَوْبَةٍ صَغِيرَةٍ.
— جَدَّتِي، خِفْنَا عَلَيْكِ كَثِيرًا، قَالَ كَرِيمٌ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَأَثُّرًا وَاضِحًا.
— أَطَالَ اللهُ أَعْمَارَكُمْ جَمِيعًا. لَكِنْ دَعُونِي أَقُلْ لَكُمْ شَيْئًا، وَأَنَا هَكَذَا فِي المُسْتَشْفَى، أَشْعُرُ أَنَّ الكَلَامَ أَسْهَلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ: أَنَا فَخُورَةٌ بِكُمْ كَثِيرًا. فُؤَادُ، سَمِعْتُ أَنَّكَ بَدَأْتَ تَتَقَرَّبُ أَكْثَرَ مِنْ سَامِرَ، وَفَّقَكُمَا اللهُ. وَغَسَّانُ، سَمِعْتُ أَنَّكَ وَافَقْتَ عَلَى سَفَرِ زِيَادٍ وَعَلَى عَلَاقَةِ كَرِيمٍ بِلِينَا، وَهَذَا كَانَ صَعْبًا عَلَيْكَ كَثِيرًا. وَسَلْمَى، عُدْتِ إِلَى حُلْمِكِ فِي الخِيَاطَةِ، وَرِيمَا، بَدَأْتِ مَشْرُوعَكِ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، بِطَرِيقَتِهِ، صَارَ أَصْدَقَ مَعَ نَفْسِهِ.
كَانَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ، القَادِمَةُ مِنِ امْرَأَةٍ تَجَاوَزَتِ الثَّمَانِينَ وَوَاجَهَتْ لِلتَّوِّ خَطَرًا حَقِيقِيًّا عَلَى حَيَاتِهَا، أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ كَلِمَاتٍ عَادِيَّةٍ، وَشَعَرَ الجَمِيعُ بِثِقَلٍ حَقِيقِيٍّ وَامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ النَّادِرَةِ مِنَ التَّقْدِيرِ الصَّرِيحِ.
نَظَرَ فُؤَادُ إِلَى زَهْرَةَ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالعَاطِفَةِ:
— أُمِّي، بِصَرَاحَةٍ، أُرِيدُ أَنْ أَعْتَذِرَ مِنْكِ عَنْ شَيْءٍ. مُنْذُ زَمَنٍ، كُنْتُ مُتَشَدِّدًا كَثِيرًا فِي مَوْضُوعِ التَّقَالِيدِ، وَكُنْتُ أَضْغَطُ عَلَيْكُمْ جَمِيعًا لِتَلْتَزِمُوا بِهَا بِصَرَامَةٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أُفَكِّرَ أَحْيَانًا إِنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّقَالِيدُ نَفْسُهَا عَادِلَةً أَوْ مَنْطِقِيَّةً. اليَوْمَ، وَأَنَا أَرَاكِ هَكَذَا عَلَى هَذَا السَّرِيرِ، فَهِمْتُ أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ هُوَ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ بَيْنَنَا، لَا التَّمَسُّكُ الأَعْمَى بِقَوَاعِدَ وَرِثْنَاهَا.
دَمَعَتْ عَيْنَا زَهْرَةَ:
— فُؤَادُ، ابْنِي، كُلُّ وَاحِدٍ يَتَعَلَّمُ فِي وَقْتِهِ الخَاصِّ. المُهِمُّ أَنَّكَ تَعَلَّمْتَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا بَعْضَ الشَّيْءِ.
———————
بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ الجَمِيعُ قَلِيلًا، وَاسْتَرَاحَتْ زَهْرَةُ، خَرَجَ كَرِيمٌ مَعَ أَبِيهِ إِلَى مَمَرِّ المُسْتَشْفَى مُجَدَّدًا، يَشْرَبَانِ قَهْوَةً مِنْ آلَةِ بَيْعٍ آلِيَّةٍ.
