الِابْنُ الْغَرِيبُ 05

الِابْنُ الْغَرِيبُ 04


الِابْنُ الْغَرِيبُ

الفصل التاسع عشر
جَاءَ يَوْمُ رَحِيلِ كَرِيمٍ إِلَى مِيُونِخَ أَسْرَعَ مِمَّا تَوَقَّعَ الْجَمِيعُ. بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ مَعَ أَبِيهِ، وَبَعْدَ جَلْسَةِ الْقَهْوَةِ مَعَ الزَّبَائِنِ الَّتِي خَفَّفَتْ، وَلَوْ جُزْئِيًّا، مِنَ التَّوَتُّرِ الْمُحِيطِ بِالْعَائِلَةِ، حَانَ وَقْتُ الْحَقِيبَةِ مِنْ جَدِيدٍ، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَانَ الْوَدَاعُ مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الرَّحِيلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ.
فِي صَبَاحِ يَوْمِ السَّفَرِ، اسْتَيْقَظَ الْبَيْتُ كُلُّهُ بَاكِرًا. جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ حَوْلَ طَاوِلَةِ الْإِفْطَارِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ رَحِيلِ كَرِيمٍ، فِي جَوٍّ مَلِيءٍ بِمَشَاعِرَ مُتَضَارِبَةٍ: فَرَحٌ بِفُرْصَتِهِ الْجَدِيدَةِ، وَحُزْنُ الْفِرَاقِ، وَامْتِنَانٌ لِكُلِّ مَا تَغَيَّرَ خِلَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَضَعُ أَمَامَهُ طَبَقَ فُطُورِهِ الْمُفَضَّلَ: “كَرِيمُ، هَذِهِ الْمَرَّةُ مُخْتَلِفَةٌ جِدًّا عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ سَافَرْتَ فِيهَا. يَوْمَهَا وَدَّعْتُكَ بِقَلْبٍ مُثْقَلٍ بِالْخَوْفِ وَالْحُزْنِ الْمَكْتُومِ. الْيَوْمَ، بِصَرَاحَةٍ، قَلْبِي مُثْقَلٌ بِالِامْتِنَانِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ لِأُمِّهِ: “وَأَنَا أَيْضًا، أُمِّي. الْمَرَّةَ الْأُولَى رَحَلْتُ هَارِبًا مِنْ صَمْتٍ لَمْ يَعُدْ يُحْتَمَلُ. هَذِهِ الْمَرَّةَ، أَرْحَلُ وَاثِقًا، لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّ الْبَيْتَ الَّذِي أَتْرُكُهُ وَرَائِي صَارَ بَيْتًا يَتَكَلَّمُ، لَا بَيْتًا يَصْمُتُ.”
جَاءَ دَوْرُ زِيَادٍ، الَّذِي كَانَ بِدَوْرِهِ يَسْتَعِدُّ لِرِحْلَتِهِ الْخَاصَّةِ خِلَالَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، شُكْرًا لَكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. لَوْلَا عَوْدَتُكَ، مَا كُنْتُ لِأَجْرُؤَ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ أَبِي عَنْ حُلْمِي.”
“وَأَنْتَ شُكْرًا لَكَ يَا زِيَادُ، عَلَى شَجَاعَتِكَ إِذْ تَحَدَّثْتَ. وَبِصَرَاحَةٍ، أَنَا مَسْرُورٌ أَنَّنَا سَنَكُونُ كِلَانَا فِي أَلْمَانْيَا، وَلَوْ فِي مَدِينَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. سَنَبْقَى قَرِيبَيْنِ مِنْ بَعْضِنَا.”
عَانَقَتْهُ رِيمَا بِحَرَارَةٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّكَ لَمْ تَعُدْ فَقَطْ لِتَزُورَ بَيْتَكَ، بَلْ عُدْتَ لِتُعِيدَ بِنَاءَهُ مِنْ جَدِيدٍ. شُكْرًا لَكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.”
“وَأَنْتِ يَا رِيمَا، شُكْرًا لَكِ عَلَى شَجَاعَتِكِ مَعَ كَمَالٍ، وَمَعَ أُمِّي. تَعَلَّمْتُ مِنْكِ الْكَثِيرَ عَنْ مَعْنَى الْمُصَالَحَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.”
اقْتَرَبَ فُؤَادٌ، الَّذِي جَاءَ خِصِّيصًا لِوَدَاعِ ابْنِ أَخِيهِ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، فِي بِدَايَةِ عَوْدَتِكَ، لَمْ أَكُنْ مُقْتَنِعًا بِكُلِّ أَفْكَارِكَ. لَكِنِّي الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ، أَشْكُرُكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِي. أَنْتَ فَتَحْتَ لِي بَابًا مَعَ سَامِرٍ لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَجْرُؤُ عَلَى فَتْحِهِ.”
عَانَقَهُ كَرِيمٌ بِحَرَارَةٍ: “عَمِّي، وَأَنَا فَخُورٌ بِكَ، عَلَى شَجَاعَتِكَ فِي مُوَاجَهَةِ خَوْفِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ.”
أَخِيرًا، جَاءَ دَوْرُ غَسَّانَ، الَّذِي وَقَفَ صَامِتًا لَحْظَةً، يَنْظُرُ إِلَى ابْنِهِ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَشَاعِرَ لَمْ يَعْتَدْ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهَا بِسُهُولَةٍ.
“كَرِيمُ…” بَدَأَ، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ، “بِصَرَاحَةٍ، صَعْبٌ عَلَيَّ أَنْ أُوَدِّعَكَ، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا عَنِ الْمَرَّةِ الْأُولَى. يَوْمَهَا وَدَّعْتُكَ بِغَضَبٍ مَكْتُومٍ وَخَوْفٍ مِنْ فُقْدَانِ السَّيْطَرَةِ. الْيَوْمَ، أُوَدِّعُكَ بِفَخْرٍ حَقِيقِيٍّ، وَثِقَةٍ بِأَنَّنَا مَهْمَا بَعُدْنَا، سَنَبْقَى قَرِيبَيْنِ مِنْ بَعْضِنَا بِطَرِيقَةٍ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهَا مِنْ قَبْلُ.”
“أَبِي، شُكْرًا لَكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. عَلَى إِصْغَائِكَ، عَلَى اعْتِرَافِكَ بِأَخْطَائِكَ، عَلَى شَجَاعَتِكَ فِي مُوَاجَهَةِ خَوْفِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ. تَعَلَّمْتُ مِنْكَ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَعَلَّمْتُ فِي سَبْعِ سِنِينَ مِنَ الْغُرْبَةِ.”
عَانَقَ الْأَبُ وَابْنُهُ بَعْضَهُمَا بِقُوَّةٍ، عِنَاقًا طَوِيلًا، مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الْمُصَافَحَةِ الْبَارِدَةِ الَّتِي اسْتَقْبَلَ بِهَا غَسَّانُ ابْنَهُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ عَوْدَتِهِ.
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ إِلَى الْمَطَارِ، تَوَقَّفَ كَرِيمٌ عِنْدَ غُرْفَةِ جَدَّتِهِ زَهْرَةَ، الَّتِي كَانَتْ قَدْ عَادَتْ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدَ تَحَسُّنِ حَالَتِهَا الصِّحِّيَّةِ، لَكِنَّهَا لَا تَزَالُ ضَعِيفَةً بَعْضَ الشَّيْءِ.
“جَدَّتِي، جِئْتُ لِأُوَدِّعَكِ.”
أَمْسَكَتْ زَهْرَةُ بِيَدِهِ بِقُوَّةٍ مُفَاجِئَةٍ: “كَرِيمُ، قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ، أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا.”
أَخْرَجَتْ مِنْ دُرْجٍ صَغِيرٍ بِجَانِبِ سَرِيرِهَا ظَرْفًا قَدِيمًا، مُصْفَرًّا مِنَ الزَّمَنِ.
“هَذِهِ رِسَالَةٌ كَتَبْتُهَا لِتَوْفِيقٍ، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجْتُ مِنْ جَدِّكَ بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ. لَمْ أُرْسِلْهَا يَوْمًا، لَكِنِّي احْتَفَظْتُ بِهَا كُلَّ هَذِهِ السِّنِينَ. أُرِيدُكَ أَنْ تَأْخُذَهَا مَعَكَ، لَا لِأَنِّي أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تُرْسِلَهَا لِأَحَدٍ، فَتَوْفِيقٌ تُوُفِّيَ مُنْذُ زَمَنٍ، لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَا ذِكْرَى، دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ حَتَّى فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ، ثَمَّةَ دَائِمًا جُزْءٌ مِنْ قَلْبِنَا يَحْلُمُ بِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ.”
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ، وَأَخَذَ الرِّسَالَةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ: “جَدَّتِي، شُكْرًا لَكِ عَلَى هَذِهِ الثِّقَةِ. سَأُحَافِظُ عَلَيْهَا أَمَانَةً غَالِيَةً.”
“وَكَرِيمُ، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا أَخِيرًا: أَنْتَ، بِعَوْدَتِكَ، أَعْطَيْتَنَا جَمِيعًا فِي هَذَا الْبَيْتِ شَيْئًا لَمْ نَكُنْ نَجْرُؤُ أَنْ نَطْلُبَهُ مِنْ أَنْفُسِنَا: الْإِذْنَ بِأَنْ نَكُونَ صَادِقِينَ. ابْقَ هَكَذَا دَائِمًا، أَيْنَمَا ذَهَبْتَ.”
فِي الْمَطَارِ، وَبَعْدَ وَدَاعٍ أَخِيرٍ مَعَ الْعَائِلَةِ كُلِّهَا، جَلَسَ كَرِيمٌ يَنْتَظِرُ رِحْلَتَهُ، يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى مَدْرَجِ الطَّائِرَاتِ، وَيُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا عَاشَهُ خِلَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ: مِنْ مُصَافَحَةِ أَبِيهِ الْبَارِدَةِ الْأُولَى، إِلَى عِنَاقِهِ الدَّافِئِ الْأَخِيرِ؛ مِنْ صَمْتِ أُمِّهِ الْمَكْتُومِ، إِلَى اعْتِرَافِهَا الصَّرِيحِ؛ مِنْ وَحْدَةِ جَدَّتِهِ الطَّوِيلَةِ، إِلَى اعْتِرَافِهَا بِحُبٍّ لَمْ يُعَشْ.
فَتَحَ دَفْتَرَهُ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ إِغْلَاقِهِ، وَكَتَبَ:
“الْيَوْمَ أُغَادِرُ بَيْتِي لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِرَحِيلٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ الْأَوَّلِ. لَمْ أَعُدْ أَهْرُبُ مِنْ صَمْتٍ لَا يُحْتَمَلُ، بَلْ أَذْهَبُ لِأَبْنِيَ حَيَاتِي الْمِهَنِيَّةَ، تَارِكًا خَلْفِي بَيْتًا تَعَلَّمَ، وَلَوْ بِبُطْءٍ وَصُعُوبَةٍ، لُغَةً جَدِيدَةً: لُغَةَ الصِّدْقِ وَالِاعْتِرَافِ وَالِاسْتِمَاعِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الْغُرْبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي الْبُعْدِ الْجُغْرَافِيِّ عَنِ الْأَهْلِ، بَلْ فِي الصَّمْتِ الَّذِي يَمْنَعُنَا مِنْ مَعْرِفَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا حَقًّا، حَتَّى وَنَحْنُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ. وَأَدْرَكْتُ أَيْضًا أَنَّ الْعَوْدَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ عَوْدَةً جَسَدِيَّةً دَائِمَةً، بَلْ عَوْدَةَ الْقَلْبِ وَالصِّدْقِ، مَهْمَا بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ.”
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَنَظَرَ مِنْ نَافِذَةِ الْمَطَارِ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي احْتَضَنَتْ طُفُولَتَهُ وَأَسْرَارَ عَائِلَتِهِ الْقَدِيمَةَ، مُبْتَسِمًا بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ، قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ نِدَاءَ الرِّحْلَةِ نَحْوَ مِيُونِخَ، بِدَايَةَ فَصْلٍ جَدِيدٍ مِنْ حَيَاتِهِ، لَكِنَّهُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَصْلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جُذُورٍ أَعْمَقَ وَأَصْدَقَ مِمَّا كَانَ يَتَخَيَّلُ يَوْمًا.
بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ الطَّيَرَانِ، هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ أَخِيرًا فِي مَطَارِ مِيُونِخَ، وَخَرَجَ كَرِيمٌ مِنْ صَالَةِ الْوُصُولِ، لِيَجِدَ لِينَا وَاقِفَةً تَنْتَظِرُهُ، تَحْمِلُ بَاقَةً صَغِيرَةً مِنَ الزُّهُورِ، وَابْتِسَامَةً عَرِيضَةً أَضَاءَتْ وَجْهَهَا بِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَتْهُ.
“كَرِيمُ!”
رَكَضَ نَحْوَهَا، وَعَانَقَهَا عِنَاقًا حَارًّا طَوِيلًا، عِنَاقَ شَخْصَيْنِ اشْتَاقَا لِبَعْضِهِمَا بِصِدْقٍ، تَفْصِلُهُمَا أَشْهُرٌ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْكَثِيفَةِ الَّتِي غَيَّرَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِطَرِيقَتِهِ.
“لِينَا، اشْتَقْتُ إِلَيْكِ كَثِيرًا.”
“وَأَنَا اشْتَقْتُ إِلَيْكَ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ. كَيْفَ كَانَتْ جَدَّتُكَ؟ وَكَيْفَ تَرَكْتَ الْعَائِلَةَ؟”
“جَدَّتِي بِخَيْرٍ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَتَحَسَّنَتْ كَثِيرًا. وَالْعَائِلَةُ… بِصَرَاحَةٍ، تَرَكْتُهُمْ فِي حَالٍ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ حِينَ وَصَلْتُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.”
بَيْنَمَا كَانَا يَسِيرَانِ نَحْوَ السَّيَّارَةِ، حَكَى لَهَا كَرِيمٌ بِإِيجَازٍ عَنْ كُلِّ مَا حَدَثَ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ: عَنِ اعْتِرَافِ جَدَّتِهِ، عَنْ وَدَاعِ أَبِيهِ الدَّافِئِ، عَنِ الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي أَعْطَتْهُ إِيَّاهَا زَهْرَةُ.
اسْتَمَعَتْ لِينَا بِانْتِبَاهٍ عَمِيقٍ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتِهَا الْهَادِئِ الْمُعْتَادِ: “كَرِيمُ، أَشْعُرُ أَنَّكَ عُدْتَ شَخْصًا مُخْتَلِفًا عَنِ الَّذِي غَادَرَ قَبْلَ أَشْهُرٍ. أَكْثَرَ سَلَامًا مَعَ نَفْسِهِ، وَأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرِهِ بِصِدْقٍ.”
“رُبَّمَا يَا لِينَا. تَعَلَّمْتُ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، لَا عَنْ أَهْلِي فَقَطْ، بَلْ عَنْ نَفْسِي أَيْضًا. وَبِصَرَاحَةٍ، أُرِيدُ أَنْ أُطَبِّقَ كُلَّ هَذِهِ الدُّرُوسِ فِي عَلَاقَتِنَا نَحْنُ أَيْضًا، كَمَا وَعَدْتُكِ.”
ابْتَسَمَتْ لِينَا بِتَأَثُّرٍ: “أَعْرِفُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا أَنَا هُنَا، بِكُلِّ سَعَادَةٍ، أَنْتَظِرُكَ بِذِرَاعَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، لَا لِأَنَّكَ تَغَيَّرْتَ لِتُصْبِحَ شَخْصًا مُخْتَلِفًا، بَلْ لِأَنَّكَ عُدْتَ أَكْثَرَ اكْتِمَالًا لِذَاتِكَ الْحَقِيقِيَّةِ.”
جَلَسَا فِي السَّيَّارَةِ، مُتَّجِهَيْنِ نَحْوَ شُقَّتِهِمَا الصَّغِيرَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ مَدِينَةُ مِيُونِخَ تَتَلَأْلَأُ بِأَضْوَائِهَا الْمَسَائِيَّةِ مِنْ حَوْلِهِمَا، وَشَعَرَ كَرِيمٌ أَنَّهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ شُعُورًا نَادِرًا بِالتَّوَازُنِ: بَيْنَ حَيَاتِهِ هُنَا وَحَيَاتِهِ هُنَاكَ، بَيْنَ حُبِّهِ لِلِينَا وَحُبِّهِ لِعَائِلَتِهِ، بَيْنَ طُمُوحِهِ الْمِهَنِيِّ وَجُذُورِهِ الْعَمِيقَةِ. تَوَازُنٌ هَشٌّ، رُبَّمَا، وَيَحْتَاجُ جُهْدًا مُسْتَمِرًّا لِيَسْتَمِرَّ، لَكِنَّهُ، عَلَى الْأَقَلِّ، تَوَازُنٌ حَقِيقِيٌّ، لَا وَهْمِيٌّ، بُنِيَ بِصِدْقٍ وَشَجَاعَةٍ اسْتَغْرَقَتَا أَشْهُرًا طَوِيلَةً مِنَ الْأَسْئِلَةِ وَالْمُوَاجَهَاتِ وَالِاعْتِرَافَاتِ.


الفَصْلُ العِشْرُونَ
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ مِنِ اسْتِقْرَارِ كَرِيمٍ فِي مِيُونِخَ وَبَدْءِ عَمَلِهِ الجَدِيدِ فِي المَكْتَبِ الهَنْدَسِيِّ، اقْتَرَحَتْ لِينَا أَنْ يَزُورَا وَالِدَيْهَا فِي مَدِينَةِ هَامْبُورْغَ، حَيْثُ تَعِيشُ عَائِلَتُهَا مُنْذُ أَجْيَالٍ.
اسْتَقْبَلَهُمَا وَالِدُ لِينَا، هَانْسُ، وَوَالِدَتُهَا، أَنَّا، بِأَدَبٍ أَلْمَانِيٍّ مُعْتَادٍ، لَكِنَّ كَرِيمًا لَاحَظَ تَوَتُّرًا خَفِيًّا فِي نَظَرَاتِ هَانْسَ تَحْدِيدًا، تَوَتُّرًا لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْدِيدَ مَصْدَرِهِ بِدِقَّةٍ فِي البِدَايَةِ.
خِلَالَ العَشَاءِ الأَوَّلِ، سَأَلَ هَانْسُ، بِلَهْجَةٍ مُهَذَّبَةٍ لَكِنْ مُبَاشِرَةٍ:
— كَرِيمُ، أَخْبَرَتْنَا لِينَا أَنَّكَ مِنْ سُورِيَا. كَيْفَ تَجِدُ الحَيَاةَ هُنَا فِي أَلْمَانِيَا؟ هَلْ تُخَطِّطُ لِلْبَقَاءِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ؟
أَجَابَ كَرِيمٌ بِصِدْقٍ:
— بِصَرَاحَةٍ، لَا أَزَالُ أَبْنِي حَيَاتِي هُنَا خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ. أُحِبُّ عَمَلِي الجَدِيدَ، وَأُحِبُّ لِينَا كَثِيرًا، لَكِنِّي أَيْضًا أُحَافِظُ عَلَى عَلَاقَةٍ قَوِيَّةٍ بِعَائِلَتِي فِي سُورِيَا.
لَاحَظَ كَرِيمٌ أَنَّ هَانْسَ تَبَادَلَ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَعَ زَوْجَتِهِ، نَظْرَةً لَمْ تَخْفَ عَنْ عَيْنَيْهِ المُدَرَّبَتَيْنِ حَدِيثًا عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ.
بَعْدَ العَشَاءِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ لِينَا تُسَاعِدُ وَالِدَتَهَا فِي المَطْبَخِ، خَرَجَ كَرِيمٌ مَعَ هَانْسَ إِلَى الشُّرْفَةِ لِتَدْخِينِ سِيجَارَةٍ، وَقَالَ هَانْسُ، بِصَرَاحَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ مَعْهُودَةٍ:
— كَرِيمُ، أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ صَرِيحًا مَعَكَ. أَنَا وَأَنَّا، كُنَّا قَلِقَيْنِ قَلِيلًا حِينَ أَخْبَرَتْنَا لِينَا بِعَلَاقَتِكُمَا.
— أَفْهَمُ ذَلِكَ، يَا هَانْسُ. القَلَقُ طَبِيعِيٌّ، خَاصَّةً مَعَ كُلِّ مَا يُعْرَضُ فِي الإِعْلَامِ عَنْ مِنْطَقَتِنَا.
— بِالضَّبْطِ. لَسْنَا عُنْصُرِيِّينَ، لَكِنَّنَا سَمِعْنَا كَثِيرًا عَنِ اخْتِلَافَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، عَنْ أَدْوَارِ المَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، عَنِ الدِّينِ، وَقَلِقْنَا أَنَّ لِينَا قَدْ تَجِدُ نَفْسَهَا فِي عَلَاقَةٍ لَا تَحْتَرِمُ اسْتِقْلَالِيَّتَهَا كَامْرَأَةٍ غَرْبِيَّةٍ.
كَانَتْ هَذِهِ المُحَادَثَةُ، بِصَرَاحَتِهَا المُبَاشِرَةِ، كَاشِفَةً لِكَرِيمٍ أَنَّ المَخَاوِفَ الَّتِي وَاجَهَهَا مِنْ عَائِلَتِهِ تِجَاهَ عَلَاقَتِهِ بِلِينَا، كَانَتْ لَهَا صُورَةٌ مَعْكُوسَةٌ تَمَامًا هُنَا فِي أَلْمَانِيَا: مَخَاوِفُ عَائِلَةِ لِينَا مِنْ ثَقَافَتِهِ هُوَ.
— هَانْسُ، أَفْهَمُ قَلَقَكَ تَمَامًا. بِصَرَاحَةٍ، عَائِلَتِي أَيْضًا كَانَ لَدَيْهَا مَخَاوِفُ مُمَاثِلَةٌ، لَكِنْ مِنَ الِاتِّجَاهِ المُعَاكِسِ: خَافُوا أَنْ تَفْرِضَ لِينَا عَلَيَّ نَمَطَ حَيَاةٍ غَرْبِيًّا يُبْعِدُنِي عَنْ قِيَمِي وَثَقَافَتِي.
ضَحِكَ هَانْسُ ضَحْكَةً خَفِيفَةً، فِيهَا تَفَهُّمٌ مُفَاجِئٌ:
— يَبْدُو أَنَّ كِلَا العَائِلَتَيْنِ تَخَافَانِ مِنَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ بِالضَّبْطِ، مِنْ زَاوِيَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
— بِالضَّبْطِ. وَبِصَرَاحَةٍ، مَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ رِحْلَتِي الأَخِيرَةِ إِلَى سُورِيَا، هُوَ أَنَّ الخَوْفَ الحَقِيقِيَّ، فِي الجَانِبَيْنِ، لَيْسَ مِنَ الثَّقَافَةِ الأُخْرَى بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ مِنِ احْتِمَالِ أَنْ يَفْقِدَ الشَّخْصُ هُوِيَّتَهُ أَوِ اسْتِقْلَالِيَّتَهُ فِي العَلَاقَةِ. وَأَنَا أَعِدُكَ، يَا هَانْسُ، أَنِّي أَحْتَرِمُ اسْتِقْلَالِيَّةَ لِينَا تَمَامًا، وَأَنِّي لَا أَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ أَيِّ جُزْءٍ مِنْ هُوِيَّتِهَا لِتَكُونَ مَعِي.
فَكَّرَ هَانْسُ طَوِيلًا فِي كَلِمَاتِ كَرِيمٍ، ثُمَّ قَالَ:
— أُقَدِّرُ صَرَاحَتَكَ يَا كَرِيمُ. لَكِنِ اسْمَحْ لِي بِسُؤَالٍ مُبَاشِرٍ آخَرَ: كَيْفَ سَتُرَبِّيَانِ أَطْفَالَكُمَا، إِذَا قَرَّرْتُمَا ذَلِكَ؟ بِأَيِّ دِينٍ، وَبِأَيِّ ثَقَافَةٍ؟
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ، بِصِيَاغَتِهِ المُبَاشِرَةِ، السُّؤَالَ نَفْسَهُ تَقْرِيبًا الَّذِي طَرَحَتْهُ سَلْمَى قَبْلَ أَشْهُرٍ، لَكِنْ مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ تَمَامًا.
— هَانْسُ، بِصَرَاحَةٍ، أَعْتَقِدُ أَنَّ أَطْفَالَنَا، لَوْ قُدِّرَ لَنَا ذَلِكَ، يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يَعْرِفُوا كِلَا الثَّقَافَتَيْنِ، وَكِلَا الدِّينَيْنِ، بِعُمْقٍ وَاحْتِرَامٍ، ثُمَّ يَخْتَارُوا هُمْ، حِينَ يَكْبَرُونَ، مَا يُنَاسِبُ قَنَاعَاتِهِمُ الشَّخْصِيَّةَ. لَنْ أَفْرِضَ عَلَيْهِمْ هُوِيَّتِي، وَلَنْ أَسْمَحَ أَيْضًا بِأَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ هُوِيَّةٌ أُحَادِيَّةٌ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ.
نَظَرَ هَانْسُ إِلَى كَرِيمٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا احْتِرَامٌ مُتَزَايِدٌ:
— هَذَا جَوَابٌ حَكِيمٌ يَا كَرِيمُ. أَكْثَرُ حِكْمَةً، بِصَرَاحَةٍ، مِمَّا تَوَقَّعْتُ مِنْ شَابٍّ فِي عُمْرِكَ.
———————
فِي اليَوْمِ التَّالِي، انْضَمَّتْ إِلَيْهِمْ أُخْتُ لِينَا الصُّغْرَى، غْرِيتَا، طَالِبَةٌ جَامِعِيَّةٌ فِي الثَّالِثَةِ وَالعِشْرِينَ، أَكْثَرُ انْفِتَاحًا وَفُضُولًا مِنْ وَالِدَيْهَا.
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا مُتَحَمِّسَةٌ كَثِيرًا لِأَتَعَرَّفَ عَلَيْكَ أَكْثَرَ. لِينَا حَدَّثَتْنِي كَثِيرًا عَنْ رِحْلَتِكَ الأَخِيرَةِ إِلَى سُورِيَا، وَعَنْ كُلِّ التَّغَيُّرَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي عَائِلَتِكَ.
— وَمَا رَأْيُكِ فِي كُلِّ هَذَا الحَدِيثِ؟
ابْتَسَمَتْ غْرِيتَا بِحَمَاسَةٍ:
— بِصَرَاحَةٍ، مُعْجَبَةٌ كَثِيرًا. عِنْدَنَا هُنَا فِي أَلْمَانِيَا أَيْضًا مَشَاكِلُ مُشَابِهَةٌ: أَجْيَالٌ قَدِيمَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِقِيَمٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، وَأَجْيَالٌ شَابَّةٌ تُرِيدُ أَنْ تَعِيشَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. لَكِنْ بِصَرَاحَةٍ، شَعَرْتُ أَنَّ طَرِيقَةَ تَعَامُلِكَ مَعَ عَائِلَتِكَ، بِصَبْرٍ وَحُبٍّ بَدَلًا مِنْ غَضَبٍ وَقَطِيعَةٍ، كَانَتْ مُلْهِمَةً كَثِيرًا.
— شُكْرًا يَا غْرِيتَا. بِصَرَاحَةٍ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الحَقِيقِيَّ يَأْخُذُ وَقْتًا وَصَبْرًا، لَا مُوَاجَهَةً حَادَّةً تَقْطَعُ كُلَّ الجُسُورِ.
— وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحَاوِلُ أَنْ أُطَبِّقَهُ أَنَا أَيْضًا مَعَ أَهْلِي، بِخُصُوصِ قَرَارِي أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ الفَنَّ بَدَلًا مِنَ الطِّبِّ الَّذِي كَانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ لِي. سَأُجَرِّبُ أَنْ أُطَبِّقَ الصَّبْرَ نَفْسَهُ الَّذِي طَبَّقْتَهُ أَنْتَ.
كَانَتْ هَذِهِ المُحَادَثَةُ، القَصِيرَةُ لَكِنَّ العَمِيقَةُ، تَذْكِيرًا إِضَافِيًّا لِكَرِيمٍ بِأَنَّ الصِّرَاعَ بَيْنَ رَغَبَاتِ الفَرْدِ وَتَوَقُّعَاتِ العَائِلَةِ لَيْسَ ظَاهِرَةً مَحْصُورَةً بِثَقَافَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ ظَاهِرَةً إِنْسَانِيَّةً عَابِرَةً لِلْحُدُودِ وَالثَّقَافَاتِ، تَتَّخِذُ أَشْكَالًا مُخْتَلِفَةً لَكِنَّهَا تَحْمِلُ جَوْهَرًا مُتَشَابِهًا فِي كُلِّ مَكَانٍ.
فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَكَتْ لِينَا لِكَرِيمٍ عَنْ مُحَادَثَةٍ مُوَازِيَةٍ جَرَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَالِدَتِهَا فِي المَطْبَخِ.
— كَرِيمُ، أُمِّي سَأَلَتْنِي إِنْ كُنْتُ خَائِفَةً مِنْ أَنْ تَفْرِضَ عَائِلَتُكَ عَلَيَّ ارْتِدَاءَ الحِجَابِ أَوْ تَغْيِيرَ دِيَانَتِي إِنْ تَزَوَّجْنَا.
— وَمَاذَا قُلْتِ لَهَا؟
— قُلْتُ لَهَا إِنَّ عَائِلَتَكَ، رَغْمَ تَحَفُّظَاتِهِمِ الأُولَى، أَثْبَتُوا لِي، فِي مُكَالَمَةِ الفِيدِيُو مَعَ سَلْمَى تَحْدِيدًا، أَنَّهُمْ يَحْتَرِمُونَ اخْتِيَارَاتِي الشَّخْصِيَّةَ، وَأَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ مِنِّي التَّخَلِّيَ عَنْ هُوِيَّتِي، بَلْ فَقَطْ احْتِرَامَ هُوِيَّتِهِمْ هُمْ بِالمُقَابِلِ.
— وَكَيْفَ كَانَ رَدُّ فِعْلِهَا؟
— بِصَرَاحَةٍ، بَدَتْ مُتَفَاجِئَةً قَلِيلًا، ثُمَّ أَكْثَرَ ارْتِيَاحًا. أَعْتَقِدُ أَنَّ الصُّوَرَ النَّمَطِيَّةَ المُتَبَادَلَةَ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنَا أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنَ الوَاقِعِ الفِعْلِيِّ حِينَ نَلْتَقِي كَأَفْرَادٍ حَقِيقِيِّينَ، لَا كَتَمْثِيلٍ لِثَقَافَاتٍ كَامِلَةٍ.
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ، مُدْرِكًا أَنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ إِلَى هَامْبُورْغَ، تَمَامًا كَرِحْلَتِهِ إِلَى سُورِيَا، كَشَفَتْ لَهُ دَرْسًا مُشَابِهًا: أَنَّ أَعْمَقَ المَخَاوِفِ الثَّقَافِيَّةِ، مِنْ كِلَا الجَانِبَيْنِ، غَالِبًا مَا تَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَى افْتِرَاضَاتٍ وَصُوَرٍ نَمَطِيَّةٍ أَكْثَرَ مِمَّا هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَجْرِبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَمُبَاشِرَةٍ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَنَامَ، كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ القَدِيمِ، الَّذِي أَحْضَرَهُ مَعَهُ مِنْ سُورِيَا:
«اليَوْمَ اكْتَشَفْتُ أَنَّ التَّخَوُّفَ الثَّقَافِيَّ المُتَبَادَلَ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى مُجْتَمَعِي وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ ظَاهِرَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ عَامَّةٌ، تَظْهَرُ أَيْنَمَا الْتَقَتْ ثَقَافَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ عَبْرَ عَلَاقَةِ حُبٍّ. وَالِدَا لِينَا، رَغْمَ انْفِتَاحِهِمَا الظَّاهِرِيِّ كَأُورُوبِيَّيْنِ، حَمَلَا مَخَاوِفَ لَا تَخْتَلِفُ جَوْهَرِيًّا عَنْ مَخَاوِفِ أَهْلِي: خَوْفٌ مِنْ فُقْدَانِ الهُوِيَّةِ، مِنْ فَرْضِ ثَقَافَةٍ عَلَى أُخْرَى، مِنْ مُسْتَقْبَلٍ غَامِضٍ لِلْأَحْفَادِ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الحَلَّ لَيْسَ فِي إِنْكَارِ هَذِهِ المَخَاوِفِ أَوِ التَّقْلِيلِ مِنْهَا، بَلْ فِي مُوَاجَهَتِهَا بِصِدْقٍ مُبَاشِرٍ، مِنَ الجَانِبَيْنِ مَعًا، تَمَامًا كَمَا تَعَلَّمْتُ أَنْ أَفْعَلَ مَعَ عَائِلَتِي.»


الفَصْلُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ مُحَادَثَتِهِ الصَّعْبَةِ مَعَ أَبِيهِ فُؤَادَ، ظَلَّ سَامِرُ يَحْمِلُ سُؤَالًا آخَرَ لَمْ يَجْرُؤْ بَعْدُ عَلَى مُوَاجَهَتِهِ: هَلْ يُخْبِرُ أُمَّهُ، أُمَّ وَلِيدٍ، بِالحَقِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كَشَفَهَا لِأَبِيهِ؟
كَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً تَقْلِيدِيَّةً، مُتَدَيِّنَةً، تُحِبُّ أَبْنَاءَهَا بِعُمْقٍ لَكِنَّهَا أَيْضًا شَدِيدَةُ الحَسَاسِيَّةِ تِجَاهَ «كَلَامِ النَّاسِ» وَ«سُمْعَةِ العَائِلَةِ»، وَكَانَ سَامِرُ يَخْشَى رَدَّةَ فِعْلِهَا أَكْثَرَ مِمَّا خَشِيَ رَدَّةَ فِعْلِ أَبِيهِ، رَغْمَ أَنَّ فُؤَادَ كَانَ دَائِمًا الأَكْثَرَ صَرَامَةً ظَاهِرِيًّا بَيْنَهُمَا.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَبَعْدَ تَشْجِيعٍ حَذِرٍ مِنْ وَالِدِهِ، قَرَّرَ سَامِرُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَ أُمِّهِ.
— أُمِّي، أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكِ بِشَيْءٍ مُهِمٍّ، وَأُرِيدُ مِنْكِ أَنْ تَسْمَعِينِي حَتَّى آخِرِ الكَلَامِ قَبْلَ أَنْ تَحْكُمِي عَلَيَّ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ بِقَلَقٍ:
— مَا الأَمْرُ يَا سَامِرُ؟ أَخَفْتَنِي.
تَنَفَّسَ سَامِرُ بِعُمْقٍ، وَكَرَّرَ تَقْرِيبًا الكَلِمَاتِ نَفْسَهَا الَّتِي قَالَهَا لِأَبِيهِ مِنْ قَبْلُ.
— سَامِرُ… مَا… مَا هَذَا الكَلَامُ؟ هَذَا حَرَامٌ، هَذَا… هَذَا ضِدَّ دِينِنَا، ضِدَّ فِطْرَتِنَا. كَيْفَ تُرِيدُ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِمِثْلِ هَذَا الشَّيْءِ؟
بَدَأَتِ الأُمُّ تَبْكِي بِصَوْتٍ عَالٍ، وَشَعَرَ سَامِرُ بِأَلَمٍ حَادٍّ، مُتَوَقِّعًا هَذِهِ الرَّدَّةَ تَمَامًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ إِيلَامًا لِكَوْنِهَا مُتَوَقَّعَةً.
— أُمِّي، أَرْجُوكِ، اسْمَعِينِي. أَنَا نَفْسُ ابْنِكِ الَّذِي رَبَّيْتِهِ، نَفْسُ الشَّخْصِ الَّذِي يُحِبُّكِ وَيَحْتَرِمُكِ. هَذَا الأَمْرُ لَا يُغَيِّرُ مَحَبَّتِي لَكِ وَلَا الْتِزَامِي بِعَائِلَتِي.
— لَكِنْ مَاذَا سَنَقُولُ لِلنَّاسِ؟ مَاذَا سَيَقُولُ الجِيرَانُ، الأَقَارِبُ؟ عَيْبٌ يَا سَامِرُ، حَرامٌ!
كَانَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ، بِقَسْوَتِهَا المَأْلُوفَةِ، صَدًى لِكُلِّ الخَوْفِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي عَاشَتْهُ العَائِلَةُ الكَبِيرَةُ، لَكِنَّهُ هَذِهِ المَرَّةَ كَانَ أَكْثَرَ حِدَّةً وَشَخْصِيَّةً، لِأَنَّهُ يَمَسُّ أَعْمَقَ مَخَاوِفِ الهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ لَدَى الأُمِّ.
دَخَلَ فُؤَادُ فَجْأَةً، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ صَوْتَ بُكَاءِ زَوْجَتِهِ مِنَ الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ، وَوَقَفَ فِي البَابِ، يَنْظُرُ إِلَى المَشْهَدِ بِصَمْتٍ مُؤْلِمٍ.
— أُمَّ وَلِيدٍ، اسْمَعِينِي، قَالَ فُؤَادُ بِهُدُوءٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ مِنْهُ، أَنَا أَيْضًا كَانَ رَدُّ فِعْلِي الأَوَّلُ صَدْمَةً وَخَوْفًا، كَمَا تَشْعُرِينَ الآنَ. لَكِنْ بَعْدَ أَنْ فَكَّرْتُ كَثِيرًا، فَهِمْتُ أَنَّ سَامِرَ لَمْ يَخْتَرْ هَذَا الأَمْرَ، عَاشَ بِصَمْتٍ وَخَوْفٍ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِنَا سَنَوَاتٍ.
نَظَرَتِ الأُمُّ إِلَى زَوْجِهَا بِدَهْشَةٍ:
— وَأَنْتَ مُوَافِقٌ عَلَى مِثْلِ هَذَا الأَمْرِ؟
— لَسْتُ «مُوَافِقًا» بِمَعْنَى أَنِّي أُغَيِّرُ قَنَاعَاتِي الدِّينِيَّةَ. لَكِنِّي أَبٌ، وَابْنِي عَاشَ بِأَلَمٍ وَوَحْدَةٍ سَنَوَاتٍ تَحْتَ سَقْفِ بَيْتِنَا، وَهَذَا أَمْرٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَجَاهَلَهُ أَوْ أَرْفُضَهُ بِقَسْوَةٍ تَزِيدُ أَلَمَهُ.
بَكَتِ الأُمُّ بِصَمْتٍ أَطْوَلَ، تُعَالِجُ هَذَا الخَلِيطَ مِنَ المَشَاعِرِ المُتَضَارِبَةِ: حُبَّهَا العَمِيقَ لِابْنِهَا، وَخَوْفَهَا مِنَ المُجْتَمَعِ، وَقَنَاعَاتِهَا الدِّينِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ قَدْ فَكَّرَتْ يَوْمًا فِي كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَهَا فِي مِثْلِ هَذَا المَوْقِفِ.
— سَامِرُ، قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ، أُحِبُّكَ، وَهَذَا أَمْرٌ لَنْ يَتَغَيَّرَ. لَكِنِّي مُحْتَاجَةٌ إِلَى وَقْتٍ لِأَسْتَوْعِبَ، وَبِصَرَاحَةٍ، خَائِفَةٌ كَثِيرًا، عَلَى مُسْتَقْبَلِكَ، وَعَلَى سُمْعَتِنَا، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
— أُمِّي، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا صَعْبٌ عَلَيْكِ. وَلَا أَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تَفْهَمِي كُلَّ شَيْءٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. لَكِنِّي أَطْلُبُ مِنْكِ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ: لَا تَطْرُدِينِي مِنْ قَلْبِكِ، حَتَّى وَأَنْتِ لَا تَزَالِينَ تُحَاوِلِينَ أَنْ تَفْهَمِي.
عَانَقَتْهُ أُمُّهُ بِضَعْفٍ، عِنَاقًا مَلِيئًا بِالحُزْنِ وَالحُبِّ المُتَشَابِكَيْنِ مَعًا، عِنَاقًا لَمْ يَحْمِلْ قَبُولًا كَامِلًا بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ رَفْضًا قَاطِعًا أَيْضًا.
———————
بَعْدَ أَيَّامٍ، زَارَ فُؤَادُ الشَّيْخَ رَاتِبًا مُجَدَّدًا، هَذِهِ المَرَّةَ بِسُؤَالٍ أَكْثَرَ شَخْصِيَّةً وَحَسَّاسِيَّةً، دُونَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ سَامِرَ مُبَاشَرَةً، بَلْ صَاغَهُ كَـ«سُؤَالٍ افْتِرَاضِيٍّ عَنِ ابْنِ أَحَدِ الأَصْدِقَاءِ».
اسْتَمَعَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ بِعِنَايَةٍ، ثُمَّ قَالَ، بِحِكْمَتِهِ المُعْتَادَةِ:
— فُؤَادُ، هَذَا مِنْ أَصْعَبِ المَوَاضِيعِ الَّتِي يُوَاجِهُهَا الآبَاءُ اليَوْمَ، وَلَا أَمْلِكُ إِجَابَةً بَسِيطَةً وَسَهْلَةً. مَا يُمْكِنُنِي قَوْلُهُ هُوَ: مَهْمَا كَانَتْ قَنَاعَاتُنَا الدِّينِيَّةُ، يَبْقَى وَاجِبُنَا الأَوَّلُ الحِفَاظَ عَلَى الرَّابِطِ الأُسَرِيِّ، وَعَدَمَ دَفْعِ أَبْنَائِنَا نَحْوَ اليَأْسِ أَوِ الِانْعِزَالِ التَّامِّ. اللهُ وَحْدَهُ هُوِ مَنْ يَعْلَمُ مَا فِي القُلُوبِ، وَنَحْنُ، كَبَشَرٍ، مَسْؤُولِيَّتُنَا أَنْ نُبْقِيَ أَبْوَابَ المَحَبَّةِ وَالحِوَارِ مَفْتُوحَةً، مَهْمَا اخْتَلَفْنَا.
كَانَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ، رَغْمَ عَدَمِ حَسْمِهَا الكَامِلِ لِلْمَسْأَلَةِ، طَرِيقًا وَسَطًا مَنَحَ فُؤَادَ بَعْضَ الطُّمَأْنِينَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ مُضْطَرًّا أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ التَّخَلِّي الكَامِلِ عَنْ قَنَاعَاتِهِ الدِّينِيَّةِ أَوِ التَّخَلِّي الكَامِلِ عَنِ ابْنِهِ، بَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْمِلَ التَّعْقِيدَ وَالتَّنَاقُضَ، وَيَسْتَمِرَّ فِي المَحَبَّةِ رَغْمَ عَدَمِ اكْتِمَالِ الفَهْمِ.
عَادَ فُؤَادُ إِلَى بَيْتِهِ، وَقَرَّرَ أَنْ يُخْبِرَ كَرِيمًا، عَبْرَ مُكَالَمَةٍ هَاتِفِيَّةٍ حَذِرَةٍ، بِبَعْضِ تَفَاصِيلِ مَا يَمُرُّ بِهِ، طَالِبًا نَصِيحَتَهُ بِوَصْفِهِ أَحَدَ أَقْرَبِ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا حِكْمَةً نَادِرَةً فِي التَّعَامُلِ مَعَ تَعْقِيدَاتِ هَذَا البَيْتِ الكَبِيرِ.
اسْتَمَعَ كَرِيمٌ مِنْ مِيُونِخَ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ، وَقَالَ:
— عَمِّي، بِصَرَاحَةٍ، لَيْسَتْ عِنْدِي كُلُّ الأَجْوِبَةِ، لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ الآنَ هُوَ أَنْ يَشْعُرَ سَامِرُ أَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ فِي هَذَا التَّحَدِّي، وَأَنَّ مَحَبَّتَكُمْ لَهُ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُعَقَّدَةً وَمُتَنَاقِضَةً أَحْيَانًا، أَقْوَى مِنْ أَيِّ خَوْفٍ اجْتِمَاعِيٍّ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ المُكَالَمَةِ:
«اليَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ بَعْضَ المَعَارِكِ الأَصْعَبِ فِي الصِّدْقِ العَائِلِيِّ لَا تَنْتَهِي بِحَلٍّ وَاضِحٍ وَسَرِيعٍ، بَلْ تَبْقَى مُعَلَّقَةً فِي مِنْطَقَةٍ رَمَادِيَّةٍ مِنَ الحُبِّ المُتَنَاقِضِ مَعَ الخَوْفِ، وَالقَبُولِ الجُزْئِيِّ مَعَ عَدَمِ الفَهْمِ الكَامِلِ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ نُضْجٌ حَقِيقِيٌّ أَعْمَقُ مِمَّا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ قَبْلُ: أَنَّ الحُبَّ العَائِلِيَّ الصَّادِقَ لَا يَعْنِي دَائِمًا حَلَّ كُلِّ تَنَاقُضٍ، بَلْ يَعْنِي أَحْيَانًا القُدْرَةَ عَلَى احْتِضَانِ التَّنَاقُضِ نَفْسِهِ، دُونَ أَنْ نَفْقِدَ الرَّابِطَ الإِنْسَانِيَّ الأَعْمَقَ الَّذِي يَجْمَعُنَا.»


الفصل الثاني والعشرون
جَاءَ يَوْمُ رَحِيلِ زِيَادٍ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ مِنْ رَحِيلِ أَخِيهِ كَرِيمٍ، وَكَانَ وَدَاعًا مُخْتَلِفًا فِي طَبِيعَتِهِ: إِذَا كَانَ وَدَاعُ كَرِيمٍ مَلِيئًا بِالنُّضْجِ وَالتَّصَالُحِ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ إِعَادَةِ بِنَاءِ الثِّقَةِ، فَإِنَّ وَدَاعَ زِيَادٍ كَانَ مَلِيئًا بِحَمَاسَةِ الشَّبَابِ الْأُولَى، مَمْزُوجَةً بِقَلَقٍ طَبِيعِيٍّ لِشَابٍّ يُغَادِرُ بَيْتَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ.
وَقَفَتْ سَلْمَى عِنْدَ الْبَابِ، تُوَدِّعُ ابْنَهَا الْأَصْغَرَ بِابْتِسَامَةٍ مُرْتَجِفَةٍ، تُحَاوِلُ أَنْ تُخْفِيَ دُمُوعَهَا قَدْرَ الْإِمْكَانِ.
“زِيَادُ، اعْتَنِ بِنَفْسِكَ جَيِّدًا، وَكُلْ بِشَكْلٍ صَحِّيٍّ، وَلَا تَنْسَ أَنْ تَتَّصِلَ كُلَّ أُسْبُوعٍ عَلَى الْأَقَلِّ.”
“وَعَدْتُكِ يَا أُمِّي. وَسَأَزُورُكُمْ فِي أَوَّلِ فُرْصَةِ إِجَازَةٍ.”
عَانَقَتْهُ بِقُوَّةٍ، وَشَعَرَتْ بِثِقْلٍ مُضَاعَفٍ: فُقْدَانُ ابْنِهَا الثَّانِي خِلَالَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، بَعْدَ أَنْ كَانَ الْبَيْتُ، لِسِنِينَ طَوِيلَةٍ، يَعِجُّ بِحَيَاةِ أَرْبَعَةِ أَبْنَاءٍ، ثُمَّ انْحَسَرَ تَدْرِيجِيًّا إِلَى ابْنَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ تَزُورُهُمْ أَحْيَانًا، وَابْنَيْنِ بَعِيدَيْنِ فِي بَلَدٍ آخَرَ.
وَصَلَ زِيَادٌ إِلَى مَدِينَتِهِ الْجَامِعِيَّةِ الْأَلْمَانِيَّةِ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ وَمُرْهِقَةٍ، لَكِنَّهُ فُوجِئَ بِأَنَّ كَرِيمًا قَدْ سَافَرَ خِصِّيصًا مِنْ مِيُونِخَ لِيَسْتَقْبِلَهُ فِي الْمَطَارِ، حَامِلًا لَافِتَةً صَغِيرَةً كَتَبَ عَلَيْهَا بِخَطِّ يَدِهِ: “أَهْلًا بِالْمُهَنْدِسِ الْجَدِيدِ!”
ضَحِكَ زِيَادٌ بِفَرَحٍ غَامِرٍ، وَعَانَقَ أَخَاهُ بِحَرَارَةٍ: “كَرِيمُ! لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَأْتِيَ! شُكْرًا جَزِيلًا!”
“طَبْعًا سَأَتِي يَا زِيَادُ! أَوَّلُ يَوْمٍ لَكَ فِي أَلْمَانْيَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُمَيَّزًا.”
قَضَيَا مَعًا يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ، تَجَوَّلَ فِيهِمَا كَرِيمٌ مَعَ أَخِيهِ فِي الْمَدِينَةِ الْجَامِعِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، وَسَاعَدَهُ فِي تَرْتِيبِ أَوْرَاقِ التَّسْجِيلِ، وَأَعْطَاهُ نَصَائِحَ عَمَلِيَّةً عَنِ الْحَيَاةِ كَطَالِبٍ أَجْنَبِيٍّ فِي أَلْمَانْيَا، وَعَنْ كَيْفِيَّةِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الدِّرَاسَةِ وَالِانْدِمَاجِ الثَّقَافِيِّ دُونَ فُقْدَانِ الْهُوِيَّةِ.
“زِيَادُ، أَهَمُّ نَصِيحَةٍ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ إِيَّاهَا: خُذْ وَقْتَكَ لِتَتَأَقْلَمَ، وَلَا تُقَارِنْ نَفْسَكَ بِغَيْرِكَ. كُلُّ وَاحِدٍ يَعِيشُ تَجْرِبَتَهُ الْخَاصَّةَ فِي الْغُرْبَةِ.”
“وَكَرِيمُ، شُكْرًا لَكَ، لَا فَقَطْ عَلَى النَّصَائِحِ، بَلْ لِأَنَّكَ، بِصَرَاحَةٍ، أَنْتَ السَّبَبُ فِي أَنِّي هُنَا أَصْلًا. لَوْلَا شَجَاعَتُكَ إِذْ تَحَدَّثْتَ مَعَ أَبِي، مَا كُنْتُ لِأَجْرُؤَ أَنْ أَطْلُبَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ: “وَأَنْتَ شَجَاعَتُكَ فِي أَنْ تَحَدَّثْتَ بِصَرَاحَةٍ عَنْ حُلْمِكَ هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ أَبِي يُوَافِقُ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَاهَمَ بِطَرِيقَتِهِ.”
قَبْلَ أَنْ يَعُودَ كَرِيمٌ إِلَى مِيُونِخَ، جَلَسَا مَعًا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قُرْبَ الْجَامِعَةِ، وَاتَّصَلَا مَعًا بِسَلْمَى وَغَسَّانَ عَبْرَ الْفِيدْيُو، لِيَرَاهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ، وَلَوْ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ بَيْتِهِمَا الْأَصْلِيِّ.
“أَرَأَيْتُمَا؟” قَالَ زِيَادٌ بِحَمَاسَةٍ، “أَنَا وَكَرِيمٌ صِرْنَا قَرِيبَيْنِ مِنْ بَعْضِنَا هُنَا، كَمَا وَعَدْنَاكُمَا.”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى عَبْرَ الشَّاشَةِ، بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالْفَخْرِ وَالْحَنِينِ مَعًا: “الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكُمَا مَعَ بَعْضِكُمَا. هَذَا الْأَمْرُ يُرِيحُنِي كَثِيرًا.”
بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ كَرِيمٌ الْمُكَالَمَةَ وَوَدَّعَ أَخَاهُ، عَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي مِيُونِخَ، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ: أَنْ يَرَى أَخَاهُ الصَّغِيرَ يَخْطُو خُطُوَاتِهِ الْأُولَى نَحْوَ حَيَاةٍ اخْتَارَهَا بِنَفْسِهِ، بِدَعْمٍ كَامِلٍ مِنْ عَائِلَةٍ تَعَلَّمَتْ، بِصُعُوبَةٍ وَصَبْرٍ، كَيْفَ تُحِبُّ دُونَ أَنْ تَخْنُقَ، وَكَيْفَ تَدْعَمُ دُونَ أَنْ تَفْرِضَ.
بَعْدَ أَنْ غَادَرَ زِيَادٌ إِلَى الْمَطَارِ بِرِفْقَةِ غَسَّانَ، جَلَسَتْ سَلْمَى وَحْدَهَا فِي الصَّالُونِ الْكَبِيرِ، الَّذِي بَدَا فَجْأَةً أَوْسَعَ وَأَكْثَرَ صَمْتًا مِمَّا اعْتَادَتْ عَلَيْهِ طَوَالَ سِنِينَ كَانَتْ مَلِيئَةً بِضَجِيجِ الْأَبْنَاءِ وَحَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ.
فِي الْأَيَّامِ التَّالِيَةِ، وَجَدَتْ سَلْمَى نَفْسَهَا تَتَجَوَّلُ فِي الْبَيْتِ بِلَا هَدَفٍ وَاضِحٍ، تَفْتَقِدُ الرُّوتِينَ الْيَوْمِيَّ لِتَحْضِيرِ طَعَامٍ لِأَرْبَعَةِ أَفْوَاهٍ، وَتَفْتَقِدُ أَصْوَاتَ النِّقَاشِ وَالضَّحِكِ الَّتِي كَانَتْ تَمْلَأُ الْبَيْتَ.
زَارَتْهَا رِيمَا فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، فَوَجَدَتْ أُمَّهَا جَالِسَةً أَمَامَ آلَةِ الْخِيَاطَةِ، لَكِنْ بِلَا حَمَاسَةٍ مُعْتَادَةٍ، تُحَدِّقُ فِي الْقُمَاشِ دُونَ أَنْ تَعْمَلَ فِعْلِيًّا.
“أُمِّي، مَا بِكِ؟ يَبْدُو عَلَيْكِ حُزْنٌ شَدِيدٌ.”
اعْتَرَفَتْ سَلْمَى بِصِدْقٍ: “رِيمَا، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ بِفَرَاغٍ كَبِيرٍ. صَارَ الْبَيْتُ هَادِئًا جِدًّا، وَلَسْتُ مُعْتَادَةً عَلَى هَذَا الْهُدُوءِ. طَوَالَ عُمْرِي، كُنْتُ أُمًّا مَشْغُولَةً، وَالْآنَ… الْآنَ لَا أَعْرِفُ مَا دَوْرِي.”
جَلَسَتْ رِيمَا بِجَانِبِ أُمِّهَا، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهَا بِحَنَانٍ: “أُمِّي، أَفْهَمُ شُعُورَكِ. لَكِنْ فَكِّرِي: هَذَا الْفَرَاغُ، رَغْمَ صُعُوبَتِهِ، يَفْتَحُ لَكِ مَسَاحَةً جَدِيدَةً. مَسَاحَةً يُمْكِنُكِ أَنْ تَمْلَئِيهَا بِحُلْمِكِ الْقَدِيمِ، بِالْخِيَاطَةِ، لَا فَقَطْ كَهِوَايَةٍ بَسِيطَةٍ، بَلْ كَمَشْرُوعٍ حَقِيقِيٍّ، تَمَامًا كَمَا بَدَأْتُ أَنَا بِمَشْرُوعِي.”
فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي كَلِمَاتِ ابْنَتِهَا، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ: “بِصَرَاحَةٍ، أَخَافُ أَنْ أَبْدَأَ مَشْرُوعًا فِي هَذَا الْعُمْرِ، وَبَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينِ مِنَ التَّوَقُّفِ.”
“أُمِّي، أَتَذْكُرِينَ مَاذَا قُلْتِ لِي بِنَفْسِكِ، حِينَ كُنْتُ خَائِفَةً أَنْ أَطْلُبَ مِنْ كَمَالٍ دَعْمَهُ لِمَشْرُوعِي؟ قُلْتِ لِي إِنَّ الْعُمْرَ رَقْمٌ، لَا حُكْمُ إِعْدَامٍ عَلَى الْأَحْلَامِ.”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى بِحُزْنٍ مَمْزُوجٍ بِأَمَلٍ: “صَحِيحٌ، قُلْتُ ذَلِكَ. رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِأُطَبِّقَ نَصِيحَتِي عَلَى نَفْسِي.”
بَدَأَتْ سَلْمَى، بِتَشْجِيعٍ مِنْ رِيمَا وَمِنْ أَمَلَ، بِالتَّفْكِيرِ جِدِّيًّا فِي افْتِتَاحِ وَرْشَةِ خِيَاطَةٍ صَغِيرَةٍ فِي غُرْفَةٍ إِضَافِيَّةٍ بِالْبَيْتِ، لَمْ تَعُدْ مُسْتَخْدَمَةً بَعْدَ رَحِيلِ الْأَبْنَاءِ. بَدَأَتْ بِخِيَاطَةِ قِطَعٍ بَسِيطَةٍ لِجَارَاتِهَا وَصَدِيقَاتِهَا، ثُمَّ تَوَسَّعَتْ تَدْرِيجِيًّا لِتَشْمَلَ تَصَامِيمَ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا، مُسْتَفِيدَةً مِنْ مَوْهِبَتِهَا الْقَدِيمَةِ الَّتِي ظَلَّتْ كَامِنَةً عُقُودًا.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُجَهِّزُ فُسْتَانًا لِعَرُوسٍ مِنَ الْحَيِّ، اتَّصَلَ بِهَا كَرِيمٌ مِنْ مِيُونِخَ، وَلَاحَظَ فَوْرًا نَبْرَةً مُخْتَلِفَةً فِي صَوْتِهَا، أَكْثَرَ حَيَوِيَّةً مِمَّا اعْتَادَ سَمَاعَهُ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ.
“أُمِّي، تَبْدِينَ مَسْرُورَةً الْيَوْمَ! مَاذَا جَرَى؟”
“كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، بَدَأْتُ أَعْمَلُ جِدِّيًّا بِالْخِيَاطَةِ. عِنْدِي زَبُونَةٌ أُولَى، عَرُوسٌ، طَلَبَتْ مِنِّي أَنْ أَخِيطَ لَهَا فُسْتَانًا لِحَفْلَةِ الْخُطُوبَةِ.”
“أُمِّي، هَذَا رَائِعٌ! أَنَا فَخُورٌ بِكِ جِدًّا.”
“وَأَنَا أَيْضًا فَخُورَةٌ بِنَفْسِي، صَدِّقْنِي. بِصَرَاحَةٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ، أَشْعُرُ أَنِّي أَعْمَلُ شَيْئًا لِأَنِّي أُحِبُّهُ، لَا فَقَطْ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيَّ.”
“وَكَيْفَ أَبِي؟ كَيْفَ تَقَبَّلَ الْفِكْرَةَ؟”
ضَحِكَتْ سَلْمَى بِخِفَّةٍ: “بِصَرَاحَةٍ، كَانَ أَبُوكَ دَاعِمًا كَثِيرًا، أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. حَتَّى سَاعَدَنِي فِي تَرْتِيبِ الْغُرْفَةِ، وَقَالَ لِي إِنَّهُ فَخُورٌ بِي.”
كَانَتْ هَذِهِ الْمُحَادَثَةُ، بِحَيَوِيَّتِهَا الْمُتَجَدِّدَةِ، دَلِيلًا عَلَى أَنَّ سَلْمَى، رَغْمَ فَرَاغِ الْعُشِّ الَّذِي تَرَكَهُ رَحِيلُ أَبْنَائِهَا، وَجَدَتْ طَرِيقًا لِمَلْءِ هَذَا الْفَرَاغِ بِشَيْءٍ أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الِانْتِظَارِ السَّلْبِيِّ: بِإِعَادَةِ اكْتِشَافِ هُوِيَّتِهَا الشَّخْصِيَّةِ، الْمُسْتَقِلَّةِ عَنْ دَوْرِهَا كَأُمٍّ فَقَطْ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَعْدَ أَنْ أَغْلَقَتِ الْمُكَالَمَةَ مَعَ كَرِيمٍ، جَلَسَتْ سَلْمَى مَعَ غَسَّانَ فِي الشُّرْفَةِ، يَتَأَمَّلَانِ مَعًا هُدُوءَ الْمَسَاءِ.
“غَسَّانُ، بِصَرَاحَةٍ، فَكَّرْتُ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، وَشَعَرْتُ أَنَّ رَحِيلَ الْأَوْلَادِ، رَغْمَ صُعُوبَتِهِ، فَتَحَ لِي بَابًا مَا كُنْتُ لِأَفْتَحَهُ لَوْ بَقُوا هُنَا.”
“وَأَنَا أَيْضًا، سَلْمَى، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ عَلَاقَتَنَا، نَحْنُ الِاثْنَيْنِ، صَارَتْ أَعْمَقَ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ. صِرْنَا نَتَحَدَّثُ أَكْثَرَ، وَنَتَشَارَكُ أَكْثَرَ، لَا فَقَطْ نَتَقَاسَمُ مَسْؤُولِيَّةَ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ.”
أَمْسَكَتْ سَلْمَى بِيَدِ زَوْجِهَا: “رُبَّمَا هَذِهِ مَرْحَلَةٌ جَدِيدَةٌ فِي حَيَاتِنَا، غَسَّانُ. مَرْحَلَةُ اكْتِشَافِ بَعْضِنَا مِنْ جَدِيدٍ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينِ مِنَ التَّرْكِيزِ عَلَى الْأَوْلَادِ.”
“رُبَّمَا يَا سَلْمَى. وَرُبَّمَا هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ، رَغْمَ كُلِّ صُعُوبَاتِهَا، أَجْمَلُ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ تَفَاصِيلَ هَذِهِ الْمُحَادَثَةِ مِنْ أُمِّهِ فِي مُكَالَمَةٍ تَالِيَةٍ:
“الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ رَحِيلَ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْبَيْتِ، رَغْمَ الْحُزْنِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُرَافِقُهُ، قَدْ يَكُونُ أَيْضًا بِدَايَةً جَدِيدَةً لِلْوَالِدَيْنِ: فُرْصَةً لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِ الذَّاتِ وَالْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، بَعِيدًا عَنْ دَوْرِ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ الْحَصْرِيِّ الَّذِي اسْتَغْرَقَ عُقُودًا مِنْ حَيَاتِهِمَا. أَدْرَكْتُ أَنَّ الْفَرَاغَ لَيْسَ دَائِمًا خَسَارَةً صَافِيَةً، بَلْ أَحْيَانًا مَسَاحَةً ضَرُورِيَّةً لِنُمُوٍّ جَدِيدٍ، لَوِ اسْتُقْبِلَ بِشَجَاعَةٍ وَانْفِتَاحٍ بَدَلَ الِاسْتِسْلَامِ لِلْحُزْنِ وَحْدَهُ.”


الفصل الثالث والعشرون
بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ بَدْءِ عَمَلِهِ فِي الْمَكْتَبِ الْهَنْدَسِيِّ بِمِيُونِخَ، شَعَرَ كَرِيمٌ أَنَّهُ بَدَأَ أَخِيرًا يَتَأَقْلَمُ مَعَ إِيقَاعِ الْعَمَلِ الْأَلْمَانِيِّ: الدِّقَّةُ الصَّارِمَةُ فِي الْمَوَاعِيدِ، وَالِاجْتِمَاعَاتُ الْمُنَظَّمَةُ بِدِقَّةٍ، وَالتَّوَقُّعَاتُ الْعَالِيَةُ لِلْجَوْدَةِ فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ التَّصْمِيمِ الْمِعْمَارِيِّ.
فِي أَحَدِ الِاجْتِمَاعَاتِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَعْرِضُ مَشْرُوعًا صَمَّمَهُ لِمَبْنًى سَكَنِيٍّ حَدِيثٍ، لَاحَظَ نَظْرَةً مُتَسَائِلَةً مِنْ زَمِيلٍ يُدْعَى شْتِيفَانَ، رَجُلٍ فِي الْأَرْبَعِينَاتِ مِنْ عُمُرِهِ، يَعْمَلُ فِي الْمَكْتَبِ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ.
بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ، اقْتَرَبَ شْتِيفَانُ مِنْ كَرِيمٍ بِابْتِسَامَةٍ لَمْ تَخْلُ مِنْ تَحَدٍّ خَفِيٍّ: “تَصْمِيمٌ جَيِّدٌ، كَرِيمُ. مُفَاجِئٌ بِصَرَاحَةٍ، بِالنَّظَرِ إِلَى خَلْفِيَّتِكَ.”
تَوَقَّفَ كَرِيمٌ لَحْظَةً، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ بِالضَّبْطِ مَا يَقْصِدُهُ شْتِيفَانُ: “مَاذَا تَقْصِدُ بِ’خَلْفِيَّتِي’؟”
ابْتَسَمَ شْتِيفَانُ بِحَرَجٍ طَفِيفٍ: “أَقْصِدُ، أَنَّكَ مِنْ سُورِيَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ فِي الْغَالِبِ نَسْمَعُ عَنِ السُّورِيِّينَ فِي سِيَاقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنِ الْهَنْدَسَةِ الْمِعْمَارِيَّةِ الْحَدِيثَةِ.”
شَعَرَ كَرِيمٌ بِامْتِزَاجٍ مِنَ الْغَضَبِ وَالْحُزْنِ: أَنْ يُخْتَزَلَ، حَتَّى بَعْدَ كُلِّ جُهْدِهِ وَتَفَوُّقِهِ الْمِهَنِيِّ، إِلَى صُورَةٍ نَمَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ بَلَدِهِ الْأَصْلِيِّ.
“شْتِيفَانُ، أَنَا لَسْتُ لَاجِئًا. أَنَا مُهَنْدِسٌ مِعْمَارِيٌّ دَرَسَ فِي أَلْمَانْيَا سِنِينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى سُورِيَا فَتْرَةً، وَالْآنَ أَعْمَلُ هُنَا بِعَقْدِ عَمَلٍ رَسْمِيٍّ. لَكِنْ حَتَّى لَوْ كُنْتُ لَاجِئًا، فَهَذَا لَا يَعْنِي أَنِّي أَقَلُّ كَفَاءَةً أَوْ مَوْهِبَةً مِنْ أَيِّ مُهَنْدِسٍ آخَرَ.”
بَدَا شْتِيفَانُ مُرْتَبِكًا قَلِيلًا: “لَمْ أَقْصِدِ الْإِسَاءَةَ، كَرِيمُ. فَقَطْ… نَادِرًا مَا نَرَى مُهَنْدِسِينَ مِنْ خَلْفِيَّتِكَ فِي مَكَاتِبَ بِهَذَا الْمُسْتَوَى.”
“رُبَّمَا لِأَنَّ الْفُرَصَ نَادِرًا مَا تُمْنَحُ لِأَشْخَاصٍ مِنْ خَلْفِيَّتِي بِنَفْسِ السُّهُولَةِ الَّتِي تُمْنَحُ بِهَا لِغَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ لِأَنَّ الْمَوْهِبَةَ أَوِ الْكَفَاءَةَ غَائِبَةٌ.”
كَانَ هَذَا الْحِوَارُ، رَغْمَ قِصَرِهِ، كَاشِفًا لِكَرِيمٍ أَنَّ رِحْلَتَهُ نَحْوَ الْفَهْمِ وَالصِّدْقِ لَمْ تَنْتَهِ بِعَوْدَتِهِ إِلَى سُورِيَا وَوَدَاعِهِ لَهَا، بَلِ امْتَدَّتْ لِتَشْمَلَ أَيْضًا مُوَاجَهَةَ تَحَيُّزَاتٍ خَفِيَّةٍ، وَأَحْيَانًا غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، فِي بِيئَتِهِ الْمِهَنِيَّةِ الْجَدِيدَةِ.
فِي الْمَسَاءِ، حَكَى كَرِيمٌ لِلِينَا عَنْ هَذَا الْحِوَارِ، وَشَعَرَ بِحَاجَةٍ لِمُشَارَكَةِ غَضَبِهِ وَإِحْبَاطِهِ مَعَهَا.
اسْتَمَعَتْ لِينَا بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ: “كَرِيمُ، أَنَا آسِفَةٌ أَنَّكَ وَاجَهْتَ هَذَا. لِلْأَسَفِ، التَّحَيُّزَاتُ اللَّاوَاعِيَةُ مَوْجُودَةٌ حَتَّى فِي أَكْثَرِ الْبِيئَاتِ تَحَضُّرًا فِي الظَّاهِرِ. لَكِنَّ رَدَّكَ كَانَ قَوِيًّا وَوَاضِحًا، وَلَمْ تَسْمَحْ لَهُ بِأَنْ يُشَكِّكَ فِي قِيمَتِكَ.”
“بِصَرَاحَةٍ، لِينَا، أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنِّي، مَهْمَا حَقَّقْتُ، سَأَبْقَى، فِي عُيُونِ بَعْضِ النَّاسِ، مُجَرَّدَ سُورِيٍّ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ مُهَنْدِسًا، أَوْ إِنْسَانًا، أَوْ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ.”