— بَابَا، بِصَرَاحَةٍ، هَذِهِ اللَّيْلَةُ جَعَلَتْنِي أُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ: كُلُّ هَذَا التَّغَيُّرِ الَّذِي صَارَ فِي عَائِلَتِنَا فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ الأَخِيرَةِ، لَمْ يَكُنْ رَفَاهِيَةً أَوْ نَزْوَةً عَابِرَةً. كَانَ ضَرُورَةً، لِأَنَّهُ، كَمَا رَأَيْنَا اللَّيْلَةَ، لَا أَحَدَ يَعْرِفُ كَمِ الوَقْتِ المُتَبَقِّي لَهُ مَعَ أَحِبَّائِهِ.
هَزَّ غَسَّانُ رَأْسَهُ بِتَفَهُّمٍ عَمِيقٍ:
— صَحِيحٌ يَا كَرِيمُ. وَبِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، أَشْعُرُ أَنِّي أَكْثَرُ امْتِنَانًا لِلْحَدِيثِ الصَّادِقِ الَّذِي صَارَ بَيْنَنَا، لِأَنَّهُ لَوْ حَدَثَ شَيْءٌ لِأُمِّي قَبْلَ أَنْ نَقُولَ كُلَّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، لَكُنْتُ سَأَعِيشُ بِذَنْبٍ لَا يُحَلُّ أَبَدًا.
— بَابَا، الآنَ فَهِمْتُ لِمَ الصِّدْقُ، مَهْمَا كَانَ صَعْبًا فِي لَحْظَتِهِ، أَرْحَمُ بِكَثِيرٍ مِنَ النَّدَمِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
قَبْلَ أَنْ يَعُودَا إِلَى الغُرْفَةِ، تَوَقَّفَ غَسَّانُ وَقَالَ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، أُفَكِّرُ أَنَّ أُمِّي، رَغْمَ إِصْرَارِهَا أَنَّهَا بِخَيْرٍ وَحْدَهَا فِي البَيْتِ، مُحْتَاجَةٌ إِلَى مُتَابَعَةٍ أَكْبَرَ. مَا رَأْيُكَ أَنْ نُرَتِّبَ مَعَهَا وَمَعَ الجَمِيعِ جَدْوَلَ زِيَارَاتٍ وَرِعَايَةٍ أَوْضَحَ، بَدَلًا مِنْ أَنْ نَتْرُكَ الأُمُورَ لِلصُّدْفَةِ؟
— فِكْرَةٌ مُمْتَازَةٌ يَا بَابَا. يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَوْمًا فِي الأُسْبُوعِ يَزُورُهَا فِيهِ بِشَكْلٍ مُخَصَّصٍ، لَا زِيَارَاتٍ عَابِرَةً فَقَطْ.
عَادَ الِاثْنَانِ إِلَى غُرْفَةِ زَهْرَةَ، حَيْثُ كَانَتِ العَائِلَةُ كُلُّهَا لَا تَزَالُ مُجْتَمِعَةً، تَتَشَارَكُ القَهْوَةَ وَالحَدِيثَ الهَادِئَ، بِجَوٍّ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ التَّوَتُّرِ الَّذِي بَدَأَ بِهِ هَذَا اليَوْمُ الطَّوِيلُ: جَوٍّ مَلِيءٍ بِالِامْتِنَانِ، وَالقُرْبِ، وَالوَعْيِ المُتَجَدِّدِ بِقِيمَةِ الوَقْتِ المُشْتَرَكِ.
طَرَحَ غَسَّانُ فِكْرَةَ جَدْوَلِ الزِّيَارَاتِ عَلَى الجَمِيعِ، فَوَافَقَ الكُلُّ بِحَمَاسَةٍ، وَحَتَّى فُؤَادُ اقْتَرَحَ أَنْ يَأْخُذَ هُوَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، بَعْدَ صَلَاةِ الجُمُعَةِ مُبَاشَرَةً، لِيَقْضِيَ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعَ أُمِّهِ كُلَّ أُسْبُوعٍ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مِنْ غُرْفَةِ انْتِظَارِ المُسْتَشْفَى:
«اليَوْمَ وَاجَهْنَا كَعَائِلَةٍ خَطَرًا حَقِيقِيًّا عَلَى حَيَاةِ أَعَزِّ أَفْرَادِهَا، وَهَذَا الخَطَرُ، رَغْمَ قَسْوَتِهِ، كَشَفَ لَنَا بِوُضُوحٍ قِيمَةَ كُلِّ الصِّدْقِ الَّذِي بَنَيْنَاهُ مَعًا خِلَالَ الأَشْهُرِ المَاضِيَةِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الحَيَاةَ قَصِيرَةٌ جِدًّا لِتُهْدَرَ فِي صَمْتٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ خِلَافَاتٍ غَيْرِ مَحْلُولَةٍ، وَأَنَّ أَثْمَنَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَمْنَحَهُ لِمَنْ نُحِبُّ لَيْسَ الكَمَالَ أَوِ المُوَافَقَةَ الدَّائِمَةَ، بَلِ الحُضُورَ الصَّادِقَ، هُنَا وَالآنَ، قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الأَوَانُ.»
الفصل الثامن عشر
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ كُلِّ هَذَا التَّغْيِيرِ الدَّاخِلِيِّ فِي بَيْتِ غَسَّانَ، بَدَأَتْ تَظْهَرُ آثَارٌ جَانِبِيَّةٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا أَحَدٌ: لَاحَظَ غَسَّانُ أَنَّ عَدَدَ الزَّبَائِنِ فِي مَحَلِّهِ التِّجَارِيِّ بَدَأَ يَتَنَاقَصُ تَدْرِيجِيًّا، وَأَنَّ بَعْضَ مَعَارِفِهِ الْقُدَامَى صَارُوا يَتَجَنَّبُونَ الْحَدِيثَ مَعَهُ بِالْحَرَارَةِ الْمُعْتَادَةِ نَفْسِهَا فِي الْمُنَاسَبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، جَاءَهُ صَدِيقُهُ الْقَدِيمُ أَبُو مَاجِدٍ، الَّذِي يَمْلِكُ مَحَلًّا مُجَاوِرًا، وَأَخْبَرَهُ بِصَرَاحَةٍ نَادِرَةٍ: “غَسَّانُ، بِصَرَاحَةٍ، بَعْضُ النَّاسِ فِي الْحَيِّ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَنَّ بَيْتَكَ صَارَ مُنْفَلِتًا: ابْنُكَ الْكَبِيرُ يَخْطُبُ أَجْنَبِيَّةً، وَالصَّغِيرُ مُسَافِرٌ لِيَدْرُسَ، وَابْنَتُكَ تَعْمَلُ وَتَفْتَحُ مَشْرُوعًا لِنَفْسِهَا، حَتَّى زَوْجَتُكَ تُفَكِّرُ فِي الْعَمَلِ بِالْخِيَاطَةِ. وَبَعْضُ النَّاسِ، بِصَرَاحَةٍ، صَارُوا يَتَرَدَّدُونَ فِي التَّعَامُلِ مَعَكَ تِجَارِيًّا، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَنْتَقِلَ هَذَا التَّغْيِيرُ إِلَى بُيُوتِهِمْ أَيْضًا.”
شَعَرَ غَسَّانُ بِصَدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ: لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَمْتَدَّ ثَمَنُ الصِّدْقِ الْعَائِلِيِّ الْجَدِيدِ لِيَطَالَ مَصْدَرَ رِزْقِهِ الْمُبَاشِرَ.
فِي الْمَسَاءِ نَفْسِهِ، لَاحَظَتْ سَلْمَى قَلَقَ زَوْجِهَا الْوَاضِحَ، فَسَأَلَتْهُ عَنِ السَّبَبِ، فَأَخْبَرَهَا بِصِدْقٍ عَنْ تَرَاجُعِ الزَّبَائِنِ وَعَنْ حَدِيثِ أَبِي مَاجِدٍ.