“أَفْهَمُ هَذَا الشُّعُورَ، وَهُوَ مُؤْلِمٌ فِعْلًا. لَكِنْ رُبَّمَا، بَدَلَ أَنْ تَسْمَحَ لَهُ بِأَنْ يُحْبِطَكَ، يُمْكِنُكَ أَنْ تَسْتَخْدِمَهُ دَافِعًا لِإِثْبَاتٍ، لَيْسَ لَهُمْ بَلْ لِنَفْسِكَ، أَنَّ هُوِيَّتَكَ الْمُتَعَدِّدَةَ الْأَبْعَادِ -سُورِيٌّ، مُهَنْدِسٌ، عَاشِقٌ لِلْفَنِّ، ابْنٌ مُخْلِصٌ- لَا تَتَنَاقَضُ أَبَدًا، بَلْ تُشَكِّلُ مَعًا إِنْسَانًا كَامِلًا أَكْثَرَ ثَرَاءً مِنْ أَيِّ صُورَةٍ نَمَطِيَّةٍ أُحَادِيَّةٍ.”
فَكَّرَ كَرِيمٌ طَوِيلًا فِي كَلِمَاتِ لِينَا، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ لِحِكْمَتِهَا الْهَادِئَةِ الَّتِي كَثِيرًا مَا سَاعَدَتْهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْأُمُورِ مِنْ زَاوِيَةٍ أَكْثَرَ تَوَازُنًا.
“لِينَا، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ كُلِّ رِحْلَتِي فِي سُورِيَا، تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْهُوِيَّةَ لَيْسَتْ شَيْئًا ثَابِتًا أَوْ أُحَادِيًّا، هِيَ شَيْءٌ مُعَقَّدٌ وَمُتَعَدِّدُ الطَّبَقَاتِ. لَكِنِّي نَسِيتُ، قَلِيلًا، أَنَّهُ خَارِجَ سُورِيَا أَيْضًا، أُوَاجِهُ التَّحَدِّيَ نَفْسَهُ: إِثْبَاتَ أَنَّ هُوِيَّتِي الْمُعَقَّدَةَ لَا تَتَنَاقَضُ فِيمَا بَيْنَهَا، بَلْ تُكْمِلُ بَعْضَهَا.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَبِدَافِعٍ مِنْ هَذَا الْحِوَارِ الدَّاخِلِيِّ، قَرَّرَ كَرِيمٌ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِصَرَاحَةٍ مَعَ مُدِيرِهِ فِي الْعَمَلِ، هَيْر مُولَر، عَنْ تَجْرِبَتِهِ وَعَنْ أَهَمِّيَّةِ التَّنَوُّعِ الثَّقَافِيِّ فِي فِرَقِ الْعَمَلِ الْهَنْدَسِيَّةِ.
اسْتَمَعَ هَيْر مُولَر بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ: “كَرِيمُ، أُقَدِّرُ صَرَاحَتَكَ. بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَنْتَبِهْ لِهَذَا الْجَانِبِ مِنَ الدِّينَامِيكِيَّاتِ فِي الْمَكْتَبِ مِنْ قَبْلُ. رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِنُنَظِّمَ وَرْشَةَ عَمَلٍ دَاخِلِيَّةً حَوْلَ التَّنَوُّعِ وَالشُّمُولِ، لَا كَإِجْرَاءٍ شَكْلِيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَحِوَارٍ حَقِيقِيٍّ بَيْنَ الزُّمَلَاءِ.”
فُوجِئَ كَرِيمٌ بِهَذَا التَّجَاوُبِ الْإِيجَابِيِّ: “هَذَا سَيَكُونُ رَائِعًا، هَيْر مُولَر. وَبِصَرَاحَةٍ، أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِلْمُشَارَكَةِ بِتَجْرِبَتِي الشَّخْصِيَّةِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ سَيُسَاعِدُ.”
بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، نُظِّمَتْ بِالْفِعْلِ وَرْشَةُ عَمَلٍ دَاخِلِيَّةٌ فِي الْمَكْتَبِ، تَحَدَّثَ فِيهَا كَرِيمٌ بِصَرَاحَةٍ عَنْ تَجْرِبَتِهِ كَمُهَنْدِسٍ سُورِيٍّ فِي أَلْمَانْيَا، عَنِ التَّحَدِّيَاتِ وَالْفُرَصِ، وَعَنْ أَهَمِّيَّةِ النَّظَرِ إِلَى الْأَفْرَادِ إِنْسَانِيَّاتٍ كَامِلَةً بَدَلَ تَصْنِيفَاتٍ مُبَسَّطَةٍ. حَضَرَ شْتِيفَانُ الْوَرْشَةَ أَيْضًا، وَفِي نِهَايَتِهَا، اقْتَرَبَ مِنْ كَرِيمٍ مُعْتَذِرًا بِصِدْقٍ.
“كَرِيمُ، بَعْدَ كُلِّ مَا سَمِعْتُهُ الْيَوْمَ، أَدْرَكْتُ أَنَّ مُلَاحَظَتِي الْأُولَى كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى افْتِرَاضَاتٍ لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا بِعُمْقٍ كَافٍ. أَعْتَذِرُ، وَأَتَطَلَّعُ لِلتَّعَلُّمِ مِنْكَ أَكْثَرَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.”
صَافَحَهُ كَرِيمٌ بِصِدْقٍ: “أُقَدِّرُ اعْتِذَارَكَ يَا شْتِيفَانُ. وَبِصَرَاحَةٍ، أَعْتَقِدُ أَنَّ مُعْظَمَ التَّحَيُّزَاتِ تَنْبُعُ مِنْ نَقْصٍ فِي التَّعَرُّفِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى الْآخَرِ، لَا مِنْ نِيَّةٍ سَيِّئَةٍ بِالضَّرُورَةِ. الْمُهِمُّ أَنَّنَا الْآنَ بَدَأْنَا حِوَارًا حَقِيقِيًّا حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ.”
فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ، اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِأَبِيهِ غَسَّانَ، وَحَكَى لَهُ عَنْ كُلِّ مَا حَدَثَ فِي الْعَمَلِ: الْمُلَاحَظَةُ الْأُولَى مِنْ شْتِيفَانَ، وَالْحِوَارُ مَعَ الْمُدِيرِ، وَوَرْشَةُ الْعَمَلِ، وَالِاعْتِذَارُ النِّهَائِيُّ.
اسْتَمَعَ غَسَّانُ بِانْتِبَاهٍ، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ فِيهِ فَخْرٌ وَاضِحٌ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا فَخُورٌ بِكَ جِدًّا. أَنْتَ لَمْ تَرْضَ أَنْ تَصْمُتَ وَتَبْتَلِعَ الْإِهَانَةَ، وَلَمْ تَرْضَ أَيْضًا أَنْ تَنْفَجِرَ بِغَضَبٍ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. وَجَدْتَ طَرِيقَةً تُوصِلُ بِهَا صَوْتَكَ بِشَكْلٍ بَنَّاءٍ، وَهَذَا أَمْرٌ بَالِغُ الصُّعُوبَةِ.”
“أَبِي، بِصَرَاحَةٍ، تَعَلَّمْتُ هَذِهِ الْمَهَارَةَ مِنْكُمْ، مِنْ كُلِّ مَا عِشْنَاهُ فِي الْبَيْتِ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الصِّدْقَ الْهَادِئَ، حَتَّى فِي أَصْعَبِ الْمَوَاقِفِ، أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّمْتِ أَوِ الِانْفِجَارِ.”
“وَأَنَا بِصَرَاحَةٍ، كَرِيمُ، أَشْعُرُ أَنَّ رِحْلَتَكَ هَذِهِ، خَارِجَ سُورِيَا وَدَاخِلَهَا، عَلَّمَتْنَا جَمِيعًا، كَعَائِلَةٍ، دَرْسًا وَاحِدًا مُتَكَرِّرًا: أَنَّ مُوَاجَهَةَ الْحَقِيقَةِ بِصِدْقٍ وَشَجَاعَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُؤْلِمَةً، أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْهُرُوبِ مِنْهَا أَوِ التَّظَاهُرِ بِعَدَمِ وُجُودِهَا.”
كَانَتْ هَذِهِ الْمُكَالَمَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا، تَأْكِيدًا إِضَافِيًّا لِكَرِيمٍ عَلَى أَنَّ الدُّرُوسَ الَّتِي تَعَلَّمَهَا فِي بَيْتِهِ الْأَصْلِيِّ لَمْ تَبْقَ حَبِيسَةَ ذَلِكَ السِّيَاقِ، بَلْ أَصْبَحَتْ أَدَوَاتٍ حَقِيقِيَّةً يَسْتَخْدِمُهَا فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ حَيَاتِهِ الْجَدِيدَةِ، مَهْمَا بَعُدَتْ جُغْرَافِيًّا عَنْ جُذُورِهِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ رِحْلَتِي نَحْوَ فَهْمِ الْهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى بَيْتِي الْأَصْلِيِّ فِي سُورِيَا، بَلْ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ كُلَّ بِيئَةٍ جَدِيدَةٍ أَدْخُلُهَا، بِمَا فِيهَا بِيئَتِي الْمِهَنِيَّةُ هُنَا فِي أَلْمَانْيَا. أَدْرَكْتُ أَنَّ مُوَاجَهَةَ التَّحَيُّزَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَجَذِّرَةً فِي تَقَالِيدَ عَائِلِيَّةٍ قَدِيمَةٍ أَوْ فِي افْتِرَاضَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ عَابِرَةٍ، تَتَطَلَّبُ الْأَدَوَاتِ نَفْسَهَا: الصِّدْقَ، وَالصَّبْرَ، وَالْقُدْرَةَ عَلَى تَحْوِيلِ اللَّحَظَاتِ الصَّعْبَةِ إِلَى فُرَصٍ حَقِيقِيَّةٍ لِلْحِوَارِ وَالْفَهْمِ الْمُتَبَادَلِ، بَدَلَ الِانْزِوَاءِ فِي الْغَضَبِ الصَّامِتِ أَوِ الِاسْتِسْلَامِ لِصُورَةٍ نَمَطِيَّةٍ مَفْرُوضَةٍ مِنَ الْخَارِجِ.”


الفصل الرابع والعشرون
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ زِيَارَةِ كَرِيمٍ الْأُولَى لَهَا، كَانَتْ مُنَى قَدْ وَسَّعَتْ وَرْشَتَهَا الصَّغِيرَةَ لِتَعْلِيمِ الرَّسْمِ، وَصَارَ لَدَيْهَا الْآنَ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ طَالِبَةً، مِنْ فَتَيَاتٍ صَغِيرَاتٍ إِلَى نِسَاءٍ فِي مُنْتَصَفِ الْعُمُرِ، جَمِيعُهُنَّ يَجِدْنَ فِي وَرْشَتِهَا مَلَاذًا آمِنًا لِلتَّعْبِيرِ الْفَنِّيِّ بَعِيدًا عَنْ ضُغُوطِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، أَثْنَاءَ مَعْرِضٍ صَغِيرٍ أَقَامَتْهُ لِعَرْضِ أَعْمَالِ طَالِبَاتِهَا فِي مَرْكَزٍ ثَقَافِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، الْتَقَتْ مُنَى بِرَجُلٍ يُدْعَى سَلِيمًا، أَرْمَلَ فِي الْخَمْسِينَاتِ مِنْ عُمُرِهِ، يَعْمَلُ مُدَرِّسًا لِلتَّارِيخِ فِي ثَانَوِيَّةٍ قَرِيبَةٍ، جَاءَ لِزِيَارَةِ الْمَعْرِضِ بِدَافِعِ فُضُولٍ ثَقَافِيٍّ بَسِيطٍ.
أُعْجِبَ سَلِيمٌ بِشِدَّةٍ بِلَوْحَةٍ رَسَمَتْهَا مُنَى بِنَفْسِهَا، تُصَوِّرُ امْرَأَةً تَقِفُ عِنْدَ نَافِذَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ظَهْرُهَا لِلْمُشَاهِدِ، وَضَوْءُ الشَّمْسِ يَتَسَلَّلُ حَوْلَهَا بِطَرِيقَةٍ تُوحِي بِتَحَرُّرٍ وَانْعِتَاقٍ هَادِئَيْنِ.
“هَذِهِ اللَّوْحَةُ مُؤَثِّرَةٌ جِدًّا. مَنْ رَسَمَهَا؟”
“أَنَا رَسَمْتُهَا، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ فَتْرَةٍ صَعْبَةٍ مِنْ حَيَاتِي.”
“يَظْهَرُ فِيهَا إِحْسَاسٌ عَمِيقٌ بِالْحُرِّيَّةِ، مَمْزُوجٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُزْنِ أَيْضًا. أَهَذَا وَصْفٌ دَقِيقٌ؟”
فُوجِئَتْ مُنَى بِحَسَاسِيَّةِ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ: “دَقِيقٌ جِدًّا، بِصَرَاحَةٍ. نَادِرًا مَا يُلَاحِظُ أَحَدٌ هَذَا التَّوَازُنَ الدَّقِيقَ فِي الْعَمَلِ الْفَنِّيِّ.”
تَحَدَّثَا سَاعَةً كَامِلَةً عَنِ الْفَنِّ، عَنِ التَّارِيخِ، عَنِ الْحَيَاةِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الصَّغِيرَةِ، وَاكْتَشَفَتْ مُنَى، لِدَهْشَتِهَا، أَنَّهَا تَسْتَمْتِعُ بِهَذَا الْحِوَارِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَعْتَدْهَا مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ: حِوَارٌ مُتَكَافِئٌ، يَحْتَرِمُ فِيهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ رَأْيَهَا وَفِكْرَهَا، دُونَ أَيِّ مُحَاوَلَةٍ لِلسَّيْطَرَةِ أَوِ التَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنِهَا.
فِي نِهَايَةِ اللِّقَاءِ، سَأَلَهَا سَلِيمٌ بِأَدَبٍ: “مُنَى، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْكِ مَانِعٌ، أَيُمْكِنُنِي أَنْ أَدْعُوَكِ لِتَنَاوُلِ الْقَهْوَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ؟ أَسْتَمْتِعُ كَثِيرًا بِحَدِيثِي مَعَكِ.”