تَوَتَّرَتْ سَلْمَى فَوْرًا: “غَسَّانُ، أَتَعْنِي أَنَّ كُلَّ التَّغْيِيرِ الَّذِي حَدَثَ فِينَا سَيُؤَثِّرُ عَلَى لُقْمَةِ عَيْشِ عَائِلَتِنَا؟ مَاذَا سَنَفْعَلُ لَوِ اسْتَمَرَّ الْوَضْعُ هَكَذَا؟”
“لَا أَعْرِفُ يَا سَلْمَى، بِصَرَاحَةٍ. لَكِنِّي أَخَافُ أَنْ نَكُونَ قَدْ دَفَعْنَا ثَمَنًا أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعْنَا.”
جَلَسَتْ سَلْمَى صَامِتَةً، تُفَكِّرُ بِقَلَقٍ حَقِيقِيٍّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْمَادِّيِّ لِلْعَائِلَةِ، قَبْلَ أَنْ تَقُولَ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ثَبَاتًا: “غَسَّانُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا خَائِفَةٌ أَيْضًا. لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّنَا إِنْ عُدْنَا نَتَظَاهَرُ وَنُخْفِي كُلَّ شَيْءٍ لِنُرْضِيَ النَّاسَ، سَنَخْسَرُ شَيْئًا أَغْلَى مِنَ الْمَالِ: سَنَخْسَرُ الصِّدْقَ الَّذِي بَنَيْنَاهُ بِصُعُوبَةٍ كَبِيرَةٍ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ.”
“وَإِنْ خَسِرْنَا الْمَحَلَّ بِالْكَامِلِ؟”
“إِنْ حَدَثَ ذَلِكَ، سَنَجِدُ حَلًّا. يُمْكِنُنِي أَنْ أَبْدَأَ الْعَمَلَ بِالْخِيَاطَةِ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ، وَيُمْكِنُ لِرِيمَا أَنْ تُسَاعِدَ بِمَشْرُوعِهَا، وَيُمْكِنُ لِكَرِيمٍ، إِنِ اضْطُرَّ الْأَمْرُ، أَنْ يُسَاعِدَنَا مَادِّيًّا مِنْ مِيُونِخَ لِفَتْرَةٍ. الْمُهِمُّ أَنْ نُوَاجِهَ هَذَا التَّحَدِّي مَعًا، بِصِدْقٍ، لَا أَنْ نَتَرَاجَعَ عَنْ كُلِّ مَا حَقَّقْنَاهُ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ، رَغْمَ الْقَلَقِ الَّذِي حَمَلَتْهُ، تَعْبِيرًا عَنْ نُضْجٍ جَدِيدٍ اكْتَسَبَتْهُ سَلْمَى: الْقُدْرَةُ عَلَى مُوَاجَهَةِ تَحَدٍّ مَادِّيٍّ حَقِيقِيٍّ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ إِيمَانَهَا بِقِيمَةِ التَّغْيِيرِ الَّذِي عَاشَتْهُ الْعَائِلَةُ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، جَلَسَ غَسَّانُ مَعَ كَرِيمٍ، وَحَكَى لَهُ عَنْ هَذِهِ الْمُحَادَثَةِ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ قَلَقًا حَقِيقِيًّا: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَتَوَقَّعْ هَذَا التَّأْثِيرَ. لَكِنْ دَعْنِي أَسْأَلْكَ: أَتُفَكِّرُ فِي التَّرَاجُعِ عَنْ أَيِّ قَرَارٍ مِنَ الْقَرَارَاتِ الَّتِي اتَّخَذْنَاهَا، لِنُرْضِيَ هَؤُلَاءِ النَّاسَ؟”
فَكَّرَ غَسَّانُ طَوِيلًا، صِرَاعًا حَقِيقِيًّا يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ: “بِصَرَاحَةٍ، كَرِيمُ، جُزْءٌ مِنِّي يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ، خَاصَّةً حِينَ أَرَى الْأَرْقَامَ فِي الْمَحَلِّ تَنْخَفِضُ. لَكِنَّ جُزْءًا آخَرَ يَرْفُضُ الْفِكْرَةَ تَمَامًا، لِأَنَّهُ بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ، الرُّجُوعُ إِلَى الصَّمْتِ وَالتَّظَاهُرِ سَيَكُونُ أَسْوَأَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ خَسَارَةٍ مَادِّيَّةٍ.”
“أَبِي، مَاذَا لَوْ جَرَّبْنَا حَلًّا وَسَطًا: أَنْ نَبْقَى صَادِقِينَ مَعَ قَرَارَاتِنَا، لَكِنْ نُحَاوِلُ أَنْ نَفْهَمَ أَكْثَرَ مَخَاوِفَ الزَّبَائِنِ، وَنَشْرَحَ لَهُمْ، بِلُطْفٍ، أَنَّ التَّغْيِيرَ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَنَا لَا يُهَدِّدُ قِيَمَهُمْ هُمْ، وَلَا يَفْرِضُ عَلَيْهِمْ أَيَّ شَيْءٍ؟”
“مَاذَا تَقْصِدُ بِالضَّبْطِ؟”
“أَقْصِدُ، مَثَلًا، أَنْ تَتَحَدَّثَ مَعَ أَبِي مَاجِدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الزَّبَائِنِ الْقُدَامَى، بِصَرَاحَةٍ، عَمَّا حَدَثَ فِي عَائِلَتِنَا، مِنْ غَيْرِ دِفَاعِيَّةٍ أَوِ اعْتِذَارٍ، بَلْ بِشَرْحٍ هَادِئٍ: أَنَّ زِيَادًا يَدْرُسُ هَنْدَسَةً، وَهَذَا أَمْرٌ إِيجَابِيٌّ لِأَيِّ أَبٍ. وَأَنِّي أُحِبُّ لِينَا، وَهِيَ تَحْتَرِمُ دِينَنَا وَعَادَاتِنَا. وَأَنَّ رِيمَا وَأُمِّي فَقَطْ تُحَاوِلَانِ أَنْ تُحَقِّقَا أَحْلَامَهُمَا الشَّخْصِيَّةَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَثِّرَ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِمَا بِوَاجِبَاتِهِمَا الْعَائِلِيَّةِ.”
فَكَّرَ غَسَّانُ فِي اقْتِرَاحِ ابْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: “رُبَّمَا نُجَرِّبُ. لَكِنْ صَعْبٌ أَنْ أُغَيِّرَ رَأْيَ نَاسٍ مُقْتَنِعِينَ بِأَفْكَارِهِمْ مُنْذُ زَمَنٍ.”
“أَبِي، لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تُغَيِّرَ رَأْيَ الْجَمِيعِ. لَكِنْ رُبَّمَا، لَوْ تَحَدَّثْتَ بِصِدْقٍ وَثِقَةٍ، سَيُعِيدُ بَعْضُ النَّاسِ النَّظَرَ فِي مَوَاقِفِهِمْ، وَالْبَعْضُ الْآخَرُ، لِلْأَسَفِ، سَيَبْقَى مُتَمَسِّكًا بِحُكْمِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ أَنْ نَتَقَبَّلَهُ كَثَمَنٍ حَقِيقِيٍّ لِلتَّغْيِيرِ.”
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، دَعَا غَسَّانُ عَدَدًا مِنْ زَبَائِنِهِ وَأَصْدِقَائِهِ الْقُدَامَى، بِمَنْ فِيهِمْ أَبُو مَاجِدٍ، لِجَلْسَةِ قَهْوَةٍ فِي مَحَلِّهِ بَعْدَ إِغْلَاقِهِ، وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ بِصَرَاحَةٍ عَنْ كُلِّ التَّغْيِيرَاتِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَى عَائِلَتِهِ.
“يَا جَمَاعَةُ، بِصَرَاحَةٍ، سَمِعْتُ أَنَّ هُنَاكَ حَدِيثًا كَثِيرًا عَنْ عَائِلَتِي فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُوَضِّحَ الْأُمُورَ بِنَفْسِي، بَدَلَ أَنْ تَبْقَى الْإِشَاعَاتُ تَكْبُرُ.”