تَرَدَّدَتْ مُنَى قَلِيلًا، وَالذِّكْرَيَاتُ الْقَدِيمَةُ عَنْ زَوَاجِهَا الْفَاشِلِ تَعُودُ إِلَيْهَا بِقُوَّةٍ: “سَلِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أُقَدِّرُ الدَّعْوَةَ، لَكِنْ بَعْدَ تَجْرِبَتِي فِي الزَّوَاجِ، صِرْتُ حَذِرَةً جِدًّا فِي عَلَاقَاتِي.”
تَفَهَّمَ سَلِيمٌ مَوْقِفَهَا بِلُطْفٍ: “أَحْتَرِمُ حَذَرَكِ تَمَامًا، مُنَى. لَسْتِ بِحَاجَةٍ لِأَنْ تُقَرِّرِي أَيَّ شَيْءٍ الْآنَ. فَقَطْ فَكِّرِي فِي الْأَمْرِ، وَلَا ضَغْطَ أَبَدًا.”
بَعْدَ أُسْبُوعٍ مِنَ التَّفْكِيرِ، وَبِتَشْجِيعٍ مِنْ كَرِيمٍ الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ لِتَسْتَشِيرَهُ، قَرَّرَتْ مُنَى أَنْ تَقْبَلَ دَعْوَةَ سَلِيمٍ لِتَنَاوُلِ الْقَهْوَةِ.
“كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَخَافُ أَنْ أُكَرِّرَ الْغَلْطَةَ نَفْسَهَا، أَنْ أَدْخُلَ فِي عَلَاقَةٍ جَدِيدَةٍ بِعَيْنَيْنِ مُغْمَضَتَيْنِ.”
اسْتَمَعَ كَرِيمٌ بِتَعَاطُفٍ: “مُنَى، بِصَرَاحَةٍ، أَعْتَقِدُ أَنَّ أَهَمَّ فَرْقٍ بَيْنَ عَلَاقَتِكِ الْأُولَى وَهَذِهِ الْفُرْصَةِ الْجَدِيدَةِ، هُوَ أَنَّكِ الْآنَ تَدْخُلِينَ فِيهَا بِعَيْنَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ تَمَامًا، بِوَعْيٍ كَامِلٍ لِذَاتِكِ وَقِيمَتِكِ، لَا كَمَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى حِينَ كُنْتِ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُونِي تَعْرِفِينَ نَفْسَكِ بِمَا يَكْفِي.”
“أَيْ إِنَّكَ تَنْصَحُنِي أَنْ أُجَرِّبَ؟”
“أَنْصَحُكِ أَنْ تُجَرِّبِي بِحَذَرٍ، لَكِنْ لَا تَدَعِي خَوْفَكِ مِنَ الْمَاضِي يَمْنَعُكِ تَمَامًا مِنْ فُرْصَةٍ قَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً. جَرِّبِي قَهْوَةً وَاحِدَةً، انْظُرِي كَيْفَ تَشْعُرِينَ، وَقَرِّرِي خُطْوَةً خُطْوَةً، لَا دُفْعَةً وَاحِدَةً.”
قَبِلَتْ مُنَى الدَّعْوَةَ أَخِيرًا، وَجَلَسَتْ مَعَ سَلِيمٍ فِي مَقْهًى هَادِئٍ، حَيْثُ تَحَدَّثَا بِصَرَاحَةٍ عَنْ تَجَارِبِهِمَا السَّابِقَةِ: سَلِيمٌ فَقَدَ زَوْجَتَهُ مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ بِمَرَضٍ عُضَالٍ، وَعَاشَ وَحِيدًا مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، يُرَبِّي ابْنَتَهُ الْوَحِيدَةَ الَّتِي أَصْبَحَتِ الْآنَ طَالِبَةً جَامِعِيَّةً.
“مُنَى، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجَتِي، فَكَّرْتُ أَنِّي لَنْ أُحِبَّ أَحَدًا آخَرَ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا. لَكِنَّ اللِّقَاءَ مَعَكِ جَعَلَنِي أُعِيدُ التَّفْكِيرَ.”
“وَأَنَا، سَلِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ طَلَاقِي، حَكَمْتُ عَلَى كُلِّ الرِّجَالِ بِمِعْيَارِ زَوْجِي السَّابِقِ نَفْسِهِ. لَكِنَّكَ مُخْتَلِفٌ كَثِيرًا، بِطَرِيقَةِ حَدِيثِكَ وَاحْتِرَامِكَ لِرَأْيِي.”
بَدَأَتْ عَلَاقَةٌ هَادِئَةٌ وَمُحْتَرَمَةٌ تَنْمُو تَدْرِيجِيًّا بَيْنَ مُنَى وَسَلِيمٍ، عَلَاقَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصَّدَاقَةِ الْعَمِيقَةِ أَوَّلًا، قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، وَعَلَى احْتِرَامٍ مُتَبَادَلٍ لِاسْتِقْلَالِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَتَجْرِبَتِهِ الْخَاصَّةِ.
بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ هَذَا اللِّقَاءِ الْأَوَّلِ، زَارَ كَرِيمٌ مُنَى خِلَالَ زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ لِسُورِيَا، وَوَجَدَهَا فِي حَالِ إِشْرَاقٍ لَمْ يَرَهَا عَلَيْهَا مِنْ قَبْلُ.
“مُنَى، تَبْدِينَ مَسْرُورَةً جِدًّا!”
ابْتَسَمَتْ مُنَى بِسَعَادَةٍ حَقِيقِيَّةٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَشْعُرُ أَنِّي فِي عَلَاقَةٍ صَحِّيَّةٍ، مَبْنِيَّةٍ عَلَى احْتِرَامٍ مُتَبَادَلٍ، لَا عَلَى سَيْطَرَةٍ وَتَحَكُّمٍ.”
“وَسَلِيمٌ؟ كَيْفَ الْأُمُورُ مَعَهُ؟”
“بِصَرَاحَةٍ، مَا زِلْنَا نَأْخُذُ الْأُمُورَ بِرَوِيَّةٍ، لَكِنْ بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بِعَيْنَيَّ الْمَفْتُوحَتَيْنِ، الْقَرَارُ قَرَارِي أَنَا بِالْكَامِلِ، لَا مَفْرُوضًا عَلَيَّ مِنْ أَحَدٍ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ، بِصِدْقِهَا الْهَادِئِ، تَأْكِيدًا حَيًّا لِمَا تَعَلَّمَهُ كَرِيمٌ طَوَالَ رِحْلَتِهِ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ تَجَنُّبَ الْعَلَاقَاتِ أَوِ الِالْتِزَامَاتِ، بَلْ تَعْنِي الدُّخُولَ فِيهَا بِوَعْيٍ كَامِلٍ، وَبِقُدْرَةٍ عَلَى الِاخْتِيَارِ الْحُرِّ، بَعِيدًا عَنِ الْخَوْفِ أَوِ الضَّغْطِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
فِي تِلْكَ الزِّيَارَةِ نَفْسِهَا، حَكَتْ مُنَى لِكَرِيمٍ عَنْ رَدِّ فِعْلِ عَائِلَتِهَا حِينَ عَلِمُوا بِعَلَاقَتِهَا الْجَدِيدَةِ بِسَلِيمٍ.
“بِصَرَاحَةٍ، تَوَقَّعْتُ رَفْضًا كَامِلًا كَمَا حَدَثَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. لَكِنِّي فُوجِئْتُ: أُخْتِي الْكُبْرَى، الَّتِي كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ قَاطَعَنِي بَعْدَ الطَّلَاقِ، اتَّصَلَتْ بِي وَقَالَتْ إِنَّهَا سَعِيدَةٌ مِنْ أَجْلِي، وَإِنَّهَا آسِفَةٌ عَلَى كُلِّ السِّنِينَ الَّتِي ابْتَعَدَتْ فِيهَا عَنِّي.”
“وَمَا تَفْسِيرُكِ لِهَذَا التَّغَيُّرِ فِي مَوْقِفِهَا؟”
“بِصَرَاحَةٍ، أَعْتَقِدُ أَنَّ الزَّمَنَ، وَرُؤْيَتَهُمْ أَنِّي بَنَيْتُ حَيَاةً نَاجِحَةً بِوَرْشَتِي، غَيَّرَ نَظْرَتَهُمْ قَلِيلًا. صَارُوا يَرَوْنَنِي امْرَأَةً قَوِيَّةً بَنَتْ حَيَاتَهَا مِنْ جَدِيدٍ، لَا مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ مُطَلَّقَةٍ مَحْكُومٍ عَلَيْهَا اجْتِمَاعِيًّا.”
“وَأَهْلُكِ؟ وَالِدَاكِ؟”
تَنَهَّدَتْ مُنَى بِحُزْنٍ خَفِيفٍ: “أَبِي تُوُفِّيَ مُنْذُ سِنِينَ قَلِيلَةٍ، لِلْأَسَفِ، قَبْلَ أَنْ يَرَى هَذَا التَّحَوُّلَ. أُمِّي، لَا تَزَالُ مُتَحَفِّظَةً قَلِيلًا، لَكِنَّهَا بَدَأَتْ تَسْأَلُ عَنْ سَلِيمٍ بِفُضُولٍ، لَا بِرَفْضٍ قَاطِعٍ كَمَا مِنْ قَبْلُ. رُبَّمَا، مَعَ الْوَقْتِ، تَتَقَبَّلُ الْفِكْرَةَ أَكْثَرَ.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى مُنَى بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ: “مُنَى، بِصَرَاحَةٍ، أَنْتِ مِثَالٌ حَيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ عَلَى الْقَرَارِ الصَّحِيحِ، حَتَّى لَوْ كَلَّفَ ثَمَنًا كَبِيرًا فِي الْبِدَايَةِ، يُمْكِنُ أَنْ يُغَيِّرَ حَتَّى أَشَدَّ الْمَوَاقِفِ تَصَلُّبًا مَعَ الْوَقْتِ.”
“وَأَنْتَ يَا كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، سَاعَدْتَنِي كَثِيرًا لِأَفْهَمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَامِلًا أَوْ فَوْرِيًّا. قَدْ يَسْتَغْرِقُ سِنِينَ، لَكِنَّ الْمُهِمَّ أَنْ نَبْقَى ثَابِتِينَ عَلَى قَنَاعَتِنَا الْحَقِيقِيَّةِ بِذَاتِنَا.”
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، أَرَتْهُ مُنَى لَوْحَةً جَدِيدَةً كَانَتْ قَدْ بَدَأَتِ الْعَمَلَ عَلَيْهَا: امْرَأَتَانِ تَجْلِسَانِ مَعًا عِنْدَ النَّافِذَةِ نَفْسِهَا الَّتِي رَسَمَتْهَا فِي اللَّوْحَةِ الْأُولَى، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِضَوْءٍ أَكْثَرَ دِفْئًا، وَوَجْهَيْنِ يَحْمِلَانِ ابْتِسَامًا هَادِئًا بَدَلَ الْحُزْنِ الصَّامِتِ.
“هَذِهِ اللَّوْحَةُ الْجَدِيدَةُ، سَمَّيْتُهَا ‘الْمُصَالَحَةُ’. تُمَثِّلُنِي أَنَا وَأُخْتِي، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينِ مِنَ الْبُعْدِ.”
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ بِهَذَا الْعَمَلِ الْفَنِّيِّ الصَّادِقِ: “مُنَى، جَمِيلَةٌ جِدًّا. تُلَخِّصُ رِحْلَتَكِ كُلَّهَا فِي لَوْحَةٍ وَاحِدَةٍ.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ رَأَيْتُ مُنَى، الَّتِي دَفَعَتْ ثَمَنًا بَاهِظًا مِنْ أَجْلِ حُرِّيَّتِهَا الْأُولَى، تَفْتَحُ الْآنَ بَابًا جَدِيدًا لِعَلَاقَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الِاحْتِرَامِ وَالِاخْتِيَارِ الْوَاعِي، لَا عَلَى الْخَوْفِ أَوِ الضَّغْطِ الِاجْتِمَاعِيِّ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ كَسْرَ حَلْقَةِ الْأَلَمِ الْمَاضِي لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ إِغْلَاقَ الْقَلْبِ أَمَامَ إِمْكَانِيَّاتِ الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَعْنِي فَتْحَهُ بِحَذَرٍ وَحِكْمَةٍ، مُسْتَفِيدِينَ مِنْ دُرُوسِ الْمَاضِي دُونَ أَنْ نَسْمَحَ لَهَا بِأَنْ تَحْكُمَ عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ مُسْبَقًا.”


الفصل الخامس والعشرون
بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ فَتْرَةِ التَّعَارُفِ الَّتِي طَلَبَهَا عَلِيٌّ وَسَنَاءُ مِنْ عَائِلَتَيْهِمَا، وَبَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ الِاثْنَانِ مِنْ رَغْبَتِهِمَا الْحَقِيقِيَّةِ فِي الزَّوَاجِ، لَا مِنْ مُجَرَّدِ الِاسْتِسْلَامِ لِتَرْتِيبٍ عَائِلِيٍّ، جَاءَ يَوْمُ عُرْسِهِمَا، وَقَرَّرَ كَرِيمٌ أَنْ يُسَافِرَ خِصِّيصًا مِنْ مِيُونِخَ لِحُضُورِهِ، مُصْطَحِبًا مَعَهُ لِينَا، الَّتِي الْتَقَتْ أَخِيرًا بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ بِكَثِيرٍ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي سَمِعَتْ عَنْهَا طَوَالَ أَشْهُرٍ مِنْ حِكَايَاتِ كَرِيمٍ.