اسْتَمَعَ الْجَمِيعُ بِانْتِبَاهٍ وَفُضُولٍ، بَيْنَمَا شَرَحَ غَسَّانُ، بِصِدْقٍ وَثِقَةٍ مُتَزَايِدَةٍ، قِصَّةَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ: زِيَادٌ وَحُلْمُهُ بِالْهَنْدَسَةِ، وَكَرِيمٌ وَعَلَاقَتُهُ بِلِينَا الْقَائِمَةُ عَلَى الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَسَلْمَى وَحُلْمُهَا الْقَدِيمُ بِالْخِيَاطَةِ، وَرِيمَا وَمَشْرُوعُهَا الصَّغِيرُ.
بَعْدَ أَنِ انْتَهَى، سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ، ثُمَّ تَحَدَّثَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ، رَجُلٌ مُسِنٌّ يُدْعَى أَبُو خَلِيلٍ، بِصَوْتٍ مُتَفَهِّمٍ: “غَسَّانُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا كُنْتُ مِمَّنْ شَكَّكُوا فِي قَرَارَاتِكَ. لَكِنْ بَعْدَ أَنْ تَحَدَّثْتَ الْآنَ، فَهِمْتُ أَنَّكَ أَبٌ مَسْؤُولٌ، تُحَاوِلُ أَنْ تُوَازِنَ بَيْنَ مَحَبَّتِكَ لِأَوْلَادِكَ وَاحْتِرَامِكَ لِقِيَمِكَ. هَذَا أَمْرٌ يَسْتَحِقُّ احْتِرَامًا، لَا شَكًّا.”
أَوْمَأَ آخَرُونَ بِمُوَافَقَةٍ، بَيْنَمَا بَقِيَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْ بَيْنِهِمْ شَخْصٌ أَوِ اثْنَانِ، مُتَحَفِّظِينَ بِصَمْتٍ، غَيْرَ مُقْتَنِعِينَ تَمَامًا، لَكِنَّ غَسَّانَ شَعَرَ أَنَّ الْجَلْسَةَ، رَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تُقْنِعِ الْجَمِيعَ، قَدْ نَجَحَتْ فِي تَخْفِيفِ كَثِيرٍ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ الْمُحِيطِ بِعَائِلَتِهِ.
فِي الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ، لَاحَظَ غَسَّانُ تَحَسُّنًا تَدْرِيجِيًّا فِي عَدَدِ زَبَائِنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ بِالْكَامِلِ إِلَى مُسْتَوَاهُ السَّابِقِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِارْتِيَاحٍ أَعْمَقَ: ارْتِيَاحُ كَوْنِهِ وَاجَهَ التَّحَدِّيَ بِصِدْقٍ بَدَلَ الِاخْتِبَاءِ أَوِ التَّرَاجُعِ.
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الْحَقِيقِيَّ دَائِمًا لَهُ ثَمَنٌ، لَيْسَ فَقَطْ عَاطِفِيًّا بَلْ مَادِّيًّا أَيْضًا أَحْيَانًا. أَبِي وَاجَهَ خَطَرَ خَسَارَةِ جُزْءٍ مِنْ مَصْدَرِ رِزْقِهِ بِسَبَبِ صِدْقِهِ الْعَائِلِيِّ الْجَدِيدِ، لَكِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يُوَاجِهَ هَذَا الثَّمَنَ بِصَرَاحَةٍ بَدَلَ التَّرَاجُعِ عَنْهُ خَوْفًا. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الشَّجَاعَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي تَجَنُّبِ الْخَسَارَةِ، بَلْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِهَا، مَعَ الثِّقَةِ بِأَنَّ الصِّدْقَ، عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ، يَبْنِي عَلَاقَاتٍ وَثِقَةً أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ مَكْسَبٍ مَادِّيٍّ قَصِيرِ الْمَدَى مَبْنِيٍّ عَلَى التَّظَاهُرِ وَالصَّمْتِ.”