كَانَ الْعُرْسُ مُنَاسَبَةً كَبِيرَةً جَمَعَتْ كُلَّ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي عَرَفْنَاهَا طَوَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ: طَارِقٌ وَمَنَالُ، اللَّذَانِ أَصْبَحَا الْآنَ أَكْثَرَ انْفِتَاحًا وَصِدْقًا مَعَ بَعْضِهِمَا؛ رِيمَا وَكَمَالٌ، اللَّذَانِ اسْتَمَرَّا فِي بِنَاءِ تَوَازُنِهِمَا الْجَدِيدِ بِصَبْرٍ؛ فُؤَادٌ وَزَوْجَتُهُ، اللَّذَانِ مَا زَالَا يَتَعَلَّمَانِ كَيْفِيَّةَ التَّعَايُشِ مَعَ سَامِرٍ؛ مُنَى وَسَلِيمٌ، اللَّذَانِ حَضَرَا مَعًا، فِي أَوَّلِ ظُهُورٍ عَلَنِيٍّ لِعَلَاقَتِهِمَا الْوَلِيدَةِ؛ وَحَتَّى الشَّيْخُ رَاتِبٌ، الَّذِي دُعِيَ لِإِلْقَاءِ كَلِمَةٍ دِينِيَّةٍ قَصِيرَةٍ فِي حَفْلِ كَتْبِ الْكِتَابِ.
وَقَفَ عَلِيٌّ، أَنِيقًا بِثَوْبِ الْعُرْسِ، بِجَانِبِ سَنَاءَ، وَكِلَاهُمَا يَحْمِلُ ابْتِسَامَةً وَاثِقَةً، مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنِ التَّوَتُّرِ الَّذِي وَصَفَهُ عَلِيٌّ لِكَرِيمٍ فِي لِقَائِهِمَا الْأَوَّلِ فِي الْمَقْهَى.
اقْتَرَبَ كَرِيمٌ مِنْ صَدِيقِهِ، وَعَانَقَهُ بِحَرَارَةٍ: “عَلِيُّ، أَلْفُ مَبْرُوكٍ! يَبْدُو عَلَيْكَ سَعَادَةٌ كَبِيرَةٌ.”
“شُكْرًا كَرِيمُ. وَبِصَرَاحَةٍ، هَذِهِ السَّعَادَةُ، أَشْعُرُ أَنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ، لَا مُتَصَنَّعَةٌ. تَعَرَّفْتُ عَلَى سَنَاءَ أَكْثَرَ خِلَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ السِّتَّةِ، وَاكْتَشَفْتُ أَنِّي فِعْلًا أُحِبُّهَا، لَا أَنِّي مُجَرَّدُ مُوَافِقٍ عَلَيْهَا.”
اقْتَرَبَتْ سَنَاءُ، وَابْتَسَمَتْ لِكَرِيمٍ بِامْتِنَانٍ: “كَرِيمُ، عَلِيٌّ حَدَّثَنِي كَثِيرًا عَنْكَ، وَعَنْ دَوْرِكَ فِي مُسَاعَدَتِهِ عَلَى أَنْ يُوَاجِهَ نَفْسَهُ بِصِدْقٍ. شُكْرًا لَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِي.”
“سَنَاءُ، الْفَضْلُ كُلُّهُ لَكُمَا أَنْتُمَا الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّكُمَا كُنْتُمَا شُجَاعَيْنِ بِمَا يَكْفِي لِتَأْخُذَا وَقْتَكُمَا وَتَتَعَرَّفَا عَلَى بَعْضِكُمَا بِصِدْقٍ، بَدَلَ أَنْ تَسْتَسْلِمَا لِلضَّغْطِ الِاجْتِمَاعِيِّ.”
خِلَالَ الْحَفْلِ، جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ طَارِقٍ وَمَنَالَ، اللَّذَيْنِ حَدَّثَاهُ بِحَمَاسَةٍ عَنْ تَطَوُّرَاتِ مَشْرُوعِ مَنَالَ فِي بَيْعِ الْحَلَوِيَّاتِ الْمَنْزِلِيَّةِ، الَّذِي بَدَأَ يُحَقِّقُ نَجَاحًا مُتَزَايِدًا فِي السُّوقِ الْمَحَلِّيَّةِ.
“طَارِقُ، أَتَرَى كَيْفَ صَارَتِ الْحَيَاةُ أَجْمَلَ؟” قَالَ كَرِيمٌ مُبْتَسِمًا.
“صَحِيحٌ يَا كَرِيمُ. وَكُلُّ هَذَا بَدَأَ مِنْ مُحَادَثَةٍ وَاحِدَةٍ صَرِيحَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنَالَ، شَجَّعْتَنِي عَلَيْهَا أَنْتَ.”
اقْتَرَبَتْ رِيمَا مَعَ كَمَالٍ، اللَّذَانِ بَدَوَا أَكْثَرَ انْسِجَامًا مِمَّا كَانَا عَلَيْهِ فِي زِيَارَةِ كَرِيمٍ الْأَخِيرَةِ لَهُمَا: “كَرِيمُ، وَرْشَةُ الْخِيَاطَةِ تَنْجَحُ كَثِيرًا، وَصَارَ كَمَالٌ يُسَاعِدُنِي فِعْلِيًّا، لَا يَتَقَبَّلُ الْفِكْرَةَ فَقَطْ.”
ابْتَسَمَ كَمَالٌ بِصِدْقٍ: “بِصَرَاحَةٍ، كَرِيمُ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ دَعْمَ زَوْجَتِي فِي أَحْلَامِهَا لَا يُنْقِصُ مِنْ رُجُولَتِي، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، يُقَوِّي عَلَاقَتَنَا أَكْثَرَ.”
اقْتَرَبَ فُؤَادٌ بِدَوْرِهِ، مَعَ زَوْجَتِهِ الَّتِي بَدَتْ أَكْثَرَ هُدُوءًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ لِقَاءٍ لِكَرِيمٍ بِهَا: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، الْوَضْعُ مَعَ سَامِرٍ لَا يَزَالُ مُعَقَّدًا، لَكِنَّهُ تَحَسَّنَ كَثِيرًا. صَارَ يَشْعُرُ أَنَّ بَيْتَنَا مَكَانٌ آمِنٌ لَهُ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ نَصِلْ إِلَى فَهْمٍ كَامِلٍ بَعْدُ.”
نَظَرَتْ زَوْجَةُ فُؤَادٍ إِلَى كَرِيمٍ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَشَاعِرَ مُتَضَارِبَةٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، لَا أَزَالُ فِي صِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ كَبِيرٍ، بَيْنَ قَنَاعَاتِي الدِّينِيَّةِ وَمَحَبَّتِي لِابْنِي. لَكِنِّي أُحَاوِلُ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، أَنْ أَجِدَ طَرِيقَةً أَحْمِلُ فِيهَا الِاثْنَيْنِ مَعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ أَخْسَرَ ابْنِي.”
كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ، رَغْمَ عَدَمِ اكْتِمَالِ الْحَلِّ الَّذِي تَصِفُهُ، دَلِيلًا عَلَى تَقَدُّمٍ حَقِيقِيٍّ، وَلَوْ بَطِيءٍ وَمُؤْلِمٍ، فِي مَسِيرَةِ عَائِلَةِ فُؤَادٍ نَحْوَ نَوْعٍ مِنَ السَّلَامِ الدَّاخِلِيِّ.
فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْحَفْلِ، وَجَدَ كَرِيمٌ جَدَّتَهُ زَهْرَةَ جَالِسَةً، تَرْتَدِي أَجْمَلَ ثِيَابِهَا، تُرَاقِبُ الْحَفْلَ بِابْتِسَامَةٍ حَالِمَةٍ. جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَسَأَلَهَا: “جَدَّتِي، أَأَنْتِ مَسْرُورَةٌ؟”
“كَثِيرًا يَا حَبِيبِي. بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنِّي أَرَى نَتِيجَةً حَقِيقِيَّةً لِكُلِّ الصِّدْقِ الَّذِي زُرِعَ فِي عَائِلَتِنَا هَذِهِ السَّنَةَ. وَهَذَا يُذَكِّرُنِي، بِطَرِيقَةٍ مَا، بِحُبِّي الْقَدِيمِ لِتَوْفِيقٍ. رُبَّمَا لَوْ كَانَ فِي زَمَنِهِ أَحَدٌ شُجَاعٌ مِثْلَكَ، لَكَانَ قَدَرِي مُخْتَلِفًا.”
“جَدَّتِي، لَكِنَّكِ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، بَنَيْتِ حَيَاةً جَمِيلَةً، وَرَبَّيْتِ عَائِلَةً كَبِيرَةً تُحِبُّكِ كَثِيرًا.”
“صَحِيحٌ يَا كَرِيمُ، وَأَنَا مُمْتَنَّةٌ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ. لَكِنِّي أَفْرَحُ أَكْثَرَ لِأَنِّي عِشْتُ لِأَرَى جِيلًا جَدِيدًا، مِثْلَكَ وَمِثْلَ زِيَادٍ وَرِيمَا، يَجْرُؤُ عَلَى طَرْحِ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي لَمْ أَقْدِرْ أَنَا عَلَى طَرْحِهَا فِي زَمَنِي.”
جَاءَ غَسَّانُ وَسَلْمَى، اللَّذَانِ سَافَرَا أَيْضًا لِحُضُورِ الْعُرْسِ، وَجَلَسَا بِجَانِبِ زَهْرَةَ، بَيْنَمَا رَاقَبَ الْجَمِيعُ مَعًا حَفْلَ الرَّقْصِ الْمُسْتَمِرَّ.
“أَبِي، أُمِّي، أَمَسْرُورَانِ بِالْعُرْسِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى: “كَثِيرًا يَا كَرِيمُ. وَبِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ هَذَا الْفَرَحِ مِنْ حَوْلِنَا، جُزْءٌ مِنْهُ بِسَبَبِكَ أَنْتَ، وَبِسَبَبِ شَجَاعَتِكَ إِذْ عُدْتَ وَفَتَحْتَ كُلَّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ.”
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا أَيْضًا أَشْعُرُ هَكَذَا. وَمُمْتَنٌّ كَثِيرًا لِأَنَّكَ، بِعَوْدَتِكَ، جَعَلْتَنَا جَمِيعًا نَكْتَشِفُ نُسْخَةً أَصْدَقَ وَأَجْمَلَ مِنْ أَنْفُسِنَا.”
فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنَ الْحَفْلِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْمُوسِيقَى تُعْزَفُ وَالضُّيُوفُ يَرْقُصُونَ بِفَرَحٍ، جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ لِينَا فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ، يُرَاقِبَانِ الْمَشْهَدَ بِأَكْمَلِهِ.
“لِينَا، مَا رَأْيُكِ بِكُلِّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ؟ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَاشَ قِصَّتَهُ الْخَاصَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ.”
ابْتَسَمَتْ لِينَا بِتَأَثُّرٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنِّي أَعْرِفُهُمْ جَمِيعًا بِالْفِعْلِ، مِنْ كَثْرَةِ مَا حَدَّثْتَنِي عَنْهُمْ. رُؤْيَتُهُمُ الْآنَ، يَعِيشُونَ حَيَاتَهُمْ بِصِدْقٍ وَشَجَاعَةٍ، أَمْرٌ مُؤَثِّرٌ حَقًّا.”
“وَبِصَرَاحَةٍ، لِينَا، كُلُّ هَذَا التَّغْيِيرِ الَّذِي حَدَثَ، لَمْ يَكُنْ فَقَطْ بِفَضْلِي. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَاهَمَ بِشَجَاعَتِهِ الْخَاصَّةِ، وَأَنَا كُنْتُ فَقَطِ الشَّرَارَةَ الْأُولَى، أَوْ رُبَّمَا كُنْتُ فَقَطِ الشَّخْصَ الَّذِي طَرَحَ الْأَسْئِلَةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْوَقْتِ الصَّحِيحِ.”
“رُبَّمَا، كَرِيمُ، لَكِنْ أَحْيَانًا كُلُّ مَا يَحْتَاجُهُ التَّغْيِيرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ شُجَاعٌ بِمَا يَكْفِي لِيَطْرَحَ السُّؤَالَ الْأَوَّلَ. أَنْتَ كُنْتَ ذَلِكَ الشَّخْصَ لِعَائِلَتِكَ وَمُجْتَمَعِكَ بِأَكْمَلِهِ.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى الْحَفْلِ مِنْ حَوْلِهِ، إِلَى كُلِّ الْوُجُوهِ الْمُبْتَسِمَةِ، إِلَى كُلِّ الْقِصَصِ الَّتِي تَشَابَكَتْ وَتَقَاطَعَتْ خِلَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِكُلِّ لَحْظَةٍ صَعْبَةٍ عَاشَهَا، لِأَنَّهَا، مُجْتَمِعَةً، أَدَّتْ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ مِنَ الْفَرَحِ الْمُشْتَرَكِ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ أَنْ عَادَ مِنَ الْعُرْسِ:
“الْيَوْمَ شَهِدْتُ ثَمَرَةً حَقِيقِيَّةً لِكُلِّ الصِّدْقِ الَّذِي زَرَعْنَاهُ، أَنَا وَكُلُّ مَنْ حَوْلِي، خِلَالَ هَذَا الْعَامِ الْمَاضِي. عَلِيٌّ وَسَنَاءُ، طَارِقٌ وَمَنَالُ، رِيمَا وَكَمَالٌ، حَتَّى فُؤَادٌ وَزَوْجَتُهُ رَغْمَ صِرَاعِهِمَا الْمُسْتَمِرِّ مَعَ قَضِيَّةِ سَامِرٍ، جَمِيعُهُمْ يُمَثِّلُونَ نِقَاطًا مُخْتَلِفَةً عَلَى طَرِيقٍ طَوِيلٍ نَحْوَ الصِّدْقِ وَالِاخْتِيَارِ الْوَاعِي. تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الْحَقِيقِيَّ، حِينَ يَبْدَأُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، بِشَجَاعَةِ فَرْدٍ وَاحِدٍ، قَادِرٌ أَنْ يَنْتَشِرَ كَالنُّورِ، يُضِيءُ زَوَايَا لَمْ نَكُنْ نَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّهَا سَتَتَأَثَّرُ بِهَذَا الشَّكْلِ الْعَمِيقِ وَالْمُتَشَابِكِ.”


الِابْنُ الْغَرِيبُ 06